كربلاء الحضارة والتاريخ 311

معالم الحصن المعمارية


يتميز حصن الأخيضر بأنه بناء دفاعي ضخم. وهو مشيد بالحجر المتوفر في المنطقة المحيطة به، والجص. والبعض من أجزائه مبني بالطابوق الطيني المفخور (الآجر) - الذي يجلب من المنطقة القريبة من مدينة كربلاء - وهو مستطيل الشكل، ومن أهم معالمه العمرانية هي:

الأسوار

يحيط بحصن الأخيضر سور طوله من الشمال إلى الجنوب 175 مترا، وعرضه - من الشرق إلى الغرب 169 مترا، ويبلغ ارتفاعه حوالي 21 مترا. يضم السور أربعة أبراج رئيسية، تقع في الأركان الأربعة، وقطر كل منها 5 أمتار. كما يوجد في منتصف كل ضلع من أضلاع السور برج كبير، يتوسطه مدخل. وتوجد عشرة أبراج في كل ضلع، خمسة عن يمين الداخل وخمسة أخرى عن يساره، وقطر كل برج من هذه الأبراج 3,50 متر، وبذلك يكون مجموع الأبراج في السور 48 برجا. وتوجد بين برج وآخر حنايا ارتفاعها حوالي 10,50 متر إلى مستوى المجاز الذي يقسم السور بعد هذا الارتفاع إلى جدارين، أحدهما داخلي يطل على ساحات الحصن، وآخر خارجي فيه حنايا داخلية ومزاغل لرمي السهام.
وهذا المجاز بعرض مترين ويتصل بغرف دائرية الشكل تقوم فوق كل برج من الأبراج. ويوجد في كل زاوية من زوايا الحصن الداخلية سلم يتصل بالمجاز والأبراج الرئيسية، إضافة إلى سلمين متقابلين على جانبي كل مدخل من مداخل السور. أما القصر فقد بني ملاصقا للضلع الشمالية من السور الخارجي، وله سور خاص من الجهات الثلاثة الأخرى، وهذا السور مدعم بأبراج.

كربلاء الحضارة والتاريخ 312

المرافق الداخلية

تنحصر المرافق ضمن بناية مستطيلة الشكل ملاصقة للسور الخارجي من الجهة الشمالية، طولها 112 مترا وعرضها 80 مترا. والبناية مدعمة بأبراج عددها 26 برجا بقطر 1,20 متر لكل برج، ثمانية منها في كل من الضلعين الغربية والشرقية وخمسة في الضلع الجنوبي، وبرجان في الزاويتين الجنوبية الغربية والشرقية، وخمسة في الضلع الجنوبي، وبرجان في الزاويتين الجنوبية الغربية والشرقية، وتضم المرافق الداخلية التالية:
1- الديوان الرسمي (البهو الكبير): وهو عبارة عن قاعة مستطيلة الشكل طولها 15,50 متر وعرضها 9 أمتار. وفي ضلعيها الشرقي والغربي أربعة أساطين نصف اسطوانية، تقوم عليها خمسة عقادات متتالية، تنحصر بينها مداخل الغرف الخاصة بالديوان. فالمدخل الذي في الضلع الشرقي، يؤدي إلى الطابق العلوي، في حين تؤدي المداخل الثلاثة إلى غرف. وفي الإيوان الأخير مدخلان، يؤدي الأول إلى الطابق العلوي، أما المدخل الثاني فيؤدي إلى المسجد، والطوابق تتألف من مجموعة غرف متداخلة.
2- القسم المركزي: يحيط هذا القسم رواق سقفه معقود يفصله عن باقي أقسام القصر. ويكون الوصول إليه من خلال مدخل في منتصف الضلع الجنوبي للديوان الكبير، ويقابله مدخل آخر يؤدي إلى الرحبة الكبرى. وهذه الرحبة عبارة عن ساحة مستطيلة الشكل، طولها 33 مترا وعرضها 27 مترا تفتح عليها أربعة أبواب بواسطة الرواق الكبير. فالمدخل الشمالي يتصل بالإيوان الكبير. والمدخلان الشرقي والغربي يؤديان إلى المجاز المحيط بهذا القسم، ومنها قسم الحرم. أما المدخل الجنوبي فيتصل مباشرة بما يعرف بـ«المابين»، والضلع الشمالي للرحبة أكثر ارتفاعا من بقية الأضلاع. ويتألف الضلعان الشرقي

