|
|
 |
| كربلاء الحضارة والتاريخ |
|
87 |
|
 |
المرقد. أما مدينة كربلاء نفسها فقد عاث الغزاة فيها فسادا وتخريبا وقتلوا من
دون رحمة جميع من صادفوه كما سرقوا البيوت والأسواق، ولم يرحموا أحدا لا
الشيخ ولا الطفل ولم يحترموا النساء ولا الرجال فلم يسلم من في المدينة من
وحشيتهم. ولقد قدر بعضهم عدد القتلى بألف نسمة وقدرهم الآخرون بخمسة
آلاف(1).
وفي أوائل القرن التاسع عشر الميلادي زار كربلاء يمين الدولة علي
خان الحاكم السادس من ملوك مملكة أودة في الهند الذي حكم ما بين 1213
- 1229هـ (1798 - 1814م) فأشفق على حالتها، وبنى فيها أسواقا حسنة
وبيوتا قوراء، أسكنها بعض من نكبوا وبنى للمدينة سورا حصينا وأقام حوله
الأبراج والمعاقل، فأمنت على نفسها وعاد إليها بعض الرقي والتقدم(2).
وفي سنة 1217هـ (1802م) زار مدينة كربلاء الرحالة الهندي أبو
طالب خان والتقى بعمته التي كانت تسكن بجوار مرقد الإمام الحسين،
فوصفت له أحداث غزو الوهابيين بتفاصيلها. فذكر في رحلته ما حل
بالروضتين عند الغزو. كما ورد لدى وصفه للصحن الحسيني الشريف وقوله:
« وفي وسط الصحن مقام إبراهيم المجاب» مما يدل على أن مرقد إبراهيم لم
يكن ضمن الرواق الحسيني حتى ذلك الحين(3).
بدأت الدولة العثمانية تنهار فاستقل كل وال بولايته ومنهم والي العراق
داود باشا الذي دعا الناس لبيعته. فخضعت مدن العراق جميعا لطاعته ما
عدا الحلة وكربلاء، فأرسل جيشا كبيرا فدخل الحلة ثم توجه إلى كربلاء سنة
1241هـ(1826م) فلم يستطع دخولها لأنها كانت محصنة بسور محكم
|
(1) دائرة المعارف الإسلامية، ج4 / ص: 638. أربعة قرون من تاريخ العراق الحديث، ص:217.
گيفن يونك: العراق بلاد ما بين النهرين، ص: 123، كولينز - لندن، 1980م.
(2) بغية النبلاء في تاريخ كربلاء، ص: 40. تاريخ كربلاء وحائر الحسين، ص: 238.
محمد صادق الكرباسي: دائرة المعارف الحسينية، تاريخ المراقد، الجزء الثاني، تحت الطبع.
(3) تراث كربلاء، مصدر سابق، ص: 371. بغية النبلاء في تاريخ كربلاء، مصدر سابق، ص:179.
|
 |
| كربلاء الحضارة والتاريخ |
|
88 |
|
 |
متين البنيان. وحاول مرارا فلم يفلح وقد حاصرها أربع سنوات من سنة 1241
- 1245 هـ (1826 - 1830م) ومع ذلك بقيت المدينة صامدة فقام بقطع
الماء والمؤونة عنها فاضطر سكان المدينة إلى إبرام معاهدة صلح فيما بينهم
وبين الوالي داود باشا. وبذلك سلمت المدينة والمراقد المقدسة من الهدم
والدمار، وسميت هذه الواقعة بواقعة المناخور (1).
وبعد تولي الوالي العثماني نجيب باشا الحكم في بغداد سنة 1258هـ
(1842م) لم تكن كربلاء خاضعة للسلطة العثمانية. لذلك جهز جيشا أوائل
عام 1843م لفرض سيطرة الحكومة العثمانية على مدينة كربلاء. وبعد
حصار للمدينة دام خمسة وعشرين يوما استطاعت قوات نجيب باشا، بعد
قصفها لسور المدينة بالمدافع، من أحداث ثغرة واسعة فيه. وعند ذلك دارت
معركة حامية اشتركت فيها، إلى جانب أهالي كربلاء، قوة من بعض العشائر
المحيطة بالمدينة. لكن الجيش العثماني تغلب في النهاية ودخلت قواته إلى
المدينة. فقامت هذه القوات بقتل المئات من الذين استجاروا بمرقد العباس (ع)
وتقدر بعض الروايات أن عدد القتلى بلغ أربعة آلاف نسمة من المدافعين عن
المدينة(2).
وفي سنة 1270هـ (1853م) زار كربلاء عالم الآثار الإنكليزي
لوفتس. وقد أبدى إعجابه بمدخل كربلاء قائلا: «إنه أكثر جمالا من مدخل
النجف لوجود غابة كثيفة من أشجار النخيل والبساتين حول المدينة». ويقول:
«إن الأبنية الكثيرة المشيدة خارج أسوار المدينة توحي بالأمان من خطر
القبائل البدوية». ويشير إلى وجود كور في ضواحي كربلاء لصنع الطابوق
(الآجر) ويقول «إنه يشابه طابوق بابل في شكله وحجمه».
|
(1) بغية النبلاء في تاريخ كربلاء، ص: 41. تراث كربلاء، ص: 373.
(2) أربعة قرون من تاريخ العراق الحديث، ص: 288. دائرة المعارف الإسلامية، ج4 / ص: 638.
جعفر الخليلي: موسوعة العتبات المقدسة، ج2 من قسم كربلاء / ص: 276 - 279.
|
 |
| كربلاء الحضارة والتاريخ |
|
89 |
|
 |
ويتحدث لوفتس عن الروضة الحسينية قائلا: «إنها كثيرة الشبه في
تصميمها بمشهد الإمام علي (ع) وإن قبة الحسين وحدها هي المكسوة بالذهب
في كربلاء وإن إحدى المآذن الثلاث تبدو متداعية وتوشك على السقوط (على
ما يبدو كان يتكلم عن مئذنة العبد)».
ويذكر أيضا بأن قبة مرقد العباس (ع) كانت مكسوة بالبلاط المزجج
(القاشاني) الأزرق المعتم، ويقول أن أسواق كربلاء كانت ممتلئة بالبضائع
والسلع. ويذكر لوفتس ماحدث بعد واقعة نجيب باشا بكربلاء بأن الكثير من
الدور المقابلة للسراي قد تهدمت ولم يتم ترميمها أو بناؤها من جديد (1).
