كربلاء الحضارة والتاريخ 236

لبناء مرقد الامام الحسين (ع) سنة 369 هـ(980م) وكان موقعها بجانب مسجد راس الحسين (ع) الذي شيده عضد الدولة ايضا بالقرب من باب السدرة احد ابواب الروضة الحسينية وقد بقيت هذه المدرسة الى فترة العهد الصفوي وكانت تحت رعايتهم وعنايتهم وبعد زوال الدولة الصفوية الت الى الخراب وفي سنة 1354 هـ(1935م) ازيلت المدرسة لغرض فتح شارع يحيط بالروضة الحسينية. كما شيد عضد الدولة البويهي سنة 371 هـ(982م) مدرسة اخرى في مدينة كربلاء بجانب الصحن الصغير الذي بناه والحقه بصحن الروضة الحسينية من الجهة الشرقية وهو موضع مقبرة السلاطين من ال بويه وقد ازيلت هذه المدرسة والصحن الصغير كذلك بتاريخ 1984/11/24م(1).
وتشير العديد من المصادر التاريخية الى ان بناء المدارس الاسلامية يعود الى ايام السلاجقة الذين حكموا العراق بعد البويهيين فهم اول من بنوا مثل هذه المؤسسة واتخذوها مكانا للصلاة وفي الوقت نفسه منشأة علمية. واول مدرسة شيدت من قبل السلاجقة في العراق حسب تلك المصادر هي المدرسة النظامية في بغداد التي شيدها نظام الملك سنة 459 هـ(1067م) الذي كان وزيرا للسلطان السلجوقي الب ارسلان وابنه السلطان ملكشاه (2).
وبالمقارنة بين التاريخين اللذين ذكرتهما المصادر التاريخية يظهر ان المدرسة العضدية في كربلاء شيدت قبل المدرسة النظامية بحوالي 90 عاما وعليه فانها اولى المدارس الاسلامية المشيدة في العراق.

(1) الشيخ محمد صادق الكرباسي: دائرة المعارف الحسينية ، فصل الحركة العلمية في كربلاء مخطوط تحت الطبع مجلة حوزة، ص: 171-172 العدد السادس من سنة 1416 هـ(1996م) عن مكتب التبليغ الاسلامي ، قم -ايران. د. عبد الجواد الكليدار: تاريخ كربلاء وحائر الحسين ، ص: 177.
(2) د.عبد الجبار ناجي: دراسات في تاريخ المدن العربية الاسلامية، ص:305 مطبعة جامعة البصرة - العراق 1986م. د. عفيف بهنسي : الفن الاسلامي، ص: 123ن الطبعة الاولى دار طلاس للدراسات والترجمة والنشر ، دمشق 1986 م. الشيخ طه الولي: المساجد ، ص: 84.
كربلاء الحضارة والتاريخ 237


وعند زيارة الرحالة الشهير ابن بطوطة الى مدينة كربلاء سنة 727 هـ (1327م) نوه الى وجود مدرسة عظيمة وزاوية كريمة، فيها الطعام للوارد والصادر فالمدرسة التي اشار اليها هي (جامع ومدرسة ابن شاهين) الملاصقة لابنية الروضة الحسينية وكانت اعداد متزايدة من طلاب العلم ترتاد هذا الجامع الذي تحول الى مدرسة علمية ودينية مهمة. اما الزاوية التي قصدها ابن بطوطة في كربلاء فهي دار السيادة التي اقامها السلطان المغولي محمود غازان خان وجعلها وقفا على الفقران والمساكين (1).
ادى الى تطور الحركة الفكرية والدينية واتساعها في القرن الثاني عشر الهجري اضافة الى ازدياد عدد الطلاب، خصوصا من البلدان الاسلامية المختلفة الى انتشار المدارس العلمية الدينية في كربلاء (2) فبدأت تتطور تطورا سريعا وكانت لها خصائصها وطابعها المتميز من حيث استقلال البناء وهندسته والحاق الاقسام الداخلية للطلبة وتطور مناهج الدراسة فيها. وكانت تختلف عن حلقات المساجد والجلسات العلمية في البيوت. فصارت هي المكان المخصص للدراسة، كما كان يخصص مكان للسكن في وحدة معمارية وإدارية متكاملة(3).
أما أسلوب الدراسة في المدارس والمعاهد العلمية الدينية في مدينة كربلاء فكان يواكب التطور في المقررات، وحاجتها لإدخال بعض المفردات والعلوم المعاصرة في مناهجها، وكانت تمد الأقطار الإسلامية بالكثير من الكوادر العلمية الإسلامية المتفتحة.

(1) رحلة ابن بطوطة ص: 233. نور الدين الشاهرودي: تاريخ الحركة العلمية في كربلاء، ص: 42 - 43. سلمان هادي طعمة: تراث كربلاء، ص: 288.
(2) نور الدين الشاهرودي: تاريخ الحركة العلمية في كربلاء، ص: 277 - 278.
(3) محافظة كربلاء بين التراث والمعاصرة، إصدار محافظة كربلاء، ص: 101.
كربلاء الحضارة والتاريخ 238


وعندما نتحدث عن الحركة العلمية والمدارس والمعاهد الدينية في مدينة كربلاء، فإن البحث يرتبط تلقائيا بالمرجعية الدينية ومهام المرجع العلمية التي لاتنفك عن مهامه الإدارية وهي تتمثل في:
1-إدارة شؤون التعليم الديني في مركزه الرئيسي وفي المراكز التابعة له.
2- قيامه بإلقاء المحاضرات العلمية في أعلى مستوياتها في مجالات عدة.
3- تعيين ممثلي المرجعية في مناطق مختلفة من العالم الإسلامي حيث يجب ذلك.
4- الإجابة على الأسئلة والاستفسارات.
5- صرف الرواتب الشهرية على الأساتذة والطلبة.
6- تشييد المدارس والمعاهد العلمية لدراسة الطلاب وسكنهم.
7- بناء المكتبات العامة، والمستشفيات، ودور الأيتام وسائر المرافق الاجتماعية ذات المنفعة العامة(1).
وكان كل هذا النشاط والتمويل والاشراف مستقلا يتم بمعزل عن الدولة ولا يسمح بتدخلها فيه. فقد كانت الحركة العلمية الدينية في كربلاء مؤسسة مدنية مستقلة.
والمدارس الدينية في كربلاء تحمل صفات وخصائص معمارية متميزة تتناسب مع الهدف الذي أنشئت من أجله. ويمثل تخطيطها طرازا معمارية معروفا في العراق يعرف بالطراز الحيري، نسبة إلى مدينة الحيرة قرب الكوفة، والذي يتمثل بإحلال الصحن (الفناء المكشوف أو الساحة الداخلية المكشوفة) المكان الأول في التخطيط. ثم تأتي الأروقة المسقوفة المكشوفة والقاعات والغرف