كربلاء الحضارة والتاريخ 313

الغربي من تجاويف أو طوق، بنمط واحد. أما الضلع الجنوبي فيتألف من فتحة كبيرة تعد واجهة للإيوان الكبير.
3- الإيوان الكبير: وهو على شكل قاعة مستطيلة الشكل طولها 10,75 متر، وعرضها 6 أمتار، تعلوها عقادة نصف اسطوانية مشيدة من الآجر، يحيط بها عدد من القاعات المخصصة لاستقبال الضيوف، وتمتاز واجهتها بجمال تصميمها وكأنها صممت على غرار قاعات العرش. وتتصل بهذا الإيوان قاعتان على جهته الشرقية، وقاعتان أخريان على جهته الغربية. وهذه القاعات مستطيلة الشكل، طول كل منها 10 أمتار وعرض 4,65 متر. وتتميز هذه القاعات بسلسلة من العقود والزخارف الجبصية المتنوعة. وأمام الإيوان ساحة مستطيلة تحف بها عدد من القاعات. وفي منتصف الضلع الجنوبي لهذه الساحة، يوجد مدخل يؤدي إلى الرواق الكبير الذي يحيط بالقسم المركزي، وتفتح في هذا الرواق عدة أبواب.
4- المسجد: وهو مبنى مستطيل الشكل، طوله 24 مترا، وعرضه 15,50 متر، وله مدخل في البهو، وآخر في المجاز الغربي الذي يفصل بين سور الحصن وبين القسم الشمالي الذي يكون القصر ومرافقه.
وتحيط بالمسجد من جهاته: القبلية والشرقية والغربية أروقة، وتستند إلى صف من الأعمدة في كل جهة، تقوم عليها أقواس متتالية ومعقودة وذات زخارف هندسية جميلة. أما شكل المحراب فهو مقعر. وقد برهنت التحريات الأثرية بأن بناءه جزء أصيل من بناء حصن الأخيضر وليس مستحدثا أو مضافا إلى البناء. وللمسجد ثلاثه مداخل هي:

كربلاء الحضارة والتاريخ 314


اثنان منها يؤديان إليه بواسطة المجاز الشمالي ويقعان في الضلع الشمالي لصحن المسجد. أما المدخل الثالث فيقع في الزاوية الجنوبية الشرقية من المسجد ويؤدي إلى البهو.
5 - قسم الحرس: يقع إلى الجهة الشرقية من البهو، ويلتصق بالسور الخارجي من الشمال، ويؤدي إليه بواسطة مدخل يقع في المجاز الطويل. كما يوجد مدخل آخر على شكل سطح مائل يؤدي إلى الطابق الأول بواسطة مدخل فرعي على يمين الصاعد، وإلى الطابق الثاني بعد انعطافه إلى الجنوب، فيصل إلى الطابق الثاني. وهذا القسم يتكون من طابق واحد، عدا الجانب الغربي الذي يتألف من طابقين لاتصاله بالغرف والمرافق الخاصة بالحرس والكائنة في أعلى المدخل الرئيسي.

بيوت السكنى

وهي أربعة بيوت يستقل بعضها عن البعض الآخر. يقع اثنان إلى الشرق من القسم المركزي. والاثنان الآخران يقعان إلى الغرب من هذا القسم. وفي كل بيت منها مدخل يقع في الرواق الكبير. وتكاد هذه البيوت أن تكون متشابهة من حيث التصميم، والتناظر في الموقع.
يتكون كل بيت من صحن مستطيل الشكل، وأضلاعه ذات حنايا. وتعلو هذه الحنايا أقواس تستند على أعمدة، ويكون مدخل البيت في الحنية الوسطى. وغالبا ما تتشابه الواجهتان الشمالية والجنوبية في التصميم، وعدد القاعات والمرافق التي تضمها.
وتتميز هذه البيوت بنظام الأواوين، وهو طراز ينسب إلى الطراز المعماري الحيري (نسبة إلى مدينة الحيرة) قرب مدينة الكوفة.

كربلاء الحضارة والتاريخ 315

قسم الخدم

وهو بناء كبير يتألف من صحن مستطيل الشكل، مع ثماني قاعات، سقوفها معقودة بأقبية، وهو معزول عن بيوت السكنى الخاصة بالعوائل ويقع خلف القسم المركزي وغرف الاستقبال.

الحمام

بناء مستطيل الشكل يقع بين البيت الجنوبي من بيوت السكنى، وبين قسم الخدم. طوله 9,90 متر وعرضه 9,30 متر. ويقع مدخله في الركن الجنوبي الشرقي من الرواق الكبير. يحيط بالحمام جدار داخلي إضافة إلى الجدران الأساسية التي هي من أصل القصر. وهذا الحمام خاص بالقصر، وجدرانه الداخلية مشيدة من الطابوق والنورة، أما أرضية الحمام فهي مبلطة بالرخام الأبيض. وله مدخل رئيسي داخلي يقع في الزاوية الجنوبية الشرقية للرواق الكبير، وله مداخل فرعية أخرى. وقسم الاستحمام يتكون من ثلاث قاعات متداخلة، يؤدي إليه مدخل في الضلع الغربي. والتصميم العام للحمام يشبه تصميم الحمامات التي شيدت في العصور الإسلامية.

الأبنية الخارجية

هناك أبنية تقع خارج الحصن. الأولى تقع على يمين الداخل من المدخل الشمالي (الرئيسي) وهي مستطيلة الشكل طولها 76 مترا وعرضها 12 مترا، مكونة من سلسلة غرف وسقوفها معقودة وعددها 14 غرفة، وتكون إحداها بشكل إيوان مفتوح من الجانبين. وهناك باب لسلم يؤدي إلى سطح البناية. وتوجد ساحة مستطيلة طولها 33,20 متر وعرضها 24,70 متر تقع بين البناية المستطيلة القائمة على الضلع الشمالي، والسور الممتد على الضلع الغربي.

