كربلاء الحضارة والتاريخ 432

السياحة العلاجية في كربلاء


تمثل السياحة العلاجية أحد أنماط السياحة المهمة في دول العالم المتقدمة سياحيأ، والهدف من هذا النوع من السياحة هو السفر بهدف العلاج والاستجمام والنقاهة أو دخول المصحات المختلفة للعناية بالصحة، أو ارتياد الأماكن التي تتمتع بخصائص شفائية معينة من أجل تحقيق الصحة الجسدية والنفسية والفكرية، أو للعلاج من أمراض محددة، بالإضافة إلى دورها في تحقيق النمو الاقتصادي.
تبين كافة المؤشرات أن محافظة كربلاء يمكن أن تصبح مقصدأ مهما للسياحة العلاجية إلى جانب مركزها الرائد والمتميز في السياحة الدينية، بسبب انتشار العديد من عيون المياه المعدنية ومياه الآبار الكبريتية في أرجاءها، لاسيما عيون المياه المعدنية في مدينة عين التمر (شثاثة) المنتشر وسط غابة من النخيل وأشجار الرمان والتفاح والزيتون . ومن المؤسف ان معظم هذه العيون قد جفت مياهها في السنوات الاخيرة نتيجة حفر الآبار الإرتوازية في المناطق المحيطة بها .، وكذلك آبار المياه الكبريتية التي تم حفرها في السنوات الأخيرة لأغراض الدراسات على أعماق كبيرة، وتقع على طريق مدينتي كربلاء. النجف قرب خان النص أحد الخانات التاريخية الشهيرة في العراق ، وما زالت مياهها تتدفق ذاتيا إلى الأراضي المجاورة، والتي يمكن الاستفادة من هذه العيون والآبار والتي تحتوي مياهها على الكلوريدات والكبريتات في علاج بعض الأمراض الجلدية المزمنة وأمراض المفاصل والعظام والعضلات وآلام الظهر وغيرها وخصوصأ لكبار السن.

كربلاء الحضارة والتاريخ 433


هذا بالإضافة لما تتميز به مدينة كربلاء المقدسة من خواص طبيعية متنوعة، حيث تقع على حافة البادية وسط المنطقة الرسوبية من العراق وتحيطها بساتين النخيل وأشجار الفواكه من ثلاث جهات. وتقع الى الغرب منها الصحراء الغربية التي تضم بحيرة الرزازة وواحة عين التمر. التي تعد من أجمل واحات العراق، وحصن الأخيضر التاريخي الشهير وكهوف الطار الاثرية ومباني قديمة أخرى، بالإضافة إلى مكانتها السامية لما تزخر به من موروث حضاري وديني بارز، والمتمثل بالعتبات المقدسة والمباني الدينية والتراثية الأخرى، مما ساهم في زيادة الحركة البشرية لهذه المدينة المقدسة، كل ذلك يعتبر من أهم خصائص ودعائم مقومات السياحة العلاجية فى هذه المحافظة.
ولكن مع الأسف الشديد نرى بأن استغلال هذه الينابيع والابار الموجودة في المحافظة لا يرقى إلى المستوى المطلوب أو معدوم كليا. بسبب عدم قدرة قطاع السياحة المشلول أساسا للقيام بهذه المهمة نتيجة الوضع العام المتردي في البلد، وعوامل عديدة أخرى منها: عدم وجود كوادر مهنية سياحية متخصصة يعول عليها في هذا المجال، بالإضافة إلى عدم الترويج لهذا النوع من السياحة، لاسيما عن طريق إقامة الندوات والمؤتمرات واستخدام الاعلام المرئي والمسموع والانترنت وإقامة المعارض الداخلية والخارجية والمشاركة في المؤتمرات العربية والإسلامية والدولية للتعريف بالمواقع التي من الممكن أن تستثمر في مجال السياحة العلاجية.
لذلك ندرك تماما ضرورة إنشاء وحدات إرشادية طبية علاجية متخصصة بالسياحة العلاجية في محافظة كربلاء، خصوصا في المواقع التي تتنشر فيها عيون المياه المعدنية ومياه الآبار الكبريتية، وذلك لتحقق الفائدة