(1) د. فاضل الحسيني الميلاني: دراسات حول كربلاء ودورها الحضاري، ص: 625، الطبعة الأولى - 1996م.
كربلاء الحضارة والتاريخ 239

والمصلى والممرات والمداخل لتحتل مكانها حول تلك الساحة التي تتجه إليها كل مرافق البناء.
إن هذا التنسيق الذي اتبع في بناء المدارس الإسلامية يشير إلى النظام المتبع في المباني الإسلامي، وإلى أسلوب التخطيط العمراني الذي أكدته البيئة ومتطلبات الحياة الاجتماعية.
وفي أكثر الأحيان يتوسط الساحة المكشوفة حوض فيه نافورة ماء يستعمل أحيانا للوضوع. وفي بعض الأحيان تتوسط الساحة شجرة أو أشجار عدة. أما الواجهات الخارجية فتقتصر على الأبواب المؤدية إلى الداخل، وأحيانا توجد فيها الشبابيك. واستخدمت في الواجهات الخارجية لبعض المدارس الدينية تشكيلات زخرفية من الآجر وعلى مساحات معينة من الجدران بحيث أضفت مسحة جمالية رائعة على هذه الأبنية.
واستعمل الطابوق (الآجر) والجص في بناء المدارس الدينية في كربلاء. وتم تزيينها من الداخل بزخارف جبصية وقاشانية ملونة تتخللها كتابات من الآيات القرآنية الكريمة، وكذلك الزخارف الخشبية المتنوعة التي تغطي الشبابيك والمطعمة بالزجاج الملون الجميل.
وكانت تنتشر في أرجاء مدينة كربلاء المقدسة المدارس والمعاهد العلمية الدينية، الذي وصل عددها إلى 25 مدرسة ومعهدا، ومعظمها يحتوي على غرف لسكنى الطلبة، وقد شيدت من قبل المرجعية الدينية وتحت إشرافها وفي مراحل زمنية مختلفة. وبعضها سمي بأسمائهم، ومن أبرزهم: الوحيد البهبهاني، والشيخ يوسف البحرانين والامير السيد علي الطباطبائي صاحب الرياض، والسيد إبراهيم بن محمد باقر القزويني صاحب الضوابط، والسيد محمد المجاهد، وشريف العلماء والشيخ مرتضى الأنصاري، والسيد محمد مهدي بحر العلوم،

كربلاء الحضارة والتاريخ 240

والشيخ محمد تقي الشيرازي قائد ثورة العشرين، والسيد حسين الطباطبائي القمي، والسيد محمد هادي الميلاني، والسيد ميرزا مهدي الشيرازي. وقد تخرج الكثير من العلماء والفقهاء والمراجع من معاهدها العلمية ممن تخصصوا في الفقه والأصول والفلسفة والأدب وعلوم القرآن.
وقد أشادت الرحالة الفرنسية المعروفة مدام ديلافوا بالمدينة ومعاهدها العلمية الدينية عند زيارتها لكربلاء مع زوجها سنة 1299هـ (1881م)، وقالت: «إنها مدينة تعد من مراكز الشيعة المهمة، وهي عبارة عن جامعة دينية كبيرة تضم عددا من المدارس الدينية الكبيرة التي يقصدها طلبة العلم من كافة أنحاء العالم الإسلامي فيقضون معظم سني حياتهم فيها»(1). ولكن مع الأسف الشديد أزيل معظمها في فترات زمنية مختلفة نتيجة فتح شوارع جديدة، خصوصا في المنطقة المحيطة بالروضتين الحسينية والعباسية، وقسم منها آل إلى الخراب نتيجة الإهمال وعدم الترميم والصيانة. وبالإضافة إلى المدراس العلمية الدينية، كانت هناك مدارس شيدت من قبل الأهالي والبلدان الإسلامية لجالياتها التي كانت توفدها إلى هذه المدينة لدراسة العلوم الدينية، وقسم منها كان يقيم فيها كالعثمانية والإيرانية، ومن قبل المسلمين الهنود أيضا.
تدرس اللغة العربية في جميع هذه المدارس، بالإضافة إلى ان كل مدرسة من هذه المدارس كانت تختص بلغة معينة أو لغات عدة، ومن أشهرها المدرسة الجعفرية الأولى التي تأسست سنة 1332هـ (1914م) والمدرسة الحسينية سنة 1327هـ (1909م) والمدرسة الرشيدية سنة 1328هـ (1910م)(2).

