موسوعة بطل العلقمي

اسم الکتاب : موسوعة بطل العلقمي

المؤلف : أليف سماحة آية الله المحقق الكبير الشيخ عبد الواحد المظفر قدس سره
المطبعة : مؤسسة الشيخ المظفر الثقافية العراق النجف الاشرف مؤسسة الاعلمي للمطبوعات بيروت لبنان

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 introduction

مقدمة المؤلف

بسم الله الرحمن الرحيم

والصلاة والسلام على محمد وآله الغر الميامين

                إن الذات القائمة بصفاتها، الرائقة شمائلها ومزايا ذات العباس الأكبر ابن أمير المؤمنين علي بن أبي طالب «عليهما السلام».

                ليعيا البليغ الحاذق عن تحديد أخلاقها وصفاتها؛ لأن الصفات التي ضمنها هيكله القدسي واحتوى عليها قالبه المصفى عن عامة النقائص لأنها قد اقتطعت من هيكل العصمة الأقدس، وقالب الإمامة الأزهر الذي صفاه الله في قالب الأنوار القدسية وبوتقة الأسرار العلوية، والغصن لا شك يستمد من الدوحة، والفرع يتفيئ بظل الجرثومة.

                فعلي وصي الرسول الأعظم وسيد أوصياء الأنبياء أدهش العقلاء في صفاته ومزاياه، وحير الباب المفكرين في حالاته فتهات فيه طوائف، وضلت عنه آخرون، وأعتدل فيه فريق بين الإفراط والتفريط وهما النصب والمغالات؛ فالمعتدلون المقتصدون في نعت حقيقته وتوصيف ذاته وتحديد شخصيته بما لها من مزايا الكمالات ليقفون موقف القصور والعجز، فلذا يقول فيلسوف الفقهاء فيه:

ماذا أقول بمن حطت له قدم              في موضع وضع الرحمن يمناه

إن قلت ذا بشر فالعقل بمنعي            وأختشي الله من قولي هو الله

                ويقول فقيه الفلاسفة فيه:

تحير بمعناك عشر العقول                    ولولا ابن عمك كنت الرسول

ولولاك لا زوج يغشى البتول            ولولا الغلو لكنت أقول

جميع صفات المهيمن لك

                وأبو الفضل العباس الأكبر وراث تلك الشمائل العلوية، وحائز جل تلك الصفات الحيدرية؛ فالبطولة والفصاحة والعلم والسخاء والنجدة والمهابة والصلاح والتقوى والزهد والبصيرة وقوة الإيمان والجمال والصحابة والقوة والذكاء وما سيمر عليك من نعوت فائقة لخلقه وخلقته.

(5)

                فلذلك أفردنا مجلداً خصصناه للبحث عن تلك المزيا اللامعة والصفات الرائعة بحثاً دقيقاً وتقدم أما كل موضوع منه ما للعرب من الأخلاق الجميلة فإن العرب هم أهل المكارم دون سائر الشعوب خصيصة أختصهم الله بها من بين الأمم فإن الحمية والغيرة والمروة والسخاء والحياء والانفة وأمثال ذلك لا تجدها إلا في العرب وقد صرح بذلك الخفاجي في (سر الفصاحة) وجميل مدور في (حضارة الإسلام في دار السلام) فإذا قست أخلاق العرب الحميدة إلى أخلاق أبي الفضل العباس ظهرت لك فضيلة بطل العلقمي على من سواه من عرب الجاهلية والإسلام.

                وعرفت أيضاً ما لهذه المزايا عند العرب من المكانة المكينة والمحل السامي إذ الأخلاق كلها سواء كانت من الغرايز أو المواهب أو من المكتسبات بالمساعي هي نوعان: نوع يعد من الفضائل عند جميع البشر كالعلم والشجاعة والذكاء وامثالها، نوع يعد من فضيلة عند جميع البشر كالعلم والشجاعة والذكاء وأمثالها، ونوع هو فضيلة عند العرب خاصة وقد زهد فيه عامة الشعوب كالجود والإباء والحياء والغيرة على الحريم وما شالكها.

                والعرب وإن كانو فطريين في العصر الجاهلي ولكنهم مدنيون في العصر الإسلامي وقد أدركوا بالغريزة الفطرية الأولى في دور الهمدية وبالتعليم الإسلامي ماهو نبيل من الأخلاق عند العقل السليم وعوفوا ما هو شريف في نفسه بالإدراك الجبلي والشعور الفطري وقد ضربوا الأمثال بأفذاذ من رجالهم شهروا ببعض هذه الخصال فجعلوا (حاتماً) الطائي مثلاً للسخاء، و(ملاعب الاسنة) العامري مثلاً للفروسين، و(الأحنف) التميم مثلاً للعفو مما سيمر عليك من أمثالهم فما ظنك بمن جمع هذه المزيا كلها واحتوى على التراث العربي أجمع، فكيف لا تجعله مثلاً للكمالات إذا الفرد الواحد كان مثلاً للخصلة الواحدة.

                للمؤلف:

لقد جمع العباس كل فضيلة تزان بها عرب المقاول والعجم

وآل علي المرتضى خيرو الورى          لهم حكمة التبليغ للحق والحكم

سما بمعاليه أبو الفضل واعتلا           ألا كل من يحوي صفات العلي يسمو

له الجود والإقدام والحلم والتقى      وقد زانه الإيمان والحكم والعلم

                قد كنا خصصنا الجزء الأول لنسب العباس «عليه السلام» ولما طال الكتاب

(6)

أخرنا تراجم إخوته غير الحسن والحسين «عليهما السلام» إلى الجزء الثالث(1) ونحن نذكر الكنى والألقاب والشمائل تفصيلاً راجين من الله تعالى المعونة والتوفيق، آمين.

