|
|
 |
| كربلاء الحضارة والتاريخ |
|
72 |
|
 |
لطف كربلاء - وكان مجرى هذا النهر موجودا في السابق ولكنه اندثر - يمر
بالقرب من مرقد العباس (ع) إلى الشرق منه عرف بنهر العلقمي (1).
وفي خلال فترة حكم الخليفة العباسي المتوكل 236 - 247هـ (850
- 861م) تعرض قبر [الإمام] الحسين إلى سياسة عدائية ظاهرة، إذ أمر
المتوكل بهدم قبر [الإمام] الحسين ثلاث مرات، وأسال الماء عليه، فحار
الماء حول القبر الشريف وأقام في المسالح (مخافر الشرطة) أناسا يترصدون
من يأتي لزيارة قبر الحسين (ع)، والتعامل مع زائريه بكل قسوة مما دفع
بالمسلمين إلى الرحيل عن كربلاء(2).
وفي سنة 247هـ (861م) قتل المتوكل على يد ابنه المنتصر الذي
أصبح الخليفة بعد أبيه، وأعاد بناء مرقد [الإمام] الحسين وأخذ المسلمون
يتوافدون على أرض كربلاء فأقاموا المباني والأسواق من حول المرقد الشريف
فأستعادت كربلاء مكاتنها العمرانية والعلمية واستطاعت أن تسترجع ما كانت
عليه، وإن لم يدم حكم المنتصر سوى ستة أشهر حيث توفي بعد ذلك(3).
ومهما يكن من أمر فإن هذه الفترة كان لها أثر كبير في تطور
المدينة واستقطاب الزائرين إليها. وكان أول من جاور الحائر الحسيني في هذا
الوقت من العلويين هو إبراهيم المجاب المعروف بإبراهيم الضرير الكوفي أبن
محمد العابد بن الإمام موسى الكاظم (ع) مع ولده وذلك سنة 247هـ
(861م) ولا زال قبره موجودا في الزاوية الشمالية الغربية من الرواق المعروف
بأسمه في الروضة الحسينية (4).
|
(1) تراث كربلاء، مصدر سابق، ص: 27.
(2) تاريخ الطبري، ج9 / ص: 185.
(3) المسعودي: مروج الذهب، ج4 / ص: 121، المكتبة الإسلامية، بيروت - لبنان. أعيان الشيعة، ج1 / ص: 628.
(4) مدينة الحسين، ص: 24. نزهة أهل الحرمين في عمارة المشهدين، ص: 36، 37.
|
 |
| كربلاء الحضارة والتاريخ |
|
73 |
|
 |
وفي العهد الخليفة العباسي المعتضد سنة 279هـ (892م) زار كربلاء
حسن بن زيد العلوي الملقب ب(الداعي الكبير) ملك طبرستان وديلم. فباشر
ببناء الحضرة الحسينية واتخذ حولها مسجدا. ولكنه توفي قبل إنجازها وأكمل
بناءها أخوه محمد بن زيد العلوي الملقب ب(الداعي الصغير) الذي خلف أخاه
واهتم بمدينة كربلاء ومرقد الإمام الحسين (ع)(1).
وعندما دخل البويهيون بغداد وأصبحوا الحكام الفعليين في زمن
الخليفة العباسي المستكفي سنة 334هـ (946م) حظيت مدينة كربلاء
بالاهتمام والرعاية. وكان أول من زارها من السلاطين البويهيين، السلطان
معز الدولة سنة 336هـ (977م)(2).
وفي سنة 367هـ (978م) أيام خلافة الطائع العباسي استولى
السلطان عضد الدولة فناخسرو بن ركن الدولة الحسن البويهي على بغداد من
جديد، وعرج على مدينة كربلاء لأول مرة لزيارة مرقد الإمام الحسين، وقد أولى
المدينة جل عنايته واهتمامه وكان يزور كربلاء كل عام (3).
وقد بلغت كربلاء خلال هذه الفترة أوج إزدهارها، حيث شيدت فيها
المدارس الدينية، وأول مدرسة شيدت في العراق كانت المدرسة العضدية في
كربلاء سنة 367هـ(978م).
وفي سنة 369هـ (980م) اهتم عمران بن شاهين والي إمارة البطائح،
التي تقع بالقرب من واسط جنوب العراق، بمرقدي الإمام علي (ع) في النجف
الأشرف والإمام الحسين (ع) في كربلاء المقدسة، حيث شيد رواقا في الجانب
|
(1) أعيان الشيعة، ج1 / ص: 628.
