كربلاء الحضارة والتاريخ 286

البيوت التراثية


يتميز التخطيط العمراني لمدينة كربلاء منذ نشوئها العام 61هـ (680م) بكثافة البيوت التي تمركزت بصورة رئيسية حول جامعي ومرقدي الإمام الحسين وأخيه العباس - الروضتين الحسينية والعباسية -. ويعود ذلك إلى العلاقة الروحية التي تربط الناس بالروضتين. وتزداد كثافة البيوت كلما اقتربت منهما وتقل كلما ابتعدت عنهما.
ولذلك نلاحظ أن أكثر البيوت متلاصقة. أما الممرات والأزقة المؤدية إلى هذه البيوت فتكون في أكثر الأحيان ملتوية وذات أشكال متعرجة، وقد تنتهي أحيانا بنهايات مسدودة لا مخارج لها. ومن الأسباب الموجبة لأتباع هذا التخطيط من البناء في ذلك الوقت - كما يبدو - عمق الروابط الاجتماعية والحفاظ على أمن المدينة من عمليات السطو والاعتداء وكذلك اتقاء البرد القارص والحر الشديد(1).
والبيوت التراثية في مدينة كربلاء تحمل صفات وخصائص البيوت العربية والإسلامية المنسجمة مع التقاليد الاجتماعية، وكما يصفها جون وارن: «تتميز حياة المسلمين التقليدية بالفصل التام بين حياتهم العامة والخاصة وكذلك بين الرجل والمرأة»(2).

(1) د. رؤوف محمد علي الأنصاري: صحيفة الحياة، ص:18/ العدد 11299، لندن - كانون الثاني 1994. سلمان هادي طعمة - كربلاء في الذاكرة - ص406.
(2) John Warren: Ur Magazine, The Traditional Houses of Baghdad. Page: 7, puplished by the Iraqi Cultural center, London 1983.
كربلاء الحضارة والتاريخ 287


العناصر المعمارية الأساسية للبيوت التراثية
تحتوي البيوت التراثية في مدينة كربلاء على مجموعة من عناصر معمارية أساسية أهمها:
الساحة الداخلية المكشوفة (الحوش)
البيوت التراثية في مدينة كربلاء، شأنها شأن مثيلاتها في المدن العراقية الأخرى، تتميز بخصائص تخطيطية وإنشائية ذات طابع معماري واحد، يتمثل في إحلال الساحة الداخلية المكشوفة التي يطلق عليها بالعامية (الحوش) المكان الأول في التخطيط. وتأتي الغرف السكنية وبقية المرافق والمداخل والممرات لتأخذ مكانها حول تلك الساحة(1).
ومن الواضح تماما أن هذا التخطيط تقليد بنائي عراقي قديم تعود بداياته إلى فترة العهد البابلي القديم (مطلع الألف الثاني قبل الميلاد)، حيث عثر على بقايا دور سكنية في أحد أحياء مدينة أور الأثرية في جنوب العراق تظهر الساحة الوسطية المكشوفة في مقدمة العناصر التصميمية(2).
وتعتبر الساحة الداخلية المكشوفة (Open Courtyard) من أهم مميزات عمارة المساكن التراثية في المدن الإسلامية (3)، فإنها تجعل الإنسان المسلم يعيش أسعد لحظاته لأنها مكشوفة على السماء حيث يشعر الإنسان أن لا حاجز بينه وبين الله سبحانه وتعالى، ومن هذا المنطلق كانت هذه الساحة أحد العناصر الرئيسية للبيت العربي الإسلامي.

(1) فريال مصطفى: البيت العربي في العراق في العصر الإسلامي، ص: 110، وزارة الثقافة والإعلام في العراق، دار الحرية للطباعة - بغداد 1982.
(2) سليمة عبد الرسول: المباني التراثية في بغداد، ص: 24، وزارة الثقافة والإعلام، المؤسسة العامة للآثار والتراث، بغداد 1987. Mr. Frankfort H.: Art and Architecture, page:55, London 1952.
(3) د. عفيف بهنسي: الفن الإسلامي، ص: 116، طبعة أولى - دار اطلاس للدراسات والترجمة والنشر، دمشق 1986.
كربلاء الحضارة والتاريخ 288


وعلى رغم التأثيرات الواضحة التي تركتها تقاليد فنون العمارة الفارسية والتركية والهندية في البيوت الكربلائية، إلا إن التخطيط الأساسي لها لم يصبه التغيير خلال العصور الإسلامية المختلفة، بل ظل محافظا على طابعه التقليدي الذي يشبه إلى حد بعيد الطراز المعماري الحيري (نسبة إلى مدينة الحيرة القريبة من الكوفة)، وهو الطراز المعماري السائد آنذاك، والمتمثل بإحلال الساحة الداخلية المكشوفة المكان الأول في التخطيط.
وتأتي الغرف ومرافق البيت الأخرى لتحتل مكانها حول الساحة. وتكاد هذه البيوت أن تكون شبيهة إلى حد كبير مع البيوت القديمة في مدن وسط وجنوب العراق من جهة التصميم الهندسي ومواد البناء والزخارف(1).
ويختلف البيت الكربلائي في مساحته باختلاف المراتب الاجتماعية للناس. إذ تتكون البيوت عادة من ساحة مكشوفة تبدأ بمجالس الضيوف ومرافقها وتقع في مقدمة البيت وتعرف بـ(البراني)، ثم تنتقل إلى الغرف المخصصة لأفراد العائلة والمرافق الملحقة بها والتي تحيط بالساحة المكشوفة ويطلق عليها بـ(الدخلاني). ويتراوح شكل الساحة المكشوفة ما بين المربع والمستطيل.
وتعتبر الساحة الوسطية قاعة مكشوفة ومحجوبة عن الأنظار في أن واحد، بالإضافة إلى الدور الذي تلعبه على تلطيف الجو داخل البيت وتوزيع الإضاءة الطبيعية للغرف المحيطة بها. وتطل الشبابيك الواسعة للغرف على الساحة الوسطية فتكون في هذه الحال واجهات لغرف الطابق الأول، وتتحقق عن طريقها الإضاءة والتهوية الطبيعيتان.
ويتم عادة تبليط أرضية الساحة الداخلية المكشوفة بالطابوق (الآجر) المسطح المعروف بـ(الفرشي). وفي بعض الأحيان تزرع هذا الساحة بشجرة