كربلاء الحضارة والتاريخ 434

القصوى من هذه المرافق السياحية والعلاجية، تقوم بمهام الإرشاد والتوعية وإتباع طرق العلاج المختلفة وبالاستفادة من المصادر الطبيعية المتوفرة في هذه المواقع، العمل على تنميتها وتطويرها، ومن المؤمل أن يقصدها السياح والزوار لاغراض العلاج، بعد توفير كافة الخدمات الضرورية فيها.
لذا يجب وضع دراسات للمواقع التي تنتشر فيها عيون المياه المعدنية ومياه الآبار الكبريتية، الهدف منها اعداد مشروعات يتم تجهيزها بناءأ على رغبة هيئة الاستثمار بالتعاون مع المؤسسات المعنية كدوائر الصحة والسياحة والبلدية في المحافظة، وفسح المجال للمستثمرين لإنشاء مشاريع صحية وسياحية في تلك المواقع، وكذلك دراسة الأسواق وتحديد الاحتياجات، واعداد قاعدة للبيانات لتقدير الأعداد الوافدة في المستقبل لغرض العلاج والتمتع بهذه المواقع ومرافقها السياحية واقامة بعض المشاريع من قبل المستثمرين كالمنشآت الصحية والعلاجية والمراكز الطبية الحديثة التي يتوفر فيها تجهيزات طبية وكوادر بشرية تمتاز بالكفاءة العالية بالإضافة إلى إنشاء المشاريع الترفيهية في هذه المواقع. وتقديم كافة التسهيلات لهذا النوع من المشاريع، والتنسيق بين كافة الإدارات المختصة في هذا المجال.
ونأمل أن يتم العمل في المستقبل القريب بتقديم الخدمة العلاجية خصوصأ في المواقع التي تنتشر فيها ينابيع المياه المعدنية ومياه الآبار الكبريتية بعد توفير المتطلبات التالية:
أولأ - إنشاء وحدة طبية علاجية متكاملة ولها فروع في المواقع التي تنتشر فيها مياه الينابيع المعدنية ومياه الآبار الكبريتية بالإضافة إلى إقامة المصحات والمرافق السياحية الملحقة بها كالفنادق والمراكز الصحية الخاصة بهذا العلاج.

كربلاء الحضارة والتاريخ 435


ثانيا - تهيئة العناصر البشرية وإعدادها مهنيا من خلال التدريب المستمر لتكتسب المهارات الحديثة والمتجددة على أيدي خبراء متخصصين في مجال السياحة العلاجية، وتطوير وتحسين الجانب الاداري والمهني والمالي للعاملين في هذا القطاع الحيوي، والتنسيق مع الكليات والمعاهد السياحية لتخريج كوادر متخصصة وكفوءة في هذا المجال.
ثالثا - البحث عن مصادر للتمويل اللازم خصوصا في مجال الاستثمار لتشييد المباني الصحية المتخصصة بالعلاج مع المرافق السياحية والخدمية الملحقة بها، مع تقديم الخدمة الصحية المميزة وبأسعار مناسبة.
رابعا - غلق الابار الارتوازية التي تم حفرها في السنوات الاخيرة في مدينة عين التمر والمناطق المحيطه بها، والتي لم يستفاد الا العدد القليل منها، إذ تسببت في شحة وتوقف تدفق مياه العيون المعدنية وتبذير في المخزون المائي للمياه الجوفية في هذه المنطقة، مما اثر أيضا على الانتاج الزراعي المحلي لمدينة عين التمر، كالتمور والفواكه المشهورة بها هذه المدينة كالرمان والتفاح، بالإضافة إلى الزيتون.
خامسا - تنفيذ المشاريع المتعلقة بالبنى التحتية في مواقع مياه العيون المعدنية ومياه الآبار الكبريتية، كخطوط الكهرباء والاتصالات وشبكات المياه الصافية ومجاري الصرف الصحي وإحاطة هذه المواقع بالمنطاق الخضراء.
سادسا - إقامة الطرق المبلطة والحديثة المؤدية إلى مواقع مياه العيون المعدنية ومياه الابار الكبريتية والمضخات والمرافق العلاجية والصحية والسياحية التي ستنشأ في هذه المواقع، والخدمات الأخرى. وتوفير وسائط النقل والمواصلات الحديثة اللازمة لذلك.

