كربلاء الحضارة والتاريخ 413

الفصل السادس

السياحة في كربلاء

توطئة:

تبين كافة المؤشرات ان مدينة كربلاء المقدسة يمكن أن تصبح مركزا سياحيا رائدأ، لاسيما في قطاع السياحة الدينية، بسبب مكانتها الدينية والتاريخية والحضارية في العراق والعالم الاسلامي، لاحتضانها رفات سيد شباب أهل الجنة الامام الحسين بن علي بن أبي طالب وأخيه العباس (ع) ...الى جانب ما تتميز به من المواقع الدينية والتاريخية والسياحية، وبما تتمتع به من أجواء روحية قلما نجدها في مدن اسلامية أخرى ... اضافة الى وجود العديد من المواقع الأثرية المهمة التي تعود الى حضارات وادي الرافدين والتي لايزال البعض منها قائمأ الى يومنا هذا.
كل هذه تعتبر من أهم خصائص ودعائم مقومات السياحة، مما يجعل هذه المدينة المقدسة مؤهلة لأن تصبح وجهة سياحية ودينية مفضلة للملايين من مسلمي العالم لزيارة مراقدها المقدسة والتمتع بأجوائها الروحية والاطلاع على معالمها المميزة.
ويمكن للسياحة في كربلاء والسياحة الدينية بوجه الخصوص ان تؤدي دورا مهمأ في أزدهار اقتصاد هذه المدينة، والنهوض بمستوى الخدمات الانسانية والاجتماعية واقامة البنى التحتية وتوفير مستوى معيشي مقبول لسكان المدينة وبقية المناطق المحيطة بها يدعم مستلزمات الأمن والاستقرار

كربلاء الحضارة والتاريخ 414

والتقدم والتمسك بالسلوكيات والقيم الحضارية، ورفع الوعي الاجتماعي والثقافي عند السكان من خلال الاحتكاك بالزوار والسياح.
وان ذلك يتطلب اعتماد التخطيط العلمي السليم لتطوير الامكانات السياحية الكبيرة، لاسيما السياحة الدينية، التي تجعل من السياحة كمصدر مهم للدخل وتحقيق الرفاهية للمجتمع.
ولابد من تشجيع الاستثمار الداخلي والخارجي في هذا القطاع وتقديم كافة التسهيلات اللازمة لانشاء مشاريع سياحية حديثة.
ان مستقبلأ كبيرا ينتظر السياحة الدينية في مدينة كربلاء المقدسة، مما سيجعلها ذات أهمية بالغة في صناعة السياحة، وسوف تساهم في ازدهار الصناعات الحرفية التراثية التي يهتم بها الزوار والسياح. ويتضمن هذا
الفصل:
  • السياحة الدينية.
  • السياحة في المثلث الديني (كربلاء المقدسة، النجف الاشرف والكوفة).
  • السياحة العلاجية في محافظة كربلاء.
  • الآثار المباشرة وغير المباشرة للسياحة الدينية على الاقتصاد الوطني.
  • المقترحات والتوصيات المتعلقة بتطوير السياحة الدينية.

    كربلاء الحضارة والتاريخ 415

    السياحة الدينية

    أداة للتواصل الحضاري والثقافي بين الشعوب


    السياحة الدينية هي السفر بهدف زيارة الأماكن المقدسة. والسياحة هي صناعة مرتبطة بالرغبة الإنسانية في المعرفة وتخطي الحدود. وستظل السياحة بشكل عام، والسياحة الدينية بشكل خاص، من أكثر الصناعات نموا واكثرها رسوخأ في المستقبل. وتحتل السياحة الدينية في حضارات الشعوب واقتصادها موقعأ متميزا ومكانة بارزة، فبالإضافة لمردودها الاقتصادي تشكل جسورا حضارية مهمة للتقارب والتفاهم بين الشعوب.
    وما إن نذكر عالمأ من علماء الأمة إلا ونجد أنه ساح في كثير من البلدان، وتنقل ما بين الشرق والغرب، من الأندلس والمغرب إلى القاهرة ودمشق واسطنبول وبغداد والمدن الدينية المقدسة، وإلى طهران وخراسان وكابول وآسيا الوسطى وبالعكس، بهدف الزيارة والحصول على العلم والاستزادة منه. وكلما كثر ترحال العالم ازدادت سعة علمه ومعرفته.
    وقد شهدت السياحة خلال القرون الماضية ازدهارا واسعا، خصوصاً في سياحة العلماء والرحالة والمؤرخين من أمثال: المسعودي، الخوارزمي، البيروني، الإدريسي، ابن فضلان (الذي وصل الى شمال أوروبا)، ابن بطوطة، حمد الله المستوفي، ابن جبير، ياقوت الحموي، ابن عساكر، ابن سينا، جابر بن حيان، الكندي، الفارابي وغيرهم. حيث توسعت آفاق علمهم واستفادت من علومهم وتجاربهم الشعوب الإسلامية وشعوب العالم الأخرى،