كربلاء الحضارة والتاريخ 316

كما توجد بناية صغيرة في الجهة الشمالية الشرقية للحصن ويشبه تصميمها تصميم الحمام (1).
حصن (قصر) الأخيضر الشهير في كربلاء
حصن (قصر) الأخيضر الشهير في كربلاء



(1) G. L. Bell: Amurath to Amurath, pages: 147 - 155. K. A. C. Creswell: Early Muslim Architecture, Vol. II, pages: 52- 70.
كربلاء الحضارة والتاريخ 317

قصر مقاتل

جاء في «معجم البلدان» لياقوت الحموي «أن قصر مقاتل من الأماكن الواقعة بالقرب من عين التمر وينسب إلى مقاتل بن حسان بن ثعلبة والذي يعود نسبه إلى امرئ القيس بن زيادة مناة بن تميم. ويدعى أيضا قصر بني مقاتل. وكانت فيها لكسرى مرابطة عليها النعمان بن قبيصة الطائي، نزل فيها الإمام الحسين بن علي بن أبي طالب (ع) في طريقه من القادسية إلى كربلاء عام 61هـ (680م). وبالقرب منه تقع قرى القطقطانه وسلام ثم القريات».
وبعض المصادر التاريخية يذكر أن حصن الأخيضر أقيم على أنقاض قصر مقاتل الذي هدمه عيسى بن علي بن عبد الله في القرن الثاني الهجري وأقام حصن الأخيضر فوقه(1).

(1) السياحة في العراق ودورها في التنمية والاعمار، مصدر سابق، ص: 367. د. زين العابدين موسى آل جعفر وهدى علي حسين الفتلاوي: الأبنية الحضارية في كربلاء، الطبعة الأولى، اصدارات مركز كربلاء للدراسات والبحوث، 2015، ص: 150 - 152.
كربلاء الحضارة والتاريخ 318

قصر شمعون


يقع هذا القصر على بعد حوالي 90 كلم إلى الغرب من مدينة كربلاء المقدسة و3 كلم إلى الشمال الشرقي من مركز مدينة شثاثا، وسمي بهذا الاسم نسبة إلى صاحبه شمعون بن جابر اللخمي وهو من مشاهير علماء النصارى في القرن الخامس الميلادي والذي نصر النعمان بن المنذر بن امرؤ القيس اللخمي أحد ملوك الحيرة في القرن السادس الميلادي.
وقيل أن قصر شمعون ينسب لأحد ملوك اليهود الذين كان يقطنون في منطقة شثاثا قبل الفتح الإسلامي للعراق، وهذا الملك اسمه شمعون.
وقد ورد في كتاب (عين التمر) لطالب الشرقي ما نصه: ان قصر شمعون ورد ذكره باسم (قلعة شمعون)، سمي بذلك نسبة الى شمعون بن جابر اللخمي، أحد رجال الدين المسيحي. وورد ذكره أيضا في كتاب (رحلة وديوان الماحي) للماحي المصري ما نصه: (وكان اليهود يسكنون هذه القرية - ويقصد بها شثاثا - قبل ان يفتحها المسلمون، ولا يزال بها أطلال قصر الملك، يقال له شمعون).
وتظهر معالم القصر الحالية عبارة عن بعض الجدران الضخمة المرتفعة التي يبلغ ارتفاعها عن مستوى سطح الأرض حوالي سبعة أمتار ويبلغ سمكها حوالي مترين.
وللقصر ثلاثة سراديب أحدهما بحالة جيدة والآخر يقع في وسط دور أحد الفلاحين في الوقت الحاضر، أما السرداب الثالث فلم يبق منه سوى زاوية واحدة، والقصر مشيد بالحجر الكلسي والطين، ويلاحظ أن بوابة قائمة في

كربلاء الحضارة والتاريخ 319

الجدار صور بعدسة (المس بيل) عام 1911م قد اختفت في الوقت الحاضر، وقد تسببت عوامل التعرية الطبيعية في تغيير معالم هذا القصر التاريخي(1).
كنيسة الأقيصر في كربلاء
كنيسة الأقيصر في كربلاء


(1) الأبنية الحضارية في كربلاء، مصدر سابق، ص: 147- 150.
كربلاء الحضارة والتاريخ 320