                                                                                                                                                                المؤلف                                                                                                                                                                                    عبد الواحد ابن الشيخ أحمد آل المظفر النجفي

(1) نقلنا إخوة العباس الأكبر «عليه السلام» إلى آخر الجزء الأول من هذا الكتاب – كما عرفت – حيث موضع تسلسلهم من البحث – الناشر-.

(7)

(8)

ولادة العباس الأكبر

«عليه السلام»

ومقدار سنه

                أختلف المؤرخون في مقدار سنه:

                قال السيد الداودي في عمدة الطالب: قتل العباس «عليه السلام» وله 34 سنة، إنتهى. هذا القول هو المشهور وهو الأصوب إن شاء الله فتكون ولادته «عليه السلام» سنة 26من الهجرة فيكون سنة عند وفات أبيه أمير المؤمنين «عليه السلام» دون البلوغ؛ لأن البلوغ الشرعي عند الشيعة خمسة عشر عاماً وعند أهل السنة سبعة عشر أو ثمانية عشر، ولأجل هذا قال ابن الأثير المؤرخ الشافعي في أسد الغابة في مقتل أمير المؤمنين «عليه السلام» في ذكر ما صنعه الحسن والحسين «عليهما السلام» بعدو الله ابن ملجم حيث أحرقوه بالنار وهذا نصه(1): فأحرقوه بالنار والعباس بن علي «عليهما السلام» يومئذ صغير فلم يستأن به بلوغه، إنتهى.

                ومثله نقل سبط ابن الجوزي الحنفي في التذكرة(2) عن ابن سعد في كتاب الطبقات، وبعارض هذا القول قول من قال إن العباس «عليه السلام» روى عن أبيه وإنه شهد صفين محارباً كما نص عليه الخوارزمي في المناقب والقائني في الكبريت الاحمر، وسيجيء ذكر ذلك، وقول الطبري أن أم البنين والدة العباس «عليه السلام» أول من تزوجها أمير المؤمنين بعد وفاة الزهراء «عليها السلام» كما أنه أكبر أولاد أم البنين، وعليه فيكون والده محمد بن الحنفية.

                والجواب عن هذه الأمور كلها سهل: أما تحمل الرواية فإن ذكاء العلوي وفطنته قد أهله للحفظ والضبط وألإتقان فيتحمل الرواية وإن كان دون البلوغ، وكذلك أمر الحرب فإن المراهق منهم يكافئ البالغين ويتفوق عليهم، وإن أمير المؤمنين يحضر المراهقين من أولاده الحرب وربما حارب المراهق كما ثبت أن محمد بن سعيد بن قيس الهمداني شهد صفين مراهقاً مع أبيه وقاتل يوم الماء وقتل رجالاً واستنقذ بعض أصحابهم وملأ قربة ولما سمع أبوه عنفه ومعه بعد ذلك أن

(1) الكامل في التاريخ 4/ 35.

(2) تذكرة الخواص: ص103.

(9)

يشهد حرباً(1) والعباس الأكبر أشجع من محمد بن سعيد بلا كلام.

                وأما الولادة فيجوز أن تتأخر ولا ملازمة بين تزويج المرأة وولادتها فإن البكر كثيراً ما يتأخر حملها فتحصل أن المعتمد عندي ما قاله صاحب العمدة(2).

                وأما اليوم الذي ولد فيه فلم أجد فيه نصاً وإنما ينقل الفاضل المعاصر الشيخ جعفر النقدي في كتابه (زينب الكبرى) عن الفاضل المعاصر الشيخ محمد علي الأردبادي انه رأى في كتاب فارسي يسمى (أنيس الشيعة) لمؤلفه السيد محمد عبد الحسين ابن السيد محمد عبد الهادي الهندي من معاصري الشاه فتح علي وأهدى له الكتاب سنة 1344هـ يذكر أن ولادة العباس الأكبر «عليه السلام» في يوم الجمعة رابع شهر شعبان سنة 26 إلخ(3)، وهذا القول إن لم يكن من الخلط بولادة الحسين «عليه السلام» في الثالث من شعبان نهار الجمعة وإن ناقله الأصلي أي الهندي أخذه عن مصدر وثيق فذاك وإلا فالتوقف عندي له وجع لأن معاصر الشاه فتح علي من المتأخرين وهذه الأمور إنما نقلد فيها القدماء ونحفظ لفضيلة الاستاذ الاسترابادي فضيلة الارشاد إلى المصدر وإن كان متأخراً.

نشأة العباس الأكبر وتربيته:

                لا شك إنه «عليه السلام» تربى في أحضان الإمامة ونشأ في حجور العصمة، وشب مرتضعاً در البنوة وشارباً لبان الوحي الإلهي، ونشأ في مدينة النبي طيبة مدينة الوحي عاصمة النبوة لا خلاف في ذلك، إنما هاجر مع أبيه «عليه السلام» إلى العراق مدة خلافته ثم رجع مع أخويه الإمامين «عليهما السلام» وأقام في خدمتها حتى خرج مع أخيه الحسين «عليه السلام» إلى العراق فاستشهد بكربلاء

صفات العباس النفسية وهي الأخلاق:

                فالعباس الأكبر بن أمير المؤمنين «عليهما السلام» جامعة الفضائل وكلية الكمالات بما أن نفسه الهاشمية منطبعة بمكارم الأخلاق والشيم بحسب فطرتها وأصل خلقتها ولا يشركهم – يعني بني هاشم- في هذه الفضيلة أحد من الناس وقد أوضح لنا هذه الحقيقة سيدنا وإمامنا السجاد زين العابدين بن الحسين «عليهما السلام» بقوله بخطبته المشهورة في مجلس اللعين يزيد بن معاوية: «أيها الناس! أعطينا ستاً وفضلنا بسبع... إلخ»، والدلالة عليه أيضاً وجدانية وشاهدها معها إذا

(1) راجع كتاب وقعة صفين لنصر بن مزاحم.