(1) Madam J. Dieulafoy - La Chaldee, et la Susiane (Paris 1887).
(2) د. رؤوف محمد علي الأنصاري، جريدة الحياة، 1995.
كربلاء الحضارة والتاريخ 241


ومنذ تأسيس الدولة العراقية الحديثة سنة 1921م بدأت الحكومة بإنشاء مدارس رسمية أخذت على عاتقها تعليم أبناء مدينة كربلاء جنبا إلى جنب مع المدارس الدينية الأهلية الأخرى(1).
أما أشهر المدارس العلمية الدينية في مدينة كربلاء فهي:
1- مدرسة السردار حسن خان: تعتبر هذه المدرسة أحد أبرز المعاهد الدينية التاريخية في كربلاء. شيدت من قبل السردار حسن خان القزويني سنة 1180هـ (1767م). وكانت تقع في الزاوية الشمالية الشرقية من الروضة الحسينية، وتخرج منها رعيل من كبار العلماء والفقهاء والمفكرين الإسلاميين كالعالم الكبير الشيخ شريف العلماء المازاندارني والمصطلح الإسلامي الكبير جمال الدين الأفغاني.
وكانت هذه المدرسة تحتوي على 70 غرفة، وقد كسيت جدرانها بالزخارف الهندسية الرائعة تعلوها كتابات من الآيات القرآنية الكريمة. وبوشر اعمل بهدم جزء من بنائها بتاريخ 1948/11/18م، في عهد متصرف كربلاء آنذاك عبد الرسول الخالصي(2)، وقد بقيت آثارها إلى آذار من سنة 1991م حيث أزيلت هذه المدرسة بعد هذا التاريخ من قبل السلطات الحكومية ضمن تدمير مركز المدينة.
2- مدرسة السيد المجاهد: هذه المدرسة كانت تقع في سوق التجار الكبير بالقرب من مرقد مؤسسها السيد محمد المجاهد الطبطبائي. شيدت سنة 1270هـ (1854م) كما هو مذكور في الوقفية الخاصة بها. وتخرج منها عدد

(1) نفس المصدر السابق
(2) د. عبد الجواد الكليدار: تاريخ كربلاء وحائر الحسين، ص: 177، 270. مجلة (الحبل المتين)، العدد 4 - السنة 18، ص: 21، شهر رجب 1328هـ(1910م). سلمان هادي طعمة: تراث كربلاء، ص: 202 - 203.
كربلاء الحضارة والتاريخ 242
(241)
كبير من كبار العلماي والفقهاء، امثال العلامة السيد محمد باقر الطباطبائي والعلامة السيد محمد علي الطباطبائي ، وكانت توليتها بيد العلامة السيد محمد تقي الطباطبائي . وتتألف المدرسة من طابقين وتحتوي على 12 غرفة ، وقد ازيلت سنة 1980 م نتيجة فتح شارع المشاة الذي يربط الروضتين.
3- مردسة صدر الاعظم النوري: تعتبر هذه المدرسة احد اهم المعاهد العلمية والدينية الرئيسية في كربلاء. وكانت تقع غرب صحن الروضة الحسينية، شيدها العلامة الشيخ عبد الحسين الطهراني من ثلث الامير الميرزا تقي خان الصدر الاعظم المتوفى سنة 1286 هـ (1852م).
وقد ازيلت اسضا في عهد متصرف كربلاء آنذاك طاهر القيسي سنة 1948م نتيجة فتح شارع الحائر المحيط بالورضة الحسينية. ومن اساتذتها يومذاك الشيخ ابو القاسم الخوئي المتوفى سنة 1364 هـ (1945م) والشاعر السيد عبد الوهاب الوهاب المتوفى سنة 1322 هـ (1904م) (1).
4- المدرسة الزينبية: تأسست عام 1276 هـ (1860م) من قبل السلطان ناصر الدين القاجاري بمباشرة العلامة الشيخ عبد الحسين الطهراني . وكانت هذه المدرسة من المعاهد العلمية الدينية المزدهرة في فترات زمنية مختلفة. وسميت بهذه التسمية نسبة الى موقعها عند باب الزينبية في الجهة الغربية للروضة الحسينية، وتم تهديمها نتيجة فتح الشارع المحيط بالروضة الحسينية سنة 1368 هـ (1948م). ومن استاذة المدرسة الزينبية الشيخ محمد الخطيب المتوفى سنة 1380 هـ (1961م)، والشاعر الشيخ جعفر الهر المتوفى سنة 1347 هـ (1928م) (2).

(1) د.عبد الجواد الكليدار: تاريخ كربلاء وحائر الحسين، ص: 177. سلمان هادي طعمة :تراث كربلاء، ص:203.
(2)د. عبد الجواد الكليدار: تاريخ كربلاء وحائر الحسين، ص: 177، 270.
كربلاء الحضارة والتاريخ 243



5- المدرسة الهندية الكبرى: كانت هذه المدرسة احد اشهر المعاهد العلمية الدينية حتى سنوات قريبة. وتقع في زقاق الزعفراني بالقرب من الروضة الحسينية. شيدت في أواخر القرن الثالث عشر الهجري، وتتألف من طابقين وتحتوي على 22 غرفة ، وتصم مكتبة عامة تعرف باسم "المكتبة الجعفرية" وكانت تصدر عن هذه المدرسة مجلة تعرف بـ"اجوبة المسائل الدينية". وقد تخرج من هذه المدرسة كبار العلماء والفقهاء ، ومن اساتذتها العلامة الشيخ جعفر الرشتي.
6- مدرسة البادكوبة (الترك): وهي من المدارس الشهيرة في مدينة كربلاء. شيدت سنة 1270 هـ (1854) حيث اسسها الحاج البادكوبي وكانت توليتها بيد العلامة الشيخ محمد الكرباسي. وتقع في زقاق الداماد الواقع بين الورضتين الحسينية والعباسية . وكانت تتألف من ثلاثة طوابق، وتحتوي على 30 غرفة، وتضم مكتبة عامة تحتوي على الكتب القيمة . ومن اساتذتها آنذاك الشيخ محمد الشاهرودي والعلامة الشيخ محمد الكرباسي. وازيلت هذه المدرسة نتيجة فتح شارع المشاة بين الروضتين سنة 1980م، وكانت تصدر عنها مجلة "منابع الثقافة الاسلامية" ومجلة "مبادئ الاسلام" باللغة الانكليزية.
7- مدرسة البقعة: اسسها العلامة السيد علي نقي الطباطبائي سنة 1289 هـ (1872م). وكانت تقع في شارع الامام علي،وبجانب مرقد السيد محمد المجاهد الطباطبائي، وقد شيدت في منتصف القرن الثالث عشر الهجري، وتتألف من طابقين وتحتوي على 20 غرفة. وقد تخرج منها نخبة من العلماء والفقهاء بينهم العلامة السيد محسن الكشميري والعلامة الشيخ عبد الرحيم القمي والعالم السيد مرتضة الطباطبائي، وكانتتصدر عنها مجلة "صوت المبلغين.

