كربلاء الحضارة والتاريخ 54


وقد استطاع معاوية بن أبي سفيان أن يبتعد كثيرا عن ملامح الدولة الاسلامية الأولى بإعلانه الحكم الفردي الوراثي، ولعله كان أول حاكم في الاسلام الذي تخطى الحدود التي رسمها القرآن الكريم، ولم يبق حرمه لأهل بيت النبي (ص) وأصحابه الأقربين إضافة الى حروبه مع أمير المؤمنين الخليفة علي بن أبي طالب (ع)، وأمره ولده يزيد بأعمال السيف في حفيد النبي محمد (ص) الامام الحسين (ع)، كل ذلك كان بداية لتوظيف الدين في خدمة الحاكم، وليس العكس.
وما فعله قادته، بمكة وأهلها أعطى لمن جاء بعده، سواء من رجال الخلافة أو من الخارجين عليها، حق اعتماد العنف والقتل والتطرف وسيلة لتحقيق أهداف السياسة للبقاء في الحكم.
دعا معاوية الناس إلى البيعة ليزيد سنة 49هـ (670م) خلافا لقيم ومبادئ الإسلام والشريعة. وقد كره الناس ذلك واستنكروه لما يعلمون من سيرة يزيد السيئة. وقد امتنع الإمام الحسين (ع)، وعبدالله بن عمر، وعبد الله بن الزبير، وابن عباس، وآخرون عن مبايعة يزيد بالخلافة(1).
وعندما ذهب معاوية إلى مكة لأداء العمرة خاطب المسلمين، وطلب مبايعة يزيد. وتحت تأثير التهديد والوعيد انصاع عدد كبير لمبايعته (2).
فلما توفي معاوية بن أبي سفيان وذلك في رجب سنة 60هـ (679م)، كتب يزيد إلى الوليد بن عتبة، وكان أمير المدينة، يأمره بأخذ البيعة من أهلها عامة، وخاصة من الحسين (ع). وعندما أحس الإمام (ع) بضغط الأمويين عليه لمبايعة يزيد، خرج من المدينة المنورة إلى مكة المكرمة، وعند وصوله

(1) ابن جرير الطيري: تاريخ الرسل والملوك، ج5 / ص: 303.
(2) ابن كثير: البداية والنهاية في التاريخ، ج8 / ص: 79 - 80، الطبعة الأولى، مطبعة السعادة، مصر 1932م.
ابن الأثير: الكامل في التاريخ، ج4 / ص: 6، دار صادر ودار بيروت، بيروت - لبنان 1385 هـ (1965م)
ابن عساكر: من تاريخ دمشق، ترجمة ريحانة رسول الله (ص) الإمام الحسين (ع)، ص:197
كربلاء الحضارة والتاريخ 55

أقبل أهل مكة ومن كان بها من المعتمرين وأهل الآفاق يختلفون إليه ويجتمعون عنده(1).
وبلغ أهل الكوفة امتناع الإمام الحسين (ع) عن بيعة يزيد. فكتبوا إليه (ع) الكثير من الكتب وأوفدوا إليه الرسل من العراق وخاصة من أهل الكوفة يدعونه إليهم، ويستعجلونه القدوم ليبايعوه بالخلافة عوضا عن يزيد بن معاوية. ولم يجد الإمام الحسين (ع) بداً من إرسال ابن عمه مسلم بن عقيل بن أبي طالب إلى أهل العراق ليكشف له حقيقة هذا الأمر، وبعث معه كتابا إلى اهل العراق بذلك(2).
وتوجه مسلم بن عقيل نحو الكوفة فسمع أهلها بقدومه، فجاؤوا إليه في دار هاني بن عروة أحد أشراف الكوفة الذي استضاف مسلما في داره، فبايعوه على إمرة الحسين (ع) وحلفوا له لينصروه بأنفسهم وأموالهم، فاجتمع على بيعته من أهل الكوفة اثنا عشر ألفا ثم بلغوا ثمانية عشر الفا(3).
فكتب مسلم بن عقيل إلى الإمام الحسين (ع) يخبره بأن أهل الكوفة قد بايعوه وطلب منه أن يعجل في القدوم، فتجهز الإمام من مكة قاصدا إلى الكوفة (4).
وعلى أثر ذلك عزل يزيد بن معاوية، أمير الكوفة النعمان بن بشير الأنصاري حيث شك بموقفه من الإمام الحسين (ع) وعين بدلا عنه عبيد الله بن زياد والي البصرة أميرا على الكوفة والبصرة(5).