(2) ستيفن لونگريك وفرانك ستوكس: شعوب العالم الحديث - العراق، ص 62، طبعة اولى، أرنست بن ليمتد - لندن،
1958م. تراث كربلاء، ص: 77.
(3) السيد محسن الأمين: أعيان الشيعة، ج1 / ص: 628. نزهة أهل الحرمين في عمارة المشهدين، ص: 32.
تاريخ كربلاء وحائر الحسين، ص: 171.
|
 |
| كربلاء الحضارة والتاريخ |
|
74 |
|
 |
الغربي من حرم الإمام الحسين (ع) عرف برواق ابن شاهين، والذي يعرف
اليوم برواق السيد إبراهيم المجاب وبنى بجواره مسجدا(1).
وفي عهد الخليفة العباسي الطائع سنة 369هـ (980م) أغار (ضبة
بن محمد الأسدي) أمير عين التمر، الذي كان يتزعم عصابة من اللصوص
وقطاع الطرق، على كربلاء ومشهد [الإمام] الحسين (ع). وكان هذا قد اتخذ
من (عين التمر) مركزا لنشاطه وقيامه بأعمال السلب والنهب، وشن الهجمات
على المدن والقوافل. ومما ساعده على ذلك عدم استتباب الأمن والطمأنينة
في البلاد. فأرسل عضد الدولة البويهي في هذه السنة سرية من الجند إلى
عين التمر للقضاء على (ضبة بن محمد الاسدي) ولكن هذا الأخير هرب بعد
وصول السرية إليها(2).
ولم يكتف عضد الدولة بذلك، بل أولى مدينة كربلاء جل عنايته وكان
من أكثر الذين اهتموا بها. وقام بأهم زيارة له لهذه المدينة في سنة 369هـ
(980م) حيث أمر بإعادة بناء مرقد الإمام الحسين (ع) والدور والمباني
المحيطة به. وقد انتهى العمل من بناء المرقد سنة 371هـ (982م). وكذلك
أمر قبل وفاته سنة 372هـ (983م) ببناء مرقد العباس (ع) لأول مرة،
فازدهرت المدينة ازدهارا واسعا في عهده وأقيمت المباني الجديدة ما بين
المرقدين وحولهما فتوسعت المدينة وأصبحت مهمة في مركزها الديني
والعلمي(3).
وفي عهد الخليفة العباسي القادر بالله سنة 407هـ (1017م) احترق
مشهد الإمام الحسين (ع) بسبب سقوط شمعتين، فأحدث ذلك بلبلة في المدينة
|
(1) العلامة المجلسي: بحار الأنوار، ج42/ ص: 320، الطبعة الثانية، مؤسسة الوفاء، بيروت - لبنان 1403هـ (1983م).
(2) ابن الاثير: الكامل في التاريخ، ج8 / ص: 710، دار بيروت، بيروت - لبنان، 1386هـ (1966م). دائرة
المعارف الإسلامية، ج 4 / ص: 637.
(3) دائرة المعارف الإسلامية، ج4 / ص: 637. اعيان الشيعة، ج1 / ص: 628. تراث كربلاء، ص: 62.
|
 |
| كربلاء الحضارة والتاريخ |
|
75 |
|
 |
وظل القبر على هذا الحال حتى قام وزير السلطان البويهي الحسن بن الفضل
بن سهلان المعروف بأبي محمد الرامهرمزي سنة 414هـ (1023م) بإرجاع
الطمأنينة والسكينة إلى النفوس وأولى المدينة والمشهد اهتمامه (1). وقام
السلطان أبو طاهر جلال الدولة بن بهاء الدولة بن عضد الدولة البويهي
ترافقه حاشية كبيرة من أهله وأتباعه من الأتراك بزيارة مدينة كربلاء ومرقد
الإمام الحسين (ع) وذلك سنة 431هـ (1040م) ومكث فيها مدة من الزمن
أجزل خلالها العطايا والنعم على الأهالي مما كان له أثره في تطور المدينة (2).
وبعد أنحسار نفوذ البويهيين سيطر السلاجقة على العراق ولم يذكر عنهم أنهم
اتخذوا موقفا معاديا من كربلاء والحائر بل أنهم محضوا كربلاء احترامهم.
وكان أول من زار المدينة السلطان السلجوقي أبو الفتح جلال الدولة ملكشاه
مع وزيره نظام الملك مع حاشية كبيرة سنة 479هـ (1087م)(3).