قصر عطشان


يعد هذا القصر أحد القصور التاريخية في كربلاء، وتذكر المصادر التاريخية ان بناء القصر قديم يعود تاريخه الى الفترة التي بني بها قصر (حصن) الاخيضر الشهير في مطلع العصر العباسي. ويستدل من طراز بنائه وعناصره الزخرفية على انه لم يكن سوى دار استراحة لوالي منطقة الاخيضر في رحلته الى مدينة الكوفة. وأما تسمية القصر بالعطشان فإنها مرتبطة بحادثة اندثار بئر الماء الذي كان في داخل القصر، الذي يعتبر المصدر المائي الوحيد في المنطقة التي يقع فيه هذا القصر.
يقع قصر عطشان في البادية الغربية من العراق على بعد 16 كلم تقريبا باتجاه الغرب من خان النخيلة أحد الخانات التي تقع على طريق كربلاء - النجف، ويبعد هذا القصر عن مدينة كربلاء المقدسة بنحو 30 كلم. ويبعد عن حصن (قصر) الأخيضر حوالي 50 كلم إلى الجنوب الشرقي منه، وفي منتصف الطريق الذي يربط بين مدينة الكوفة وقصر الأخيضر.
وقصر عطشان بناء مربع الشكل تقريبا أبعاده من الشمال إلى الجنوب 25,50 متر وعرضه من الشرق إلى الغرب 24,90 متر. ويحيط بالقصر سور سميك مدعم بثمانية أبراج تعتبر ركائز لمبنى القصر وذلك لضخماتها، أربعة أبراج منها شبه اسطوانية، أما الأبراج الأربعة الأخرى التي تقع في منتصف الأضلاع الأربعة فهي نصف اسطوانية. ويقع المدخل الرئيس الوحيد لهذا القصر في منتصف الضلع الشمالي من القصر، ويقسمه إلى نصفين، كل نصف على شكل ربع اسطوانة.

كربلاء الحضارة والتاريخ 321


وهذه الأبراج شبيهة إلى حد بعيد بالأبراج الموجودة في حصن (قصر) الأخيضر.
ويلي المدخل دهليز على شكل مستطيل مغطى بقبو نصف دائري مفتوح من الطرف الآخر على ساحة داخلية مكشوفة.
ويتألف مبنى القصر من إيوان مستطيل الشكل، ويطل على ساحته المكشوفة، وينفتح الإيوان من الخلف على باب غرفة مربعة الشكل مسقوفة بقبو نصف دائري، وتنفتح هذه الغرفة على غرفتين صغيرتين تعلوهما أقبية على شكل نصف دائرية.
وتحف بالإيوان من جهتي اليمين واليسار غرف أخرى تنفتح عليه بأبواب. وعلى الجدار الغربي توجد ثلاث قاعات جميعها بعرض واحد تطل كل منها على الصحن (الفناء المكشوف) بباب مستقل.
وقد تم الكشف عن بقايا من قصور أخرى في هذه المنطقة من الصحراء الغربية تعود إلى العهدين الأموي والعباسي، وهذه القصور متشابهة في مخططاتها وعناصرها المعمارية(1).

(1) الأبنية الحضارية في كربلاء، مصدر سابق، ص: 183 - 188.
كربلاء الحضارة والتاريخ 322

قلعة بردويل


تقع هذه القلعة إلى الجهة الشمالية الغربية من مدينة عين التمر (شثاثا) على مسافة 5 كلم وعلى الجانب الشمالي للطريق الذي يربط شثاثا بالرحالية، ويعد هذا المبنى ضمن مباني تاريخية عدة اندثرت في هذه المنطقة.
ويعتقد أن قلعة بردويل تعود إلى العصر المسيحي في القرن الخامس الميلادي، وكانت هذه القلعة تستخدم للمراقبة والحراسة تتقدم التجمعات السكنية المسيحية في هذه المنطقة مثل مجمع كنائس القصير وقصر شمعون.
وبردويل هي كلمة سريانية تعني الرجل الطويل، وقد شيدت هذه القلعة على شكل بناء عمودي يصل ارتفاعه إلى عشرة أمتار تقريبا على مرتفع يصل إلى عشرة أمتار أيضا فوق مستوى سطح الأرض.
وجاء في كتاب (عين التمر) لطالب الشرقي حيث قال: «و(البردويل) بناء قائم على مرتفع، يتألف من صفين من الغرف، في كل صف ثلاث». وقال أيضا: «لم أجد لهذا الأثر ذكرا في كتب الآثار والبلدان التي وقفت عليها، وقد قيل أنه كان صومعة لعابد مسيحي قبل الاسلام، ويلاحظ ان شكله الحالي يشبه صوامع الرهبان».
وقد تعرضت معظم اجزاء هذه القلعة إلى عملية الهدم نتيجة الظروف المناخية وكذلك عدم الاهتمام بهذه المباني التاريخية، وإن ما تبقى من مبنى هذه القلعة وجود بعض القاعات المسقفة بأقبية مدببة الشكل شيدت على الطراز المعماري الحيري الذي كان سائدا في تلك الحقبة الزمنية ويحيط بالقلعة سور متين(1).

(1) الأبنية الحضارية في كربلاء، مصدر سابق، ص: 222 - 225.
كربلاء الحضارة والتاريخ 323