(1) السيد ابن طاووس: الملهوف في قتلى الطفوف، ص: 10، دار المرتضى، بيروت -لبنان.
ابن الجوزي: المنتظم في تاريخ الأمم والملوك، ج5 / ص:327، دار الكتب العلمية،بيروت -لبنان 1412 هـ(1992م).
(2)المسعودي : مروج الذهب، ج3/ ص: 64 ، المكتبة الاسلامية، بيروت -لبنان.
ابن الاثير: الكامل في التاريخ، ج4 / ص:20.
دائرةالمعارف البريطانية، ج6/ ص: 741، الطبعة 15، جامعة شيكاغو، طبعت في امريكا 1985م.
(3)تاريخ الطبري، ج5/ص: 375. الكامل في التاريخ، ج4/ ص: 44. من تاريخ دمشق، ص:207.
(4) من تاريخ دمشق، ص:207. د.حسين أمين: موسوعة العتبات المقدسة لجعفر الخليلي، ص:48-49، الطبعة الاولى،
الجزء الثاني من قسم كربلاء، دار التعارف بغداد 1386هـ (1966م).
(5) البداية والنهاية في التاريخ، ج8 / ص:152. دائرة المعارف البريطانية ، ج6 /ص: 741.
كربلاء الحضارة والتاريخ 56

فشدد ابن زياد على أهل الكوفة وطارد أصحاب مسلم بن عقيل (وأفشى فيهم القتل والتنكيل والسجن) حتى بقي وحده ووقع أخيرا في قبضة عبيد الله بن زياد فأمر بقتله وقطع رأسه، كما أمر بقتل هاني بن عروة (1). وكان ذلك بداية للأعمال المروعة التي لم يشهد لها التاريخ الإسلامي مثيلا.
إن مأساة مسلم بن عقيل طويلة ومشجية وفيها دلالات على تأثير استخدام العنف والقتل والقمع وعلى طبيعة الخضوع للقوة والمادة والجاه والمنصب، وإن كان ذلك يعارض المبادئ والقيم والمثل. ولما علم الناس في مكة والمدينة بخروج الإمام الحسين (ع) إلى الكوفة أشفقوا عليه وحذروه من ذلك. وأشار عليه ذوو الرأي منهم والمحبة له بعدم الخروج إلى العراق ومنهم عبد الله بن عباس، وان عمر، وأبو سعيد الخدري، وجابر بن عبد الله الأنصاري وسعيد بن المسيب. ولقيه الشاعر الفرزدق في الطريق فسأله الإمام عن أمر الناس في الكوفة فقال: «يا ابن رسول الله، القلوب معك والسيوف عليك والنصر من السماء»(2).
فلما علم الإمام الحسين (ع) بمقتل ابن عمه مسلم بن عقيل وهو في طريقه إلى الكوفة، جمع أنصاره ومن انضم إليه في طريقه من العرب فخطب فيهم وأبلغهم بما جرى لمسلم وقال لهم: لقد خذلنا أنصارنا فمن أحب منكم أن ينصرف فلينصرف ليس عليه منا ذمام. فتفرقوا يمينا وشمالا ولم يبق معه (ع) إلا أهله وأصحابه المخلصون الذين جاؤوا معه من المدينة ونفر يسير ممن انضموا إليه في الطريق(3).