كربلاء الحضارة والتاريخ 244

وقد ازيلت هذه المدرسة ايضا سنة 1980 م نتيجة فتح شارع المشاة بين المرقدين .
8- المدرسة السليمية : تقع هذه المدرسة في زقاق جامع السيد علي نقي الطباطبائي. شيدت من قبل احاج محمد سليم خان الشيرازي سنة 1250هـ (1834م)، وجددها المرجع الديني السيد مهدي الشيرازي سنة 1370هـ (1951م). وكانت توليتها بيد العلامة السيد مرتضى الطباطبائي وبعد وفاته تولى ادارتها نجلة السيد محمد الطباطبائي ، وبعد اعتقاله عام 1991 تم الاستيلاء عليها.
والمدرسة ذات مساحة صغيرة، وتتألف من طابقين وتحتوي على 13 غرفة. ومن اساتذتها العلامة الشيخ يوسف الخراساني والعلامة المجاهد السيد حسن الشيرازي، وقد صدرت عن هذه المدرسة مجلة باسم "الاخلاق والاداب" ومجلة "ذكريات المعصومين".
9- المدرسة المهدية: تقع هذه المدرسة في الزقاق المجاور لديوان السادة آل الرشدي. شيدت من قبل الشيخ مهدي بن الشيخ علي بن الشيخ جعفر كاشف الغطاء عام 1284 هـ (1867م) . وتتألف من طابقين يحتويان على 24 غرفة ، ويسكنها طلبة العلوم الدينية وبينهم طلاب ينتمون لبعض الدول الاسلامية، ومن اساتذتها العلامة الشيخ علي العيثان البحراني والشيخ عبد الحميد الساعدي. تم الاستيلاء عليها من قبل سلطات النظام البائد.
10- مدرسة ميزرا كريم الشيرازي: تقع هذه المدرسة في محلة العباسية الشرقية . شيدت سنة 1287 هـ (1870م)، وشيد فيها مصلى كبير اعيد بناؤه من جديد من قبل السيد علي محمد الموسوي الشيرازي سنة 1308 هـ (1891م)

كربلاء الحضارة والتاريخ 245

كما تنص على ذلك اللوحة التذكارية المثبتة في داخله. والمدرسة كبيرة وذات ساحة داخلية مكشوفة واسعة وهي من طابق واحد يحتوي على 11 غرفة. ومن مدرسيها آنذاك الخطيب الشهيد عبد الزهراء الكعبي والشيخ محمد علي الخليق، وبعد اغتيال الشيخ الكعبي عام 1394 هـ (1974م) استولى عليها النظام البائد.
11- المدرسة الهندية الصغرى: وكانت تعرف أيضا بمدرسة تاج محل. تقع هذه المدرسة في أحد الأزقة التي تنفذ من سوق التجار إلى شارع الإمام علي. شيدت سنة 1300هـ (1883م) من قبل امراة هندية فاضلة تعرف بتاج محل وأوقفتها على العلامة السيد علي نقي الطباطبائي، كما تنص بذلك الوقفية الخاصة بها. وتحتوي المدرسة على 9 غرف، يسكنها طلبة العلوم الدينية من الأفغان والهنود، ومن أساتذتها آنذاك السيد محمد حسين الكشميري والسيد مرتضى الطباطبائي والسيد مرتضى الواجدي.
12- مدرسة ابن فهد الحلي: تأسست عام 1385 (1965م). وتقع هذه المدرسة في شارع باب القبلة أو شارع أبو الفهد، وتحتضن قبر العالم الشيخ أحمد بن فهد الحلي الأسدي المتوفى عام 841هـ. وقد تم إنشاؤها على مساحة كبيرة من الارض. وتتألف المدرسة من مصلى، وساحة مكشوفة واسعة تحيط بالضريح.وتحيط بالساحة غرف موزعة على طابقين عددها 40غرفة يسكنها طلبة العلوم الدينية. وتضم هذه المدرسة مكتبة عامة باسم «مكتبة الرسول الأعظم». وقد جددت مدرسة ابن فهد الحلي مرتين وكانت الأخيرة بأمر من المرجع الديني السيد محسن الطباطبائي الحكيم.
13- مدرسة البروجردي: تقع هذه المدرسة في شارع المخيم. أمر بتشييدها المرجع الديني السيد حسين البروجردي المتوفي سنة 1380هـ

كربلاء الحضارة والتاريخ 246

(1960م)، ولم يكتمل بناؤها في عهده، فقد أكمل البناء المرجع الديني السيد عبد الهادي الشيرازي سنة 1381هـ (1961م). وطراز عمارة المدرسة روعة في فن العمارة الإسلامية، وتتألف من طابقين وتحتوي على 20 غرفة يسكنها طلبة العلوم الدينية. وكانت توليتها بيد الشيخ نصر الله الخلخالي، وتم الاستيلاء عليها من قبل وزارة الأوقاف سنة 1395هـ (1975م).
14- مدرسة شريف العلماء: تقع هذه المدرسة في زقاق كدا علي المتفرع من شارع باب القبلة. وإلى جانب المدرسة يقع مرقد العلامة الشيخ شريف العلماء المتوفي سنة 1245هـ (1830م). وفي خمسينات القرن الماضي كان مسكن مؤلف هذا الكتاب يقع مقابل هذه المدرسة. شيدت هذه المدرسة بأمر من المرجع الديني السيد محسن الطباطبائي الحكيم وقفا على طلبة العلوم الدينية في كربلاء المقدسة والنجف الأشرف. وتتألف المدرسة من طابقين وتحتوي على 22 غرفة. وقد استولى عليها النظام البائد سنة 1403هـ (1983م).
15 - مدرسة الإمام الباقر: تقع هذه المدرسة في محلة باب الخان، بالقرب من ساحة الفسحة. شيدها السيد عماد الدين محمد طاهر البحراني سنة 1381هـ (1961م). وتضم عددا من غرف التدريس والسكن ويسكنها العديد من طلبة العلوم الدينية، وأنشئت فيها مكتبة عامة. وكانت هذه المدرسة قد استخدمت من قبل حسينية خاصة بالزائرين القادمين من مدينة الكاظمية وذلك في مواسم الزيارات الدينية. وتم الاستيلاء عليها من قبل النظام البائد بعد أن اعتقل مؤسسها سنة 1395 (1975م).