    كربلاء الحضارة والتاريخ 416

    وما زالت الكثير من مؤلفاتهم تعتبر أحد أهم المصادر العلمية وتدرس في معظم جامعات العالم.
    ويعد علي بن هبة الله المعروف بإبن عساكر (499 - 571هـ/ 1105 - 1176م) مؤرخ دمشق ومحدثها من الرحالة المشهورين والذي سافر من دمشق في طلب الحديث، فكانت له سياحتان (دينيتان) واحدة إلى بغداد سنة 521هـ، واًخرى إلى خراسان سنة 529هـ عن طرق آذرييجان مارا بخوي وتبريز ومرند ، ثم زنجان، ثم أبهر وصولأ إلى خراسان، سامعأ من مشايخ هذه البلدان وغيرها من البلدان الأخرى.
    وتعد رحلات ابن عساكر نموذجأ للسياحات (الدينية) التي قام بها العلماء والرحالة، إذا كان لنا أن نطلق على هذه السياحة صفة (الدينية) لأن هدفها كان دينيأ، فقد تجاوزت هذا الوصف، فالذين أرخوا لابن عساكر مثلأ ذكروا من سمع منهم الحديث في مدينة (أبهر) ثم قالوا: وسمع من هبة الله بن أبي الهيجاء شيئأ من الشعر. وبذلك تكون السياحة الدينية سياحة أدب وشعر وثقافة عامة إلى جانب هدفها الأساس: سماع الحديث وروايته.
    وقال ابن عساكر متحدثأ عن سياحاته الدينية من قصيدة:
    وأنا الذي سافرت في طلب الهدى سفرين بين فدافد وتنائف
    وأنا الذي طفت غير مدينة من اصبهان إلى حدود الطائف
    والشرق قد عاينت أكثر مدنه بعد العراق وشامنا المتعارف
    وجمعت في الأسفار كل نفيسة ولقيت كل مخالف ومؤالف
    وسمعت سنة أحمد من بعدما أنفقت فيها تالدي مع طارفي
    ورويتها بأمانة وصيانة ونزاهة تنفي سفاهة قارفي
    واخترت عقداأ لم تشبه بدعة بل يقتفيه خالف عن سالف


    كربلاء الحضارة والتاريخ 417


    وهو في أبياته هذه يجلو لنا السياحة الدينية أحسن جلاء، هذه السياحة التي توطن نفس صاحبها على جوب الافاق البعيدة. وتحمل المصاعب الشديدة، ليجمع في الأسفار النفائس من السنة النبوية المتمثلة فيما يراه الصحيح من الحديث.
    وتعتبر السياحة من العناصر الأساسية في الثقافة الاسلامية، وهي ليست زيارة الآثار ومعالم المدن التاريخية والدينية فحسب. وانما وسيلة للتعارف بين المجتمعات والإطلاع على تقاليدها وعاداتها ودراسة ثقافاتها، وهي أداة للتواصل الحضاري والثقافي بين شعوب العالم.
    وتحتضن الدول الإسلامية خصوصا العراق العديد من الاماكن المقدسة التي تعتبر من أبرز معالم الحضارة الإسلامية التي تستقطب ملايين المسلمين وغيرهم من أرجاء العالم، بالإضافة إلى شواهد دينية بارزة لاتباع الديانات الأخرى.
    لذلك لابد من السعي والعمل على تطوير السياحة الدينية في العراق من خلال وضع برامج متطورة لاستقبال مجاميع الزوار، وتشمل بالاضافة إلى زيارة العتبات المقدسة، إيجاد طرق حضارية، منها التعرف على ثقافات المجتمعات وتبادل الزيارات وإقامة الندوات والمعارض والمهرجانات التسويقية وزيارة معالم المدن الأخرى القريبة من المدن الدينية، وتوفير كافة الخدمات والمستلزمات الضرورية التي يحتاجها الزوار والسواح، كالمرافق والعيادات الطبية ومراكز الإرشاد والاتصالات ومكاتب الشرطة السياحية. بالإضافة إلى تأهيل وتحسين الفنادق والمطاعم والمرافق السياحية الأخرى والإشراف عليها بصورة مستمرة.