وفي سنة 489هـ (1096م) أغارت قبيلة خفاجة على كربلاء بعد
إغارتها على الحلة التي كان أميرها صدقة بن مزيد الملقب ب(سيف الدولة)
الذي لم يستطع أن يردهم أول الأمر. فقصدوا مشهد [الإمام] الحسين بن علي
(ع) فعاثوا فيه الفساد والمنكر - من قتل الناس والاعتداء على النساء ونهب
الأموال والاعتداء على الأماكن المقدسة - فوجه إليهم (صدقة) جيشا
فحاصروهم وقتل منهم خلقا كثيرا في المشهد حتى عند الضريح(4).
وفي سنة 513هـ (1120م) زار مدينة كربلاء الأمير دبيس بن
صدقة بن مزيد أبو الأعز الأسدي، وكان شاعرا خلف أباه صدقة بن مزيد
على إمارة الحلة ولم يكن على وفاق مع الخليفة العباسي المسترشد في
|
(1) الكامل في التاريخ، ج9 / ص: 295. دائرة المعارف الإسلامية، ج4 / ص: 637. السيد عبد الحسين الكليدار: تاريخ كربلاء
المعلى، ص: 14، المطبعة العلوية، النجف الاشرف - العراق، 1349هـ(1930م).
(2) ابن الجوزي: المنتظم في تاريخ الأمم والملوك، ج15 / ص: 274، دارالكتب العلمية، بيروت، 1412هـ(1992م).
(3) المنتظم في تاريخ الأمم والملوك، ج16 / ص:259. دائرة المعارف الإسلامية، ج4 / ص: 637.
(4) الكامل في التاريخ، ج10/ ص: 260.
|
 |
| كربلاء الحضارة والتاريخ |
|
76 |
|
 |
سياسته(1). وقام الخليفة العباسي المسترشد سنة 526هـ (1132م) بوضع يده
على الخزائن من الأموال والمجوهرات العائدة لمرقد [الإمام] الحسين (ع)
لحاجته إلى المال لصرفه على الجيش واكتفى بذلك دون أن يتعرض للمرقد
بسوء(2).
وقد زار الخليفة العباسي المقتفي بالله كربلاء ومرقد الإمام الحسين
(ع) سنة 553هـ (1158م) وهو في طريقه لزيارة مدينة الأنبار بعد أن عبر
نهر الفرات (3).
وازدهرت مدينة كربلاء، وخاصة عمارة المراقد المقدسة، في أيام
الخليفة العباسي أحمد الناصر لدين الله سنة 575 - 622هـ (1180 -
1225م) وكان محبا لأهل البيت (ع) ومواليا لهم بخلاف آبائه وأسلافه(4).
ثم تعرضت كربلاء فيما بعد للإهمال والتقصير. وعندما استولى
المغول على العراق سنة 656هـ (1258م) بقيادة هولاكو، كانت كربلاء لا
تزال غارقة في الظلام، ترزح تحت وطأة الفقر والإهمال. وكانت مدن مثل
البصرة والنجف والكوفة والحلة وواسط والموصل وكربلاء وغيرها قد أصبحت
خاضعة للمغول بسقوط بغداد ولذلك لم تتعرض للتدمير والنهب.
وفي سنة 696هـ (1297م) قدم العراق السلطان المغولي محمود
غازان خان مارا بالحلة والنجف فتوجه إلى كربلاء في زيارة للإمام الحسين
(ع) وأمر للعلويين والمقيمين بمال كثير.ذ وفي سنة 698هـ (1299م) قدم
غازان مرة أخرى لزيارة كربلاء والنجف ثم أمر بحفر قناة من نهر الفرات تصل
إلى سهول كربلاء وسمي هذا النهر ب(الغازاني الأعلى) تمييزا لنهرين آخرين
|
(1) المنتظم في تاريخ الأمم والملوك، ج17 ،18/ ص: 174.
(2) بحار الأنوار،ج45 / ص: 401.
(3) المنتظم في تاريخ الأمم والملوك، ج17، 18/ ص: 125.
(4) تاريخ كربلاء وحائر الحسين، ص: 183.
|
 |
| كربلاء الحضارة والتاريخ |
|
77 |
|
 |
حفرهما غازان أيضا في الحلة(1). وقد خلف أولجايتو محمد خدابنده أخاه
غازان سنة 703هـ (1304م) وحذا حذوه في اهتمامه بالمراقد المقدسة ورعاية
العلويين(2).