(1) د. رؤوف محمد علي الأنصاري: صحيفة الحياة، ص: 21/ العدد 12458، لندن- ابريل، 1997م.
كربلاء الحضارة والتاريخ 289

واحدة أو أشجار عدة توضع في وسطها نافورة جميلة تسمى (الشاذروان)(1). وفي بعض الاوقات من اليوم يأتي الحمام عبر الفضاء المكشوف للساحة الداخلية دون إستئذان ليشارك أهل البيت طعامهم وشرابهم وليضفي عليهم البهجة والسرور.
وتنعزل الساحة الداخلية المكشوفة عن الشارع أو الزقاق في مثل هذا التكوين الإنشائي الذي يحقق ضمن مساحات قليلة مرافق كافية لسكن عائلي متعدد الأشخاص. وفي بعض الأحيان نجد أن مساحة الدار لاتتجاوز 50مترا مربعا مما يظهر براعة المعمار أو المهندس في استغلال المساحات إلى أقصى حدودها لتأمين بيت ذي ساحة داخلية مكشوفة وفي حدود ضيقة(2).
المدخل (الباب الرئيسي)
وهو حلقة الوصل الرئيسية بين البيت والخارج، يطل على الزقاق أو الشارع ويكون الاستخدام الواسع للبيت. ويؤدي المدخل من خلال مجاز منكسر في أكثر الأحيان إلى الساحة الداخلية المكشوفة، ويزود عادة بباب من الخشب تتناسب عادة وحجم البيت. وفي أكثر الأحيان تتميز الأبواب بكثرة التحليات الزخرفية الخشبية والحديدية وتحيط بها إطارات من الزخارف الجبصية. وأحيانا يعلو المدخل قوس من الآجر والجص على شكل نصف دائري في أكثر الأحيان، يتضمن كتابات من الآيات القرآنية الكريمة وبعض الزخارف المتنوعة. والأبواب، غالبا ما تكون من مصراعين (فردتين) ويتراوح ارتفاعه ما بين 1,80 - 2,00 متر وعرضها ما بين متر واحد إذا كانت من مصراع واحد و 1,40

(1) د. رؤوف محمد علي الأنصاري: صحيفة الحياة، ص: 18 / العدد 11299، لندن - كانون الثاني 1994.
(2) د. محمد مكية: الدور البغدادية والتراث السكني، ص: 28، قامت بنشرة نقابة المهندسين العراقيين - 1969.
كربلاء الحضارة والتاريخ 290

متر أو أكثر إذا كانت من مصراعين. وعادة ما تحتوي الباب على مطارق معدنية بأشكال ووضعيات مختلفة(1).
المجاز (المدخل المنكسر)
ومن الخصائص المميزة للبيوت التراثية في مدينة كربلاء وجود المدخل المنكسر المعروف بـ(المجاز) الذي يوصل المدخل أو (الباب) بالساحة الداخلية المكشوفة (الحوش). وهو ابتكار إسلامي ظهر للمرة الأولى في دار الإمارة في مدينة الكوفة العام 17هـ (638م) وكذلك في بعض دور سامراء العباسية. وكان يستهدف غرضا اجتماعيا بحتا يتلائم والتقاليد الإسلامية، وهو عزل فضاء الساحة الداخلية المكشوفة عن الشارع أو الزقاق، وترطيب الهواء عبر اختراقه المجاز(2).
الإيوان (الطارمة)
ومن العناصر الأساسية في تصميم البيت الكربلائي توفير ما يسمى بالإيوان (الطارمة). والإيوان (Iwan) كلمة فارسية الأصل مأخوذة من (إيفان) بمعنى قاعة العرش. وهو بناء له ثلاثة جدران وسقف ويكون مكشوفا من واجهته الأمامية المطلة على الساحة الداخلية المكشوفة (الحوش)، وغالبا ما يكون سقف الإيوان مغطى بقبو.
ومن المرجح أن الأواوين عرفت في العراق منذ عصور قديمة في شمال مدينة الموصل. ثم ظهرت بعد ذلك في العصر الإسلامي، كما في دار الإمارة في الكوفة وقصر الشعيبة قرب مدينة البصرة، وقصر المنصور في بغداد، وبيوت قصر الأخيضر الشهير الذي يعود بناؤه إلى بداية العصر العباسي ويقع

(1) سليمة عبد الرسول: المباني التراثية في بغداد، ص: 30.
(2) معاذ الألوسي - المميزات البارزة في البيت العراقي- مجلة العاملين في النفط- العدد 36 - ص 4 - بغداد 1965. Jovan Krunic: Art Architectural Traditions and new Arvhitecure of Iraq. The House of Baghdad its old & modern concept, Sumer, Vol, 18 - page: 4, 1962.
كربلاء الحضارة والتاريخ 291

بالقرب من كربلاء(1). وتستعمل الطارمة في الطابق الأرضي للنوم صيفا في حال عدم وجود السرداب، وكذلك لتناول وجبات الطعام وشرب الشاي.
السرداب
ويتميز البيت الكربلائي بوجود مكان للراحة والاستقرار يطلق عليه السرداب. وهو اصطلاح فارسي مؤلف من مقطعين (سرد) أي بارد و(آب) وتعني الماء(2). وتقضي فيه العائلة ساعات طويلة في أيام الصيف الحارة. ويمتاز بجدرانه السميكة وانخفاض مستوى أرضيته عن مستوى أرضية البيت، إذ قد يصل انخفاضه في بعض الأحيان إلى أمتار عدة مما يساعد في حمايته من الحرارة الشديدة في فصل الصيف.
ويعود تاريخ السرداب في البيوت التراثية، إلى بدايات العصور الإسلامية الأولى. فقد كشفت التنقيبات الأثرية عن بعض السراديب التي تقع في قصر الأخيضر قرب كربلاء، منها سرداب يقع في الجهة الشرقية للرحبة الكبرى تحت القاعة، له سلم يتكون من 24 درجة.
وسرداب آخر يقع في مبنى الملحق الشرقي عند وسطه تحت الإيوان الوسطي من الملحق المذكور له سلم في الجهة الجنوبية الشرقية ويتألف من عدة درجات(3).