كربلاء الحضارة والتاريخ 436

الآثار المباشرة وغير المباشرة للسياحة الدينية على اقتصاد البلد وتكوين الناتج الوطني

الآثارالمباشرة للسياحة الدينية

أولأ: أثر السياحة الدينية في الدخل الوطني

يتكون الناتج أو الدخل الوطني من خلال الفعاليات التي تمارسها القطاعات الأخرى المختلفة (زراعية، صناعية، خدمية) على مدار السنة، وكل قطاع منها يمتلك مجموعة مشاريع تتمدد بالمعامل والمصانع والمزارع والمنشآت والمؤسسات والمرافق وغيرها. وتقوم هذه الوحدات بمزج عناصر الإنتاج مع بعضها لكي تحولها إلى سلع وخدمات نافعة للمجتمع.
والسياحة الدينية أيضاً تمارس أنشطتها من خلال وحداتها الخدمية المتمثلة بالفنادق، المطاعم، وسائط النقل ..الخ، والتي تقوم بدورها بمزج عناصر الإنتاج وتحويلها إلى مجموعة خدمات تباع لزوار العتبات المقدسة.
إن الدخل الناتج عن السياحة الدينية، هو مقدار ما ينفقه الزوار مقابل الخدمات أثناء رحلاتهم لزيارة العتبات المقدسة، والذي يعد من زاوية أخرى، إيرادا للوحدات الخدمية العاملة في مجال السياحة الدينية.

كربلاء الحضارة والتاريخ 437


وهناك العديد من الدول تعد السياحة بالنسبة لها احد المصادر الرئيسية في تكوين دخلها الوطني. ومن الممكن أن يكون للسياحة الدينية شأن كبير في الدخل الوطني العراقي بما تمتلكه من مقومات حضارية تتمثل بالمدن الدينية المقدسة والأماكن الدينية الأخرى، القادرة على استقطاب ملايين الزوار المسلمين وغيرهم سنويأ.

ثانيا: أثر السياحة الدينية في ميزان المدفوعات

يصاحب عملية استضافة الزوار القادمين إلى العراق بهدف زيارة العتبات المقدسة، دخول مقدار كبير من العملات الأجنبية. وبذلك تكون السياحة الدينية مصدرا مهما لكسب العملات الأجنبية تدعم فيه ميزان المدفوعات. وفي هذا الصدد يجب مراعاة اجراء موازنة ما بين العائد من العملات الأجنبية بواسطة الزوار الوافدين للسياحة الدينية من جهة، وما ينفق بالعملات الأجنبية على استيراد مستلزمات الإنتاج المستخدمة من قبل المنشآت السياحة الدينية من جهة أخرى. وحصيلة الفارق بين العائد والإنفاق هي التي تقرر دور السياحة الدينية في ميزان المدفوعات. ففي حالة تفوق العائد، يكون هناك فائض في العملات وينشأ الدور الايجابي، وفي حالة تفوق الإنفاق يكون هناك عجز وينشأ الدور السلبي.

ثالثا: أثر السياحة الدينية في الميزانية الحكومية

يمكن للسياحة الدينية أن تكون مصدرا ماليا مهمأ لخزينة الحكومة عن طريق الإيرادات التي تحققها الرسوم المستوفاة من الزوار عن الخدمات المقدمة لهم، لاسيما إذا اقتنع الزائر بأن هذه الأموال سوف تنفق أيضأ لأغراض تطوير المراقد والمواقع الدينية والمؤسسات الخدمية التابعة لها.