وأشار ابن بطوطة في رحلته إلى كربلاء سنة 727هـ (1327م) إلى
مشهد الحسين بن علي بن أبي طالب (ع) وقال عن كربلاء أنها: «مدينة
صغيرة تحفها حدائق النخيل، ويسقيها ماء الفرات والروضة المقدسة داخلها،
وعليها مدرسة عظيمة وزاوية فيها الطعام للوارد والصادر.
وعلى باب الروضة الحجاب والقومة، لا يدخل أحد إلا عن أذنهم.
فيقبل العتبة الشريفة وهي من الفضة، وعلى الضريح المقدس قناديل الذهب
والفضة، وعلى الأبواب ستائر الحرير.
وأهل هذه المدينة طائفتان، أولاد زحيك وأولاد فائز، وبينهما القتال
أبدا، وهم جميعا يرجعون إلى أب واحد، وبسبب فتنتهم تخربت هذه
المدينة»(3). وزار المدينة في نفس السنة تقريبا المؤرخ والعالم الجغرافي الشهير
(حمد الله المستوفي) فوصف كربلاء بقوله: «وغربي الكوفة بثمانية فراسخ، في
صحراء كربلاء مشهد [الإمام] الحسين (ع) المعروف بالمشهد الحائري» (4).
لم تهدأ الأحوال السياسية في العراق زمن الايلخانيين فكثرت الفتن
والاضطربات. وقد مهدت هذه الأوضاع الطريق للشيخ حسن الجلائري
مؤسس الدولة الجلائرية، التي كانت عاصمتها تبريز في إيران، للاستيلاء
على بغداد سنة 738هـ (1337م) والقضاء على سلطة الايلخانيين فيها.
وبالرغم من قصر فترة السيادة الجلائرية فقد تميزت بالاستقرار النسبي الذي
|
(1) تاريخ العراق بين احتلالين، ص: 376.
(2) مدينة الحسين، ص: 24.
(3) رحلة ابن بطوطة، شرح طلال حرب، ص: 233، الطبعة الأولى، دار الكتب العلمية - بيروت، 1407هـ (1987م).
(4) دائرة المعارف الإسلامية، ج4 / ص: 637.
|
 |
| كربلاء الحضارة والتاريخ |
|
78 |
|
 |
ساعد على قيام نهضة عمرانية وعلمية وفنية في العراق وخاصة في المدن
الدينية ومنها مدينة كربلاء.
وفي سنة 767هـ (1366م) قدم بغداد السلطان أويس الجلائري،
الذي اصبح سلطانا على خراسان والعراق بعد أبيه الأمير الشيخ حسن
الجلائري، ليخمد فتنة عبده الأمير مرجان الذي كان قد عينه واليا على
العراق. وأراد (مرجان) هذا أن يستقل بالعراق ولذلك فإن السلطان أويس جهز
جيشا لإخضاعه. وما إن اقترب من بغداد حتى هرب مرجان إلى كربلاء
واستجار بحرم الإمام الحسين (ع). وعندما علم السلطان أويس بذلك تيقن من
صدق مرجان في حبه لأهل بيت النبوة (ع) فأحضره وأكرمه وعفا عنه وأعاده
واليا على العراق. وكان مرجان حينما استجار بالحرم الحسيني المطهر قد نذر
أن يبني مئذنة خاصة في الروضة الحسينية إن خرج ناجيا من هذه المحنة،
ففعل ذلك وبنى حولها مسجدا. ثم أجرى لهما من أملاكه في كربلاء وبغداد
وعين التمر والرحالية أوقافا يصرف واردها على المسجد والمئذنة التي عرفت
ب(مئذنة العبد).
وعندما علم السلطان أويس بما قام به واليه على بغداد مرجان من
تكريم وتعظيم لمرقد الإمام الحسين (ع) وجعل أمواله وأملاكه وقفا عليه، أقدم
هو الآخرعلى تجديد عمارة المرقد الشريف وقام من بعده ابناء السلطان
حسين والسلطان أحمد بهادر خان باستكمال البناء سنة 786هـ (1384م)،
وهو البناء الذي ما زال هيكله موجودا إلى الآن. وقد شيد أيضا في هذه الفترة
البهو الأمامي للروضة الحسينية المعروف بإيوان الذهب(1).
|
(1) تاريخ كربلاء وحائر الحسين، ص: 188، 189.