(1) فريال مصطفى: البيت العربي في العراق في العصر الإسلامي، ص: 115، 114. E. J. Keal: Art (Some thoughts on the Eywan), Studies in Honor of Geprge C. Miles, pages: 198, 199.
(2) محمد التونجي: المعجم الذهبي فارسي عربي، ص: 343، دار العلم للملايين - بيروت 1968.
(3) محمد باقر الحسيني: الأخيضر، مجلة سومر، ج22/ ص: 81، 85- سنة 1966. G, Bell: Palace and Mosque at Ukhaidhir, page: 11, Oxford 1914.
كربلاء الحضارة والتاريخ 292


وتجري تهوية السرداب بواسطة فتحتات صغيرة جانبية تكون عادة في مستوى أرضية الساحة الداخلية المكشوفة (الحوش)، وكذلك من باب المدخل والدرجات (السلالم) المؤدية إليه.
وهناك مجار عمودية للتهوية عبارة عن فتحات داخل الجدار وفوهتها في أعلى سطح البيت وتكون دائما بإتجاه هبوب الرياح تنقل الهواء من الأعلى عبر هذه الفتحات إلى مستوى منخفض في أرضية السرداب فيساعد الماء الذي يرش على أرضية السرداب بترطيب الهواء الخارجي الجاف الآتي من سطح البيت عبر هذه الفتحات. وتسمى هذه الفتحات أو المجاري العمودية ب(الملقف الهوائي)، ويطلق عليها محليا (البادگير) وهي كلمة فارسية مؤلفة من (باد) أي هواء و(گير) أي جالب أو ساحب(1).
وفي أكثر الأحيان يتم بناء السرداب من عقود وأقبية مبنية من الطابوق (الآجر) والجص. أما الأرضية فتبلط عادة بالآجر المسطح (الطابوق الفرشي) وهي تحتفظ بالرطوبة والبرودة عن طريق رشها بالماء باستمرار. وفي الشتاء تستعمل السراديب مخزنا لحفظ الحبوب والغلات وبعض الحاجات المنزلية الأخرى(2).
الخصائص الإنشائية
ومن الخصائص الإنشائية التي امتاز بها البيت التراثي في مدينة كربلاء، بصورة عامة، ارتفاع سقف غرف الطابق الأول بحيث يصل أحيانا إلى أربعة أمتار. وذلك لغرض حصر كميات من الهواء تحافظ على درجات حرارتها من دون التأثر السريع بتبدلات الطقس الخارجية. وكذلك السماح بتعرض الفناء

(1) فريال مصطفى: البيت العربي في العراق في العصر الإسلامي، ص: 118، 119. جلال الحنفي: معجم اللغة العامية البغدادية، ص: 20/ ج2، مطبعة أسعد - بغداد 1966.
(2) د. رؤوف محمد علي الأنصاري: صحيفة الحياة، ص: 18/ العدد 11299 - كانون الثاني 1994.
كربلاء الحضارة والتاريخ 293

الداخلي المكشوف لأشعة الشمس في فصل الصيف لوقت أقل خلال اليوم تجنبا لشدة حرارتها، وهو أمر ضروري لامتصاص الرطوبة وكذلك لإضاءة أعمق نقاط البيت خصوصا السراديب وقت الظهيرة(1).
وهناك مميزات إنشائية أخرى منها كثرة الشبابيك في الطابق الأول وارتفاعها، خصوصا في الواجهات التي تطل على الأزقة والشوارع. وكذلك الرفوف (الروازين) المتعددة من الداخل لتخفيف سماكة الجدار والاستفادة منها كدواليب أو لاستعمالات أخرى.
وأمام غرف الطابق الأول ممر يطل على الساحة المكشوفة (الحوش)، يتقدمه حاجز من الخشب أو الحديد ذو زخارف جميلة وبارتفاع متر واحد تقريبا، يطلق عليه محليا المحجر أو (الدرابزين). أما ارتفاع الطابق الأرضي فيكون عادة أقل من الطابق الأول، ويتميز أيضا بنوافذه التي تكون في الغالب فوق مستوى النظر وهي تطل على الأزقة والشوارع.
واستعملت في البيوت التراثية في كربلاء مواد بناء خفيفة في تسقيف الطابق الأرضي والأول، وذلك للتغلب على مشاكل الثقل في كتل البناء، كالخشب والقوغ (جذوع شجرة الحور)، وخشب جذوع النخيل، حيث تستعمل كجسور وتوزع على مسافات متساوية حسب مقاييس الغرفة، وتغطى بحصران القصب (البواري)، ثم توضع عليها طبقة من الطين الناعم لمنع تسرب التراب، ثم طبقة من الطين المخمر، لأيام عدة، والمخلوط بالتبن (ماقطع من سنابل الحنطة) لمنع حدوث الانشقاق. ثم يفرش بالقار الأسود كعازل للرطوبة، ويبلط بعد ذلك بالآجر المربع بسماكة 4 - 5 سم والمسمى بـ«الفرشي». ويغطى السقف في معظم الأحيان من الداخل بألواح خشبية رقيقة تطلى بالدهان في

(1) د. رؤوف محمد علي الأنصاري: صحيفة الحياة، ص: 20/ العدد 12861، أيار 1998.
كربلاء الحضارة والتاريخ 294