(2) أي أنه عليه السلام ولد سنة 26 من الهجرة – الناشر -.

(3) زينب الكبرى: ص29.

(10)

لا يوجد في الهاشميين بخيل ولا جبان ولا عي وإن وجد فالعلة من جهة الأمهات، وقد قال معاوية بن أبي سفيان الخصم الألد لبني هاشم (إذا لم يكن الهاشمي جواداً لم يشبه أصله) وقد قال أمير المؤمنين علي بن أبي طالب «عليه السلام»: (نحن أفصح وأسمح وأحمى لما وراء ظهورنا من بني أمية).

                فالعباس الشهيد «عليه السلام» من لباب بني هشام وصميم عبد مناف وقد زاده فضلاً على فضله صحبته لأهل الفضائل وخدمته لسادات أرباب المكارم، فقد قضى حياته وأفنى عمره في صحبة أكرم الخلق بعد النبي (ص) شمائلاً وشيما، وأفضلهم أخلاقا ومزايا، وأكملهم طباعاً وسجايا، وتزداد المرآة بالجلاء صفاء، والسيف بالصقالة رونقاً؛ فأمير المؤمنين وهو والده الأكرم وأبوه سيد أرباب الفضائل، والحسن والحسين «عليهما السلام» أخواه خير الإخوة وأفضل الأشقاء، وقد شهد لهما رسول الله (ص) في تشبههما به وهو (ص) على خلق عظيم فأكتسب العباس بصحبتهم زيادة على ما في جبلته وفطرته من سجايا الخير وشيم الصلاح ما امتاز به على عامة أرباب الأخلاق الحميدة والصفات الكريمة.

وفي العباس من كرم السجايا             كثير ليس يحصر في مقال

وفاء نجدة زهد وعلم                          وإيثار وصدق في المقال

عفاف ظاهر حلم وجود                     وبأس صادق عند النزال

                لقد كان من عطف المولى سبحانه وتعالى على وليه المقدس سلالة الخلافة الكبرى سيد الأوسياء أن ججمع فيه صفات الجلالة من باس وشجاعة وإباء ونجدة وخلال الجمال من سؤدد وكرم ودماثة في الخلق وعطف على الضعيف كل ذلك مع البهجة في المنظر ووضاءة في المحيا من ثغر باسم ووجه طلق تتموج عليه أمواه الحسن ويطفح عليه رواء الجمال، وعلى أسرة جبهته أنوار الإيمان كما كانت تعبق من اعرافه فوائح المجد متأرجة من طيب العنصر، ولما تطابق فيه الجمالان الصوري والمعنوي قيل له (قمر بني هاشم) حيث كان يشوء بجماله كل جميل، ويبذ بطلاوة منظره كل أحد حتى كأنه الفذ في عالم البهاء، والوحيد في دنياه كالقمر الفائق بنوره أشعة النجوم، وهذه هو حديث الروات: «كان العباس وسيما جميلا يركب الفرس المطهم ورجلاه يخطان في الأرض ويقال له قمر بني هاشم».

(11)

كنى العباس بن علي «عليهما السلام»

                للعباس أربع كنى أثنتان عرف بهما قديماً وأثنتان عرف بهما حديثاً عرفته بهما العوام؛ فالقديمتان هما أبو القاسم وأبو الفضل كني بابنيه القاسم والفضل، وهذه الأخيرة هي المشهورة حتى لا يكاد يعرف غيرهما، فقيل: إنه كني بولده الفضل، وقيل: إن كل من تسمى بعباس من بني هاشم كني بـ(أبي الفضل) كالعباس بن عبد المطلب، والعباس بن ربيعة بن الحارث بن عبد المطلب وغيرهما، وهذا القول مقبول لكني أرى أن هذه الكنية له «عليه السلام» قد أشتقت من فضائله فإنه عليه السلام«عليه السلام» قد توسم فيه سمات الفضل منذ الصغر وزمن الطفولية فلقبوه به، وإليه يشير بعض من رثاه بقوله:

أبا الفضل يامن أسس الفضل والأبا                                أبي الفضل إلا أن تكون له أبا

                فالمتوسمون لما توسموا في جبينه المشرق سمات الفضل، وظهرت لهم في ملامحه الفضائل على حد ما قيل:

إن الهلال إذا رأيت نموه                     أيقنت أن سيصير بدراً كاملا

                فكنوه أبا الفضل عند ظهور تلك الإمارات والدلائل، وقد قيل:

قلم العلا قد خط فوق جبينه              أاثر النجابة ساطع البرهان

دلنا على ذلك ما رواه ابن الحاج المالكي في كتاب المدخل(1) عن أبي داود في سننه عن شريح بن هاني عن أبيه أنه لما وفد على النبي(ص) في قومه سمعهم يكنون بـ(أبي الحكم) فدعاه رسول الله (ص) فقال: إن الله هو الحكم وإليه الحكم فلم تكنى أبا الحكم؟ فقال: إن قومي إذا اختلفو في شيء أتوني فحكمت بينهم فرضي كلا الفريقيين بحكمي، فقال له رسول الله (ص): ما أحسن هذا، ألخ؛ فالعباس «عليه السلام» أبو الفضل والفضائل.

أما الكنيتان العاميتان:

فأبو فاضل وابن البدوية؛ فابو فاضل هو أب والفضل سواء، وأبن البدوية نظراً إلى أن أم العباس «عليه السلام» كانت من العرب التي تقطن البادية أنفة من ذل الامصار وفرارا من هوان الحضارة الذي تأباه نفوس العرب الأقحاح.

                وأما كنيته عندهم بـ(أبي فرجة) فليس بكنية – كما عرفت – بل هي لقب بصورة

(1) المدخل 1/ 126.