جعفر الخياط: موسوعة العتبات المقدسة لجعفر الخليلي، ص: 266 - قسم كربلاء.
|
 |
| كربلاء الحضارة والتاريخ |
|
79 |
|
 |
قبل أن يستولي تيمورلنك على بغداد سنة 795هـ (1393م) ترك
السلطان أحمد بهادر خان بغداد متوجها إلى كربلاء مع جيشه البالغ حوالي
ألفي مقاتل. فقد أرسل تيمورلنك جيوشه تتعقب السلطان أحمد فدارت معركة
شديدة بين الطرفين في سهول كربلاء انهزم في آخرها السلطان أحمد وهرب
إلى الشام ومنها إلى مصر محتميا بسلطانها الملك الظاهر برقوق(1).
وفي سنة 857هـ (1454م) قام علي بن محمد بن فلاح الملقب
ب (المشعشعي) الذي كان حاكما على البصرة والأهواز والجزر القريبة منهما،
بنهب المشهدين المقدسين في كربلاء والنجف، وقتل بعض أهلهما وأخذ بعض
الأسرى إلى البصرة(2).
وقام أوزون حسن سنة 873هـ (1468م) بتأسيس دولة التركمان آق
قويونلي (الخروف الأبيض) التي خلفت دولة التركمان قرة قويونلي (الخروف
الأسود). وحكمت لمدة 42 سنة في أطراف إيران والعراق وتعاقب على حكمها
ثمانية سلاطين، وإذا كانت هذه الدولة لم تستطع أن تقدم خدمات مهمة
للعتبات المقدسة في كربلاء وسواها وذلك لانشغالها بالحروب والمنازعات
الشديدة التي كانت تقع بينها وبين العثمانيين وأحيانا مع الصفويين فيكفيها
انها حفظت للعتبات المقدسة أمنها وسلامتها ومنعت وقوع أي اعتداء عليها
خلال حكمها الذي انتهى على يد الشاه إسماعيل الصفوي سنة 914هـ
(1508م)(3).
|
(1) عباس العزاوي: تاريخ العراق بين احتلالين،ج2/ ص: 204، 205، الطبعة الأولى، مطبعة التفيض الأهلية - بغداد،
1354هـ (1936م). د. طارق جواد الجنابي: حضارة العراق، ج10 / ص: 248، دار الحرية للطباعة - بغداد
(2) تاريخ العراق بين احتلالين، ج3 / ص: 144.
(3) د. طارق جواد الجنابي: حضارة العراق، ج10 / 248. د. صالح محمد العابد: حضارة العراق، ج10 / ص: 14، 15.
مستر ستيفن لونگرك : أربعة قرون من تاريخ العراق الحيدث، ص: 16.
|
 |
| كربلاء الحضارة والتاريخ |
|
80 |
|
 |
 |
| كربلاء الحضارة والتاريخ |
|
81 |
|
 |
تاريخ كربلاء خلال الحكمين
الصفوي والعثماني للعراق
بعد أن تم للشاه إسماعيل الصفوي تأسيس الدولة الصفوية في إيران
سنة 906هـ(1501م)، أرسل جيشا كبيرا بقيادة لاله حسين للسيطرة على
بغداد. وبعد أن تم له ذلك سنة 914هـ (1508م) وقضى على دولة الخروف
الأبيض (آق قويونلي) أصبح العراق تابعا للدولة الصفوية، فدخل بذلك مرحلة
تاريخية جديدة. وفي السنة نفسها قدم الشاه إسماعيل الصفوي بغداد. وفي
اليوم الثاني من مجيئه قام بزيارة كربلاء، فأولى المراقد المقدسة في هذه
المدينة جل اهتمامه ورعايته. فأنعم على مجاوري الروضة الحسينية بالمال
والهدايا. وكانت السنين التي حكم بها الشاه إسماعيل الصفوي العراق سنين
ازدهار وهدوء وخاصة المدن المقدسة(1).
وفي سنة 930هـ(1524م) توفي الشاه إسماعيل الصفوي فخلفه ابنه
طهماسب الأول. وكان العراق آنذاك قد أصبح خاضعا للعثمانيين الذين
استولوا عليه. فأرسل طهماسب جيشا حاصر بغداد سنة 936هـ (1530م)
وحاصر القلعة التي تحصن بها حاكم بغداد ذو الفقار. واستطاع طهماسب أن
يفتح القلعة وأن يقتل حاكم بغداد. وبعد أن سيطر طهماسب على بغداد
والعراق قام بزيارة المراقد المقدسة في كربلاء(2).