وزار المستر جون أشر، عضو الجمعية الجغرافية الملكية في لندن
كربلاء سنة 1281هـ (1864م)، وأبدى إعجابه بمدخل كربلاء الذي تقع على
جانبية البساتين الجميلة بمحاذاة نهر الحسينية. ويستطرد جون أشر في وصفه
لكربلاء قائلا «إنها كنت تتميز بحركتها ونشاطها الملموس وأن أسواقها كانت
مزدحمة بالزوار».
وأنه لم يجد فيها ما وجده في سواها من علامات الركود والانحطاط
خلال رحلته. ويشير إلى وجود عدد من مسلمي الهند في كربلاء ومشاهدته
لزوار قادمين من إيران وأفغانستان. ويصف أيضا قبة مرقد الحسين والمآذن
المذهبة، والجدران والأفاريز المزينة بالقاشاني الجميل. ويقول عن مرقد العباس
بأنه كثير الشبه بمرقد الحسين(2).
|
(1) Travels and Researches in chaldaea and susiana, By William Kennett Loftus, F.G.S. - Pages:
59, 60, 61,64, 65, London, James Nisbet and co.
(2) John Ussher, F.R.G.S. : A journey from london to persepolis, including wanering in
Daghestan, Georgia, Armenia, Kurdistan, Mesopotamia, and persia, pages: 454, 457, 458,
460, london 1865.
|
 |
| كربلاء الحضارة والتاريخ |
|
90 |
|
 |
وزار مدينة كربلاء سنة 1285هـ (1868م) والي بغداد العثماني
مدحت باشا وأقام خمسة أيام فيها، وبعد أن شعر بأن المدينة لاتتسع لأهلها
والوافدين إليها، قرر توسيع المدينة من الناحية الجنوبية الغربية فسميت
المنطقة بمحلة العباسية(1).
وفي سنة 1288هـ (1871م) زار ناصر الدين شاه القاجاري حفيد
فتح علي شاه العتبات المقدسة في كربلاء بدعوة رسمية من الحكومة العثمانية
فأنعم على المجاورين للروضة الحسينية بالهدايا واهتم بالمرقد الشريف. كما
تبرعت زوجته السيدة أنيس الدولة بضريح فضي لقبر الشهداء في الروضة
الحسينية والذي لايزال موجودا إلى الآن(2).
وفي سنة 1295هـ(1878م) قام محمد علي شاه - ملك أود سلطان
الهند - بزيارة مدينة كربلاء وزيارة مرقدي الإمام الحسين وأخيه العباس
(ع)(3).
وزارت الرحالة المعروفة مدام ديلافوا الفرنسية مع زوجها كربلاء سنة
1299هـ(1881م)، وأشادت بالمدينة ومعاهدها العلمية الدينية وقالت: «إنها
مدينة تعد من مراكز الشيعة المهمة، وهي عبارة عن جامعة دينية كبيرة تضم
عددا من المدارس الدينية الكبيرة التي يقصدها طلبة العلم من كافة أنحاء
العالم الإسلامي فيقضون معظم سني حياتهم فيها»(4).
وفي سنة 1307هـ (1890م) قام جون بيترز رئيس بعثة بنسلفانيا
للتنقيب عن الآثار القديمة، في نفر (منطقة عفج) في العراق بزيارة كربلاء،
|
(1) جعفر الخليلي: موسوعة العتبات المقدسة، ص: 132 - قسم كربلاء.
(2) د. عبد الجواد الكليدار: تاريخ كربلاء وحائر الحسين، ص: 264 - 265.
(3) بغية النبلاء في تاريخ كربلاء، ص: 77.
(4) موسوعة العتبات المقدسة، مصدر سابق، ص: 301، 305 - قسم كربلاء.
Madame J. Dieulafoy-la porse: la chaldee, et la susiane (paris 1887).
|
 |
| كربلاء الحضارة والتاريخ |
|
91 |
|
 |
وكتب عنها قائلا: «إنها تقع على حافة سهل رسوبي خصب يتصل بصحراء
الجزيرة العربية. ويبلغ عدد نفوسها حوالي ستين ألف نسمة وأنها بلدة تبدو
عليها مظاهر الازدهار». أما القسم الجديد من هذه المدينة الذي أنشئ حديثا
خارج السور القديم فيتميز بشوارع واسعة وأرصفة منتظمة بحيث تبدو ولها
مظهر أوروبي. ومع أن معظم أسوارها القديمة مهدمة إلا أن أبوابها كانت لا
تزال قائمة(1).
وفي سنة 1327هـ (1909م) زارت المس غيرترود بيل Gertrude)
(Bell - المستشرقة والرحالة البيرطانية المشهورة التي عينت فيما بعد سكرتيرة
لدار الاعتماد البريطاني في بغداد - مدينة كربلاء حيث مكثت فيها اثني
عشر يوما.
وتذكر بأن كربلاء بلدة عريقة في التقاليد الشرقية المتصلة بالأماكن
المقدسة، وقد نشأت حول جامع الحسين الذي يضم الضريح المطهر في
داخله، ولقد أصبحت المدينة بالنسبة للمسلمين مزارا يزورونها باستمرار(2).
وفي سنة 1329هـ (1911م) زار عمانوئيل فتح الله عمانوئيل (وهو
أديب ورحالة وباحث بغدادي معروف) مدينة كربلاء وأبدى اعجابه بها
ولاسيما (كربلاء الجديدة) وقال عنها بأن طرقها منارة كلها بواسطة القناديل
والمصابيح ذات الزيت الحجري. أما القسم القديم منها، ضيق الشوارع والازقة
والاسواق.
وأورد عن كربلاء بأن ثروتها واسعة، وتجارتها فائقة، وزراعتها متقدمة
وصناعتها رائجة شهيرة. في كربلاء مستشفى عسكري ودار حكومة (سراي)
|
(1) John Punnett Peters: Nippur or Explorations and Adventures on the Euphrates 1880 - 1890,
page; 331, Volume II - second compaign 1897.
(2) Bell Gertrude: Amurath to Amurath, page: 10 - second 4:42 PM 5/30/2017ition, Macmillan and Co. Ltd. -
London 1924.
|
 |
| كربلاء الحضارة والتاريخ |
|
92 |
|
 |
وثكنة للجند وصيدلية وحمامات كثيرة، ودار برق وبريد، وبلدية، وقيساريات
عديدة، وفيها قنصلية إنكليزية، ويبلغ عدد سكان المدينة نحو 105 آلاف
نسمة. أما التقسيم الإداري للواء كربلاء، فأنه مقسم إلى ثلاثة أقضية وهي:
مركز قضاء كربلاء ومركز قضاء الهندية ومركز قضاء النجف، وإلى سبع
نواح وهي: ثلاث منها في مركز القضاء وأسماؤها: المسيب والرحالية وشثاثا
وواحدة في الهندية وهي الكفل وثلاث في النجف وهي: الكوفة والرحبة
والناجية(1).