الغالب. وفي بعض الأحيان تثبت عليها شرائح خشبية رقيقة موزعة بطريقة فنية وبأشكال هندسية متنوعة. أما السلالم (الدرجات) في البيوت التراثية في مدينة كربلاء فتقع عادة في أحد أركان البيت وهي غير بارزة.
الغرف المعلقة
نتيجة لنمو الحركة التجارية في مدينة كربلاء المقدسة، نشأت طبقة من التجار والأثرياء تبوأت مكانة مرموقة في الحياة الاقتصادية وعرفت بترفها وبذخها وكانت لها بيوتات وقصورها الجميلة التي تمثل مستوى رفيعا من الفن المعماري، وزينت بأجمل النقوش والزخارف الآجرية والخشبية. وكانت الغرف المعلقة التي تسمى أيضا بالغرف النصفية، تمثل أحد الابداعات المعمارية التي أضيفت الى البيت التراثي في كربلاء وبقية المدن العراقية. ونظرا إلى ميزة ارتفاع سقف الطابق الأول، كان لابد من الاستفادة من هذا الارتفاع لعمل غرف صغيرة معلقة بارتفاع مناسب، معدلة في معظم البيوت التراثية التي تتواجد فيها مثل هذه الغرف، حوالي مترين، بعد قطع هذا الارتفاع بواسطة ألواح خشبية سميكة كانت تؤلف أرضية للغرف المعلقة التي تعرف محليا بـ«الگنجينة». كما تعرف في بغداد وبعض المدن العراقية الأخرى بـ«كفشكان» وهذه الغرف تمثل إحدى المعالجات المعمارية الصرفة التي توصل المعمار العراقي إلى إبرازها في البيت التراثي، حيث يكون بناؤها من الخشب بدلا من الطابوق (الآجر) والحديد، وذلك للتغلب على مشاكل الثقل على جدران البيت.
أما الوظائف الرئيسية للغرف المعلقة فيمكن إدراجها على الشكل الآتي:
1- اتخاذها مكانا لنوم بعض أفراد الأسرة وخاصة كبار السن منهم الذين يطلبون الهدوء والعزلة.

كربلاء الحضارة والتاريخ 295


2- اتخاذها مكانا لنوم الخدم أو الأطفال.
3- اتخاذها مخزنا للأفرشة الفائضة عن الحاجة الاعتيادية لأهل البيت.
4- اتخاذها كشرفة مخفية ومستورة، تجلس فيها النساء لمشاهدة المهرجانات ومواكب الأفراح والأحزان التي تمر من الطريق العام في المناسبات دون أن يراهن أحد من المارة، لأن التركيبات الخاصة بشبابيك هذه الغرف المطلة على الطريق العام أشبه بالشناشيل (المشربيات) مصممة لحجب الرؤية من الخارج للجالسين في هذه الغرف.
ولعل هذا العنصر البنائي ادخل إلى البيوت التراثية لهذا الغرض، تبعا للوضع الاجتماعي السائد في تلك المرحلة التاريخية، إضافة لما سبق ذكره. أما الصعود إلى هذه الغرف المعلقة، فيتم عن طريق سلالم فرعية صغيرة، وأحيانا يصعد إليها بواسطة سلم البيت الرئيسي أيضا.
وتعتبر واجهات الغرف الصغيرة المعلقة المطلة على الزقاق أو الشارع العام من العناصر المعمارية الجمالية في البيت الكربلائي، وتختلف حسب مكانة صاحب البيت وقدرته الاقتصادية.
وتمتاز معظم واجهات هذه البيوت بجمال وروعة زخارف ودقة صناعتها خصوصا الشناشيل التي استخدمت في صناعتها أغلى وأحسن أنواع الأخشاب. ويكون حجم شبابيك الغرف المعلقة حوالي نصف حجم الشبابيك الأخرى، تليها شبابيك القسم الآخر إلى أسفل شبابيك الغرف المعلقة. وهي في منظرها الخارجي لا تختلف عن تقسيمات وزخارف الشبابيك الأخرى سوى أنها أصغر حجما من الشبابيك الاعتيادية(1).

(1) د. رؤوف محمد علي الأنصاري: صحيفة الحياة، ص:20/ العدد 12861، 21 أيار 1998. سليمة عبد الرسول: المباني التراثية في بغداد، ص: 62.
كربلاء الحضارة والتاريخ 296

الشناشيل (المشربيات)
من الظواهر المألوفة في البيوت التراثية في كربلاء ما يعرف بالشناشيل (المشربيات). وهي الشرفات الخشبية المزخرفة المعلقة والمصطفة على الطريق العام. ففي بيوت الميسورين تتحول الشناشيل إلى قطع فنية رائعة، وذلك لجمال نقوشها الخشبية التي تتخللها قطع زجاجية صغيرة ملونة. رجاء في فرهنك جديد (المعجم الجديد) لفريدون كار، فارسي - فارسي: إن الشناشيل كلمة فارسية مركبة من «شاه نشين» بمعنى محل جلوس الشاه.
ويذكر اللغوي والمؤرخ العراقي الدكتور مصطفى جواد: إن الشناشيل يطلق عليها أيضا الأجنحة والرواشين، مفردها روشن، وهي لفظة فارسية أيضا ومعناها الضوء. وتعني الروشن كذلك: الرف، والكوة، لكنها لاتؤدي المعنى المراد هنا(1).
والراجح أن لفظ الشناشيل أو الروشن قد استخدم منذ العصور الإسلامية الأولى في مدينة البصرة. وقد ورد في نهج البلاغة بشرح الإمام محمد عبده، من كلام للإمام علي بن أبي طالب (ع) فيما يخبر به من الملاحم بالبصرة قوله: «ويل لسكككم (أزقتكم) العامرة والدور المزخرفة التي لها أجنحة كأجنحة النسور وخراطيم كخراطيم الفيلة (الميزاب)»، وقد شرح الإمام محمد عبده أجنحة الدور التي شبهها الإمام علي (ع) بأجنحة النسور بأنها رواشينها(2) ...(ولم يكن المقصود من إشارة الامام علي (ع) لها في تلك الفترة الزمنية الناحية الفنية والجمالية، وإنما تعبيرا منه (ع) عن الاسراف الزائد في عمارة بيوت الاغنياء،

(1) د. مصطفى جواد: مجلة سومر، ج24 / ص: 244.
(2) الإمام محمد عبده: شرح نهج البلاغة للإمام علي بن أبي طالب (ع)، ج2 / ص: 9.
كربلاء الحضارة والتاريخ 297