كربلاء الحضارة والتاريخ 438

وتعتبر الضرائب والرسوم التي تفرض على المشاريع السياحية مصدرا مهما لميزانية الدولة.

رابعا: أثر السياحة الدينية في توفير فرص العمل

تنتمي صناعة السياحة إلى قطاع الخدمات. وهذا يعني أن النشاط السياحي يمتاز بدرجة عالية من الاعتماد على الجهود البشرية المتمثلة بعنصر العمل. ومن الصعوبة بمكان إحلال المكننة محل عنصر العمل إلا في حدود نطاق ضيق كاستخدام الحاسوب الالكتروني. وهذا ما أكده أحد العلماء الفرنسيين وهو فورستيه من خلال نظريته المبنية على مجموعة من أرقام وحقائق مستنبطة من واقع التطور للقطاع السياحي، وكانت النتيجة أنه كلما تطور القطاع السياحي كلما زاد اعتماده على عنصر العمل، وهذا يعني أن للسياحة قابلية فائقة على إيجاد فرص عمل جيدة ضمن حدود القطاع السياحي.

خامسا: أثر السياحة الدينية في إعادة توزيع الدخل وتنشيط التنمية جغرافيا

غالبأ ما يتم تنفيذ المشاريع التنموية، بالدرجة الأساس، في المدن الكبيرة والكثيفة السكان، ويكون ذلك على حساب المدن الصغيرة والارياف والأماكن النائية. ففي الوقت الذي ينعم فيه سكان المدن بكل مستلزمات الحياة العصرية، فإن سكان الأقاليم الأخرى يعانون من نقص شديد في هذا المجال، وهذا يؤدي إلى التوزيع غير العادل للتنمية والدخل.
ففي العراق على سبيل المثال تتوزع المراقد الدينية في المدن الدينية الكبيرة كما هو في كربلاء والنجف والكاظمية وسامراء، وكذلك في المدن

كربلاء الحضارة والتاريخ 439

الصغيرة والأرياف والأماكن النائية كما هو في مدن الحمزة والقاسم وغيرها مثل مناطق الحر وعون بن عبد الله واحمد بن هاشم في محيط مدينة كريلاء.
وهنا ياًتي دور السياحة الدينية في توزيع عادل للدخل والمشاريع التنموية في كافة المناطق النائية والمدن الصغيرة والكبيرة، وبالخصوص مشاريع الطرق والنقل والخدمات كالأسواق والفنادق والمطاعم والمرافق السياحية وغيرها.

الاثار غير المباشرة للسياحة الدينية

أولا: الأثر المضاعف للسياحة الدينية

إن المبالغ التي تنفق من قبل زوار المدن الدينية المقدسة، والتي تكون ايرادا لأصحاب المشاريع السياحية، يعاد إنفاقها مره ثانية وثالثة. وهكذا فإن الدخل المتحقق من نشاط السياحة الدينية يتضاعف في نهاية الأمر لعدة مرات بحكم تأثير المضاعف الاقتصادي. ولغرض تحسين قيمة المضاعف، وبالتالي مضاعفة الدخل المتحقق عن نشاط السياحة الدينية، لابد من تنمية القطاعات الأخرى التي تمد السياحة الدينية بعناصر الإنتاج، والمتمثلة بالدرجة الأساس بقطاعات البناء والإنشاء والصناعات المحلية المتعددة وخاصة الحرف والصناعات الشعبية التي يمكن الاعتماد عليها في سد حاجات السوق المحلية.

كربلاء الحضارة والتاريخ 440

ثانيا: أثر السياحة الدينية في تنشيط حركة الإنتاج والاستثمار في القطاعات الأخرى

للسياحة عمومأ قدرة عالية على خلق سلسلة من العمليات والنشاطات الإنتاجية (بسبب امتدادات الطلب السياحي المعقدة المباشرة منها وغير المباشرة إلى أكثر فروع وقطاعات الاقتصاد الوطني) وتسهم في قيام العديد من الصناعات الثانوية والجانبية التي تتصل بأكثر من مائة وخمسين صناعة مختلفة.
وبناء على ذلك فإن آثار السياحة الدينية تمتد إلى القطاعات الأخرى، وبذلك تكون محركا قويأ للاقتصاد الوطني العراقي.