وفي سنة 1333هـ (1915م) ثارت مدينة كربلاء بأهاليها وزائريها
على الحكومة العثمانية وهدموا مراكزها فوقع بينهم قتال وانتصر الأهالي في
هذه المعركة، وقد دمرت الكثير من البيوت وتصدع الكثير من المباني في
المدينة بما فيها الروضتان(2).
إثر احتلال بغداد من قبل الإنكليز في 11 آذار (مارس) 1917م
وخروج الأتراك من كربلاء في نفس الفترة، تم تصريف شؤون إدارة المدينة
مؤقتا من قبل الشيخ فخري كمونة يساعده أخوه الشيخ محمد علي ... وتولى
الشيخ عبد الرحمن العواد مسؤولية تصريف شؤون أمن المدينة والحفاظ عليها
يساعده كل من أخويه الشيخ عبد الكريم والشيخ عبد الجليل.
وبسبب تهريب الطعام من قبل الاخوين آل كمونة لتموين الجيوش
التركية التي كانت متواجدة في الرمادي وعانة غضب عليهم الإنكليز. وفي
أيلول (سبتمير) 1917م تم أسرهما وإبعادهما إلى الهند. وبذلك تم القضاء
على (استقلال) كربلاء في تلك الفترة(3).
|
(1) عمانوئيل فتح الله عمانوئيل: مجلة لغة العرب، ج5 / ص: 156 - 160، 1329هـ (1911م).
(2) عبد الحسين الكليدار: تاريخ كربلاء المعلى، ص: 28 - 29، المطبعة العلوية - النجف، سنة 1349هـ (1931م)
(3) د. وميض جمال عمر نظمي: ثورة 1920، ص: 343، المكتبة العالمية - بغداد، 1985م.
|
 |
| كربلاء الحضارة والتاريخ |
|
93 |
|
 |
وفي سنة 1337هـ (1919م) زارت الرحالة الإنكليزية مس ستيفنس
كربلاء وأبدت إعجابها بأبنية هذه المدينة التي قالت عنها إنها تتميز بجمالها
الرائع وألوانها وزخارف، وتحدثت عن أسواق كربلاء فذكرت سوقا مسقفا يبتاع
منها الناس سلعهم وتكلمت عن أسواقها الشعبية فقالت: «إنها مليئة
بالخضروات والفواكه وأنواع التمور إلى جانب اللوز والجوز». وقالت عن مرقد
الحسين (ع): «إنه تعلوه قبة ذهبية وهو يعد من أغنى وأقدس مراقد الشيعة
في العالم وأهم مواسم زيارته هو في شهر محرم الحرام». وتكلمت عن مرقد
العباس فقالت: «إنه يقوم تحت قبة مشيدة من القاشاني»(1).
وبالرغم من أن كربلاء كانت منطلقا لثورة العشرين سنة 1338هـ
(1920م) بقيادة المرجع الديني الكبير محمد تقي الشيرازي إلا أنها سلمت مع
المراقد المقدسة فيها من التعرض لأي سوء. وكانت مدينتا كربلاء المقدسة
والنجف الأشرف قد ساهمتا مساهمة كبيرة في الثورة العراقية سنة 1920م
وفي تأسيس الدولة العراقية سنة 1921م.
|
Sir Arnold T. Wilson MP: Loyalties Mesopotamia 1914-1917, page: 257,258, Volume 1,
Oxford University, press London, Humphery Mildford.
(1) Mrs. E. S. Stevens: By Tigris and Euphratesm pages: 39-42, London 1923. \
|
 |
| كربلاء الحضارة والتاريخ |
|
94 |
|
 |
الروضة الحسينية المقدسة بريشة البريطاني روبرت كلايف سنة 1850م وتظهر مئذنة العبد إلى يمين الصورة
 |
| كربلاء الحضارة والتاريخ |
|
95 |
|
 |
تاريخ كربلاء منذ تأسيس
الدولة العراقية سنة 1931
كان لكربلاء دور بارز في ثورة العراق والمطالبة بحريته واستقلاله
سنة 1338هـ (1920م) وذلك لأن المرجع الديني الأكبر الشيخ محمد تقي
الحائري الشيرازي آثر الإقامة في كربلاء لقيادة الحركة المناهضة لسلطة
الاحتلال (1). وبذلك أصبحت هذه المدينة المقدسة العاصمة لحكومة الثورة
التي إمتدت سلطتها الى جميع المدن والقصبات والأرياف في عموم مناطق
الفرات الاوسط.
وفي غمرة الاحداث التي تطورت نتيجة استياء الشعب من سلطة
الاحتلال البريطاني رأت الحكومة البريطانية أن تمتص غضب المعارضين
فأصدرت لهذا الغرض أوامرها لوكيل الحاكم الملكي العام في بغداد ليقوم
بالتعرف على آراء العراقيين في شكل الحكم الذي يريدونه، وذلك بإجراء
استفتاء عام(2). وحاولت سلطة الاحتلال أن تجري الاستفتاء طبقا لرغبتها.
ولكنها فشلت في المدن المقدسة ولاسيما كربلاء، نتيجة الفتوى الشهيرة التي
أصدرها المرجع الشيخ محمد تقي الشيرازي وتأييد العلماء المجتهدين في
كربلاء والنجف والكاظمية لها والتي نصت على أنه «ليس لأحد من المسلمين
أن ينتخب ويختار غير المسلم للإمارة والسلطنة على المسلمين»(3).
|
(1) عبد الرزاق آل وهاب: كربلاء في التاريخ، ص: 24، مطبعة الشعب، بغداد 1353هـ (1935م).
(2) جعفر الخياط: موسوعة العتبات المقدسة، ج2 قسم كربلاء، جعفر الخليلي، ص: 335، 336.
السير أرنولد ويلسون: ولاء سكان بلاد ما بين النهرين 1917 - 1920، ج11 / ص: 108، طباعة جامعة اكسفورد، لندن
همفري ميلفورد.
(3) د. وميض جمال عمر نظمي: ثورة 1920، ص: 308، المكتبة العالمية - بغداد، 1985م.
غسان العطية: العراق نشأة الدولة 1908 - 1920، ص: 355.
|
 |
| كربلاء الحضارة والتاريخ |
|
96 |
|
 |
وأخذ جمع كبير من علماء الدين وزعماء العشائر يأمون هذه المدينة
لتلقي التعليمات والأوامر من القيادة الدينية وتدارس الوضع في العراق، وكانت
الاجتماعات تعقد لهذا الغرض. وعقد أحد الاجتماعات السرية في دار المرجع
الديني الشيخ محمد تقي الحائري الشيرازي لتداول أمر الثورة مما كان له أثره
البعيد في اتساع نطاقها واستمرارها في أكثر المدن العراقية(1).