كنيسة الأقيصر


تقع هذه الكنيسة في وسط الصحراء الغربية وإلى الجنوب الغربي من مدينة كربلاء المقدسة بحوالي 65 كلم وعلى بعد 7 كلم إلى الشمالي الشرقي من حصن الأخيضر التاريخي الشهير، وإلى الجنوب من مدينة عين التمر بمسافة 15 كلم.
وتعد هذه الكنيسة أحد أقدم الكنائس الموجودة في العراق والشرق الأوسط. وأن أهم ما يميز موقعها هو وجود وادي الأبيض الذي كانت تغذيه مياه الأمطار والسيول في فصل الشتاء.
وأن كنيسة الأقيصر هي ضمن مجمع عدة مباني تدعى بكنائس القصير، وأن تسميتها بالأقيصر لعلها تصغير كلمة «الأقصر» لوجود عدة قصور تاريخية في هذه المنطقة، منها قصر (حصن) الأخيضر وقصر البردويل وقصر شمعون.
وكان الموقع الذي شيدت فيها هذه الكنيسة مدينة متكاملة تسخر بالحياة قبل الإسلام، وأن أغلب سكانها كانوا من المسيحيين.
ومن الآثار الموجودة في هذه الكنيسة في الوقت الحاضر رسوم متعددة لاشكال مختلفة للصليب وتوجد على جدرانها كتابات آرامية تعود إلى القرن الخامس الميلادي حسب ما ذكرته بعض الدراسات التي قام بها عدد من الباحثين والآثاريين.
وتوجد ضمن الآثار القريبة من هذه الكنيسة والتي تبعد عنها بحوالي 20 مترا مجموعة من المقابر قسم منها يعود إلى رهبان الكنيسة ورجال دينها

كربلاء الحضارة والتاريخ 324

الذين كانوا يقدمون تعاليمهم وخدماتهم. والقسم الآخر لهذه المقابر تعود لعامة الناس من المسيحيين الذي دفنوا في هذه المقبرة . وقد شيدت هذه المقابر من الحجر والجص وكسيت جدرانها من الداخل بالجص الأبيض.
ويحيط بالكنيسة سور شيد من الطين وتوجد في أركانها الأربعة أبراج، ويوجد في السور خمسة عشر بابا للدخول تعلوها الأقواس الدائرية، ويبلغ طول بناء الكنيسة ستة عشر مترا وعرضها أربعة أمتار، وقد شيدت من الطابوق (الآجر) والطابوق الفرشي والجص.
وكانت هذه الكنيسة مقصدا للزوار المسيحيين الكلدانيين وفي مناسبات معينة وعلى مدى قرون عدة كانت هذه المنطقة من الأماكن المقدسة لدى المسيحيين.
وقد تعرضت هذه الكنيسة إلى التشويه والخراب من قبل عساكر نظام صدام المقبور، حيث اتخذ موقع الكنيسة مكانا لتدريب عساكر النظام المباد قبل عام 2003م، وتعرضت كذلك بعد سقوط النظام إلى عمليات نهب طالت حتى القبور التاريخية لهذه الكنيسة طمعا بالعثور على كنوز من ذهب وفضة وأحجار كريمة، بالإضافة إلى التخريب الناتج عن العوامل البيئية والاهمال الذي طالها لسنوات طويلة من دون القيام بصيانتها وترميمها(1).

(1) الأبنية الحضارية في كربلاء، مصدر سابق، ص: 111 - 121.
كربلاء الحضارة والتاريخ 325

كهوف الطار


تعد هذه الكهوف من أقدم الآثار التاريخية على أرض كربلاء، وتقع على الطريق الذي يربط بين كربلاء وحصن (قصر) الاخيضر، وتبعد عن مدينة كربلاء المقدسة بحوالي 30 كلم إلى الجنوب الغربي منها، ويعود تاريخها إلى الألف الأول قبل الميلاد. ويبلغ عددها 400 كهف تقريبا.
وسبب تسميتها بالطار نسبة إلى الطور أي الجبل، وهي إشارة إلى جبال بابل حسب ما ذكره عالم الجغرافية اليوناني بطليموس. وتجدر الإشارة إلى أن تضاريس منطقة بابل خالية من أية منطقة جبلية ليصدق عليها قول بطليموس سوى هذه التلال العالية التي ضمت كهوف الطار.
وكهوف الطار متعددة الطوابق منحوتة بالتلال العالية، وربما استخدمت لأغراض دفاعية أول الأمر ثم أتخذت قبورا فيما بعد، وقد وجدت فيها مجموعة من نسيج خيوط الكتان الملون مما يدل على وجود الحياة فيها في تلك الفترة الزمنية. تم التنقيب فيها لأول مرة في سبعينيات القرن الماضي من قبل البعثة اليابانية.

كربلاء الحضارة والتاريخ 326

منارة موجدة (موقدة)