وسرعان ما بدأ التنافس بين الصفويين والعثمانيين للسيطرة على
العراق. وبعد اعتلاء العرش من قبل السلطان العثماني سليم 918هـ (1512م)
|
(1) عبد الرزاق الحسني: العراق قديما وحديثا ، ص: 130، الطبعة الثانية، مطبعة العرفان، صيدا - لبنان 1375هـ (1956م).
(2) د. صالح محمد العابد: حضارة العراق، ج10 / ص: 16، دار الحرية للطباعة، بغداد 1985م.
محمد باقر مدرس: شهر حسين، ص:304.
|
 |
| كربلاء الحضارة والتاريخ |
|
82 |
|
 |
تمت السيطرة على العراق على يد ابنه السلطان سليمان القانوني سنة 941هـ
(1535م).
ولقد بذل هذا السلطان ما بوسعه لاستمالة سكان مدن العتبات
المقدسة إليه وكسب ودهم. وقرر أن يفعل في المدن المقدسة أكثر مما فعله
الشاه إسماعيل الصفوي وطهماسب، وخاصة بالنسبة إلى مدينة كربلاء. فأنقذ
هذه المدينة من خطر الغرق وذلك بإنشاء سد لازال يعرف ب(روف السليمانية).
وأمر بشق نهر يروي أراضي مدينة كربلاء سنة 941هـ (1535م) سمي
بـ(النهر السليماني) نسبة إلى السلطان سليمان ويسمى حاليا بـ(نهر الحسينية)
الذي ما زالت مياهه تروي مدينة كربلاء(1).
وينقسم هذا النهر عند دخوله المدينة إلى فرعين: الأول يسير باتجاه
الشمال الغربي من المدينة ويسمى بـ(الرشيدية)، والثاني يسير باتجاه جنوب
مدينة كربلاء ويسمى بـ(الهنيدية).
وفي سنة 980هـ (1573م) استطاع الشاه طهماسب الأول بن
إسماعيل الصفوي أن يسيطر على بغداد من جديد بعد أن كان العثمانيون قد
سيطروا عليها. وبعد أن عقد الدولة العثمانية معاهدة صلح قام للمرة الثانية
بزيارة كربلاء والمراقد المقدسة فيها وأمر في هذه الزيارة بالاهتمام بالمدينة
وبالمرقد الحسيني الشريف (2).
وفي سنة 984هـ (1576م) توفي الشاه طهماسب وتولى الحكم ابنه
إسماعيل الصفوي الثاني إثر اغتيال أخيه حيدر ميرزا في نفس العام. وأمر
بالاهتمام بمدينة كربلاء وبمرقد الإمام الحسين (ع)(3).
|
(1) دائرة المعارف الإسلامية، ج4 / ص: 638.
مستر ستيفن لونگرك: أربعة قرون من تاريخ العراق الحديث، ص: 25، جامعة اكسفورد 1925م.
(2) محمد باقر مدرس: شهر حسين، ص: 305.
(3) سلمان هادي طعمة: تراث كربلاء، ص: 44.
|
 |
| كربلاء الحضارة والتاريخ |
|
83 |
|
 |
سيطر العثمانيون بعدئذ على العراق. وتذكر بعض المصادر التاريخية
أن الوالي العثماني على بغداد، علي باشا الوندزادة من قبل السلطان العثماني
مراد الثالث قام سنة 984هـ(1576م) بتعمير مرقد الإمام الحسين (ع)(1).
وفي 25 أيلول 1604م وصل إلى كربلاء الرحالة البرتغالي المعروف
بيدرو تكسيرا. وتكمن أهمية هذه الرحلة في أنها مبكرة جدا وتتحدث عن
أحوال كربلاء في القرن السابع عشر الميلادي بمختلف جوانبها الاقتصادية
والاجتماعية والعمرانية.
ويصف تكسيرا سكان هذه المدينة بأنهم من العرب والإيرانيين وقليل
من الأتراك. وبعضهم كان من بقايا الذين جاءوا لزيارة مرقد الإمام الحسين
(ع) واستوطنوا المدينة، وقسم آخر خلفتهم الحروب التي اندلعت بين
الصفويين والعثمانيين، ممن لاذ بأمان المرقد وسلام المدينة المقدسة.
وأسواق هذه المدينة مبنية بناء محكما وهي ملأى بالمؤن والبضائع
التجارية. وعندما يتطرق إلى الروضة الحسينية يقول: إن المسلمين يتوافدون
لزيارتها من جميع الأنحاء. ويتحدث تكسيرا عن الفوضى التي كانت تضرب
أطنابها في كربلاء والنجف تحت حكم الأمير ناصر المهنا الذي كان يعتبر
نفسه سلطانا (2).