(12)

الكنية حيث لم تكن للعباس بنت تسمى فرجة وإنما لقبوه بهذا لأنه كان كثيراً ما يفرج عنهم الكربات إذا توسلوا به إلى الله تعالى وأقسموا عليه بحقه وهذه عندهم من الأمور القطعية وقد جربناها بأنفسنا.

                للمؤلف:

كم فرج الله عنا كل معضلة                كرامة منه للعباس شبل علي

ورحمة الله خصتنا بفضلهم                 عند الصعاب وعمت فيه كل ولي

(13)

ألقاب العباس الأكبر

«عليه السلام»

ألقاب العباس الأكبر «عليه السلام» (سقاء عطاشى كربلاء)

                واللقب يعرفه النحويون بأنه ما أشعر برفعة المسمى أو ضعته، يعنون أنه أكسبه شهرة في المدح أو الذم، ومثال المشعر بالمدح كجذل الطعان وصياد الفوارس، ومثال المشعر بالذم كالأعشى والأعمش، وهذا في العرب كثير، أما أهل البيت فليس لهم لقب ذم أصلاً إنما ألقابهم للمدح خاصة لأنه لا عيب فيهم في خلق ولا خلق، وقد قال الشاعر:

حبي علياً ولكن وصفه حسن            وفعله المرتضى يحلو به الشغف

فتى من الشرف الأعلا له نسب         وهل لغير علي يحصل الشرف؟

ألقاب أبي الفضل العباس «عليه السلام»:

                نوعان: قديمة ومستحدثة استحدثها العوام واشتقوها من صفاته وفضائله.

                فالألقاب القديمة كثيرة منها ما هو مشهور عند علماء التأريخ والسير ومنها دون ذلك في الشهرة، وتذكر آخر المباحث إن شاء الله.

                فأما المشهورة عند النسابين والمؤرخين فهي (السقاء) أو (ساقي عطاشى كربلاء) ويسمى لذلك (أبا قربة)؛ قاله أبو الفرج في المقاتل، والدياربكري في تاريخ الخميس وغيرها، و(قمر العشيرة) أو قمر بني هاشم، و(بطل العلقمي) أو بطل المسناة، و(حامل اللواء) أو حامل لواء الحسين «عليه السلام»، و(كبش الكتيبة) و(العميد) أو عميد عسكر الحسين «عليه السلام»، و(حامي الظعينة) أو حامي ظعينة كربلاء، وكل هذه الالقاب مشهورة وهو معروف بها، وهي مشتقة من أفعاله الكريمة وصفاته الفائقة.

                وحيث أن لكل واحد من هذه الألقاب أعتبار عظيم عند العرب قدمناها لنذكر مالها من الميزة والاعتبار، فإذا أستوفينا شواهدها واكملنا شرحها تفصيلاً ذكرنا بقية الألقاب التي دونها في الشهرة كالطيار وما شاكله من الألقاب العامية، ونسأل الله التوفيق لما يحب والتسديد لما نقول، والمعونة فيما نملي في فضل أهل بيت نبيه (ص).

(14)

                إعلم أن جميع هذه الألقاب ممدوحة عند الجاهليين والإسلاميين من العرب، بل هي من مفاخرهم والمتصف بها محبوب لديهم أتم المحبة ينظرون إليه بعين التبجيل والاحترام، ويرون مقامه في المفاخر العربية أسمى مقام.

السقاء، أو سقاء عطاشى كربلاء:

                هذا لقب نبيل اختص به أبو الفضل العباس بن علي «عليهما السلام» حتى بلغ من شهرته أنه إذا أطلق أنصرف إلى العباس الأكبر «عليه السلام» وإن شاركه فيه أبوه «عليه السلام» وأسلافه الكرام كما ستعرف ذلك.

                والسقاية هي إرواء العطاشى من البشر في حالتي السلم والحرب، واشرفها سقاية الحرب وهي فضيلة من فضائل الإنسانية وأحد مكارم العرب ومفاخرها العظيمة، وإنها من المآثر الشريفة ولا يفضلها إلا الإسلام وقد قال الله تعالى: (أجعلتم سقاية الحاج وعمارة المسجد الحرام كمن ءامن بالله)(1) الآية الشريفة، فدلت هذه الآية على كونها من أعظم المفاخر والإيمان بالله أفضل منها، وسبب نزولها على ما ذكر علماء الفريقين السنة والشيعة. وهذا نص فخر الدين الطريحي رحمه الله في مجمع البحرين أن سبب نزولها أنه أجتمع علي «عليه السلام» وعمه العباس بن عبد المطلب «رضي الله عنه» وشيبة إبن عثمان العبدري، فقال العباس: أنا أفضل لأن سقاية الحاج بيدي، وقال شيبة: أنا أفضل لأن حجابة البيت بيدي، فقال علي «عليه السلام» أنا أفضل لأني آمنت قبلكما ثم هاجرت إلى رسول الله؛ فنزلت الآية، انتهى. والآية لا تنفي فضيلة السقاية وإنما تثبتها وتثبت أن الإيمان أفضل منها – ولا شك- فإنه أفضل الفضائل ولولاه ما عظم بلاد الحبشي وصهيب الرومي وسلمان الفارسي.

السقاية قسمان:

                سقاية في السلم وسقاية في الحرب.

                والسقاية السلمية نوعان: واجبة وجائزة؛ فالواجبة ما كانت لإحياء النفوس المشرفة على الهلاك من النفوس البشرية المحترمة، والجائزة نوعان: راجحة وهي ما كان القصد فيها إسداء المعروف إلى بني الإنسان بداع التقرب إلى الله تعالى في فعل الخير، ومرجوحة وهي ما كان القصد بها طلب الدنيا من نيل مال أو حصول سمعة. ومن القسم الأول سقاية العباس الأكبر «عليه السلام» لعطاشى كربلاء، وسقاية أبيه

(1) التوبة: 19.