تبعد هذه المنارة حوالي 40 كلم إلى الجنوب الغربي من مدينة كربلاء المقدسة، وعلى يسار الطريق المؤدي إلى مدينة عين التمر، وإلى الجنوب من كهوف الطار بحدود 14 كلم.
والوجد يقصد به الوقد أو الايقاد بمعنى إشعال النار ... وكانت تستعمل هذه المنارة فنارا للسفن المبحرة في بحر الجنوب الذي يعتقد أن مياهه انحسرت إلى ما يعرف الآن الخليج، وما زالت آثاره موجودة إلى يومنا هذا المتمثلة ببحر النجف، وكذلك تستعمل هذه المنارة فنارا لتهتدي بها القوافل السائرة برا. ويعتقد أن منارة موجدة تعود إلى عصر ما قبل الإسلام وتعود إلى قصر يسمى بـ«قصر موجدة» اندثرت آثارها ولم يبق منه سوى هذه المنارة. وقد ورد في الدليل العراقي لسنة 1354 - 1355هـ (1935 - 1936م) ان قصر موقدة بالقرب من الاخيضر، وتعلو هذا القصر منارة عالية لا تزال قائمة.
وقد شيدت هذه المنارة من الطابوق (الآجر) والجص وبناؤها عبارة عن قاعدة مكعبة الشكل طول كل ضلع من أضلاعها عشرة أمتار، مزينة بحنايا، يعلوها بدن أسطواني الشكل ما تبقى من ارتفاعه هو 8 أمتار، فتح مدخل مستطيل الشكل في القسم الأسفل من البدن باتجاه الشرق ويرتفع عن مستوى سطح الأرض المجاورة بمترين، وهو بذلك يحتاج إلى سلم قد يكون متحركا، ويعلو المدخل عقد (قوس) نصف دائري، والصعود إلى أعلى المنارة يكون من داخلها عن طريق سلم لولبي يدور إلى الأعلى بعكس اتجاه عقرب الساعة. وقد زين بدن (جسم) المنارة من الخارج بتشكيلات هندسية جميلة(1).

(1) الأبنية الحضارية في كربلاء، مصدر سابق، ص: 212 - 221.
كربلاء الحضارة والتاريخ 327


كهوف الطار
كهوف الطار

منارة موجدة (موقدة)
منارة موجدة (موقدة)


كربلاء الحضارة والتاريخ 328




كربلاء الحضارة والتاريخ 329

الفصل الخامس


كربلاء ... دراسة الواقع العمراني الحالي للمدينة والأسس العلمية لإعادة تخطيطها وتطويرها


توطئة:


إن موضوع هذا الفصل يتعلق بدراسة الواقع العمراني الحالي للمدينة، ومشروع تحديث التصميم الأساسي لمدينة كربلاء المقدسة وتطوير مركزها الذي يشمل المنطقة الواقعة بين جامعي ومرقدي الإمام الحسين وأخيه العباس (الروضتين الحسينية والعباسية) وما يحيطهما، حيث يحتل المركز من الناحية العمرانية موقعا بارزا ومتميزا في هيكل وبنية هذه المدينة المقدسة.
لقد كانت هذه المنطقة (مركز المدينة) من ناحية الهيكل العمراني، قبل تدميرها من النظام المباد، بمثابة وحدة عمرانية متكاملة ومترابطة محورها الروضتان معا. لكن هذا التمحور يأخذ بعدا شاملا وعميق الجزور في نفس الوقت، نظرا لأن العلاقة بينهما تتجاوز البعد الخارجي أو الظاهري، لتصل إلى حد الترابط العضوي بينهما وإلى حد التكامل. وقد انعكست تلك العلاقة المحورية للروضتين ومحيطهما عمرانيا على مدينة كربلاء ككل.

كربلاء الحضارة والتاريخ 330


أما من الناحية العمرانية، فإن الترابط العضوي بين عمارة الروضتين والمناطق المحيطة بهما يبدو حيا ودائم التفاعل بذاته في إطاريه الخاص والشامل.
فإذا كانت حيوية المنطقة بين الروضتين وما يحيطهما، ناشئة من علاقتها بالروضتين، فإن مدينة كربلاء ككل تبدو أيضا حيوية لعلاقتها بذلك المركز التاريخي والديني المهم. وهذا التفاعل يبدو واضحا في كافة المجالات الاقتصادية والاجتماعية والثقافية والعمرانية.

أولا: من الناحية الدينية:

كانت هذه المنطقة وما زالت المركز الديني المقدس الذي يتجه إليه ملايين المسلمين ومن كافة الأرجاء سنويا وخاصة في المناسبات الدينية المهمة وكذلك المحور الرئيسي لحركة الزائرين ومواكب العزاء خصوصا في العشرة الأولى من شهر محرم الحرام وأربعينية الإمام الحسين (ع) والزيارات الدينية الأخرى.

ثانيا: من الناحية الاقتصادية:

كانت هذه المنطقة، وإلى سنوات قريبة، عصب الحياة التجارية للمدينة بمظاهرها المختلفة التقليدية منها أو الحديثة، حيث كانت تنتشر الأسواق التي تزدحم بالزوار وسكان المدينة طيلة أيام السنة.

ثالثا: من الناحية الاجتماعية:

كانت هذه المنطقة بمكانتها العريقة وتقاليدها المتوارثة تمنح مدينة كربلاء هويتها المحافظة، وكانت إلى سنوات قريبة وما زالت مركز تجمع سكان المدينة ومحور حياتهم الاجتماعية.

رابعا: من الناحية الثقافية:

كانت هذه المنطقة المتمثلة بالروضتين وبالمدارس الدينية والبيوتات والمراكز الثقافية والاجتماعية، تمنح مدينة كربلاء

كربلاء الحضارة والتاريخ 331

المقدسة خصوصيتها كمدينة مفتوحة على تيارات الثقافات الاسلامية الخارجية (الفارسية والتركية والهندية مثلا) وحتى على بعض الأفكار السياسية.