ثالثا: أثر السياحة الدينية في تنمية مشاريع البنى التحتية وتطويرها

حرصا على إبراز الجوانب الحضارية المتميزة أمام زوار المدن الدينية المقدسة في العراق، لابد من تنفيذ عدد من مشاريع البنى التحتية التي توفر جانباً مهماً من مستلزمات الحياة العصرية، ليس ضمن حدود بلديات المراقد المقدسة فحسب، بل وفي كل المواقع التي يتواجد فيها الزوار، وتشمل مشاريع الخدمات كافة. وإن هذه المشاريع لا تقتصر على استخدامات الزوار لها فقط، وإنما تشمل سكان المدن المقدسة والمناطق الأخرى كافة.

رابعا: أثر السياحة الدينية في تنمية البنى الفوقية وتطويرها

إن تنمية المناطق الدينية وأهمية الظهور بالمظهر اللائق أمام الزوار والسواح، يعني بالضرورة الاهتمام بالبنى الفوقية للبلد عموماً، وللمنشآت السياحية والمراقد الدينية خصوصاً. والاهتمام لا يقتصر على بناء مشاريع البنى الفوقية وتوفيرها، بل يتعداه إلى الاهتمام الكبير بالبنى الفوقية التي تعنى

كربلاء الحضارة والتاريخ 441

بنوعية الأبنية وتصاميمها ومظهرها الخارجي، وبالخصوص المراقد الدينية التي تعد من أبرز معالم الحضارة الإسلامية في العراق والعالم الإسلامي.

خامسا: أثر السياحة الدينية في تحسين البيئة وتطوير المواقع التاريخية والأثرية

على الرغم من أن المراقد المقدسة والمواقع الدينية الأخرى تشكل عنصر الجذب الأساس في مجال السياحة الدينية، إلا أن تحسين البيئة وتطوير المواقع التاريخية والأثرية تعد من الأولويات المهمة التي لا غنى عنها وهي مكملة للسياحة الدينية.
فالزائر أو السائح الذي يقطع المسافات الطويلة لتأدية مراسيم الزيارات الدينية، يرغب أيضأ بممارسة بعض الأنشطة الثقافية والترويحية، منها الإطلاع على المعالم التاريخية والأثرية الموجودة ضمن حدود المناطق الدينية. ومجاميع كبيرة من الزوار يخصصون جزءأ من وقتهم للراحة والاستجمام في البساتين والمتنزهات، وجزءا آخر من الوقت يخصص للتسوق وبالخصوص في الأسواق القديمة.
وهذا يتطلب الاهتمام بالجوانب التالية:
  • حماية البيئة من التلوث.
  • زراعة الغابات الاصطناعية والأحزمة الخضراء وحماية البساتين.

    كربلاء الحضارة والتاريخ 442

  • إقامة الحدائق العامة والمتنزهات وملاعب الأطفال وبالخصوص المتنزهات الخاصة بالنساء والأطفال فقط.
  • ترميم وصيانة المواقع التاريخية وتحسين الأحياء القديمة.

    سادسأ: أثر السياحة الدينية في الإعلام

    يعتبر الإعلام أحد الوسائل الأساسية للتعريف بالمنجزات الحضارية للبلد أمام دول العالم، وتخصص لهذا الغرص أموال طائلة من ميزانية الدولة سنوياً.
    ويعد الزائر أو السائح أفضل وسيلة دعائية إعلامية مجانية صادقة تعكس واقع التطور الموجود في البلد عند عودته إلى بلده. وان استقبال ملايين الزوار والسواح سنويأ، يعني كسب تأييد عشرات الملايين من أبناء مختلف الدول، إذا ما تم استضافة الزوار والسواح بطريقة حضارية ولائقة وكسب رضاهم من خلال حسن الضيافة والمعاملة وتوفير كافة الخدمات والمستلزمات الضرورية لهم.
    وهناك آثار أخرى للسياحة الدينية يجب أن تحظى بالاهتمام والدراسة والتقييم وهي:

    أثر السياحة الدينية في المستوى العام للأسعار

    في الزيارات الدينية المهمة، يتدفق مئات الآلاف من الزوار على المدن الدينية المقدسة خصوصأ مدينة كربلاء المقدسة، ويقابل هذا العدد الهائل من الزائرين ارتفاع كبير في الأسعار وبالذات المواد الاستهلاكيه منها،

    كربلاء الحضارة والتاريخ 443

    وتخلق حالة من التضخم النقدي، وتعكس اثار هذا التضخم وبشكل سلبي على سكان المدن الدينية من ذوي الدخل المحدود، مما يؤدي إلى انخفاض في مستواهم المعيشي. لذلك لابد من إيجاد طريقة توفر المواد الاستهلاكية لسكان المدن الدينية المقدسة، وخاصة من ذوي الدخل المحدود، وبأسعار عادية لا تؤثر على مستواهم المعاشي، كإقامة الجمعيات التعاونية الاستهلاكيه الخاصة بأبناء المدينة فقط.

    أثر السياحة الدينية في قضايا التبعية الاقتصادية

    تتمثل هذه الحالة عندما يكون تشغيل المرافق السياحية معتمدا بالأساس على الزوار القادمين من بلد معين كإيران مثلا. وبالتالي فإن الأنشطة الاقتصادية في المدن الدينية المقدسة ستتأثر سلبأ أو إيجابأ واقتصاديات ذلك البلد. فتنتعش السياحة الدينية في المدن المقدسة عندما يكون ذلك البلد في حالة من الرخاء الاقتصادي، والعكس صحيح.
    أو قد تحدث ظروف استثنائية تحول دون وصول الزوار من ذلك البلد لأسباب عديدة مما يولد اهتزازا بالغا في الأنشطة الاقتصادية للمدن الدينية المقدسة. والمطلوب تنويع مصادر الطلب على السياحة الدينية في البلد، وعدم الاعتماد بصورة رئيسية على بلد واحد، وهذا يتطلب الترويج للسياحة الدينية في كافة البلدان الإسلامية والبلدان الأخرى التي تتواجد فيها جاليات إسلامية كبيرة.

    الأثر الاجتماعي والثقافي للسياحة الدينية

    نتيجة الاحتكاك والتعامل المباشر بين السكان المحليين من جهة، وزوار المدن الدينية المقدسة القادمين من بلدان مختلفة ومتعددة الثقافات من

    كربلاء الحضارة والتاريخ 444

    جهة أخرى، سوف يطلع السكان ويكتسبون العديد من العادات والتقاليد الاجتماعية والثقافية وعلى مستويات مختلفة، مما يؤثر ايجاباً أو سلباً على البيئة الاجتماعية للبلد. وبمعنى آخر فإن هذا الاحتكاك سيولد تغييرا في البيئة الاجتماعية والثقافية. وقد برهنت القرون الماضية بأن احتكاك سكان المدن الدينية مع القادمين لزيارة مراقدها المقدسة أدى إلى رفع المستوى الثقافي للسكان، وانعكس على التركيبة السكانية المتسامحة للمدن الدينية، كما كانت منطلقأ للكثير من الحركات الفكرية والسياسية والترجمة ودراسة اللغات والثقافات والعادات.