(15)

أمير المؤمنين «عليه السلام» لعطاشى الصحابة يوم بدر كما يأتي تفصيل ذلك، ومن القسم الثاني سقاية أسلاف العباس «عليه السلام» حسبما يظهره ذلك الشرح الآتي.

                ثم إن السقاية بأنواعها لا تقع إلا بفعل الرجل بنفسه مباشرة بيد أو قول؛ أما المباشرة اليدوية فهي أن يستقي بنفسه ويحمل الماء، أو يحمي أصحابه من الأعداء فيستقون، وأما القولية فهي أن يطلب فيعطى، أو يدعو فيجاب، ويفرق بينهما فيقال في اليدوية السقاية، وفي القولية أستسقاء لأنه يدعو ويستمطر فتمطر بدعاءه، أو يدعو فينبع الماء من حجر ومن تحت أخمصه أو خف ناقته كرامة له كما كان ذلك من فحص النبي إسماعيل «عليه السلام» برجله فنبعت زمزم وانبعثت ناقة عبد المطلب ونبع الماء من تحت خفها وجرى من ذلك لنبينا محمد (ص) الكثير، وجميع هذه الانواع من السقاية تختص ببني هاشم دون سائر العرب وقريش، وبعضها تراث أبيهم إسماعيل وجدهم قصي حازوه دون القبائل والبقية خصوصة خصهم الله تعالى بها.

فالسقاية:

                على جهة السماح في بذل الأموال الطائلة على إرواء الظمأ كرماً وجوداً فقصة تسلسلها في بني هاشم معروفة فإنها من مؤسسات قصي بن كلاب ثم ورثها إبنه عبد مناف بن قصي، ثم ابنه هاشم بن عبد مناف، ولما مات هاشم كان ابنه عبد المطلب صغيراً عند أخواله فقام بها عمه المطلب ابن عبد مناف حتى كبر فسلمها إليه وظهرت لعبد المطلب سقاية أعظم منها خصوصية خصه الله بها فأظهر له زمزم، وهذه الكرامة لا يدعيها مدع غير بني هاشم إلى يوم القيامة، ولما توفي عبد المطلب قام بها ابنه أبو طالب وبعده صارت للعباس بن عبد المطلب وزعم بعضهم أن أبا طالب سلمها لأخيه العباس كرامة أكرمه بها ثم ملكها رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يوم فتح مكة، وهنا اختلف المؤرخون فقيل: إن رسول الله (ص) ردها إلى عمه العباس. وهو الصحيح. وقيل: تداولها الخلفاء بعده حتى رجعت إلى بني العباس. في خلافتهم وهذا قول غير سديد لما علم أن رسول الله (ص) أقر كل مأثرة عربية لا تنافي الإسلام في صاحبها وقال: نحن أولى بالوفاء، فأعاد مفتاح الكعبة إلى بني شيبة واعاد السقاية إلى العباس، وكذلك من المعلوم أن رسول الله (ص) لا يدفع مكرمة لبني هاشم لغيرهم.

أما الاستسقاء في الجدب:

                إذا أخلفت السحب وظنت السماء بالمطر وفات الأرض طيب القطر، وهذا نوع شريف ومآثرة كريمة تظهر بها كرامة المستقي وفضيلة الطالب له حيث أن الله

(16)

تعالى يغيث العالم بدعوته ويحي ميت البلاد ببركته وهو قد خص ببني هاشم دون قريش وسائر العرب، فقد استسقت العرب بعبد المطلب وابي طالب في عصر الجاهلية وبرسول الله (ص) في مقامات عديدة في الإسلام ولولا أنها من خصوصيات بني هاشم ما استسقى عمر بن الخطاب وهو الخليفة في وقته بالعباس بن عبد المطلب، واستسقى الصحابة بالحسن والحسين «عليهما السلام»، واستسقاءات مولانا أمير المؤمنين «عليه السلام» معلومة.

والنوع الآخر من السقاية السلمية:

                هو ظهور الماء على طريق المعجزة والكرامة وذاك مما لا يستريب فيه أحد أنه من خصائص بني هاشم؛ فقد نبع الماء من خف ناقة عبد المطلب مرتين، ونبعت عين ماء لرسول الله (ص) شرب منها عمه أبو طالب لما عطش بسوق ذي المجاز، ونبعت العين من تحت الصخرة لأمير المؤمنين «عليه السلام» في مسيره إلى صفين وغير ذلك مما رواه ثقاه العلماء.

أما السقاية الحربية:

                فهي أيضاً من خصائص بني هاشم ومفاخرهم فأصبحت فضيلة لآل عبد المطلب ومكرمة لهم دون الناس أجمعين؛ فقد سقى أمير المؤمنين «عليه السلام» جيش رسول الله (ص) يوم بدر ويوم الحديبية وقد خاف المسلمون من الدنو إلى القليبين، وما ذكره بعض المؤرخين أن رجلاً من أسلم نزل القليب في الحديبية – فلو صح – فلا ينافي كون الساقي أمير المؤمنين «عليه السلام» وهذا هو الممتاح بحمايته له، وسقاهم رسول الله (ص)  في تبوك من وشل نزر ثماد وقد أشرفوا على الهلكة وببركته عاد بحراً لا ينزف مائه كما عاد ماء بئر بضاعة الوشل بحراً لما بصق فيه، وسقى الحسين «عليه السلام» جيش أهل العراق بصفين وقد ملك عليهم معاوية وأهل الشام شريعة الفرات، وسقى أبو الفضل العباس بن أمير المؤمنين «عليهم السلام» جيش الحسين «عليه السلام» وقد ملك عليهم عمر بن سعد شرائع الفرات يوم كربلاء، وما اجملناه هنا يقتضي تفصيلاً وإيراد الشواهد التاريخية.

سقاية الحاج وتشريعها:

                شرع هذه السقاية قصي بن كلاب لما ملك مكة ونفى عنها خزاعة وكنانة.