(1) مروج الذهب، ج3 / ص:69. البداية والنهاية في التاريخ،ج8 / ص: 157.
(2) البداية والنهاية في التاريخ، ج8 / ص: 160، 161، 166، 167. الدينوري: الأخبار الطوال، ص: 244، الطبعة الأولى، دار إحياء الكتب العربية، القاهرة. دائرة المعارف البيرطانية الجديدة، ج6 / ص: 741.
(3) الملهوف في قتلى الطفوف، ص: 30. الكامل في التاريخ، ج4 / ص: 43.
كربلاء الحضارة والتاريخ 57


ولما علم عبيد الله بن زياد بوجهة الإمام الحسين (ع) اتخذ احتياطات عسكرية مختلفة وحاول جاهدا مراقبة تحركات الإمام (ع). وقد أرسل أحد قادته وهو الحر بن يزيد الرياحي مع ألف فارس لهذا الغرض. والتقى بركب الإمام الحسين (ع) في منطقة(شراف). وكانت مهمة الحر على مايبدو قطع الطريق على الإمام (ع) وعدم مفارقته حتى يأتي به إلى الكوفة.
ولما أحس الإمام الحسين (ع) بنية الحر ضده وضد أنصاره أمر أصحابه بالأنصراف نحو الحجاز. ولكن القائد الأموي (الحر بن يزيد) منعهم من ذلك، فقال له الحسين (ع): ما الذي تريد؟ قال: أريد أن أنطلق بك إلى الأمير عبيد الله بن زياد. قال الإمام الحسين (ع): إذن والله لا أتبعك. قال الحر: إذن والله لا أدعك.
وكثر الجدال بينهما فقال الحر: إنني لم أؤمر بقتالك وإنما أمرت ألا افارقك حتى أقدمك الكوفة، فخذ طريقا لا تدخلك الكوفة، ولا تردك إلى الحجاز حتى أكتب إلى الأمير عبيد الله بن زياد، فلعل الله أن يأتي بأمر يرزقنا فيه العافية ولا أبتلي بشيء من أمرك. فسار الحسين (ع) مع ركبه والحر بن يزيد يسايره(1).
واتجه الإمام الحسين (ع) بأصحابه حتى بلغ (عذيب الهجانات). كان بها هجائن النعمان ترعى هناك فنسب إليها. والحر بن يزيد ملازم له، ثم وصل إلى (قصر بني مقاتل). وكلما أراد الحسين (ع) أن يميل نحو البادية رده الحر بن يزيد نحو الكوفة حتى انتهى (ع) إلى نينوى - وهي قرية تقع بالقرب من كربلاء -.

(1) تاريخ الطبري،ج5 / ص: 402. الكامل في التاريخ، ج4 / ص: 47، 48.
كربلاء الحضارة والتاريخ 58


وفي الثاني من محرم الحرام سنة 61هـ (680م) حط رحاله في أرض تسمى كربلاء على مقربة من نهر الفرات(1). فسأل الإمام الحسين (ع): ما اسم هذه الأرض؟ قالوا: كربلاء، قال (ع): كرب وبلاء(2).
وكتب عبيد الله بن زياد إلى عمر بن سعد قائد الجيش الأموي طالبا منه أن يحول بين الحسين (ع) وأصحابه وبين ماء الفرات وألا يذوقوا منه قطرة. وعلى أثر ذلك أرسل عمر بن سعد قائده عمرو بن الحجاج على رأس خمسمائة فارس فاحتلوا جميع الشرائع والأنهر المتفرعة من نهر الفرات وأوصدوا على الحسين (ع) وأصحابه سبل الوصول إلى الماء. وكان غرضه من ذلك مضايقة الإمام (ع) لحمله على الاستسلام وسد الطريق أمام من يحاول الالتحاق به عن طريق الماء والمبالغة في التشفي والانتقام. وكان ذلك قبل ثلاثة أيام من مقتل الإمام الحسين (ع). وكان أعظم ما عاناه الإمام (ع) من المحن الشاقة مشاهدة أطفاله وحرائر الرسالة المحمدية وهم يضجون من ألم الظمأ القاتل فقد كان الأطفال ينادون: الماء الماء(3).
وفي اليوم السابع من شهر محرم اشتد العطش بالإمام الحسين (ع) وأصحابه فدعا أخاه العباس (ع) وبعثه في ثلاثين فارسا وعشرين راجلا فجاءوا حتى دنوا من الماء ليلا. ولما أرادوا أن يملأوا قربهم ثار إلهيم عمرو بن الحجاج وأصحابه فحمل عليهم العباس (ع) واستطاع أن يملأ القرب بالماء ويعود بها إلى الإمام الحسين (ع)(4).
ولكن الماء نفذ في اليوم التالي فلم يتحمل الأطفال مقاومة العطش وكانوا ينظرون إلى الفرات وهو فياض بمائه فيزداد صراخهم. وكان من أفجع