ولكن بعد بضعة أشهر، بدأت الثورة تخمد رويدا رويدا لأسباب عديدة
من أهمها وفاة المرجع الديني الشيخ محمد تقي الحائري الشيرازي في 14 آب
1920م وقيام سلطة الاحتلال بمناشدة الثوار التفاوض معها مما ادى إلى
اختلاف في وجهات النظر. وحدث في هذا الوقت بالذات أمر خطير آخر
وهو أن الذخيرة بدأت تنفذ مما كان له أثره البعيد في إضعاف الثورة ثم توقف
القتال(2).
ولم تجد سلطة الاحتلال بدا تحت تأثير وضغط الجماهير المطالبين
باستقلال العراق من ترشيح الأمير فيصل بن الحسين شريف مكة المكرمة
لعرش اعراق. وقد حملته طرادة بريطانية إلى البصرة فوصل إليها في 23
حزيران 1921م، ومنها تحرك بواسطة القطار فنزل مدينة الحلة ومنها ذهب
إلى الكوفة والنجف. وفي صباح 27 حزيران 1921م توجه الأمير فيصل
وحاشيته من مدينة النجف إلى كربلاء ولم يكن في استقباله علماء الدين
البارزون، وقد قضى يوما واحدا في كربلاء زار فيه مرقدي الإمام الحسين
(ع) وأخيه العباس (ع).
|
(1) خالد عبد المنعم: موسوعة العراق الحديث، ج1 / ص: 189، الطبعة الأولى، الدار العربية للموسوعات - بغداد، 1977م.
(2) ثورة 1920، مصدر سابق، ص: 394.
|
 |
| كربلاء الحضارة والتاريخ |
|
97 |
|
 |
وفي صباح 28 حزيران 1921م غادر كربلاء إلى بغداد وبعد ثلاثة
أسابيع من وصوله نادى به نجلس وزراء الحكومة المؤقتة التي كانت برئاسة
عبد الرحمن النقيب ملكا على العراق بالإجماع(1).
وفي 11 آذار سنة 1922م، أي بعد حوالي 7 أشهر من تتويج الملك
فيصل ملكا على العراق، أغارت قوة كبيرة من الوهابيين على بعض العشائر
في الناصرية جنوب العراق فقتلت حوالي سبعمائة شخص ونهبت الكثير من
البيوت ودمرتها.
وعلى أثر ذلك دعا علماء الدين الشيعة إلى عقد مؤتمر في كربلاء
المقدسة في نيسان 1922م وبمناسبة زيارة النصف من شعبان للاحتجاج على
غارات الوهابيين. وقد صدرت عن المؤتمر مقررات أهمها المطالبة بالجلاء
البريطاني التام عن العراق وإلغاء الانتداب. وكان من أبرز علماء الدين الضين
دعوا إلى هذا المؤتمر الشيخ مهدي الخالصي(2).
وفي 25 حزيران سنة 1922م صادق مجلس الوزراء برئاسة عبد
المحسن السعدون على عقد أول معاهدة عراقية بريطانية. وما أن أعلنت على
الناس حتى بادرت الحكومة الى انتخاب المجلس التأسيسي، فصدرت الإرادة
الملكية لهذا الغرض في 24 تشرين الأول من نفس السنة.
ولقد اتخذ رجال الدين والوطنيون موقفاً موحداً في معارضة تنفيذها،
وصدرت الفتاوى من قبل العلماء في كربلاء والنجف والكاظمية بتحريم
|
(1) جيرالد دي كوري: ثلاثة ملوك في بغداد 1921-1958، ص: 44.
عبد الرزاق الحسني: تاريخ الوزارت العراقية، ج1/ ص:18 ،مطبعة العرفان- صيدا/ لبنان، 1352 هـ (1933م).
(2) العراق بين الماضي والحاضر والمستقبل، عن مؤسسة الدراسات الإسلامية، ص: 879، طباعة مؤسسة الفكر الإسلامي، بيروت - لبنان.
Stephenn Hemsley Longrigg: Iraq 1900 to 1950, Apolitical, Social, and Economic History, Page:
140, oxford University Press- London New York Toronat, 1953>
M. M. Al_basser: History of the Iraqi Question, page: 196,second edition, printer in Great
Britain by Dotesios printers Ltd, 1990.
|
 |
| كربلاء الحضارة والتاريخ |
|
98 |
|
 |
الاشتراك في الانتخابات (1). وحينما حاولت الحكومة البدء بالانتخابات من
جديد في 12 تموز سنة 1923م لم تنجح أيضا بسبب رفض الشيعة تشكيل
اللجان الانتخابية. وذلك استقالت وزارة عبد المحسن السعدون، فألف الوزارة
الجديدة جعفر العسكري في 22 تشرين الثاني سنة 1923م، وكانت تضم بين
وزرائها الثمانية وزيرين من كربلاء(2).
وفي السابع من أيلول سنة 1933 م توفي الملك فيصل الأول في
سويسرا حيث ذهب إليها لغرض العلاج. وفي اليوم التالي لوفاته توج ابنه
الوحيد غازي ملكا على العراق. وقد شهدت فترة حكمه 1933- 1939 م
اضطرابات وانتفاضات عشائرية وانقلابات عسكرية متعددة (3).
وفي سنة 1936م قامت عشائر الفرات الأوسط بحركتها ضد وزارة
ياسين الهاشمي. وكان لكربلاء دور مهمم في اجتماعات قادة الحركة ورؤساء
العشائر. ونتيجة لتلك الاجتماعات خرج ميثاق أسموه (ميثاق الشعب) يدعو
إلى المطالبة بحقوقهم، وقد بارك هذا الميثاق الشيخ محمد حسين آل كاشف
الغطاء ووقع عليه عدد كبير من رؤساء عشائر الفرات الأوسط في الحلة
وكربلاء والديوانية والناصرية (4).
وعلى أثر هذه الحركات قام الجيش بانقلاب عسكري بقيادة الفريق
بكر صدقي في 29 تشرين الأول سنة 1936م لتغيير حكومة ياسين الهاشمي
وقد وافق الأخير على تقديم استقالته بعد ضغوط كثيرة من الانقلابيين(5).
|
(1) خالد عبد المنعم: موسوعة العراق الحديث. ص: 206. موسوعة العتبات المقدسة، قسم كربلاء، 358- 395 .
(2) موسوعة العتبات المقدسة، قسم كربلاء، ص: 360.
(3) د. مظفر عبدالله أمين، ود. جهاد صالح العمر: العراق في التاريخ، ص: 682، المجمع العلمي العراقي - بغداد، 1983م.