    كربلاء الحضارة والتاريخ 418


    إن ما تتصف به الشعوب الإسلامية هو كرم الضيافة وحسن الاستقبال والترحيب بالزائر والسائح. لذلك فإن السياحة الدينية، وخصوصا في العراق، وفي الظروف الطبيعية، لها طابع مميز حيث يشعر الزائر أو السائح بأنه بين أهله وذويه، والعديد من الزائرين تطيب لهم الإقامة مدة أطول خصوصأ في المدن الدينية المقدسة لزيارة مراقد أئمة أهل البيت (ع) مستمتعين بطيية وكرم أهلها وتعاملهم الحسن مع الزائرين.
    ويعد العراق من الدول الفريدة في العالم الإسلامي بمعالمه الدينية البارزة حيث يتميز عن غيره من الدول الإسلامية الأخرى باحتضانه العديد من مراقد الأنبياء (ع) كالنبي إبراهيم (ع) والنبي نوح (ع) والنبي يونس (ع) والنبي ذو الكفل (ع)، وستة مراقد من أئمة أهل البيت (ع) وهي: مرقد أمير المؤمنين الإمام علي بن أبي الطالب (ع) في مدينة النجف الأشرف، ومرقدي الإمام الحسين بن علي بن أبي طالب (ع) وأخيه العباس (ع) في مدينة كربلاء المقدسة، ومرقدي الإمامين موسى بن جعفر الكاظم ومحمد بن علي الجواد (ع) في مدينة الكاظمية ببغداد، ومرقدي الإمامين علي الهادي والحسن العسكري (ع) في مدينة سامراء، بالإضافة إلى مراقد بعض أئمة المذاهب الإسلامية وشيوخ الطرق الصوفية والصحابة كمرقدي الإمام أبي حنيفة النعمان والشيخ عبد القادر الكيلانى في مدينة بغداد، ومرقد الصحابي الجليل سلمان الفارسي (رض) في منطقة المدائن (سلمان باك) قرب بغداد مع العديد من المعالم الدينية المهمة لأتباع الديانات الأخرى.
    أما في مدينة الكوفة فلا يزال مسجدها الجامع الكبير شامخأ إلى يومنا هذا بجانب العديد من المساجد الاخرى، كجامع السهلة والمزارات ومقامات

    كربلاء الحضارة والتاريخ 419

    الأولياء والصالحين بالإضافة إلى العديد من المساجد والمباني المنتشرة في أرجاء العراق.
    والسياحة الدينية إلى المدن المقدسة في العراق لها معان كثيرة، فهي سياحة جليلة وعظيمة، لذلك فإن زيارة العتبات (الروضات) المقدسة تعتبر جزءا من الشعائر الإسلامية لملايين المسلمين.
    واستنادأ لإحدى الدراسات الميدانية عن مدينة كربلاء المقدسة من قبل الجهات المعنية في محافظة كربلاء، فإن السياحة الدينية تتركز على زيارة العتبات المقدسة فيها، حيث يزورها بحدود 20 .25 ألف زائر يوميأ في الأيام الاعتيادية، فيما يزوها حوالي .500 - 550 ألف زائر تقريباً في كل من يومي الخميس والجمعة. أما في أيام عيد الأضحى المبارك وعيد الفطر المبارك، لاسيما اذا صادف يوم الخميس أحد ايام العيد حيث يصل عدد الزوار الى أكثر من مليون زائر تقريبا. وفي المناسبات الدينية المهمة كزيارة نصف شعبان والأيام العشر الأوائل من شهر محرم الحرام خصوصاً ليلة العاشر والعاشر منه وأربعينية الإمام الحسين (ع) (20 صفر)، فيبلغ عدد الزوار لمدينة كربلاء المقدسة عدة ملايين. ويأتي القسم الأكبر من هؤلاء الزوار من داخل العراق وتقدر نسبتهم بحواني 85% من مجموع الزوار في حين أن 15% منهم ياًتون من خارج العراق. حيث وردت هذه الإحصائيات لدراسة عن مدينة كربلاء المقدسة خلال السنوات الاخيرة.
    كانت المدن الدينية المقدسة في مراحل عديدة من تاريخها مركزا لالتقاء الحضارات والثقافات والشعوب من شتى الأقطار الإسلامية، وكانت صلة وصل بين علماء ومفكري البلدان الإسلامية على مر العصور.