مع كون الحالة السائدة في تلك الفترة الزمنية من بداية نشوء الدولة الاسلامية هي البساطة في بناء البيوت).
وانتشر هذا الفن الرائع في مدينة البصرة، حيث يعتبر من فنونها المميزة، ومنها انتقل إلى باقي المدن العراقية وبالخصوص الجنوبية والوسطى منها. وكانت مدينة كربلاء إحدى أكثر المدن تأثرا بالشناشيل البصرية.
تشيد الشناشيل أساسا على قسم من بناء الطابق الأول يضاف إلى المساحة الأساسية للبيت، وذلك عن طريق إحداث بروز يستند إلى روافد خشبية أو معدنية. وعندما يتسع البروز نسبيا، يعمد المعمار إلى تدريج ألواح الخشب أو الروافد، ليمكنه الحصول على نقاط استناد قوية تشيد فوقها الشناشيل، ويبلغ البروز عادة مترا واحدا أو أكثر بقليل.
ويتم صنع الشناشيل من الخشب، بدلا من الآجر أو الحديد، للتغلب على مشاكل الثقل في توسعة البناء، وكذلك مساعدة الخشب في تحقيق برودة الجو الداخلي للغرفة عن طريق تقليل كمية الحرارة الواصلة إلى البيت، دون أن تمنع الضوء والهواء من الوصول إلى غرف الشناشيل من خلال الفتحات الخارجية المشبكة. وكذلك تحفظ للسكان حرمتهم فهي مصممة لحجب الرؤية من الخارج للجالسين في هذه الشرفات أو الغرف الملحقة بها. والشناشيل المصطفة على طول الطريق العام توفر مظلة يحتمي بها المشاة من حرارة شمس الصيف وأمطار الشتاء(1).
ومن الظواهر المألوفة الأخرى في البيوت التراثية في مدينة كربلاء ما يعرف بالأرسي (الشبابيك الخشبية المزخرفة)، التي تفتح وتغلق برفعها إلى الأعلى والاسفل. وتتخلل الأرسي أحيانا الأبجورات وهي شبابيك صغيرة شبيهة

(1) د. رؤوف محمد علي الأنصاري: صحيفة الحياة، ص: 18/ العدد 12943، آب 1998.
كربلاء الحضارة والتاريخ 298

بالأبواب تغطيها مقاطع من الخشب المائل المشبك لدخول الهواء وحجب الضوء.
وتمتاز معظم البيوت التراثية بوجود البنجرات (وهي عبارة عن قضبان حديدية ذات أشكال زخرفية جميلة تصف عموديا وتثبت من الأعلى إلى خشبة مرتكزة في أعلى الشباك وأخرى تستند إلى قاعدة الشباك)، وفي فصل الصيف تصف مشربيات الماء الفخارية (التنگ) على هذه البنجرات(1).
المساند الخشبية (الدلگ)
وتستعمل في البيوت الكربلائية أعمدة من الخشب التي تسند الممرات في الطابق الأول، وفي بعض الأحيان تسند الطارمات والغرف في الطابق الأول أيضا. وتنتهي هذه الأعمدة بتاج مقرنص متدرج يساعد في تقليل مقطع الجسر الخشبي الذي يعلو عددا من هذه الأعمدة.
مواد البناء المحلية
من أهم المواد الأولية المصنعة محليا، والمستعملة في بناء البيوت الكربلائية، الطابوق الطيني المفخور (الآجر) الذي يعتبر العنصر الرئيسي في البناء، وذلك لوفرة مادته الأولية ولسهولة صناعته، وكذلك سهولة استخدامه في البناء وقلة تكلفته، ويمتاز أيضا بمقاومة جيدة وقدرة كبيرة على عزل الحرارة والصوت، بالإضافة إلى مرونته وانصياعه حسب رغبة المعمار بحيث يعطي تشكيلات زخرفية معقدة رائعة الجمال، كالحنيات والنتوءات والمقرنصات والزخارف الهندسية والكتابية البديعة.
أما عملية تماسك الطابوق (الآجر) في البناء، فتعتمد بالدرجة الأولى على مادة محلية أخرى هي الجص، ولهذه المادة ميزات خاصة لها أثر كبير

(1) سلمان هادي طعمة: كربلاء في الذاكرة، ص: 413.
كربلاء الحضارة والتاريخ 299

في عملية البناء، كونها تمتلك قابلية عالية على الجفاف بسرعة فائقة بعد انتهاء البناء مباشرة. وساعدت هذه المواصفات في بناء القباب والأقبية والعقود (الأقواس) من دون الحاجة إلى استعمال القوالب الخشبية.
واستعمل في أسس بناء البيوت الكربلائية مخلوط مسحوق النورة والرماد كمانع للرطوبة. وتستعمل في الأساسات كسر (قطع صغيرة) من الآجر الخضراوي المصخرج. ومن المواد الأخرى المستعملة القير (القار الأسود) كمانع للرطوبة في تغليف جدران الأسس وأحواض المياه وبعض مصاريف المجاري، وكذلك فرشه على سطوح البيوت قبل تبليطها لمنع تسرب المياه والرطوبة إلى الطوابق السفلية(1).
الاكساءات والزخارف
تستعمل مادتا الجبص والبورق في الاكساءات الداخلية في تبيض الجدران لإعطائها وجها مصقولا يستغنى به عن اللبخ (البلاستر) ودهان الجدران. ولم تقتصر الزخارف الهندسية والبنائية في البيوت التراثية في مدينة كربلاء على الآجر والجبص، بل شملت الأعمال الخشبية في البناء، وأظهر النجارون براعة في الدقة والمهارة في الأعمال الخشبية للأبواب والمشبكات والنوافذ الزجاجية التي تطل على الساحة الداخلية المكشوفة، والمزينة بنقوش جميلة رائعة ومطعمة بقطع صغيرة من الزجاج الملون. ويمكن فتح قسم من هذه الشبابيك لدخول الضوء والهواء إلى الغرفة.