                قال البرهان الحلبي في سيرته(1): كان قصي أول رجل من بني كنانة أصاب

(1) السيرة الحلبية 1/ 14.

(17)

ملكاً ولما حضر الحج قال لقريش: قد حضر الحج وقد سمعت العرب بما صنعتم وهم لكم معظمون، ولا أعلم مكرمة عند العرب أعظم من الطعام فليخرج كل رجل من ماله خرجاً؛ ففعلوا فجمع من ذلك شيئا كثيراً، فلما جاء أوائل الحج نحر على كل طريق من طرق مكة جزوراً، ونحر بمكة وجعل الثريد واللحم، وسقى الماء على الزبيب، وسقى اللبن، وهو أول من أوقد النار بمزدلفة ليراها الناس من عرفة ليلة النفر، انتهى. ومثله ذكر ابن واضح في تاريخه(1).

                وفي سيرة ابن هشام(2): قال ابن إسحاق: إن قصياً فرض على قريش فقال لهم حين أمرهم: يا معشر قريش! إنكم جيران الله وأهل بيته وأهل الحرم، وإن الحجاج ضيف الله وزوار بيته وهم أحق ضيف بالكرامة؛ فاجعلوا لهم طعاماً وشراباً أيام الحج حتى يصدروا عنكم؛ ففعلوا.

انتقال السقاية إلى عبد مناف:

                وهنا يختلف المؤرخون في سبب انتقالها: فإن إسحاق ومن وافقه يذكر أن عبد مناف أخذها قهراً من أخيه عبد الدار وكان عبد مناف قد شرف في عهد أبيه قصي وقصر عنه عبد الدار وكان أكبر ولد قصي وأحبهم إليه فأراد أن يلحقه بعبد مناف فأعطاه الندوة واللواء والحجابة والسقاية والرفادة فثار عليه إخوته بعد موت أبيهم فأخذوا منه بعضها، وهنا أنقسمت قريش بقسمين: فعرف حلفاء بني عبد مناف بالمطيبين ما عرف عرف حلفاء بني عبد الدار بلعقة الدم في قصة منعنا طولها من إيرادها فأطلبها من سيرة ابن هشام(3)، ويذهب فريق من المؤرخين أن عبد مناف حازها في حياة أبيه(4).

انتقال السقاية من عبد مناف إلى ابنه هاشم وحفيده عبد المطلب:

                في السيرة الهشامية(5): قال ابن سحاق: فولي الرفادة والسقاية هاشم بن عبد مناف وذلك أن عبد شمس كان رجلاً سفاراً قلما يقيم بمكة وكان مقلًا ذو ولد، وكان هاشم مسيراً وكان فيما يزعمون إذا حضر الحج قام في قريش فقال: يا معشر قريش! إنكم جيران الله وأهل بيته وإنه يأتيكم في هذا الموسم زوار الله وحجاج بيته وهم ضيف الله وأحق الضيف بالكرامة ضيفه فأجمعوا لهم مالاً تصنعون لهم به طعاماً أيامهم هذه التي لا بد لهم من الإقامة لها، والله لو كان

(1) تأريخ اليعقوبي 1/ 197.                                         (2) سيرة ابن هشام 1/ 122.

(3) سيرة ابن هشام 1/ 121.                                         (4) راجع: سيرة الحلبي وغيره.

(5) سيرة ابن هشام 1/ 127.

(18)

مالي يتسع لذلك ما كلفتموه، فيخرجون لذلك خرجاً من أموالهم كل أمرئ بقدر ما عنده فيصنع للحجاج به طعاماً حتى يصدروا منها.

                [وقال:](1) قال ابن إسحاق: ثم هلك هاشم بن عبد مناف بغزة من أرض الشام تاجراً فولي السقاية والرفادة بعده المطلب بن عبد مناف وكان أصغر من عبد شمس وهاشم وكان ذا شرف في قومه وفضل، وكانت قريش تسميه الفيض لسماحته وفضله، وذكر(2) أن بعض العرب رثاه حين توفي بقوله:

قد ظمأ الحجيج بعد المطلب              بعد الجفان والشراب المنشعب

                قال ابن إسحاق: ثم ولي عبد المطلب بن هاشم السقاية والرفادة بعد عمه المطلب فأقامها للناس.

                وذكر الجاحظ في رسائله وعنه ابن أبي الحديد بلفظة(3): إن أبا عثمان الجاحظ قال: إن أشرف خصال قريش في الجاهلية اللواء والندوة والسقاية والرفادة وزمزم والحجابة، وهذه الخصال مقسومة بين بني هاشم وبني عبد الدار دون بني عبد شمس.

                وقال: إن معظم ذلك صار شرفه في الإسلام إلى بني هاشم لأن النبي (ص) لما ملك مكة صار مفتاح الكعبة بيده فدفعه إلى عثمان ابن طلحة فالشرف راجع إلى من ملك المفتاح لا إلى من دفع إليه، وكذلك دفع (ص) اللواء إلى مصعب بن عمير فالذي دفع إليه اللواء وأخذه مصعب من يديه أحق بشرفه وأولى بمجده، وشرفه راجع إلى رهطه من بني هاشم.

                قال: وكان محمد بن عيسى المخزومي أميراً على اليمن فهجاه ابن أبي مدلج فقال:

قل لابن عيسى المستغيث                    من السهولة بالوعورة

الناطق العوراء في                                 جل الامور بلا بصيره

ولد المغيرة تسعة                                   كانوا صناديد العشيرة

وأبوك عاشرهم كما                              نبتت مع النخل الشعيره

إن النبوة والخلافة                                والسقاية والمشوره

في غيركم فأكفف إليك                       يداً مجذمة قصيره

(1) سيرة ابن هشام 1/ 128                           (2) سيرة ابن هشام 1/ 135.

(3) شرح نهج البلاغة 3/ 453.