كربلاء الحضارة والتاريخ 247


16- المدرسة الحسنية: كانت هذه المدرسة تقع على بعد 30 مترا شمال الروضة العباسية. أقيمت على أرض مساحتها 400 مترا، وتضم 28 غرفة لسكن طلبة العلوم الدينية، وأهم ما يدرس فيها: الفقه والأصول والنحو والمنطق وتفسير القرآن الكريم وقواعد اللغة العربية.
وقد أقيمت هذه المدرسة سنة 1388هـ (1968م) وبسعي من الخطيب الشيخ حسن النائيني الحائري، ومن تبرعات بعض المواطنين الكويتيين. وقد هدمت هذه المدرسة سنة 1411هـ (1991م) بعد أن استولت عليها وزارة الأوقاف.
17- مدرسة المازندراني: تقع في محلة المخيم. أسسها العلامة الخطيب الشيخ محمد مهدي المازندراني المتوفى سنة 1384هـ (1964م). تحتوي على عدد من الغرف وبعد رحيل المشرفين على المدرسة سنة 1380هـ (1960م) استولت الحكومة عليها.
18- مدرسة الخوئي: أسسها المرجع الديني السيد أبو القاسم الخوئي سنة 1395هـ (1975م). وبعد وفاته سنة 1413هـ (1992م) تم الاستيلاء عليها من قبل النظام البائد.
19- مدرسة الخطيب: تقع هذه المدرسة في محلة المخيم. تم تشييدها سنة 1357هـ (1937م) من قبل العلامة الشيخ محمد الخطيب. ويتلقى الطلاب في فصولها مبادئ اللغة العربية والعلوم الدينية، وهي مدرسة شبه رسمية، وفترة الدراسة المقررة فيها خمس سنوات. تتكون المدرسة من طابقين، وتتألف من خمسة صفوف، وتحتوي على مكتبة. تخرج من هذه المدرسة عدد من

كربلاء الحضارة والتاريخ 248

الشخصيات من علماء وخطباء ومدرسين. أسندت إدارة المدرسة إلى الشيخ عبد الحسين الخطيب نجل المؤسس.
20- مدرسة الإمام الصادق الابتدائية: أنشئت المدرسة في البداية في دار العلامة السيد حسين القمي المتوفى سنة 1366هـ (1946م). ثم انتقلت في سنة 1377هـ إلى بناية تقع إلى جانب كراج السيد هاشم.
أسسها المرجع الديني السيد مهدي الشيرازي وذلك سنة 1375هـ (1955م) بالتعاون مع العلامة الشيخ جعفر الرشتي والعلامة الشيخ محمد الكرباسي والعلامة السيد محمد الشيرازي والعلامة السيد محمد صادق القزويني، وبعض وجهاء كربلاء. وقد عين أول مدير لها وهو الحاج محمد باقر الراجة. ثم جاء بعده العلامة السيد مرتضى القزويني ثم السيد محمد الطباطبائي. وقد تحولت المدرسة فيما بعد إلى مدرسة دينية بعد أن تم تجديد بنايتها أيام العلامة السيد حسين البروجردي. وبعد وفاته تم توليتها بيد العلامة السيد عبد الهادي الشيرازي.
وقد انتقلت مدرسة الإمام الصادق إلى بناية خاصة تقع في شارع القبلة. وهي مكونة من طابقين فيها ستة صفوف، وكان الطلاب يتلقون فيها اللغة العربية والمناهج الدينية إلى جانب المناهج المقررة في المدارس الرسمية. تم هدم هذه المدرسة سنة 1411هـ (1991م) بحجة توسيع شارع القبلة.
21- مدرسة الإمام الصادق الثانوية: تقع عند بداية الشارع القديم المؤدي إلى بغداد، بمحاذاة نهر الحسينية. أسسها المرجع الديني السيد محمد الشيرازي سنة 1385 (1965م) مع مجموعة من العلماء منهم العلامة السيد محمد صادق القزويني، الخطيب السيد مرتضى القزويني، العلامة الشيخ جعفر

كربلاء الحضارة والتاريخ 249

الرشتي، العلامة محمد الكرباسي والسيد صدر الدين الشهرستاني، وبعض وجهاء كربلاء منهم الحاج حواد الصائغ، الحاج حسن الوكيل والحاج محمد صدقي.
22- مدرسة الحفاظ الأولى: أسسها المرجع الديني السيد مهدي الشيرازي قبل وفاته سنة 1380هـ (1970م). وتقع قرب الحسينية الطهرانية. وفي سنة 1384هـ (1964م) انتقلت المدرسة إلى زقاق الداماد نتيجة ازدياد عدد الصفوف إذ بلغت ثمانية.
ومن المدارس الدينية الأخرى في المدينة: المدرسة الجعفرية، المدرسة الأحمدية، مدرسة الكتاب والعترة، مدرسة الباكستانيين، مدرسة الطبرغاسي، مدرسة الحفاظ الثانية، مدرسة الحفاظ الثالثة، مدرسة حافظات القرآن الأولى، مدرسة حافظات القرآن الثانية.
وقد أنشئت العديد من المدارس الحكومية في مدينة كربلاء، أشهرها: مدرسة الحسين، المدرسة الفيصلية، المدرسة الهاشمية، مدرسة السبط، مدرسة العباس، مدرسة المخيم... الخ، أما أشهر المدارس الثانوية والمتوسطة فهي: ثانوية كربلاء، ثانوية حي الحسين ثانوية العراق اعدادية القدس متوسطة الوحدة متوسطة الثورة .... الخ.