(1) د. رؤوف محمد علي الأنصاري: صحيفة الحياة، ص: 21 / العدد 12458، ابريل 1997.
كربلاء الحضارة والتاريخ 300

المطبخ
يعد المطبخ أحد مرافق البيت التراثي، وهو الموضع الذي يطبخ فيه الطعام. ويحتل هذا المرفق أحد أركان البيت في مكان بعيد عن مصدر هبوب الرياح، وذلك لمنع تصاعد الدخان إلى الغرف والمرافق السكنية الأخرى. وتوجد فتحة في جدار المطبخ، وفوهتها في أعلى سطح البيت، أشبه بالبادگير ويخرج عبرها الدخان إلى الفضاء، وتكون هذه الفوهة بإتجاه عكس هبوب الرياح، إلى جانب ذلك كان يبنى التنور في سطح البيت لغرض صناعة الخبز، وذلك للتخلص من تصاعد الدخان إلى الغرف والمرافق الاخرى للبيت. وأحيانا يبنى التنور في ساحة الدار في الجهة البعيدة عن الغرف والمرافق وبجانب الجدار الذي يفصل بين بيتين.
الحمام
ويقع في ركن من أركان البيت ومساحته متران مربعان أو أكثر بقليل، يحتوي على حوض ماء صخري صغير. ويسخن الماء في معظم الأحيان في مشربة خارج الحمام في ساحة البيت أو المطبخ ثم تدخل إلى الحمام فيفرغ ماؤها في الحوض، وهنا تبدأ عملية الاستحمام. وأحيانا يوجد تحت أرضية الحمام موقد نار (المشعل) لتسخين أرضية الحمام، ويستعمل الخشب كوقود لهذا الغرض. وفي بعض البيوت التراثية كان يلحق بالحمام قزان ماء يسخن الماء الموجود فيه وينقل عبر الانابيب إلى الحمام. وكان معظم أهالي مدينة كربلاء يستخدمون الحمامات الشعبية المنتشرة في أحيائها القديمة(1).

(1) سلمان هادي طعمة: كربلاء في الذاكرة، ص: 406.
كربلاء الحضارة والتاريخ 301

سطح البيت
أما السطح البيت التراثي فيستخدم للنوم ليلا خلال موسم الصيف اتقاء من الحر الشديد. وتتشابه السطوح فيما بينها لأن معظم بيوت المدينة القديمة بارتفاع واحد تقريبا، وتحيط بالسطوح الجدران وتسمى بـ(الستارة) حيث يبلغ ارتفاعها ما بين 1,60 - 1,80 متر والتي تفصل سطوح البيوت بعضها عن البعض الآخر. وكان البيت التراثي في مدينة كربلاء يحتوي على بئر للماء العذب يقع في أحد أركان البيت، وأحيانا تشترك بيوت عدة في بئر واحد.
الشناشيل (المشربيات)
الشناشيل (المشربيات)


كربلاء الحضارة والتاريخ 302


زقاق شير فضة في كربلاء سنة 1975مِِِِِِِِ
زقاق شير فضة في كربلاء سنة 1975مِِِِِِِِ


كربلاء الحضارة والتاريخ 303


جمالية البيوت التراثية في كربلاء - الفناء المكشوف (الحوش)
جمالية البيوت التراثية في كربلاء - الفناء المكشوف (الحوش)

البادكيرات (الملاقف الهوائية) في البيوت التراثية في كربلاء
البادكيرات (الملاقف الهوائية) في البيوت التراثية في كربلاء


كربلاء الحضارة والتاريخ 304

مدينة عين التمر الآثارية


مدينة عين التمر إحدى المدن التابعة لمحافظة كربلاء وتقع عند الجانب الغربي من العراق في بقعة شبه صحراوية لوجود المياه الجوفية التي أخرجتها عن طبيعتها الصحراوية، وتبعد عن مدينة كربلاء بنحو 67 كلم إلى الغرب منها. وتعتبر مدينة شثاثا حاليا مركز عين التمر، وقد تغير اسمها إلى عين التمر رسميا تخليدا للمدينة المندرسة وتخلصا من الألفاظ المتباينة.
وشثاثا من أكبر وأهم واحات الهضبة الممتدة إلى الغرب من نهر الفرات، وتكون مع ما حولها من القرى الأخرى قضاء عين التمر الذي يتبع إداريا محافظة كربلاء، وهي عبارة عن غابة من النخيل وأشجار الرمان والزيتون تخترقها طرق ريفية ضيقة تلبس خضرة دائمة، وتقطع هذا الطرق القناطر الصغيرة التي ترتفع عن مياه صافية دائمة الجريان وافرة العطاء. وفي قلب الغابة تنتشر العيون المعدنية التي تتدفق منها المياه طيلة أيام السنة اكتسبت أسماؤها من البيئة المحلية. وفي شثاثا توجد حوالي 19 عينا، كما توجد أكثر من 50 عينا صغيرة وكبيرة تمتد بين منطقة الرحالية وشثاثا، ولكنها مندرسة وتسمى عيون بربويل وذلك لعدم العناية بها. وكان حصن الأخيضر القريب من مدينة عين التمر يعتمد على مياه هذه العيون في فترة تاريخية معينة. أما تسمية المدينة بعين التمر فجاءت من كثرة التمور الموجودة فيها. ويسمى سكان مدينة شثاثا الآثار الباقية من عين التمر المندثرة «الخراب» وتسمى ايضا «رأس العين».
وكانت عين التمر في العهود الغابرة من المدن الشهيرة، يوم لم تكن في العراق غير المدائن وخانقين وجلولاء والحيرة وهيت والأنبار والابلة. وفي القرن