(19)

قال: فانبرى له رجل من ولد كريز بن حبيب بن عبد شمس كان مع محمد بن عيسى باليمن يهجو عنه ابن مدلج في كلمة له طويلة يقول فيها:

لا لواء بعد يا بن كريز                          لا ولا رفد بيته ذي السناء

لا حجاب وليس فيكم سوى            الكبر وبغض النبي والشهداء

بين حاك مخلج وطريد                         وقتيل يلعنه أهل السماء

ولهم زمزم وجبرائيل                           ومجد السقاية الغراء

                قال أبو عثمان: فالشهداء علي وحمزة وجعفر، والحاكي والمخلج هو الحكم ابن أبي العاص كان يحكي مشية رسول الله (ص) فألتفت يوماً فرآه عليه فلم يزل مخلج المشية عقوبة من الله، والطريد اثنان: الحكم بن أبي العاص ومعاوية بن المغيرة وهما جدا عبد الملك بن مروان من قبل أبيه وأمه، وكان النبي (ص) طرد معاوية بن المغيرة هذا وأجله ثلاثاً فحيره الله ولم يزل يتردد في ضلاله حتى بعث في اثره علياً وعماراً فقتلاه، انتهى(1).

                قال مفتي الشافعية زيني دحلان في سيرته بعد ذكر التشاجر بين بني عبد مناف وبني عبد الدار ولفظه(2): أما الرفادة وهي إطعام الحاج أيام الموسم حتى يتفرقوا فإن قريشاً كانت زمن قصي تخرج من اموالها في كل موسم فتدفعه إلى قصي فيصنع به طعاماً للحاج يأكله من لم يكن معه سعة ولا زاد، ثم قام بذلك بعد قصي ابنه عبد مناف ثم ابنه هاشم ثم ابنه عبد المطلب ثم ابنه أبو طالب ثم أخوه العباس، وأستمر ذلك إلى زمنه (ص) وزمن الخلفاء من بعده إلى أن أنقرضت الخلافة من بغداد ومصر.

                وأما السقاية فقام بها أيضاً عبد مناف ثم ابنه هاشم ثم ابنه المطلب ثم لما كبر عبد المطلب فوض عمه المطلب السقاية إليه، ولما مات المطلب وثب أخوه نوفل ابن عبد مناف على ابن أخيه عبد المطلب وذكر قصة تركناها لطولها وهي مذكورة في كتابنا الميزان الراجح(3) في ترجمة عبد المطلب.

                قال(4): ثم قام بها أبو طالب ثم انتقلت إلى أخيه العباس وذكر سبباً هو إملاق أبي طالب وهو سبب واهي لم تنتقل السقاية للعباس إلا بعد موت أبي

  • أنظر هما في رسائل الجاحظ: ص67.
  • سيرة زيني دحلان هامش السيرة الحلبية 1/ 18.
  • الميزان الراجح في علم الرجال – مخطوط – للمؤلف – الناشر -.
  • سيرة زيني دحلان هامش السيرة الحلبية 1/ 19.

(20)

طالب ولا يسعنا نقل النصوص خوف التطويل.

أما السقاية القولية:

                وهي الاستسقاء بالدعاء فقد جعله الله تعالى من خصوصيات بني هاشم كرامة أكرمهم بها، وأول من أستسقت به العرب عند الجدب منهم فسقاها الله به كرامة لرسول الله (ص) عبد المطلب بن هاشم، ذكر الدياربكري في تاريخ الخميس(1) والحلبي في إنسان العيون(2) والسيرة الدحلانية على هامشها(3) عن رقيقة بنت أبي صيفي ابن هاشم بن عبد مناف وهي زوجة عبد المطلب – ولفظ الأخير – وقيل: أدركت الإسلام ولها صحبة، قالت: تتابعت على قريش سنون ذهبت بالأموال فأشفين على الأنفس، فسمعت  قائلاً يقول في المنام: يا معشر قريش! إن هذا النبي المبعوث فيكم هذا أوان خروجه وإنه يأتيكم الحياء والخصب فأنظروا رجلاً من أوسطكم – أي أشرفكم – نسباً طوالاً عظاماً أبيض، مقرون الحاجبين، أهدب الأشفار، أسيل الخدين، رقيق العرنين فليخرج هو وجميع ولده وليخرج منكم من كل بطن رجل فيتطهروا ويتطيبوا ثم أستلموا الركن ثم ارقوا إلى رأس أبي قبيس ثم يتقدم هذا الرجل يستسقي لكم وأنتم تؤمنون فإنكم تسقون.

                فأصبحت وقصت رؤياها عليهم، فنظروا فوجدوا هذه الصفة صفة عبد المطلب، فأجتمعوا عليه وأخرجوا من كل بطن رجلاً وفعلوا ما أمرتهم به ثم علوا على أبي قبيس ومعهم النبي (ص) – وهو غلام – فتقدم عبد المطلب وقال: اللهم إن هؤلاء عبيدك وإماؤك وقد نزل بنا ما ترى وتتابعت علينا هذه السنون فذهبت بالظلف والخف والحافر فأشفت على الانفس فأذهب عنا الجدب وآتنا بالحياء والخصب، فما برحوا حتى سالت الأودية، قالت: وسمعت شيخان قريش وهم يقولون لعبد المطلب: هنيئاً لك يا أبا البطحاء.

                وفي هذه القسة تقول رقيقة:

بشيبة الحمد أسقى الله بلدتنا              وقد عدمنا الحيا والجود والمطر

فجاء بالماء جوداً نوءه سبل                 دان فعاشت به الأنعام والشجر

منا من الله بالميمون طائره                    وخير من بشرت حقاً به مضر

مبارك الاسم يستسقى الغمام به         ما في الأنام له عدل ولا خطر

  • تاريخ الخميس 1/ 270. (2) السيرة الحلبية 1/ 33.
  • سيرة زيني دحلان هامش السيرة الحلبية 1/ 73.