كربلاء الحضارة والتاريخ 250

قطارة الامام علي (ع)


وهو عبارة عن ينبوع الماء الذي يسمى ب(قطارة الامام علي (ع)) ويقع في وسط الصحراء على بعد 15 كلم الى الجنوب الغربي من مدينة كربلاء المقدسة بالقرب من بحيرة الرزازة، وعلى الطريق المؤدي الى عين التمر... وتقع القطارة في شق صخري عميق ينزل اليه باكثر من سبعين درجة، ولا يزال الماء يتدفق داخل وحول القطارة، ويشرب منه الزائرون، ويتبرك به الناس، وهو ماء عذب رغم ان مستوى ماء القطارة اوطأ من مستوى بحيرة الرزازة المعروفة بملوحتها.
ويروي المؤرخون انه لما توجه امير المؤمنين الامام علي بن ابي طالب (ع) الى صفين، لحق اصحابه عطش شديد ونفذ ما كان عندهم من الماء، فاخذوا يمينا وشمالا يلتمسون، الماء فلم يجدوا له اثراً، فعدل بهم امير المؤمنين عن الجادة وسار قليلا فلاح لهم دير في وسط البرية، فسار بهم نحوه، حتى اذا صار في فنائه امر من نادى ساكنه بالاطلاع اليهم، فنادوه فاطلع، فقال له امير المؤمنين (ع): هل قرب قائمك هذا من ماء يتغوث به هؤلاء القوم؟
فقال: هيهات، بيني وبين الماء اكثر من فرسخين، وما بالقرب مني شيء من الماء ولولا انني أوتي بماء يكفيني كل شهر على التقتير لتلفت عطشاً، فقال الامام(ع): أسمعتم ما قال الراهب؟ قالوا: نعم، أفتأمرنا بالمسير الى حيث أومأ اليه لعلنا ندرك الماء وبنا قوة؟
فقال امير المؤمنين (ع): لا حاجة لكم الى ذلك. فلوى عنق بغلته نحو القبلة، واشار بهم الى مكان قريب من الدير، فقال لهم: اكشفوا الارض في هذا

كربلاء الحضارة والتاريخ 251

المكان، فعدل منهم جماعة الى الموضع فكشفوه، فظهرت لهم صخرة ضخمة تلمع، فقالوا: يا امير المؤمنين ها هنا صخرة لا تعمل فيها المساحي (أدوات الحفر)، فقال لهم: ان هذه الصخرة قائمة على الماء، فان زالت عن موضعها وجدتم الماء. فاجتهدوا في قلعها، فاجتمع القوم وراموا تحريكها فلم يجدوا الى ذلك سبيلا واستصعبت عليهم، فلوى امير المؤمنين (ع) رجله عن سرجه حتى صار على الارض، ثم حسر عن ذراعيه ووضع اصابعه تحت جانب الصخرة فحركها ثم قلعها بيده، ودحى بها اذرعا كثيرة، فلما زالت من مكانها ظهر لهم بياض الماء، فبادروا اليه فشربوا منه، فكان اعذب ماء شربوا منه في سفرهم وابرده وأصفاه... فقال لهم امير المؤمنين (ع): تزودوا وارتووا، ففعلوا ذلك، ثم جاء الى الصخرة فتناولها بيده ووضعها حيث كانت، فأمر ان يعفى أثرها بالتراب والراهب ينظر من فوق ديره، فلما استوفى علم ما جرى نادى: ايها الناس انزلوني، فاحتالوا في انزاله، فوقف بين يدي امير المؤمنين (ع)، فقال له: يا هذا أأنت نبي مرسل؟ قال (ع): لا، قال: فملك مقرب؟ قال (ع): لا، قال: فمن انت ؟ قال (ع): انا وصي رسول الله محمد بن عبد الله خاتم النبيين (ص). قال الراهب: ابسط يدك اسلم لله تبارك وتعالى على يدك، فبسط أمير المؤمنين (ع) يده وقال له: اشهد الشهادتين. فقال الراهب: اشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمدا رسول الله، وشاهد انك وصي رسول الله وأحق الناس بالأمر من بعده. فأخذ أمير المؤمنين (ع) عليه شرائط الإسلام ثم قال له: ما الذي دعاك إلى الإسلام بعد طول مقامك في هذا الدير على الخلاف؟ فقال: إن هذا الدير بني على طلب قالع هذه الصخرة ومخرج الماء من تحتها، وقد مضى عالم قبلي لم يدركوا ذلك، وقد رزقنيه الله عز وجل، وإنا نجد في كتاب من كتبنا ونأثر عن علمائنا، أن في هذا الصقيع عينا عليها صخرة لا يعرف مكانها إلا نبي أو وصي نبي، وأنه لابد من ولي لله يدعو إلى الحق آيته معرفة مكان هذه الصخرة

كربلاء الحضارة والتاريخ 252

وقدرته على قلعها، وإني لما رأيتك قد فعلت ذلك تحققت ما كنا ننتظره وبلغت الأمنية منه، فأنا اليوم مسلم على يدك ومؤمن بحقك ومولاك.
وفي السنوات الاخيرة شيد بناء شامخ لهذه القطارة تعلوه قبة بصلية الشكل كسيت من الخارج بالبلاط القاشاني الازرق الجميل، وترتفع عند جانبي القبة مئذنتان اسطوانيتا الشكل مكسوتان من الخارج بالبلاط القاشاني المزخرف(1).