كربلاء الحضارة والتاريخ 305

الثالث الميلادي كانت من المدن العامرة والمحصنة، وقد فتحها سابور بن أردشير بن بابك الساساني بعد حصارها، وتزوج فيها من النضيرة ابنة الضيزن (ملك الحضر بين دجلة والفرات).
وأصبحت عين التمر في العهد الساساني إحدى طسوج (أقضية) الولاية العاشرة التي كانت تتألف من ستة أقضية تمتد بين نهر الفرات وعين التمر. وعندما وصل الجيش الإسلامي بقيادة خالد بن الوليد إليها وهو في طريقه لفتح الشام، كانت في المدينة حامية عسكرية ساسانية محصنة، فافتتح خالد الحصن عنوة وقتل وسبى من كان موجودا داخله.
ويعتبر موقع عين التمر في البادية من أهم المراكز الاستراتيجية العسكرية والتجارية هو ما أهلها لأن تكون حامية عسكرية للفرس قبل الإسلام وحامية إسلامية حتى عهد اندثارها. وارتبطت عين التمر قديما بالشام بطريقين هما:
1- طريق الحيرة - عين التمر - وادي حوران - تدمر - الشام.
2- طريق الحيرة - عين التمر - وادي الأبيض - وادي عرعر - دومة الجندل - وادي سرحان - بصرى - الشام.
وجاء في «معجم البلدان» لياقوت الحموي: «عين التمر بلدة قريبة من الأنبار غربي الكوفة بقربها موضع يقال له شثاثا منها يجلب القسب - التمر اليابس - والتمر إلى سائل البلاد وهو بها كثير جدا وهي على طرف البرية وهي قديمة».
وورد أيضا في «مراصد الإطلاع على أسماء الامكنة والبقاع» لصفي الدين بن عبد الحق: «عين التمر بلدة في طرف البادية على غربي نهر الفرات وحولها قرى منها شثاثا وتعرف ببلد العين أكثر نخلها القسب ويحمل منها إلى

كربلاء الحضارة والتاريخ 306
سائر الأماكن». ويقول الدكتور مصطفى جواد المؤرخ واللغوي العراقي المعروف: «ومن قرى عين التمر المعروفة شثاثا ولا تزال عامرة قرب حصن الأخيضر مشهورة بقسبها وتمرها ورمانها وعيونها المعدنية واسمها يدل على أصل كلمة أرامية لا عربية».
كانت مدينة شثاثا تتألف من أربع مجموعات سكنية، وكل مجموعة تسمى بـ«القصر» وتضم ما بين 50 و 100 وحدة سكنية. وهذه القصور هي: قصر ثامر، وقصر البهوى، وقصر البوحردان، وقصر العين. وهناك قصور أخرى تحيط بشثاثا قسم منها اندثر بمرور الزمن منها قصر شمعون، وقصر حمود الجاسم، وقصر أبو جبل، وقصر شنانة.
ومرت عين التمر بظروف تاريخية عصيبة أدت إلى تضاؤل شأنها وتأخرها، كما أن وجود المسالح (القصور والحصون) والحاميات العسكرية فيها باستمرار حال دون تقدمها واستمرارها، بالإضافة إلى أنها كانت في بعض مراحلها التاريخية مرتعا لبعض العصابات وقطاع الطرق الذين كانوا يتخذون من المنطقة مركزا لهم لشن الهجمات على المدن والقوافل التجارية.
وجاء في «دائرة المعارف الإسلامية»، و «الكامل في التاريخ» لابن الأثير «أنه في سنة 369هـ (980م) أغار ضبة بن محمد الأسدي الذي كان يتزعم عصابة في عين التمر على مدينة كربلاء وقام بأعمال النهب والسلب، فأرسل عضد الدولة البويهي سرية من الجند إلى عين التمر فحاصره، فترك ضبة أهله وماله ونجا بنفسه. وعين التمر حاليا حالها حال بقية المدن العراقية الأخرى لم تمتد إليها يد العمران ولم تستثمر سياحيا، مما يعكس بشكل جلي تخلف نظرة المسؤولين في عهد النظام المباد اتجاه هذه المدن السياحية والتاريخية العريقة».

كربلاء الحضارة والتاريخ 307

حصن (قصر) الأخيضر


يعد حصن (قصر) الأخيضر أحد المباني التاريخية والأثرية البارزة في العراق، نظرا إلى ضخامة بنائه وتفرده من حيث التصميم والبراعة في هندسته، ومعالمه العمرانية والزخرفية وسعة مرافقه. ويعتبر من الحصون الدفاعية الفريدة من نوعها، وقلما نجد بناء بعظمته في منطقة مقفرة وبعيدة عن العمران.
موقع الحصن
يقع الحصن في الصحراء الغريبة من العراق، على بعد 50 كلم إلى الجنوب الغربي من مدينة كربلاء، وحوالي 152 كلم من مدينة بغداد، و17 كلم إلى الجنوب من مدينة عين التمر (شثاثا). ولوقوعه وسط البادية أهمية تاريخية كبيرة، حيث ملتقى الكثير من الطرق التجارية. فالطريق الذي يربط جنوب العراق بأعالي الفرات وسوريا يمر به، كما أنه يقع على الطريق الذي يربط مدينة الكوفة وسوريا، وهو مركز على طريق البحر الأبيض المتوسط - حلب - البصرة من جهة، والبحر العربي من جهة أخرى، فلموقعه الفريد، وبروز معالمه العمرانية، الأثر البارز في إقبال الزوار والسياح عليه من داخل العراق وخارجه(1).
تاريخ الحصن وتسميته
لقد مضى على اكتشاف الرحالة الأجانب لحصن الأخيضر ما يقارب الأربعة قرون، حيث وردت أول إشارة واضحة إليه في كتابات الرحالة الإيطالي بتروديلا فيلا (Pietro Della Valle) سنة 1625م. ثم تلاه تافرنيه (Tavernier)