خامسا: من الناحية العمرانية:

وهو ما يهمنا بشكل خاص في هذا الفصل، فإن هذه المنطقة تعتبر قلب المدينة ومركز الحركة الرئيسية فيها والذي تتفرع منه جميع الشوارع والازقة والأسواق القديمة في هذه المدينة المقدسة.
فبالإضافة إلى عمارة الروضتين، كانت هذه المنطقة الى سنوات قريبة تضم أيضا معظم معالم الموروث العمراني الذي تمتلكه مدينة كربلاء، والمتمثل في أبنية ذات قيمة عمرانية وحضارية وتراثية، كالمساجد والمدارس الدينية والحسينيات والمقامات والأسواق القديمة والقيساريات والخانات والبيوت التراثية. وعلى العموم فإن المنطقة كانت تمثل أصالة وحيوية الإرث الحضاري العمراني الذي تميزت به كربلاء عن غيرها من المدن الإسلامية الأخرى. لكن هذه المدينة تعرضت من الناحية العمرانية للتشويه والتخريب خلال العقود الأربعة الماضية، لاسيما مركز المدينة بعد انتفاضة آذار عام 1991م، إلى درجة يمكن القول معها بأنها، أو بعض مظاهرها الرئيسية على الأقل، مهددة بوجودها وإرثها التاريخي. وهي على العموم تعاني من مشاكل حادة تتطلب جهودا حثيثة وحلولا عملية لإعادة تخطيطها وتصميمها وصيانة وترميم مبانيها الدينية والتراثية المتبقية.
إن أبرز مشاكل مدينة كربلاء القديمة تتجسد في الواقع، بتحول المنطقة (مركز المدينة) التي كانت غنية بالإرث العمراني لقرون عدة، إلى ساحة واسعة تحيطها الفنادق والمحلات التجارية التي شيدت بدون دراسة عمرانية وتخطيطية مسبقة، وذلك بعد أن أزيلت منها جميع الأبنية القديمة التي كانت تقع بين الروضتين وما حولهما. كما تعاني أيضا في محيطها من حركة بناء عشوائي

كربلاء الحضارة والتاريخ 332

وهجين، مما يهدد بتعريض المدينة القديمة إلى فقدان خصائصها العمرانية الأساسية والتي كانت تمنحها هويتها التاريخية والحضارية والدينية.
إن هذه المنطقة تكتسب أهمية مركزية وذلك بسبب تدمير جميع مراكز الفعاليات التجارية التي كانت تنهض بها سابقا، وإلى قرون عدة، والتي أكسبتها موقعها الخاص كنقطة التمحور في العلاقة الحيوية بين المدينة القديمة والمناطق المحيطة بها وخاصة الأحياء الجديدة. من هنا جاء تأكيدنا على الأهمية الكبيرة لإعادة إحياء مركز المدينة باعتباره الضمانة الجوهرية لإعادة إحياء تلك الفعاليات التي كانت تقوم بها الأسواق والقيساريات، لتكون من جديد نقطة ترابط المركز مع المناطق الأخرى من المدينة.
وبالإضافة إلى كل ذلك فإن الشخصية العمرانية التاريخية لمدينة كربلاء ترتكز أساسا على هذه المنطقة. ويصح هذا حتى من ناحية التصميم المعماري البحث، ذلك لأن هذه المنطقة تمثل النقطة المركزية في «المشهد البصري» للتصميم العمراني للمدينة. كما أن الروضتين تمثلان من جانبهما النقطة المركزية في «المشهد البصري» للمنطقة موضوع البحث في هذا الفصل. وعلى رغم كون هذه المنطقة محصورة في مركز المدينة بين الروضتين والاحياء القديمة المحيطة بهما، فإنها في الواقع تمثل مدينة كربلاء التاريخية التي نشأت بعد استشهاد الامام الحسين بن علي بن أبي طالب (ع).
إن المدينة ككل تحتاج إلى دراسة تتضمن وضع الأسس العلمية لإعادة تخطيطها وتطويرها الذي ينبغي أن يتجاوب بشكل عميق مع السمات الأساسية للموروث العمراني للمدينة القديمة، الذي لم ينل الاهتمام والعناية اللازمة خلال العقود الاخيرة. ويتضمن هذا الفصل:

كربلاء الحضارة والتاريخ 333

  • تحليل الوضع العمراني الحالي لمركز المدينة والمناطق المحيطة به.
  • الاعتبارات المعمارية والتخطيطية المقترحة لتطوير مركز المدينة والمناطق المحيطة به.
  • الأسس العلمية لإعادة تخطيط وتطوير مدينة كربلاء.
  • المشروع المقترح لتطوير مركز المدينة وتوسعة العتبتين المقدستين.
  • التراث العمراني في المدن الدينية المقدسة في العراق والآفاق المستقبلية للتنمية.