(4) محمود الدرة: الحرب العراقية البريطانية 1941، ص: 60، دار الطليعة، بيروت- لبنان، 1961م.
سلمان هادي طعمة: تراث كربلاء، ص: 403، 404.
(5) العراق في التاريخ، ص: 687.
|
 |
| كربلاء الحضارة والتاريخ |
|
99 |
|
 |
وفي 3 نيسان سنة 1939م عن مصرع الملك غازي بحادث
اصطدام سيارة كان يقودها بنفسه. وقد وقع الحادث في ظروف غامضة. وقد
تقرر في نفس الليلة تنصيب ابن الملك غازي الوحيد فيصل الثاني ملكا على
العراق ونصب خاله الامير عبد الإله وصيا على العرش وذلك لصغر سن
الملك(1).
وفي هذه الفترة أخذ قادة الجيش يتدخلون في شؤون البلاد وسياسة
الحكومة. وقد نجح رشيد عالي الگيلاني في كسب ودهم وقام بحركة عسكرية
على حكومة نوري السعيد وشكل حكومة الائتلاف الوطني في 31 آذار سنة
1941م. وفي هذا الوقت حدثت أزمة بين الحكومة الجديدة والحكومة
البريطانية أدت إلى نشوب الحرب العراقية البريطانية، وقد خرجت المظاهرات
في كربلاء تؤيد هذه الحكومة وقيام الجيش العراقي بحركته الوطنية ضد
مطامع الإنكليز(2).
وفي وثبة كانون سنة 1948م كان لكربلاء دور في هذه الوثبة حيث
قامت المظاهرات الطلابية مخترقة شوراع المدينة هاتفة بسقوط وزارة صالح
جبر ومعاهدة بورتسموث.
وأثناء تشييع جثمان جعفر الجواهري في كربلاء، قامت الشرطة
باعتقال عدد كبير من أهالي المدينة(3). .
وأثناء انتفاضة الشعب العراقي في تشرين سنة 1952م ضد حكومة
نور الدين محمود العسكرية التي أعلنت الأحكام العرفية فور تسلمها الحكم
كان لكربلاء دور أيضا في هذه الانتفاضة حيث خرجت المظاهرات في شوارع
|
(1) عبد الرزاق الحسني: تاريخ العراق السياسي، ج3 / ص: 203 - 204، طبعة 6، مطبعة دار الكتب - بيروت، 1403 هـ
(1983م).
(2) العراق في تاريخ، ص: 696.
(3) تراث كربلاء، ص: 405.
|
 |
| كربلاء الحضارة والتاريخ |
|
100 |
|
 |
المدينة تأييدا لها، وبفعل الضغط الكبير من أبناء الشعب قدمت حكومة نور
الدين محمود استقالتها وألغيت الأحكام العرفية(1).
وعلى أثر الاعتداء الثلاثي على مصر سنة 1956م هبت جماهير
الشعب العراقي لنجدة مصر وشعبها، وكانت كربلاء في مقدمة تلك المدن
التي ساهمت في هذا الشأن، وقاومت السلطة الحاكمة آنذاك فقامت فيها
مظاهرة كبيرة اشترك فيها أبناء المدينة بكافة فئاتهم وكانوا يهتفون بسقوط
الحكومة العراقية والمطالبة بمساندة مصر، مما أدى إلى اعتقال عدد كبير من
أهالي المدينة(2).
واندلعت في 14 تموز سنة 1958م ثورة كانت نتيجة حتمية لنضال
الشعب العراقي بكل فصائله السياسية والمهنية ضد السلطة الحاكمة آنذاك(3).
وحظيت من المسؤولين كما زارها رؤوساء وملوك الدول الإسلامية وذلك لمنزلتها
العظيمة في نفوس المسلمين(4).
على أنه إلى جانب الآثار والنتائج الايجابية والسلبية التي تمخضت
عنها هذه الثورة فإن الدول الاستعمارية والمجاورة كانت تتوجس الخيفة من هذا
الحكم، لذلك أخذت تبذل قصارى جهودها للإطاحة به، وفي الوقت نفسه لم
يستطع عبد الكريم قاسم السيطرة التامة على الوضع الداخلي، ولذلك أصبح
الطريق ممهدا لحدوث الحركة الانقلابية التي قام بها عدد من ضباط الجيش
العراقي بدعم حزب البعث ومساندة أمريكا، وذلك في 8 شباط سنة
|
(1) نفس المصدر السابق.
(2) المصدر السابق، ص: 406.
(3) العراق في التاريخ، ص: 738 - 739. حنا بطاطو: العراق، ص:116، الكتاب الثالث، الطبعة الأولى، مؤسسة الأبحاث
العربية - بيروت، 1992م.
(4) تراث كربلاء، ص: 85.
|
 |
| كربلاء الحضارة والتاريخ |
|
101 |
|
 |
1963م، حيث تسنم رئاسة الجمهورية عبد السلام محمد عارف وتولى أحمد
حسن البكر منصب رئيس الوزراء وأعدم الزعيم عبد الكريم قاسم ورفاقه (1).
وبعد بضعة أشهر قام عبد السلام محمد عارف بحركة انقلابية أخرى
في 18 تشرين الثاني 1963م تخلص على أثرها من البعثيين(2)، واستطاع أن
يفرض هيمنته على السلطة بمساعدة عدد من كبار الضباط في غياب كامل
للمؤسسات الدستورية، وبذلك ساد التوتر في العلاقات بين الطرفين، حيث أخذ
كل طرف يتحين الفرص للإيقاع بالطرف الآخر.
وفي هذا الجو المشحون بالعداء، سقطت الطائرة التي كان يستقلها
عبد السلام محمد عارف الذي كان في زيارة إلى البصرة جنوب العراق في
14 نيسان 1966م وقتل في ظروف غامضة(3)، وخلفه أخوه عبد الرحمن
عارف الذي عرف بضعفه فاتسم حكمه بالتسيب مما مهد للانقلاب البعثي
الثاني في 17 تموز 1968.
وقام البعثيون خلال حكمهم بتسيير البلاد حسب آرائهم وعقيدتهم
السياسية القائمة على التعصب الذي يحملهم على اتخاذ مواقف طائفية
وعنصرية، وفرض أيديولوجيتهم على الجميع واجبار العراقيين على الدخول
في حزب البعث، فجرى تبعيث الوظائف والدراسات والجيش وكل الهيئات
العراقية العسكرية والمدنية، مما كان له أثره السيئ على كربلاء وباقي المدن
الدينية الأخرى في العراق، وفرضت القيود على حلقات الدراسات الشيعية
والمسيرات الدينية(4). وارتكبوا أبشع الجرائم بحق هذه المدينة المقدسة وأهلها،
وقتل العديد من رجالاتها وعلمائها أبرزهم: خطيب المنبر الحسيني الشهير
|
(1) العراق، ص: 296، 300.