والجدير بالذكر أن هذا الأمير هو شيخ قبيلة آل مهنا، وهي من
عشائر جشعم العربية. وكان قد قام في سنة 1013هـ (1604م) بغزو مدينة
كربلاء وبسط زعامته عليها وقد انتهت هذه الزعامة إثر السيطرة على العراق
من قبل الشاه عباس الكبير الصفوي سنة 1032هـ (1623م)(3).
|
(1) مرتضى نظمي زادة: گلشن خلفا، ترجمة موسى كاظم نورس، ص: 208، مطبعة الآداب - النجف 1971م.
(2) THE TRAVELS OF PEDRO TEIXEEIRA, second series, no. IX - P.xxii, p.p 51, 52, 53.
(3) سلمان هادي طعمة: تراث كربلاء، ص: 365- 366.
|
 |
| كربلاء الحضارة والتاريخ |
|
84 |
|
 |
وكان الشاه عباس الكبير قد توجه، بعد سيطرته على بغداد سنة
1032هـ (1623م) لزيارة كربلاء وزيارة مرقد الإمام الحسين (ع). ثم توجه
عن طريق الحلة إلى النجف الأشرف لزيارة مشهد الإمام علي بن أبي طالب
(ع)(1). وبعد وفاة الشاه عباس سنة 1038هـ (1629م) خلفه الشاه صفي
الدين الأول حفيد الشاه طهماسب.
واستطاع السلطان العثماني مراد الرابع بعد حصاره بغداد في نفس
السنة أن يستولي عليها وعلى العراق. وكان هذا السلطان سفاكا للدماء وقام
بمجزرة قتل خلالها زهاء ثلاثين ألف شيعي(2)، مما حمل الشاه صفي الدين
الأول على أن يسترجع العراق من العثمانيين سنة 1042هـ (1633م).
وقد قام في هذه السنة بزيارة كربلاء وبذل الكثير من الأموال من أجل
ذلك ... لكن العثمانيين عادوا من جديد إلى العراق فسيطروا عليه وقتلوا خلال
ذلك في معركة واحدة ألفي جندي إيراني ممن يسمون بـ(قزلباش) - وهي كلمة
تركية تعني أصحاب الرؤوس الحمراء، أو العمائم الحمراء، وهم نخبة من
الجيش الذي أسسه الصفوين - وكان ذلك في سنة 1048هـ (1638م)(3).
وعندما بلغ الشاه صفي الدين هذا الخبر الذي أثاره كثيرا، جهز جيشا
وحاصر بغداد واستولى على العراق مرة أخرى. وتم تعيين الوزير قبلان
المقدسة فيها وأنعم على فقراء المدينة بالأموال والهبات الكثيرة(4).
وعاد العثمانيون إلى العراق مرة أخرى. وتم تعيين الوزير قبلان
مصطفى باشا واليا على بغداد، ولكن لم يعرف عن هذا الوالي سوى أنه في
|
(1) دائرة المعارف الإسلامية، ج4/ ص: 637. محمد حسن مصطفى الكليدار: مدينة الحسين، ص: 37 - 38.
(2) ستيفن لونگريك:اربعة قرون من تاريخ العراق الحديث، ص: 74. محمد باقر مدرس: شهر حسين، ص: 317.
(3) مرتضى نظمي زادة: گلشن خلفا، ترجمة موسى كاظم نورس، ص: 233.
(4) عبد الحسين الكليدار آل طعمة: بغية النبلاء في تاريخ كربلاء، ص:73، مطبعة الإرشاد، بغداد. شهر حسين، ص: 318.
|
 |
| كربلاء الحضارة والتاريخ |
|
85 |
|
 |
مطلع سنة 1088هـ (1677م) زار كربلاء وأنعم على القائمين على خدمة
مرقد الإمام الحسين (ع)(1).
أما الوالي العثماني على بغداد الوزير حسن باشا، فقد قام بإصلاحات
يمكن القول بسببها أن العراق دخل في عهده مرحلة جديدة. ولقد قام بزيارة
مشهد الإمام الحسين (ع) سنة 1116هـ (1704م) وأجزل العطاء على
القائمين على الحرم وعلى الفقراء. ثم زار كربلاء مرة أخرى سنة 1127هـ
(1715م) وأمر بتعمير الطارمة الحسينية، وبنى في كربلاء خان الباشا الذي
كان يقع مقابل (باب الرجاء) أحد أبواب الروضة الحسينية(2).