    كربلاء الحضارة والتاريخ 334

    تحليل الوضع العمراني الحالي لمركز المدينة والمناطق المحيطة به


    بعد دراسة الجوانب التاريخية والعمرانية المكونة لمدينة كربلاء، نتناول هنا طبيعة الضغوط والمؤثرات والمشاكل القائمة حاليا في المدينة لتحديد أهمية كل منها وتلمس أبعاده. وتتضمن أهم تلك الجوانب ما يلي:
    1- الوضع الحالي للتكوين الفضائي العمراني للمدينة القديمة.
    2- استعمالات الأرض.
    3- حالة الأبنية في المدينة القديمة.
    4- البيئة والنسيج العمراني.
    5- حركة المركباة والمشاة ومواقف السيارات.
    6- إمكانية جعل المدينة مكانا أو مركزا للسواح والزوار.
    7- الخلفية التاريخية للطابع المعماري التقليدي للمدينة.
    8- العوامل التي أثرت على التركيبة السكانية للمدينة.

    1- الوضع الحالي للتكوين الفضائي العمراني للمدينة القديمة

    تعتبر مدينة كربلاء نموذجا لمدن الأضرحة المقدسة في العراق، إضافة إلى النجف الأشرف، والكاظمية وسامراء.
    وتحتل المدينة القديمة ضمن الطريق الدائري (شارع المحيط) الذي يحيط بها، مساحة تقدر بأكثر من كيلومتر مربع، يتوسطها جامعا ومرقدا الإمام

    كربلاء الحضارة والتاريخ 335

    الحسين وأخيه العباس (الروضتان الحسينية والعباسية). ويمر الطريق الدائري كان في أغلب مساره محاذيا للمناطق الخضراء، والتي تحيط بالمدينة ما عدا الجزء الغربي والجنوب الغربي منها، مما ساعد على التوسعات العمرانية الكبيرة الحديثة في هذين الجزئين.
    إن دراسة أبعاد المدينة القديمة بالنسبة إلى مركز تكوينها - وهما الروضتان والساحة الواسعة التي تقع بينهما - تظهر، أن حدود المركز تبعد عنه بمسافة تتراوح بين 400 متر تقريبا باتجاه منطقة المخيم وباب الخان، إلى 800 متر تقريبا باتجاه باب الطاق وباب بغداد. وهي ضمن حدود مسافة السير المقبولة للإنسان. أي أن حجم وشكل المدينة يعتمد أساسا على المقياس الإنساني لحركة المشاة ( Pedestrian - scaled environment) وهي خاصية يمكن استثمارها في إبعاد حركة المركبات عن قلب المدينة إلى الشارع الذي يحيط بها، لاسيما في المناسبات الدينية المهمة، وتخصيص بعض شوارعها لحركة المشاة فقط، خاصة القريبة من المركز.
    وبرغم أن سمات التكوين الفضائي العمراني لمركز مدينة كربلاء يمكن تلمسها على ضوء سمات مراكز المدن الدينية في العالم الإسلامي، إلا أن هناك خصائص تكتسب طابعا مميزا، مما يجعل من كربلاء نموذجا مختلفا ومتفردا عن بقية المراكز الدينية الأخرى، ويتمثل في كون المسجد الجامع أو المرقد في المدن الدينية الأخرى يمثل قلب المدينة، بينما في مدينة كربلاء فإن جامعي ومرقدي الإمام الحسين وأخيه العباس (ع) والساحة الواسعة بينهما تمثل جميعا سمات التكوين الفضائي العمراني لمركز المدينة.

    كربلاء الحضارة والتاريخ 336


    لذا تشكل الروضتان اللتان يتجاوز ارتفاع مآذنهما 39 مترا، وقبتيهما 32 مترا تقريبا، العناصر المهيمنة على هيئة وتكوين المدينة وظيفيا وبصريا وعلى خط سماء المدينة (Sky line).
    إن ملامح هذا التكوين وخصائصه تمثل بذاتها عنصرا أساسا في مشروع عملية التجديد العمراني للمدينة ومركزها من أجل الحفاظ والتاكيد عليه. إن التوجه الحالي في ترك الساحة الواسعة بين الروضتين، وتشييد مبان حول هذه الساحة، وبدون دراسة مسبقة من الناحية التخطيطية والمعمارية، سيؤدي حتما إلى إضعاف هيمنة ووقار جلال الروضتين المقدستين وحرمتهما ضمن المحيط العمراني الحالي غيرالمتجانس.

    2- استعمالات الأرض

    تظهر دراسة المدينة ومركزها من الناحية العمرانية أن هناك ثلاثة أنماط رئيسية من استعمالات الأرض تهيمن على تكوينها وتحدد ملامح شخصيتها العمرانية كإنعكاس لأهميتها الدينية:
    أ- المراقد والمباني الدينية والتقليدية: الروضتان الحسينية والعباسية: تتوسط هاتان الروضتان المدينة القديمة لتكونان مع الساحة الواسعة بينهما قلب المدينة العمراني، فيما تظل الروضتان العنصرين المؤثرين في تكوين المدينة وظيفيا وبصريا.
    المساجد والحسينيات والمدارس الدينية والمباني التقليدية: من الملاحظ قبل تهديم المركز - بين الروضتين وما يحيطهما - أن المباني الدينية، بالإضافة للمباني التقليدية الأخرى، كانت تتركز حول الروضتين ثم تقل كثافتهما بالابتعاد


    السابق السابق الفهرس التالي التالي