    كربلاء الحضارة والتاريخ 420


    وقد فرض النظام المباد قبل سقوطه في شهر نيسان عام 2003م قيودأ على زياره المدن الدينية المقدسة، ومنع زائري الدول الإسلامية من زيارتها، وقد حصلت زيادة كبيرة في حركة وتدفق الزوار والسواح إلى هذه المدن خلال السنوات الاخيرة، لذلك لابد من تنفيذ العديد من المشاريع العمرانية والتخطيطية والسياحية خصوصاً تطوير المناطق القديمة وتوسعة الروضات المشرفة وتطوير وتحسين المراقد والمعالم الدينية الأخرى، مع زيادة الطاقة الفندقية واقامة الأسواق الجديدة وبالخصوص الأسواق الشعبية، وانشاء المدن السياحية والفنادق الحديثة في ضواحي ومحيط المناطق القديمة، كبحيرة الرزازة في كربلاء، وبحر النجف والمناطق المطلة على نهر الفرات في الكوفة وبحيرة الثرثار في سامراء والمناطق المطلة على نهر دجلة في الكاظمية، بحيث تتوفر فيها جميع خدمات المدن السياحية كالمطاعم وملاعب الأطفال والحدائق ومراكز الانترنت، وربطها بالمناطق القديمة في المدن المقدسة بشبكة طرق حديثة ووسائط نقل، وذلك لتخفيف الضغط الكبير الذي تعاني منه المدن خلال مواسم الزيارات الدينية، وتحسين وتطوير المناطق القديمة، من خلال ترميم وصيانة المباني التراثية والتاريخية لاستيعاب الفعاليات السياحية والخدمية للزوار وبطريقة منظمة توفر كافة الخدمات الضرورية لهم وبما لا يتعارض مع وظيفتها الأصلية، والسعي لتطوير المناطق الخلابه سياحيأ كمنطقة عين التمر وذلك لكونها تقع بالقرب من قصر الأخيضر الشهير كأثر تاريخي بارز في العراق، وتمتعها بوجود العديد من ينابيع المياه المعدنية الصالحة لعلاج مختلف الأمراض الجلدية المزمنة، وكذلك فأنها تمتلك ثروة زراعية مهمة كالتمور والرمان والزيتون، بالإضافة إلى وجود العديد من الآثار المهمة التي تنتشر في محيطها، والخانات التاريخية الواقعة على طريق كربلاء- النجف.

    كربلاء الحضارة والتاريخ 421


    وتعتبر سياحة التسوق أحد عناصر الجذب السياحي في المدن الدينية المقدسة، حيث تزخر هذه المدن بأنواع متميزة من البضائع التي تستهوي الزائر والسائح لشرائها، وبالخصوص المنتوجات والصناعات التقليدية لجودتها وأسعارها الزهيدة.
    لذلك لابد من إنشاء العديد من مراكز التسوق والأسواق الشعبية في أنحاء المدن المقدسة، بحيث تتوفر فيها كافة المرافق العامة والخدمات ومواقف للسيارات. وايجاد الحلول اللازمة لتفادي عرض البضائع على الأرصفة والطرقات في المناطق المحيطة بالعتبات المقدسة، مما يتسبب في عرقلة سير المشاة وحركة سيارات الإسعاف والحريق والخدمات الأخرى، وتشويه صور هذه المدن.

    أهمية العرض السياحي لمدن العتبات المقدسة

    العرض السياحي عبارة عن مجموع السلع والخدمات المتعلقة بالمنتوج السياحي، التي تعرض من قبل المنتجين سواء كانوا من القطاعين العام والخاص أو القطاع المختلط، عند مستوى معين من الأسعار ويرتبط العرض عادة برغبة المنتج في تقديم خدماته عند ظروف معينة تتعلق بالسوق، وأما في العرض السياحي الذي يتعلق بالسياحة الدينية فالأمر يأخذ أبعادأ أعمق لأن هذا النمط من السياحة يمثل بعدا حضاربأ واجتماعيأ وثقافيأ ودينيأ أبعد من مسألة المردود الاقتصادي، والمنفعة من السياحة الدينية هي مسألة تتعلق بالمعايير فوق المادية، لذا فإن الطلب عليها قائم وينمو ويزدهر مع تطور الأجيال بسبب مكانة المراقد الدينية وقدسيتها في نفوس المسلمين الذين يتوجهون لزيارتها.