(1) الكشاف الأثري، ص: 215.
كربلاء الحضارة والتاريخ 308

سنة 1638م، ودبليوبيوز (Beawes) سنة 1745م، ثم مر به جي روبرتس (Roberts) سنة 1748م، أعقبه الميجر جون تايلر (Taylor) سنة 1790م.
وقد حضي حصن الأخيضر باهتمام المختصين من رجال الآثار، إذ نشرت عنه عدد من الكتب والأبحاث التي تناولت هذا الأثر الغامض من جوانبه التاريخية والفنية والمعمارية. إن السبب في ذلك يعود بشكل أساسي إلى أمرين: الأول: أنه أغفل من أية كتابة تاريخية معمارية، مثل الشواهد التي تعلو في العادة واجهات الكثير من المباني الأثرية أو بعض أقسامها الداخلية.
الأمر الثاني: عدم وجود أية إشارات واضحة في كتب التاريخ عن تاريخ بنائه، وخاصة في المدونات التاريخية العربية والقديمة والبلدانية، حيث أن بناء القصر ما يزال بحالة جيدة، إضافة إلى ما يتميز به من ضخامة تلفت النظر (1).
لقد تناول هذا الحصن بالدراسة والبحث والتقصي عدد غير قليل من علماء الآثار والباحثين والمؤرخين والمستشرقين، وذهبوا في تاريخه وتسميته مذاهب شتى. فقد أرجعه البعض إلى العصر السابق للإسلام، أي إلى العهد الساساني، ومنهم المستشرق الفرنسي لويس ماسنيون الذي قال أنه ساساني، وأنه (قصر السدير) المشهور. وأيده في ذلك الباحث الفرنسي (دي لافوي)، وكذلك العلامة اللغوي العراقي المعروف الدكتور مصطفى جواد، الذي يرى «أن أسلوب هذا الحصن وطراز بنائه يختلف عن الطرز العربية الإسلامية. وهو يعتقد أنه ساساني وهو (حصن عين التمر)، تلك البلدة العتيقة التي عفت آثارها ولم يبق إلا حصنها - أعني الأخيضر -. وإن عد الأخيضر من الأبنية العربية

(1) K. A. C. Creswell: Early Muslim Architecture, Vol, II, page: 50. Oxford, 1932. G. L. Bell: Palace and Mosque at Ukhaidhir, page: 4, Oxford, 1914.
كربلاء الحضارة والتاريخ 309

بل الإسلامية في تلك الفترة هو تحميل للتاريخ والفن مالا يطيقان، وأنه بناء لم تعرفه العرب وليس له شبيه في آثارهم».
غير أن غالبية علماء الآثار يرجعونه إلى العصور الإسلامية، وبشكل خاص إلى العصر العباسي الأول. وذلك بسبب أدلة معمارية وتاريخية يسوقونها. وتعد دراسة المستشرق البريطاني ك. أ. كريزول عن قصر الأخيضر من أهم الدراسات التي كتبت عنه، وقد خلص إلى أنه بني سنة 161هـ (778م)، ويعتبر أحد الآراء المهمة في هذا الموضوع(1).
ويرى الكثير من العلماء المتخصصين في العمارة والفنون الإسلامية، أن العناصر المعمارية لحصن الأخيضر تتماشى تماما مع ما وصل إليه تطور الفن المعماري الإسلامي في تلك الحقبة من الزمن. وهي الحقبة التي تنحصر بين بدء تشييد مدينة دار السلام (بغداد) سنة 145هـ(762م) وتشييد مدينة سامراء في سنة 221هـ (836م) العاصمة العباسية الثانية التي شيدت في العراق بعد بغداد، وقد وجد بأن هناك تشابها كبيرا بين طراز عمارة الحصن وأبنية سامراء الأثرية(2).
ومما يؤكد علي أن حصن الأخيضر بناؤه إسلامي، وذلك من خلال التنقيبات التي جرت فيه، أن أسس بنائه من أصل واحد، وأن المسجد فيه أصلي شيد مع البناء، ويعود إلى دور تأسيس الحصن. كما أن محراب المسجد في جداره الجنوبي (القبلي) كان من أصل البناء أيضا. ويمتاز هذا المسجد بنفس الخصائص التي تميزت بها المساجد الإسلامية(3).

(1) K. A. C. Creswell: Early Muslim Architecture, Vol. II, page: 50. Oxford, 1932.
(2) د. عبد العزيز حميد: سومر، ج37 / ص: 172، سنة 1981م. الكشاف الأثري، ص: 215.
(3) الكشاف الأثري، ص: 215 - 216.
كربلاء الحضارة والتاريخ 310


وتذكر بعض المصادر التاريخية أن حصن الأخيضر أقيم على أنقاض قصر مقاتل الذي نزل فيه الإمام الحسين (ع) في طريقه إلى كربلاء عام 61هـ (680م). وقد هدم قصر مقاتل من قبل عيسى بن موسى، ابن الأخ الأكبر لأبي العباس السفاح والمنصور في القرن الثاني الهجري وأقام حصن الأخيضر فوقه(1).
ومهما يكن من أمر، فإن حصن الأخيضر كان قائما حوالي سنة 157هـ (773م)، وهي السنة التي تسبق وفاة أبي جعفر المنصور ثاني الخلفاء العباسيين 134 - 158هـ (751 - 774م) وذلك نتيجة للعثور على عدد من المسكوكات الفضية يتراوح ضربها بين سنتي 157 و 162هـ (2).
تسمية الحصن بالأخيضر
اختلف المؤرخون كذلك في أصل تسمية «الأخيضر». وذكر بعضهم أن تسميته ربما جاءت بسبب اخضرار موقع الحصن، فإن كلمة الأخيضر معروفة في البادية، وهي مصغر من كلمة الأخضر في اللغة العربية، والوادي الذي يمر بالقرب من الأخيضر نفسه يسمى بوادي الأبيض نسبة إلى بياض رماله. والبعض الآخر، ومنهم العلامة العراقي محمود شكري الآلوسي، يرى أن «الأخيضر محرف من (الأكيدر) اسم أحد أمراء قبيلة كندة الذي أسلم في صدر الإسلام»(3).

(1) نفس المصدر السابق.
(2) مظفر الشيخ قادر: مسكوكات الأخيضر، مجلة المسكوكات، العدد 1 / ص: 20، بغداد 1969. د. عبد العزيز حميد: سومر، ج37، ص: 171.
(3) سلمان هادي طعمة: تراث كربلاء، ص: 122. د. جليل العطية، جريدة الشرق الأوسط، العدد 6343 / ص: 15، لندن 1996.

السابق السابق الفهرس التالي التالي