(2) د. مجيد خدوري: العراق الجمهوري، ص: 286، طبعة أولى، الدار المتحدة للنشر - بيروت، 1974م.
(3) العراق الجمهوري، ص: 349 - 350.
(4) العراق، المصدر السابق، ص: 405.
|
 |
| كربلاء الحضارة والتاريخ |
|
102 |
|
 |
الشيخ عبد الزهراء الكعبي والرادود الحسيني الملا حمزة الصغير،
حيث تم إغتيالهما وذلك بدس السم إليهما في مديرية أمن كربلاء.
وفي 17 تموز 1979م أزاح صدام حسين أحمد حسن البكر عن
رئاسة الجمهورية - وكان نائبا له - وجلس مكانه. وانتهج سياسة العنف
واستخدم القسوة والبطش اتجاه شعبه طوال سني حكمه الذي استهله بإعدام
الكثير من خيرة أبناء العراق وخاصة من أبناء مدينتي كربلاء والنجف...
وكان على رأسهم المرجع الديني آية الله السيد محمد باقر الصدر(1).
ثم أصدر صدام حسين قرارا عنصريا عام 1980م وذلك بتهجير
حوالي نصف مليون مواطن عراقي من العوائل العربية والكردية إلى الجمهورية
الاسلامية الايرانية. وقسم منهم من مدينتي كربلاء والنجف بذريعة ان اصولهم
إيرانية. لكن مشكلة المهجرين عرباً وأكراداً، كونهم من المسلمين الشيعة، وقد
ترك عمق الاثر في التركيبة السكانية والحياة الاجتماعية والاقتصادية للمدن
العراقية ومدينة كربلاء بوجه الخصوص.
وفي أيلول (سبتمبر) 1980م أعلن صدام حسين الحرب على
الجمهورية الاسلامية الايرانية ودامت هذه الحرب حوالي ثماني سنوات حيث
انتهت في آب 1988م ، مما كان له اثره السيء على كربلاء وبقية اجزاء
العراق.
وخلفت هذه الحرب آثاراً اجتماعية وانسانية واقتصادية وسياسية
خطيرة مما حمله على غزو دولة الكويت في الثاني من آب (اغسطس)
1990م وعرض العراق الى أخطار جسيمة أدت إلى تحالف اكثر دول العالم
|
(1) د.وليد الحلي: حقوق الانسان في العراق 1968 - 1988 م، ص:11 .
|
 |
| كربلاء الحضارة والتاريخ |
|
103 |
|
 |
في حرب ضد العراق وإجبار نظام صدام على الخروج من الكويت في شباط
(فبراير) 1991م بعد ان ادى ذلك الى تدمير وخراب العراق (1).
ونتيجة للأوضاع المتردية وما تراكم من استياء شعبي لسياسة
الحكومة القائمة على الظلم والقهر والاضطهاد والتعصب الطائفي، انتفض
الشعب العراقي في آذار (مارس) 1991م ضد النظام القائم آنذاك، وكان
لكربلاء مساهمتها الكبيرة في هذه الانتفاضة المباركة.
وبتاريخ 1991/3/5 تحررت المدينة بالكامل وأصبحت بيد
المنتفضين، وأصبح المرقدان الشريفان مقراً لقيادة المجاميع الثائرة ضد النظام،
وكانت مكبرات الصوت من مآذن الروضتين بمثابة إذاعة يتم من خلالها بث
البيانات والبلاغات وإعطاء التوجيهات، وكذلك أصبحت الجوامع والحسينيات
مقرات للمجاميع الثائرة لتقديم المعونات والمساعدات للمحتاجين من أهالي المدينة.
ولكن المدينة حوصرت من قبل قوات النظام بعد أيام من تحريرها
وطلب من اهاليها ان يتركوا البلدة باتجاه بحيرة الرزازة التي تقع الى الشمال
الغربي منها بحوالي 12 كلم ورشقت البلدة برشقات متوالية من الصواريخ
والمدافع، ثم اشتد القصف مما اضطر السكان الى مغادرة بيوتهم باتجاه
البحيرة. وما ان امتدت حشود السائرين على الطريق مسافة طويلة حتى بدأت
الطائرات المروحية تحصدهم وتقتل الابرياء العزل.
وكانت القوات المتقدمة نحو المدينة من جميع محاورها تتالف من
فرقة مدرعة ووحدات متفرقة من الحرس الجمهوري والحرس الخاص وعناصر
الامن الخاص وبقايا المخابرات والامن العام وعدد من المرتزقة الحزبيين.
|
(1) د. وليد الحلي : العراق وافاق المستقبل ،ص:61،62،111،153، دار الفرات- بيروت، 1413 هـ (1992م).
|
 |
| كربلاء الحضارة والتاريخ |
|
104 |
|
 |
وبتاريخ 1991/3/18 تم اقتحام المدينة من قبل قوات النظام
ودخولها من عدة محاور، وتصدى لها الثوار بعمليات تعرضية جريئة، وحدث
قتال عنيف داخل شوراع المدينة وتكبدت قوات النظام خسائر فادحة في
الارواح والمعدات، مما اضطر الاهالي الى الاعتصام داخل مرقدي الامام
الحسين وأخيه العباس (ع). فأمرت قوات النظام بتوجيه مدافع الدبابات
والقاذفات الى المرقدين الشريفين غير مبالين بقدسية المكان، فأصيب المرقدان
ببعض الاضرار نتيجة الرمي الكثيف. وتم اقتحام المرقدين الشريفين ودارت
داخلهما معارك عنيفة وشديدة القسوة بين الثوار وقوات النظام وتم قتل جميع
من كان داخل الروضتين المقدستين من اهالي المدينة.
وقامت وحدات من قوات النظام بحملة تفتيش واسعة للدور داخل
المدينة بحثاً عن الثوار، وتم القاء القبض على الالاف من شباب مدينة
كربلاء المقدسة بشكل عشوائي وصدرت الاوامر بقتل اكبر عدد ممكن منهم
فورا ورمي المئات من الاحياء في مقابر جماعية بمنطقة بحيرة الرزازة واخرى
في منطقة الحر قربيا من مرقد الشهيد الحر بن يزيد الرياحي، وسيق الالاف
من شباب المدينة الى معتقلات الرضوانية في بغداد، وتم مطاردة بقايا الثوار
الذين لجؤا الى البساتين المحيطة بالمدينة.