    كربلاء الحضارة والتاريخ 445

    المقترحات والتوصيات المتعلقة بتطوير السياحة الدينية


    لتطوير قطاع السياحة الدينية في العراق نرى ضرورة الأخذ بالمقترحات والتوصيات التالية:
  • السعي لإيجاد أجهزة تسويقية متخصصة وكفوءة بالسياحة الدينية والعمل على بيان أهمية تنظيم وتطوير هذا النشاط ورسم هيكليته والإشرإف عليه من خلال استحداث مؤسسة تسمى « مؤسسة السياحة الدينية ».
  • ضروره عمل استبيان دوري مستمر على مدار أشهر السنة وبالخصوص في المناسبات الدينية، وايجاد أجهزة متطورة تقوم بهذا العمل. مما يؤدي إلى توفير بيانات وإحصائيات كافية ومتكاملة تصلح لأن تكون أساسأ لإعداد دراسات علمية صحيحة عن السياحة الدينية.
  • إتاحة الفرصة للمواطنين ممن لهم الخبرة والكفاءة في مجال السياحة والسفر والزيارات الدينية لتأسيس شركات سياحية لتأخذ دورها للارتقاء بهذا النشاط على أسس تنسجم مع الوضع الجديد في العراق ومتطلبات السوق، والعمل على إعادة تنظيم وتطوير أداء شركات السياحة والسفر الموجودة.
  • الاسنفادة من الخبرات والكفاءات المهنية المتخصصة والنزيهة في مجال السياحة الدينية ومنحهم الأولوية في التوظيف لدى مؤسسة السياحة الدينية المقترحة.

    كربلاء الحضارة والتاريخ 446

  • تشجيع دخول الزوار إلى العراق على شكل مجاميع لما لهذه السياحة من اثار ايجابية تسهل الإجراءات وتكون بعيدة عن الروتين، وتقديم كافة الخدمات الفندقية ولتحقيق الزيارات بكل سهولة ويسر.
  • إعداد برامج سياحية تجمع السياحة الدينية والسياحة التاريخية والأثرية والسياحة العلاجية وسياحة الاستجمام والترويح عن النفس، وهذا يتطلب تنويع الفعاليات السياحية التي تعتمد على العامل الطبيعي، كاستثمار بحيرة الرزازة والبساتين في محافظة كربلاء وكذلك المناطق المطلة على نهر الفرات في مدينتي الهندية (طويريج) والمسيب ومناطق الحسينية والعطيشي، وبحر النجف والمناطق الجميلة المطلة على نهر الفرات في الكوفة، والمعالم الآثارية في مدينة بابل الأثرية بمدينة الحلة. إن مثل هذه البرامج ستؤدي إلى زيادة معدل الإنفاق اليومي وزيادة معدل فترة بقاء الزائر أو السائح.
  • تنويع مصادر الطلب على السياحة الدينية، وبالذات المصادر الخارجية منها، وعدم الاقتصار على بلدان معينة وبذلك نضمن طلبأ مستمرإ على مدار السنة.
  • تشجيع الطلب على زيارة العتبات المقدسة في مواسم خارج نطاق المناسبات الدينية المهمة وخاصة لطلبة المدارس والجامعات وعوائل الشهداء وكبار السن والمعوقين وتقديم كافة التسهيلات اللازمة كتخفيض الأسعار بنسبة كبيرة على الإيواء (السكن) والنقل والطعام والبرامج السياحية الأخرى.
  • تشجيع السفر إلى مدن العتبات المقدسة بواسطة وسائل النقل الجماعية، كالحافلات والسكك الحديدية.

    كربلاء الحضارة والتاريخ 447

  • تشجيع الفعاليات والاحتفالات الدينية في منطقة التوسعات الجديدة خارج الروضات، بهدف التخفيف من حدة الازدحام الشدييد داخل الروضة، وهذا يتطلب توفير كافة المستلزمات الضرورية والتي ستتوفر في التوسعات الجديدة.
  • السعي إلى توفير الخدمات الخاصة بأماكن الوضوء، المرافق الصحية للرجال والنساء والمعوقين والحمامات وأماكن شرب الماء (السبيل) ومراكز الإرشاد ومكاتب الاتصالات ومكاتب الشرطة السياحية وغيرها.
  • الاهتمام بإجراءات الرقابة الصحية على الفنادق والمطاعم والخدمات الخاصة بالسياحة الدينية وبشكل مستمر من قبل الدوائر المختصة للحد من المخالفات الصحية التي تؤثر على البيئة والصحة العامة.
  • تحسين وتطوير أماكن إيواء الزائرين وبالذات الفنادق والبيوت المخصصة لهم واجراء الصيانة المستمرة لها من قبل اصحابها.
  • دعم وتشجيع القطاع الخاص لإقامة سلسلة من الفنادق المختلفة الدرجات لتناسب كافة الدخول وكذلك المرافق السياحية والمطاعم وغيرها.
  • إنشاء مدن سياحية تتوفر فيها كافة مستلزمات الراحة في المناطق المفتوحة خصوصا في المناطق المحيطة بالمدن المقدسة كبحر النجف والمناطق المطلة على نهر الفرات في الكوفة وبحيرة الرزازة، ومرقد عون بن عبد الله، والعطيشي والحسينية والإبرإهيمية، وطريق كربلاء- النجف وبحيرة الثرثار في سامراء والمناطق المطلة على نهر دجلة في الكاظمية.
  • العمل على تنمية الطلب على السياحة الدينية من خلال نشر الوعي الثقافي وبمختلف الوسائل المتاحة.