    كربلاء الحضارة والتاريخ 422


    لذلك فإن المقومات الأساسية لتدعيم العرض السياحي الديني المتعلق بالفضاءات والنسيج العمراني وواقع حال المدن الدينية والجهود المطلوبة لتطوير خدمات الإيواء (السكن) والطعام والطرق والمواصلات وكل هذه المتغيرات تبين مدى اهتمام الإنسان بتطوير هذا النوع من السياحة، إذ لا يكفي وجود العتبات المقدسة والتي تعتبر المكونات الأساسية لتنشيط الطلب السياحي الديني، بل لابد من بنى فوقية وتحتية وارتكازية وخدمات أساسية تسهل الوصول وتريح النفوس بحيث يحمل الزائر انطباعأ ماديأ مكملا للانطباع الروحي والديني ويتفاعل معه، وبمعنى اخر يمكن جعل المكونات الثانوية جزءأ من العرض السياحي وفقأ لكمياتها ونوعيتها، وبصورة عامة يشمل العرض السياحي نوعين أساسين هما:
    أولأ: العرض السياحي الأساسي: ويتمثل بالمنتجات السياحية الثابتة التي ليس للإنسان شأن في تكوينها وخلقها، ويضم هذا العرض من جهة عناصر الجذب السياحي الطبيعي، كالمناخ والبحيرات والغابات والجبال والثلج والمناظر الطبيعية، بالإضافة إلى المنجزات الحضارية كالمعالم الثقافية والدينية والمواقع الأثرية والتاريخية ... الخ.
    ثانيا: العرض السياحي الثانوي: ويشمل الخدمات الناتجة عن العمل الإنساني ويمكن إنتاجها حسب النوع وبالكميات المطلوبة، فمثلأ هناك التسهيلات السياحية، كالفنادق والمخيمات والمطاعم والمطارات ومحطات سكك الحديد والموانئ البحرية وغيرها. ولإشك أن النسيج الحضاري هو الحصيلة التاريخية المتراكمة للعرض السياحي سلبأ أو إيجابأ وفقأ للكفاءة في الإدارة والاستغلال الأمثل لمقومات الجذب السياحي للبلد.

    كربلاء الحضارة والتاريخ 423


    والعرض السياحي الثانوي يساعد في إبراز أهم عناصر الجذب السياحي الطبيعي والمعالم الأثرية والتاريخية، مع العلم بأن الهدف النهائي للزائر ليس العرض الثانوي بل العرض الأساسي، فهو ينشد بالأساس زيارة المراقد المقدسة لأسباب روحية ودينية وكذلك للتعرف على تاريخ وحضارة البلد، وثقافات وتقاليد وعادات لم يعشها من قبل ومشاهدة المتاحف والمواقع الدينية والأثريه، ويمكن القول بأن الزائر أو السائح بحاجة ماسة إلى التفاعل والتكامل ما بين العرض السياحي الأساسي وإلعرض السياحى الثانوي على حد سواء.
    ويشكل العرض السياحي الثانوي في حد ذاته غاية مهمة ايضا للطلب السياحي، مادام الزائر يحتاج إلى إيواء في الفندق، ورحلة إجمالية في الحافلة السياحية أو في القطار أو الطائرة، ويعتبر هذا العرض نشاطأ سياحيا مكملا، لكون الزائر أو السائح لا يسأل عن الفندق في موقع معين إلا ليستمتع بما موجود حوله أو بالقرب منه من مقومات جذب طبيعية، ويزور المعالم الدينية والحضارية والتاريخية في المنطقة المحيطة بإقامته، وكذلك فإن ما يهمه هو الوصول إلى الجهة التى يقصدها بوسائل النقل المريحة وفي أقصر وقت ممكن.
    وهناك سلسلة واسعة من الأنشطة الاقتصادية من شأنها المساهمة الفعلية في إنتاج العرض السياحي الثانوي، وبالرغم من عجز أي منها بمفرده عن تلبية حاجات الزوار والسياح. فالفنادق تقدم خدمات الإيواء فقط وهي المبيت والطعام والترفيه والسياحة والنزهة ومشاهدة مهرجانات التسوق وغيرها. وقد لا يرضى الزائر أو السائح عن عرض جزئي لإحدى الشركات السياحية.