وقد تركت قوات النظام وراءها آثارا دموية مروعة، وبقيت المدينة تئن
من وطئة ما أصابها من دمار، حيث بقت الجثث لأيام منتشرة في الشوارع
والازقة وتحت أنقاض الابنية المدمرة (1).
وقد تأثرت مدينة كربلاء كبقية المدن العراقية الاخرى بالسياسات
الجائرة الحمقاء التي انتهجها النظام المجرم الفاسد المستبد، التي تسبب في
|
(1)العميد الركن نجيب الصالحي: صحيفة الحياة، العدد 12810، ص:18، 1998/3/30 م .
الامم المتحدة: المجلس الاقتصادي والاجتماعي، لجنة حقوق الانسان، الدورة 48، 18/12/1991م، ص: 39 - 70.
|
 |
| كربلاء الحضارة والتاريخ |
|
105 |
|
 |
فرض حصار قاس على العراق من قبل مجلس الأمن الدولي دام لأكثر من
عشر سنوات.
وبتاريخ 18/3/2003، وجه الرئيس الأمريكي جورج دبليو بوش إنذارا
إلى صدام حسين وولديه يأمرهم بمغادرة العراق خلال 48 ساعة أو يواجه
حربا مع الولايات المتحدة الأمريكية.
وبتاريخ 20/3/2003 أعلن الرئيس الأمريكي الحرب على العراق
وبدأ القصف الجوي على القوات العراقية، وتحركت القوات المتعددة الجنسيات
والمتحالفة مع أمريكا باتجاه العراق من الجنوب.
وفي 9/4/2003 سيطرت القوات الأمريكية على بغداد وتم الإعلان
عن سقوط نظام صدام، وحدثت خلال هذه الفترة عمليات النهب وحرق العديد
من مؤسسات الدولة من قبل عناصر النظام المباد، وذلك على مرأى من
القوات الأميريكية التي لم تفعل شيئا.
وفي شهر أيار (مايو) 2003 استلم بول بريمر الحاكم المدني لقوات
التحالف في بغداد حكم الإدارة المدنية في العراق.
وفي شهر تموز (يوليو) 2003 تم تأسيس مجلس الحكم الانتقالي في
العراق وشارك فيه معظم رؤساء الأحزاب العراقية المعارضة لنظام صدام
المستبد ومن شخصيات عراقية بعضها لم تعرف لها مواقف من النظام المباد.
وقد كانت رئاسة المجلس دورية شهرية حسب ترتيب الحروف الأبجدية
للأسماء.
وفي شهر أيلول (سبتمبر) 2003 تم تشكيل وزارة مجلس الحكم
الانتقالي برئاسة الحاكم المدني بول بريمر، والتي تعتبر الوزارة الأولى بعد
سقوط النظام المباد.
 |
| كربلاء الحضارة والتاريخ |
|
106 |
|
 |
وفي شهر آذار (مارس) 2004 تم إقرار قانون إدارة الدولة للفترة
الانتقالية.
وفي شهر حزيران (يونيو) 2004 تم تشكيل الوزارة الثانية (الحكومة
المؤقتة) بعد سقوط حكم صدام حسين برئاسة الدكتور أياد علاوي.
وفي شهر آب (أغسطس) 2004 عقد اجتماع المؤتمر الوطني
لتأسيس المجلس الوطني العراقي الذي ضم مائة شخصية عراقية برئاسة
الدكتور فؤاد معصوم تم اختيارهم من قبل الأحزاب السياسية العراقية.
وقد شهد العراق سلسلة من الانتخابات عقب الإطاحة بالنظام المباد،
حيث جرت أول انتخابات برلمانية بتاريخ 30/1/2005 لانتخاب 275
عضوا من أعضاء الجمعية الوطنية الأنتقالية، وكانت إحدى مسؤوليات هذه
الجمعية كتابة الدستور الدائم للعراق.
وقد كان للمرجع الديني الاعلى في العراق سماحة آية الله السيد علي
السيستاني دور مهم في هذه الانتخابات من خلال إصراره على إجرائها
ودعوته أبناء الشعب جميعا للمشاركة فيها، والحيلولة دون ان يكتب الدستور
بأيد غير عراقية.
وفي الوقت نفسه كانت هناك آراء تمثل وجهة نظر أخرى تجد بأن
الانتخابات المبكرة ستفوز أشخاصا غير مؤهلين وغير نزيهين ليحتلوا مواقع
المسؤولية في مؤسسات الدولة التنفيذية والتشريعية بسبب التخلف الفكري
والعلمي والثقافي لقطاعات واسعة من المجتمع نتيجة الحقبة الزمنية السيئة
لاربعة عقود من تسلط نظام القسوة والبطش وما تبعه من إجراءات إتخذتها
الدولة الكبرى ومنها: الحصار الذي فرض على العراق، بالاضافة الى أن
 |
| كربلاء الحضارة والتاريخ |
|
107 |
|
 |
الاحزاب المشاركة في مجلس الحكم بعد سقوط النظام عام 2003م، كرست
نظام المحاصصة الحزبية والطائفية والقومية المقيت في جميع مفاصل الدولة،
مما تسبب في استشراء ظاهرة الفساد المالي والاداري بصورة خطيرة جدا وأدى
الى عرقلة بناء الدولة العراقية المدينة على أسس علمية سليمة والسير بالبلاد
نحو التقدم والازدهار.
وفي شهر أيار (مايو) 2005 تم تشكيل الوزارة الثالثة (الحكومة
الانتقالية) برئاسة الدكتور إبراهيم الاشيقر الجعفري، بعد انتخاب الدكتور
حاجم الحسني رئيسا للجمعية الوطنية والسيد جلال الطالباني رئيسا للجمهورية
من قبل أعضاء الجمعية الوطنية. وفي هذه المرحلة التاريخية حدثت أمور
خطيرة كادت أن تؤدي بالبلد الى حرب طائفية ومذهبية عارمة نتيجة سوء
الادارة والتراخي من قبل الحكومة العراقية في إتخاذ التدابير الوقائية لمنع
وقوعها، وذلك عندما قام الارهابيون في شهر محرم الحرام عام 1427هـ(في
22 من شهر شباط عام 2006م) بتفجير قبة ومئذنتي الروضة العسكرية
(جامع ومرقدي الامامين علي الهادي والحسن العسكري عليهما السلام) في
مدينة سامراء.
وفي هذه المرحلة التاريخية أيضا وقعت فاجعة جسر الأئمة في
الاعظمية ببغداد وراح ضحيتها أكثر من ألف شخص من زوار الامام موسى
بن جعفر الكاظم عليهما السلام.