وفي سنة 1138هـ (1726م) استطاع نادر شاه الافشاري أن يقضي
على الدولة الصفوية ويتسنم عرش إيران ويمد نفوذه إلى العراق، حيث سيطر
عليه بعد أن قام بحصار بغداد. ثم توجه لزيارة مرقد الإمام الحسين (ع) في
كربلاء ومرقد الإمام علي (ع) في النجف. وقامت زوجته وهي كريمة الشاه
سلطان حسين الصفوي بإنفاق أموال كثيرة لتعمير الحائر الحسيني سنة
1153هـ (1740م)(3).
وزار نادر شاه الافشاري كربلاء مرة أخرى سنة 1156هـ (1743م)
مع وزرائه وعساكره. وقد أولى مرقد الإمام الحسين (ع) والمراقد الأخرى في
المدينة عنايته وساهم في تحسين المدينة(4).
ويقدم لنا الرحالة الألماني كارستن نيبور الذي وصل كربلاء يوم 27
كانون الأول سنة 1765م، ضمن الرحلة الدنماركية، وصفا ممتعا عن
|
(1) مرتضى نظمي زادة: گلشن خلفا، ترجمة موسى كاظم نورس، ص: 282. عباس العزاوي: تاريخ العراق بين احتلالين، ج5/
ص: 113، شركة التجارة والطباعة المحدودة - بغداد، 1372هـ (1953م).
(2) تاريخ العراق بين احتلالين، ج5/ ص: 164، 193. گلشن خلفا، مصدر سابق، ص:318.
(3) مدينة الحسين، مصدر سابق، ص: 38. محمد باقر مدرس: شهر حسين، ص: 325، 326.
(4) جعفر محبوبة: ماضي النجف وحاضرها، ص: 323، الطبعة الثانية، دار الأضواء، بيروت _ لبنان، 1406هـ(1986م).
السيد عبد الحسين الكليدار آل طعمة: بغية النبلاء في تاريخ كربلاء، ص: 73.
|
 |
| كربلاء الحضارة والتاريخ |
|
86 |
|
 |
المدينة. فقد ذكر كثرة النخيل في كربلاء، ويقول بأن عدد سكانها يفوق عدد
سكان النجف، ويتحدث عن سور كان يحيط بكربلاء له خمسة أبواب ولكن
خلال زيارته وجده متهدما.
ويتحدث نيبور مبهورا بالروضة الحسينية التي تتألف من الحضرة
والصحن (الفناء المكشوف) الذي يحيط بالحضرة التي كانت تشع منها الأنوار
ومضاءة كلها في منظر فريد أخاذ لكثرة الشبابيك الزجاجية التي كانت موجودة
فيها. ويذكر أيضا أن العباس بن علي بن أبي طالب (ع) قد شيد له مرقد
وجامع كبير تقديرا لبطولته التي أبداها في يوم عاشوراء سنة 61هـ (680م)،
وذكر كذلك مبنى المخيم الذي كان في تلك الفترة حسب ما يصفه حديقة
واسعة الأرجاء في نهاية البلدة(1).
وفي سنة 1216هـ (1801م) انتشر خبر اقتراب الوهابيين من كربلاء
بقيادة سعود بن عبد العزيز بن محمد بن سعود بجيش يقارب الستمائة هجان
وأربعمائة فارس عندما كان معظم سكان مدينة كربلاء في النجف يقومون
بالزيارة. فسارع من بقي في المدينة لإغلاق الأبواب. غير أن الوهابيين نزلوا
فنصبوا خيامهم وقسموا قواتهم إلى ثلاثة أقسام، وهاجموا أقرب باب من أبواب
المدينة فتمكنوا من فتحه، ودخلوا البلدة فدهش السكان وأصبحوا يفرون بكل
الاتجاهات خوفا. أما الوهابيون فقد شقوا طريقهم إلى الأضرحة المقدسة
وأخذوا يخربونها فافتلعوا القضبان المعدنية والسياج والمرايا ونهبوا النفائس
والأشياء الثمينة من هدايا الأمراء والملوك والسلاطين.
وكذلك سلبوا زخارف الجدران وقلعوا ذهب السقوف وقتلوا بالقرب من
الضريح حوالي خمسين شخصا وخمسمائة شخص خارج الضريح في صحن
|
(1) Niebuhr, Carsten: Voyage en Arbaie et en d`autre pays Circonvoisins (Amesterdam 1776).
|
|
|