    كربلاء الحضارة والتاريخ 424

    بسبب عجزها عن توفير طلبات الزوار أو السياح وحدها، كما هو الحال لشركات النقل والمؤسسات التجارية والمصرفية ... الخ.
    إن هذا التصور في العرض السياحي الجزئي كان بلا شك سبب الميل إلى التوافق بين الفعاليات والأنشطة المختلفة والدافع القوي نحو التكامل في العملية السياحية. ويمكن القول بأن العرض السياحي الأكبر حجماً والأكثر تكاملا يعود إلى المؤسسات السياحية الكبيرة، كمنظمي السفر الذين ينظموا الاجازت والرحلات الشاملة بهدف تلبية احتياجات مجاميع زوار أو السياح وإرضائهم إلى اقصى حد ممكن.
    وعليه فليس بمقدور أفضل وكالات السياحة والسفر أن تفي بحاجات الزوار أو السياح لكونها لا تتعلق بنشاط اقتصادي واحد فقط، بل بعدة نشاطات. ولذلك يركز وكلاء العرض السياحي المركب اهتمامهم على جهة القصد السياحي التي تملك عناصر جذب طبيعية متنوعة وخدمات ثانوية عالية المستوى.
    وبطبيعة الحال يمكن تحليل واقع حال العرض السياحي في المراكز الدينية خصوصأ المقدسة وفقأ لبعض المعايير الأساسية وليس كلها نظرا لكون هذه المعايير كافية لبيان واقع الحال وهي كالآتي:
    1- العرض السياحي لكل مدينة خصوصأ لكل مرقد ديني وتبيان خصوصيته من حيث الموقع الجغرافي والمناخ والمقومات والفضاءات إضافة إلى النسيج العمراني للمدينة.

    كربلاء الحضارة والتاريخ 425


    2- تطور حالة العرض الفندقي لكل مدينة خصوصا تطور الفنادق الخاصة بالسياحة الدينية من حيث طاقاتها الاستيعابية المحدودة بالغرف والأسرة والخدمات التي تقدمها.
    3- واقع القوى العاملة في الفنادق والمرافق السياحية الاخرى في المدن الدينية، وتبيان التطور الحاصل في إعداد العاملين فيها من حيث تحصيلهم العلمي والمهني والثقافي.
    4- دراسة لواقع النقل والمواصلات وتشخيص إيجابيات وسلبيات حركة النقل البري بشكل خاص، وسبل التطور والنهوض خدمة لحركة السياحة في العراق بشكل عام والسياحة الدينية بوجه خاص.

    كربلاء الحضارة والتاريخ 426

    السياحة في المثلث الديني

    كربلاء المقدسة، النجف الاشرف والكوفة


    يشكل المثلث الديني المتمثل بمدن (كربلاء المقدسة، النجف الاشرف والكوفة) جزءا متميزا من خريطة السياحة الدينية المهمة في العراق، وذلك لمكانته الروحية عند ملايين المسلمين الذين يقصدونه سنويأ من داخل العراق وخارجه، وعلى ما يمتلكه من قاعدة متينة وأسس عريقة ومكانة مرموقة في الحضارة الإسلامية، ويعتبر أحد أشهر المزارات الدينية في العالم الإسلامي، لاحتضانه معالم الإرث الديني والنبوي المقدس، المتمثل بأضرحة أئمة أهل البيت (ع) وأتباعهم، والتي تعتبر من المعالم البارزة في التاريخ الإسلامي. وقد بلغ هذا المثلث مجده العلمي والإنساني والحضاري خلال القرون الماضية، وأصبح قبلة العلماء والمؤرخين والأدباء، وقد سحرت مدنه العديد من الرحالة والمستشرقين والاثاريين والفنانين، لجمال عمائره الدينية والتاريخية والتراثية.
    ويعد هذا المثلث بوابة العراق إلى الجزيرة العربية ، حيث المقدسات الشريفة، وجاء في موسوعة الأديان، الجزء الثالث عشر، عن دار نشر كولير ماكميلان في لندن: «ان مراقد الأئمة في المدن الدينية، لاسيما في النجف وكربلاء، هي امتداد للمراكز ذات المنزلة العظيمة في مكة المكرمة والمدينة المنورة، وعليه فإن الشعائر الدينية تلعب دورا مهمأ في زيارة هذه المراقد».
    وهو ما يجعل هذا المثلث مقصدآ لزوار العتبات الدينية المقدسة التي تنعم بأجوائها الروحية، حيث تبعث في النفوس الحياة الغامرة بالسعادة