    كربلاء الحضارة والتاريخ 448

  • المحافظة على دخول وخروج الزوار إلى العتبات المقدسة وفق نظام يمنع الازدحام الشديد ودخول عناصر تسيء إلى الزوار داخل العتبات المقدسة.
  • تشجيع ودعم المعاهد والكليات السياحية وبالخصوص المتخصصة في السياحة الدينية وتطوير برامجها الدراسية بما يلبي إعداد كوادر سياحية مدربة وكفوءة لمتطلبات المنشأت السياحة الدينية في المستقبل وخاصة في المدن والمواقع الدينية والتي تقدم خدماتها بشكل مباشر وغير مباشر لزوار العتبات المقدسة.
  • أهمية العلاقة بين الفنون والحرف الإسلامية من جهة وبين السياحة الدينية من جهة أخرى، وذلك بهدف الارتقاء بمستوى الوعي العام إلى أقصى حد ممكن، نظرا لأهمية هذا القطاع من خلال تعزيز المراكز الخاصة بتنمية الحرف والفنون الإسلامية.
  • تأهيل المباني التراثية والتاريخية في المدن الدينية المقدسة والاهتمام بشوارعها وأزقتها وحدائقها لتتحول إلى مقاصد سياحية ومراكز دينية وثقافية وتعليمية مهمة ليس على صعيد العراق فحسب، بل على الصعيد العربي والإسلامي والعالمي.
  • اعادة إحياء النسيج العمراني للمدن الدينية المقدسة بما يتلائم مع طراز عمارة العتبات المقدسة وضمن اطارها الحضري.
  • دعم وتشجيع البحوث والدراسات المتعلقة بالسياحة بشكل عام والسياحة الدينية بشكل خاص.

    كربلاء الحضارة والتاريخ 449

  • فتح دورات خاصة لخريجي طلبة السياحة والسياحة الدينية بشكل خاص لتعليم اللغات المحلية والأجنبية كاللغة الكردية والفارسية والتركية والإنكليزية والهندية وغيرها.
  • إيجاد الحلول اللازمة للباعة لكي لا يعرضوا بضائعهم على الأرصفة والطرقات خصوصأ في المناطق المحيطة بالمراقد المقدسة، وإقامة الأسواق الشعبية الدائمية الخاصة بهم.
  • تشجيع سكان المدن الدينية المقدسة لتنفيذ مشاريع سياحية لتحقيق عائدات تعود عليهم بالفائدة وتشغيل الأيادي العاملة المحلية.
  • مشاركة المجتمع وخاصة طلبة الجامعات والمدارس للمساهمة في الإشراف والتنظيم على حركة سير الزوار وأداء مراسيم الزيارة خلال المناسبات الدينية المهمة، وكذلك في إيجاد بيئة نظيفة من خلال مساهمتهم للإشراف على تنظيف المواقع الدينية والسياحية.
  • توعية السكان المحليين سياحيأ بهدف تشجيع التفاهم بينهم وبين الزوار والسياح وبطريقة حضارية.

    كربلاء الحضارة والتاريخ 450





    السابق السابق الفهرس التالي التالي