(21)

                ولما سقوا لم يصل المطر إلى بلاد قيس ومضر فأجتمع عظمائهم وقالوا: قد أصبحنا في جهد وجدب وقد سقى الله الناس بعبد المطلب فأقصدوه لعله يسأل الله فيكم، فقدموا مكة ودخلوا على عبد المطلب فحيوه بالسلام، فقال لهم: افلحت الوجوه، فقام خطيبهم فقال: قد اصابتنا سنون مجدبة وقد بأن لنا اثرك وصح عندنا خبرك فأشفع لنا عند من شفعك وأجرى الغمام لك.

                فقال عبد المطلب: سمعاً وطاعة، موعدكم غداً عرفات، ثم أصبح غادياً إليها وخرج معه الناس وأولاده ومعه رسول الله (ص) – وهو صغير – فنصب لعبد المطلب كرسي فجلس عليه وأخذ رسول الله (ص) فوضعه في حجره ثم قام عبد المطلب ورفع يده وقال: اللهم رب البرق الخاطف والرعد القاصف، رب الأرباب وملين الصعاب هذه قيس ومضر من خير البشر وقد تشعثت رؤوسها وحدبت ظهورها تشكو إليك شدة الهزال وذهاب النفوس والأموال، اللهم فأتح لهم سحاباً خوارة وسماء خرارة لتضحك أرضهم ويزول ضرهم؛ فما أستتم كلامه حتى أنشأت سحابة وكفاءة لها دوي وقصدت نحو بلادهم، فقال عبد المطلب: يا معشر قيس ومضر! أنصرفوا فقد سقيتم، فرجعوا وقد سقوا.

الاستسقاء بأبي طالب «عليه السلام»

                كل ذلك ببركة النبي (ص) ويمنه، ذكر من قدمنا ذكرهم جميعاً ولفظ الحلبي: وأستسقى أبو طالب برسول الله (ص) قال جلهمة بن عرفطة: قدمت مكة وقريش في قحط فقائل منهم يقول: اعتمدوا اللات والعزى، وآخر يقول: اعتمدوا مناة الثلاثة، فقال شيخ وسيم حسن الوجه جيد الرأي: أنى تؤفكون وفيكم باقية إبراهيم وسلالة إسماعيل، فقالوا: كأنك تعني أبا طالب، فقال: إيها، فقاموا بأجمعهم وقمت معهم فدققنا عليه بابه فخرج إلينا رجل حسن الوجه عليه إزار قد أتشح به، فثاروا إليه – أي قاموا – إليه فقالوا: يا أبا طالب! قحط الوادي وأجدب العيال فهلم فأستسقي لنا، فخرج أبو طالب ومعه غلام كأنه شمس دجنة تجلت عنها سحابة قتماء، وحوله أغليمة فأخذه أبو طالب فألصق ظهره بالكعبة ولاذ بأصبعه وبصبصت الأغليمة حوله وما في السماء قزعة من سحاب فأقبل السحاب من هاهنا وهاهنا وأغدودق وأنفجر له الوادي وأخصب النادي والبادي، وفي ذلك يقول أبو طالب:

وأبيض يستسقى الغمام بوجهه           ثمال اليتامى عصمة للأرامل

(22)

                إنتهى، والأغيلمة المشار إليهم مع رسول الله (ص) الذي عبر عنه بالغلام إنما هم ولد أبي طالب علي وجعفر وإخوتهما.

الاستسقاء برسول الله (ص):

                فكثير جداً وخذ هذه القصة تيمناً، ذكر الماوردي الشافعي في أعلام النبوة(1) عن أنس بن مالك قال: أتى أعرابي(2) إلى رسول الله (ص) فقال: يارسول الله! أتيناك ومالنا بعير يئط ولا صبي يصطبح، ثم أنشد:

أتيتك والعذراء يدمى لبناها               وقد شغلت أم الصبي عن الطفل

وألقى بكنيته الصبي استكانة             من الجوع ضعفاً ما يمر وما يحلي

ولا شيء مما يأكل الناس عندنا           سوى الحنظل العامي والعلهز الفسل

وليس لنا إلا إليك فرارنا                     وأين فرار الناس إلا إلى الرسل

                فقام رسول الله (ص) يجر ردائه حتى صعد المنبر فحمد الله وأثنى عليه ثم قال: (اللهم أسقنا غيثاً مغيثاً سحاً مطبقاً غير رائث تنبت به الزرع وتملأ به الضرع وتحيي به الأرض بعد موتها وكذلك تخرجون)، فما استتم الدعاء حتى التفت السماء بأروقتها فجاء أهل البطانة يضجون يا رسول الله الغرق، فقال: حوالينا لا علينا، فانجاب السحاب عن المدينة كالأكاليل، فضحك رسول الله (ص) حتى بدت نواجذه وقال: لله در أبي طالب لو كان حياً لقرت عيناه، من الذي ينشدنا شعره؟ فقال علي بن أبي طالب «عليه السلام»: يا رسول الله! كأنك أردت قوله:

وأبيض يستسقي الغمام بوجهه           ثمال اليتامى عصمة للأرامل

تطوف به الهلاك من آل هاشم           فهم عنده في نعمة وفواضل

كذبتم وبيت الله نبزى محمداً               ولما نقاتل دونه ونناضل

ونسلمه حتى نصرع حوله                  ونذهل عن ابناءنا والحلائل

                وقام رجل من كنانة وأنشد:

لك الحمد والحمد ممن شكر               سقينا بوجه النبي المطر

دعى الله خالقه دعوة                           واشخص معها إليه البصر

فلم يك إلا كألقى الردا                       واسرع حتى رأينا الدرر

دقاق العزالي جم البعاق                      أغاث به الله عليا مضر

  • أعلام النبوة: ص77. (2) يذكر غير الماوردي إنه لبيد الشاعر.

(23)