    كربلاء الحضارة والتاريخ 427

    الإنسانية التي يمكن أن يستثمر جانبأ منها في مجال قطاع السياحة الدينية الذي يعتبر أحد أهم مرتكزات السياحة في البلدان الإسلامية.
    ولمدن هذا المثلث (كربلاء المقدسة، النجف الأشرف والكوفة) قواسم مشتركة منها العتبات الدينية المقدسة والمساجد والمراقد والمقامات والمباني التاريخية والتراثية، وكذلك الموقع الجغرافي والجانب التاريخي والروابط العلمية والثقافية وفي مقدمتها الجامعات والمعاهد العلمية الدينية (الحوزات), وكذلك المصالح الاقتصادية المشتركة، لو استثمرت بشكل علمي وتم تطويرها وتنظيمها جيدا لأصبح هذا المثلث، أحد أبرز مراكز السياحة الدينية فى العالم الإسلامي.
    وقد احتل المثلث الديني على الدوام دورا بارزا في استمرار حضوره التاريخي والثقافي، ولابد من التطرق إلى أبعاده الحضارية المتنوعة وهي :
    أولأ: التنوع الحضاري الناتج من تعدد الأجناس والأعراق التي سكنته أقوام قبل الإسلام وبعده، فهو ينتمي إلى حضارة الأقوام السامية في العراق، ولاسيما البابليين منهم، حيث يعد هذا المثلث جزءأ من أرض بابل وما تسمى بـ(أرض السواد)، لخصوبة تربتها وغزارة مياهه .
    ثانيا: وفي البعد التاريخي والديني، فقد تجلت خلفية حضارية ضخمة تتجذر في أعماق التاريخ وتضيء فيه نجوم لامعة من العظماء ويكفيه أمير المؤمنين الإمام علي بن أبي طالب (ع) وولديه الإمام الحسين سيد شباب أهل الجنة وأخيه العباس (عليهما السلام)، ونخبة من أهل البيت (ع) وأصحابهم الشهداء الأبرار الذين ارتوت هذه الارض الطاهرة بدمائهم الزكية، والتي منحت هذا المثلث منزلته الدينية والتاريخية المهمة.

    كربلاء الحضارة والتاريخ 428

    ثالثأ: وفي البعد العلمي والثقافي، فقد كان هذا المثلث وعلى مدى قرون عدة مصدر النهضة العلمية والأدبية والفكرية لاحتضانه العديد من الجامعات والمعاهد الإسلامية الفنية بالعطاء المتميز بالعلوم والمعرفة، يدرس فيها كبار العلماء والفقهاء والأدباء والشعراء، وكان لهم دور بارز في نشر مختلف المعارف والعلوم والثقافات، وكان على الدوام منطلقا للكثير من الحركات الفكرية والسياسية والثقافية.
    رابعا: أما في البعد الإسلامي والعالمي، فقد كان هذا المثلث محط اهتمام وعناية العديد من الحكام والولاة المسلمين ومن كافة الأقطار الإسلامية. وشار إلى معالمه المقدسة العديد من الرحالة والمؤرخين العرب والمسلمين والغربيين، ولاسيما المستشرقين منهم على الدوام بأهميته، ويعزى ذلك إلى الدور الحضاري الذي مارسه على مسرح الأحداث، منهم على سبيل المثال: ابن بطوطة، ياقوت الحموي، حمد الله المستوفي، المسعودي، ابن عساكر، ابن جبير، ابن سينا، جابر بن حيان، والفارابي وغيرهم. أما من الغربيين فنذكر منهم: بيدرو تكسيرا، كارستن نيبور، ويليم لوفتس، جون أشر، جون بيترز، أرنولد ولسن، جون وارن، مدام ديلافوا، لويس ماسنيون ومس بيل وغيرهم. وكان هذا المثلث في مراحل مختلفة من تاريخه الحضاري مركزا لالتقاء الحضارات والثقافات والشعوب من شتى الأقطار الإسلامية على مر العصور.
    خامسا: وفي البعد التاريخي والتراثي العمراني فإن المثلث الديني يحتضن موروثأ حضاريا يتمثل بأجمل المباني الدينية والتراثية القيمة، وتتركز معظمها في مراكز مدن هذا المثلث أبرزها عمائر العتبات