وبتاريخ 15 تشرين الأول (أكتوبر) 2005 صادق العراقيون على
مشروع الدستور الدائم في الاستفتاء وبنجاح منقطع النظير، حيث كانت نسبة
المشاركة أكثر من عشرة ملايين نسمة.
 |
| كربلاء الحضارة والتاريخ |
|
108 |
|
 |
وفي نهاية كانون الثاني (يناير) 2005 أجريت الانتخابات البرلمانية
الثانية لانتخاب 275 عضوا من أعضاء مجلس النواب ذات الصلاحية
الكاملة ولأربعة أعوام قادمة، وشارك فيها نحو 70% من المسجلين في سجل
الانتخابات.
وبتاريخ 20 أيار (مايو) 2006 تم تشكيل الوزارة الرابعة (الحكومة
الدائمية) برئاسة السيد نوري كامل المالكي، بعد انتخاب الدكتور محمود
المشهداني رئيسا لمجلس النواب والسيد جلال الطالباني للمرة الثانية رئيسا
لجمهورية العراق من قبل أعضاء مجلس النواب.
وفي آذار (مارس) 2010 م أجريت الانتخابات البرلمانية الثالثة
لانتخابات 325 عضوا من اعضاء مجلس النواب ذات الصلاحية الكاملة
ولأربعة اعوام قادمة.
وبتاريخ 21 كانون الاول (ديسمبر) 2010م تقلد السيد نوري كامل
المالكي ولايته الثانية بعد ان منحه البرلمان الثقة، وبعد أزمة سياسية استمرت
تسعة أشهر، وانتخاب السيد أسامة النجيفي رئيسا لمجلس النواب والسيد جلال
الطالباني للمرة الثالثة رئيسا للجمهورية من قبل أعضاء مجلس النواب.
وفي 30 نيسان (أبريل) 2014م أجريت الانتخابات البرلمانية الرابعة
لانتخاب 328 عضوا من أعضاء مجلس النواب ذات الصلاحية الكاملة
ولأربعة أعوام قادمة.
وبتاريخ 10 حزيران (يونيو) 2014 م سقطت مدينة الموصل الواقعة
في شمال العراق على أيدي مسلحي التنظيمات الارهابية التكفيرية الاجرامية
وعلى رأسها منظمة داعش (دولة العراق والشام الاسلامية) الارهابية... حيث
 |
| كربلاء الحضارة والتاريخ |
|
109 |
|
 |
أعطيت الأوامر للقطعات العسكرية الموجودة بالانسحاب الكامل من المدينة
دون معرفة الاسباب، وتم تحميل رئيس الوزراء السيد نوري كامل المالكي
المسؤولية المباشرة عن هذه الكارثة حسب تقرير اللجنة البرلمانية المختصة،
بصفته القائد العام للقوات المسلحة. وكذلك مسؤوليته عن جريمة معسكر
سبايكر التي راح ضحيتها أكثر من (1700) عسكري متدرب على أيدي
مسلحي منظمة داعش الاجرامية عند سيطرتها على مدينة تكريت البعض
منهم من محافظة كربلاء.
ويمثل سقوط مدينة الموصل وتوابعها حدثا إستثنائيا بالنسبة الى
الوضع الامني المتردي في العراق، مما أدى أيضا الى سقوط مدن وقصبات
أخرى، كتكريت وبيجي والشرقاط وغيرها. وقد مارس عناصر منظمة داعش
الارهابية - التي تضم في صفوفها معظم رجال الحرس الجمهوري للنظام
المباد وفدائي صدام - أشد أنواع الجرائم والتنكيل بحق سكان المناطق التي
أصبحت تحت سيطرتهم ما لم يشهد مثيلا لها في العصر الحديث، من سبي
للنساء وقتل وتشريد لإبناء الاقليات الدينية وتهديم المنازل والقرى والارياف
وأماكن العبادة والمعالم الدينية والتاريخية والآثارية، وأرتكبت مجازر مروعة
بحق العراقيين من مختلف المذاهب والطوائف، وخاصة المسيحين والايزيديين
في مدينتي الموصل وسنجار.
وبتاريخ 15 تموز (يوليو) 2014 تم انتخاب الدكتور سليم الجبوري
رئيسا لمجلس النواب من قبل أعضاء المجلس.
وفي 24 تموز (يوليو) 2014م تم انتخاب الدكتور فؤاد معصوم
رئيسا لجمهورية العراق من قبل أعضاء مجلس النواب.
 |
| كربلاء الحضارة والتاريخ |
|
110 |
|
 |
وبتاريخ 8 آب (اغسطس) 2014م تم تكليف الدكتور حيدر العبادي
لتشكيل الوزارة الخامسة.
وفي 8 أيلول (سبتمبر) 2014م وافق مجلس النواب على التشكيلة
الوزارية التي يرأسها الدكتور حيدر العبادي.
وفي 18 أيار (مايو) 2015 سقطت مدينة الرمادي على أيدي
عناصر منظمة داعش الارهابية، نتيجة انسحاب القوات العسكرية منها بصورة
مفاجئة دون صدور أوامر عليا من السلطات الحكومية بهذا الخصوص.
وبتاريخ 12 حزيران (يونيو) 2015 أعلنت المرجعية الدينية العليا في
العراق الجهاد الكفائي ووجوب الدفاع عن العراق وشعبه لمواجهة مسلحي
منظمة داعش الارهابية، بعد أن إستشعرت ان هذه المنظمة تشكل خطرا كبيرا
على البلد، واعتبرت ان من يقتل من العراقيين دفاعا عن بلده شهيدا.
على الرغم من أن الحكومات التي أعقبت النظام المباد بعد عام
2003م واجهت المشاكل الموروثة وفلول الارهاب بكل حزم وشدة، إلا أن
عدم قيامها بإصلاح وتحديث وإعادة هيكلة مؤسسات الدولة وفق أسس علمية
سليمة ومتطورة، واعتمادها لأسلوب نظام المحاصصة الحزبية والطائفية
والقومية المقيت، وتهميشها للطاقات الفكرية والعلمية والمهنية المتخصصة
الكفوءة والنزيهة الموجودة في داخل العراق وخارجه من المساهمة والمشاركة
في بناء العراق وتطويره ... أثر سلبا وبشكل واضح على تقدم البلد ونمائه
وتطوره، وتسبب في استشراء ظاهرة الفساد المالي والإداري بصورة خطيرة،
ووصل الحال بالعراق، لاسيما في عهد الولاية الثانية للسيد رئيس الوزراء نوري
كامل المالكي، الى أن يعد في طليعة الدول الاكثر فسادا ونهبا للمال العام
حسب تصنيف المنظمات العالمية، ومنها منظمة الامم المتحدة... الى الحد
|
|