(1) د. رؤوف محمد علي الأنصاري: السياحة في العراق ودورها في التنمية والاعمار، هادي برس، بيروت - لبنان، الطبعة الأولى، 2008، ص: 362- 363.
كربلاء الحضارة والتاريخ 253


قطارة الإمام علي (ع)
قطارة الإمام علي (ع)


كربلاء الحضارة والتاريخ 254




كربلاء الحضارة والتاريخ 255

الفصل الرابع كربلاء... المباني التاريخية والتراثية

توطئة:
قطع العراق عبر مراحل تطور تراثه الثقافي والحضاري خطوات سريعة ومتطورة في مجال فنون العمارة والبناء. فكان للعمارة العراقية شأن كبيرة بين تلك المنجزات، لاسيما في مدينة كربلاء المقدسة، يستدل من ذلك بما تزخر به من الشواهد والمعالم العمرانية الشاخصة،الآثارية منها او التاريخية والتراثية، وهي بحق تشير الى مرحلة متقدمة من الازدهار الذي بلغته انماط التخطيط العمراني وفنون العمارة وطرزها في هذه المدينة المقدسة على رغم ما يتخللها من انماط اتسمت بالبساطة والعشوائية حينا والتلقائية والركود حينا آخر، وذلك تبعا لطبيعة ظروف الفترات التاريخية التي اقيمت فيها تلك الابنية ودور العوامل الرئيسة المؤثرة في مستوى وتطور فنون العمارة وفي مقدمها العناصر البيئية والجغرافية والمناخية ومواد البناء ذات التاثير المباشر في انماط العمارة.
ولكن مع تطور المجتمع الكربلائي ونموه، استطاع ايجاد انماط بامكانه اجراء تحوير او تحويل جزئي لتأثير العوامل الآنفة الذكر من اجل توفير بيئة حضارية مناسبة. وهناك عوامل اخرى لها تأثيرها ايضاً، الا انها ناجمة عن تأثير المجتمع ومظاهره الحياتية المختلفة ، كالواقع الاقتصادي والمستوى الثقافي والمظهر الديموغرافي (السكان والموروث الحضاري).

كربلاء الحضارة والتاريخ 256


وخلال العهود التاريخية القديمة بشكل عام حتى اواخر العهد العثماني بشكل خاص نجد ان المباني التراثية في هذه المدينة المقدسة لم تشهد تغييرات جوهرية اساسية، خصوصا من حيث نمط تخطيطها وعناصرها ومفرداتها المعمارية. للابنية التاريخية والتراثية في مدينة كربلاء المقدسة، انماط معمارية متعددة، من هذه الابنية:
الاسواق والقيسريات والخانات والحمامات العامة والبيوت التراثية. وفي هذه المدينة المقدسة انتشر الكثير من هذه المباني، والتي تمثلت عند تشييدها، في العديد من العلاقات والخدمات وتلاؤم العادات والتقاليد وطريقة الحياة المألوفة والنظام الاجتماعي الذي يربط الناس ويشدهم الى قيمهم الاجتماعية والدينية ، وتنسجم مع الجوانب الحضارية والانسانية والملائمة للظروف المناخية والبيئية. وذلك لوقوع المدينة على مشارف الصحراء، مما اثر بشكل كبير على نمط العمارة واختيار مواد البناء المحلية لتكون المواد الرئيسة في البناء واهمها الطابوق الطيني المفخور (الآجر) والجص.
تجتمع في ابنية مدينة كربلاء التاريخية والتراثية الشواهد الحية لممارسة النشاط الفني والتفوق العمراني والذي عبرت عنه حصيلة الاشكال البنائية الرائعة التي انتجتها المهارات الفنية وافرزتها المجتمعات الاسلامية عبر قرون عدة. وقد تمثل جزء منها في القباب والقبب الصغيرة والعقود وغيهرا من الاشكال البنائية الاخرى التي كانت ولا تزال من اهم الخصائص والمفردات المعمارية لهذه المدينة التاريخية والدينية العريقة.
وقد توفرت في هذه المباني الجوانب الاقتصادية، بالاضافة الى الجوانب الجمالية والمناخية والاجتماعية التي جاءت نتيجة استعمال عناصر ومفردات العمائر الاسلامية المختلفة كالفسيفساء والزخارف الآجرية والقاشانية والخشبية

كربلاء الحضارة والتاريخ 257

المتنوعة، خصوصا المشبكات الخشبية الجميلة (الشناشيل او المشربيات) وغيرها.
ان قسما من الابنية التاريخية والتراثية في مدينة كربلاء المقدسة ما زال قائما كما هو منذ نشأته الاولى. وبقيت ابنية اخرى محتفظة ببعض عناصرها ومفرداتها المعمارية رغم ما طرأ عليها من ترميمات. بينما هناك عدد آخر من هذه الابنية فقد اصالته التراثية كلية بسبب التجديد والترميم المستمرين، وهناك مبان اخرى ازيلت تماما.
وسيتناول هذه الفصل عمارة المباني التاريخية والتراثية في مدينة كربلاء وهي:
  • الاسواق والقيسريات.
  • الخانات.
  • الحمامات العامة.
  • البيوت التراثية.
  • مدينة عين التمر الآثرية.
  • حصن (قصر) الاخيضر.
  • قصر مقاتل.
  • قصر شمعون.
  • قصر عطشان.
  • قلعة بردويل.
  • كنيسة الاقيصر.
  • كهوف الطار.
  • منارة موجدة.