    كربلاء الحضارة والتاريخ 429

    (الروضات) المقدسة في مدينتي النجف الأشرف وكربلاء المقدسة، والتي حافظت على عناصرها ومفرداتها المعمارية لقرون عدة. وقد أشاد العديد من الرحالة والآثاريين بالمعالم الدينية والتراثية لمدنه، حيث أبدوا إعجابهم بفنون العمارة الإسلامية التي تتميز بها عمائر العتبات المقدسة والمباني الدينية والتراثية الأخرى.
    سادسأ: أما في البعد الجغرافي والبيئي، فإن هذا المثلث يتميز بموقع أكسبه أهمية كبيرة منذ أقدم العصور، حيث كان ملتقى الطرق البرية الرئيسية بين بلاد الشام والجزيرة العربية وبين سواد العراق، اذ تكثر فيه الأنهر وأشجار النخيل والبساتين المثمرة العامرة والصحراء الشاسعة، ولما تحتضنه من تراث صحراوي يتمثل بالواحات الخضراء الجميلة. كواحة عين التمر. التي تتخللها ينابيع المياه المعدنية الصافية وأشجار النخيل والرمان والتفاح والزيتون التي تمثل نقاط جذب استيطانية للإنسان.
    سابعأ: أما في المجال السياحي، فلا عجبأ أن تحتل السياحة الدينية في هذا المثلث واقتصاده موقعأ متميزا ومكانة بارزة، فبالإضافة الى مردودها الاقتصادي فإنها تعتبر من المرتكزات الأساسية في الثقافة الاسلامية، لكونها تشكل جسور حضارية مهمة للتقارب والتفاهم بين الشعوب ووسيلة للتعارف بين المجتمعات والإطلاع على تقاليدها وعاداتها وثقافاتها، وهي أداة للتواصل الحضاري والثقافي بين الشعوب. وقد شهدت السياحة الدينية في مدن هذا المثلث خلال القرون الماضية، ازدهارا واسعأ، لاسيما سياحة العلماء والرحالة والمؤرخين، وقد

    كربلاء الحضارة والتاريخ 430

    شكلت العديد من كتاباتهم القيمة عن أسفارهم ورحلاتهم وما ذكرتها من معلومات دقيقة ومتنوعة وثائق سياحية تعتبر من المصادر الحيوية والمهمة، تدل على التاريخ المشرق لمدنه.
    وقد ساهمت السياحة الدينية فيه خلال القرون الماضية بتطوير مدنه وتنميتها والارتقاء بالمستوى المعيشي والاجتماعي والثقافي لسكانه.
    ولكن مع الأسف الشديد تعرضت مدن هذا المثلث خلال العقود الأربعة الماضية، وبالخصوص مركزي مدينتي النجف الأشرف وكربلاء المقدسة إلى التشويه والتخريب العمراني، مما يوجب إعطاؤهما أهمية خاصة على صعيدي التخطيط والعمران والرعاية.
    وتنتشر في أرجاء المثلث الديني العديد من المواقع الدينية والتاريخية والتراثية، أبرزها مقامات الأنبياء (ع) في النجف الأشرف، ومراقد أئمة أهل البيت (ع) وأصحابهم، وحصن الأخيضر الشهير في كربلاء المقدسة وقصر الخورنق في النجف، والخانات التراثية الواقعة داخل مدنه وخارجها، أهمها: خان النخيلة وخان النص وخان العطشان وغيرها، وكذلك المواقع السياحية المميزة على شاطئ الفرات في الكوفة وبحر النجف وبحيرة الرزازة في كربلاء والبساتين الجميلة المثمرة التي تتميز بها مدن هذا المثلث.
    أما سياحة التسوق فقد لعبت دورا مهمأ وبارزا في اقتصاديات مدن هذا المثلث، وتعتبر أحد عناصر الجذب السياحي، حيث كانت هذه المدن تشتهر بأسواقها التاريخية والتراثية العريقة التي تحتوي على أنواع متميزة من البضائع التي تستهوي الزائر والسائح، وبالخصوص المنتوجات والصناعات والحرف التقليدية، لجودتها وأسعارها الزهيدة، وهذا النمط السياحي أصبح يشكل أداة هامة لتعزيز التدفقات السياحية لمدن هذا المثلث. لذلك يتطلب

    كربلاء الحضارة والتاريخ 431

    العمل على ترميم وصيانة الأسواق التراثية، وإقامة أسواق جديدة على الطراز المعماري الإسلامي تتوافق عمائرها مع النسيج العمراني للعمارة التقليدية التراثية لمدنه.


    السابق السابق الفهرس التالي التالي