    كربلاء الحضارة والتاريخ 258

    الاسواق والقيصريات


    تعد الاسواق القديمة في مدينة كربلاء احد اهم الاثار التاريخية التي تدل على مدى عراقة هذه المدينة من ناحية، ومدى حيويتها وفاعليتها التجارية على مر العصور الاسلامية من ناحية اخرى.
    وتذكر المصادر التاريخية ان نشأة الاسواق التراثية في هذه المدينة المقدسة تعود الى بداية القرن الثالث الهجري، وبالتحديد في زمن الخليفة العباسي المأمون. وتشير تلك المصادر الى ان اسواق كربلاء كانت في تلك الفترة عامرة تسودها الطمأنينة وتؤمها القوافل.
    وكان من الزائرين من يؤثر البقاء عند مرقد الامام الحسين، ومن يرجع الى وطنه. وذلك قبل ان يأمر المتوكل بهدم البناء الذي كان يعلو القبر والمباني التي حوله وذلك سنة 236هـ (850م) (1).
    وفي العهد البويهي انتشرت الاسواق بين المرقدين وذلك بعد ان قام عضد الدولة باعادة بناء مرقد الامام الحسين بين سنتي 369 - 371 هـ (980 - 982م)، وبناء مرقد العباس لاول مرة سنة 372هـ (983م)، وتشييد بيوت واسواق جديدة في المدينة(2).
    واشتهرت مدينة كربلاء باسواقها التاريخية العريقة التي تؤلف بمجموعها وحدة من وحدات المنشاة الاجتماعية . فهي ترتبط عضويا بالمراقد المقدسة وتحيط بها. وقسم منها يمتد امام مداخلها بحيث لا يمكن الا المرور من خلالها،

    (1) السيد حسن الصدر: نزهة اهل الحرمين في عمارة المشهدين، ص:29-31. محمد حسن مصطفى آل كليدار: مدينة الحسين، ج2 / ص: 99، الطبعة الاولى، سنة 1368هـ (1949).
    (2) مدينة الحسين، المصدر السابق، ج2 /ص: 106
    كربلاء الحضارة والتاريخ 259

    مجسدا الترابط بين الجانبين المادي والروحي في حياة سكان المدينة والزائرين. وكانت بعض الأسواق ممرا للمواكب الحسينية أثناء إقامة الشعائر في المناسبات الدينية وكذلك لمرور المواكب الجنائزية(1).
    وتوجد إلى جانب الأسواق التراثية الرئيسية أسواق تقليدية أخرى تعتبر محاور تجارية جانبية ترتبط بالأسواق الرئيسية من جهة، وبالمناطق السكنية من جهة أخرى. وأشار الكثير من الرحالة والمستشرقين إلى أسواق مدينة كربلاء.
    وقال الرحالة البرتغالي بيدرو تكسيرا في وصفه لأسواق المدينة عند زيارته لها عام 1013هـ (1604م): «بسبب توافد الزوار وتقاطرهم على المدينة من كل حدب وصوب في مواسم معلومة من السنة أن تنشط فيها حركة البيع والشراء بحيث تحتوي المدينة على جميع المواد الضرورية والبضائع التجارية من بلدان أخرى وعلى أصناف من بضائع محلية والتي تميز الكثير منها بخصائص ومميزات دينية غنية بمواضيع من التقاليد الإسلامية، ولهذا فإن مدينة كربلاء كانت ملتقى لعدد كبير من التجار القادمين من مختلف الأقطار». وأشار تكسيرا أيضا إلى عمارة أسواق كربلاء وقال: إنها مبنية على شكل عقود باحكام(2).
    وجاء في كتاب(Iraq and the Persian Gulf): إن الصف الواسع من الدكاكين والذي يقع في المنطقة المحصورة بين المرقدين في مدينة كربلاء، وكان سابقا سوقا مسقفا، يشكل الآن السوق الرئيسي الذي يفصل المدينة من شمالها إلى جنوبها(3).

    (1) د.عماد عبد السلام رؤوف: حضارة العراق، ج10 / ص: 184، 185. شمس الدين المقدسي: أحسن التقاسيم في ذكر الأقاليم، ص: 117، سنة 1906م.
    (2) Sinclair, W. F.: The Travels of Pedro Teixira, page: 51.
    (3) Iraq and the Persian Gulf, Naval Intelligence Division, page: 537.
    كربلاء الحضارة والتاريخ 260


    وعند زيارة الرحالة الإنكليزية مس ستيفنس كربلاء سنة 1337هـ (1919م)، تحدثت عن أسواق كربلاء فذكرت سوقا مسقفا يبتاع منها الناس سلعهم وتكلمت عن أسواقها الشعبية فقالت: «أنها مليئة بالخضروات والفواكه وأنواع التمور إلى جانب اللوز والجوز»(1).
    وقد تخصصت الأسواق في مدينة كربلاء حيث أن كل سوق من الأسواق أو أن جزءا منها، كان يختص ببضاعة معينة. أن هذا التخصص والتنوع يعتبر مظهرا بديعا من مظاهر الأسواق الإسلامية. والأسواق في مدينة كربلاء هي متاحف شعبية إسلامية قل أن نجد لها مثيلا في كثير من أسواق المدن الأخرى(2).
    وكانت هناك داخل الأسواق وفي محاذاتها، الكثير من البيوت التراثية الجميلة والمراقد الصغيرة والقيساريات والخانات التي كانت تعتبر من الأماكن التراثية في هذه المدينة.
    وتعتبر الأسواق من المعالم العمرانية المهمة في المدينة وأحد مستلزماتها الضرورية، وأن عناصرها المميزة وتطورها وتكاملها العمراني هي أحد الروافد المساهمة في تطور المدينة(3). ولعبت الأسواق التراثية دورا كبيرا في الحياة الاقتصادية والاجتماعية والسياسية أحيانا. إذ أن السوق لا يعمل كشريان للحياة الاقتصادية فحسب، وإنما للحياة الاجتماعية العامة للمدينة. فهو إلى جانب المسجد، يعتبر المكان الذي تحتك فيه القطاعات المختلفة من المجتمع الحضري مع بعضها.

    (1) Mrs. E. S. Stevens: By Tigris and Euphrates, pages: 39 - 42.
    (2) د. رؤوف محمد علي الأنصاري، جريدة الحياة، العدد 12430 / ص: 21، لندن 1997م. مصطفى عباس الموسوي: العوامل التاريخية لنشاة وتطور المدن العربية الإسلامية، دار الرشيد للنشر، ص:339، بيروت - لبنان، 1982.
    (3) د. رؤوف محمد علي الأنصاري، جريدة الحياة، العدد 12430/ ص: 21، لندن 1997م.

    السابق السابق الفهرس التالي التالي