(1) الكامل في التاريخ، ج4 / ص: 49 - 51. الأخبار الطوال، ص: 250.
(2) البداية والنهاية في التاريخ، ج8 / ص: 176 - 177. الملهوف في قتلى الطفوف، ص: 33.
(3) باقر شريف القرشي: حياة الإمام الحسين (ع)، ج3 / ص: 163، الطبعة الأولى، مطبعة الأداب، النجف الاشرف - العراق 1396هـ (1976م).
(4) لوط بن يحيى الأزدي: مقتل الحسين (ع)، ص: 99، 1342هـ (1924م). تاريخ الطبري، ج5 / ص: 412.
كربلاء الحضارة والتاريخ 59

وأقسى ما نكب به الامام الحسين (ع) رزيته بولده عبد الله الرضيع الذي اشتد بع العطش وبلغ منه مبلغا عظيما فأجلسه في حجره فقال للقوم ما ذنب هذا الطفل العطش أن يمنع عنه الماء خلافا لجميع الشرائع. فرماه رجل من بني أسد بسهم فذبحه، فأخذ الحسين (ع) دمه فصبه في الأرض ثم قال: ربي إن تكن حبست عنا النصرمن السماء فاجعل ذلك لما هو خير وانتقم لنا من هؤلاء الظالمين(1).
وفي صباح يوم الجمعة العاشر من شهر محرم الحرام صللا الإمام الحسين (ع) صلاة الصبح بأصحابه البالغ عددهم اثنين وثلاثين فارسا، وأربعين راجلا. ثم امتطى الحسين (ع) صهوة فرسه، وأخذ مصحفا فوضعه بين يديه، ورع الإمام (ع) يذكر الناس فضله وعظمة نسبه، وعلو قدره وشرفه، ويقول: راجعوا أنفسكم وحاسبوها، هل يصلح لكم قتال مثلي، وأنا ابن بنت نبيكم، إلى آخره... (2)
ولكن القوم لم يوافقوا .. انهم يريدون قتله بأي حال من الاحوال، فالحقد غمر قلوبهم واستوطن فيها.وقد التحق بركب الإمام جماعة من أهل الكوفة منهم حبيب مظهر الأسدي وزهير بن القين، كما التحق نفر من معسكر ابن زياد أبرزهم الحر بن يزيد الرياحي القائد الأموي الذي مر ذكره. وزحف عمر بن سعد بجيشه الكبير الذي تجاوز الألوف نحو الإمام الحسين (ع) وأصحابه ثم رمى سهما باتجاه الإمام (ع) ايذانا ببدء القتال - وهو يقول مفاخرا «اشهدوا لي عند الأمير أني أول من رمى القوم»(3).
وقام شمر بن ذي الجوشن أحد قادة عبيد الله بن زياد فحمل على أصحاب الحسين، ووقف أنصار الحسين جميعا مواقف بطولية رائعة وهم

(1) المنتظم في تاريخ الأمم والملوك، ص: 340.
(2) تاريخ الطبري، ص: 422، 423. البداية والنهاية في تاريخ، ج8 / ص: 178.
(3) تاريخ الطبري، ج5 / ص: 427، 428. الكامل في التاريخ، ج4 / ص: 65.
كربلاء الحضارة والتاريخ 60

يقاتلون الأعداء بين يدي الإمام الحسين (ع)، وهو يدعو لهم ويقول: جزاكم الله أحسن جزاء المتقين، وقاتلوا بين يديه حتى فنوا عن أخرهم، وقتل كافة أهل بيته وأنصاره باستثناء نفر منهم على رأسهم الإمام علي بن الحسين (زين العابدين) (ع) لعدم قدرته على القتال لمرضه.
وروي عن محمد بن الحنفية أنه قال: استشهد مع الحسين (ع) سبعة عشر رجلا من أهل البيت، أبرزهم أخوه العباس بن علي بن أبي طالب (ع)(1). وكان عمر الإمام الحسين (ع) يوم استشهد ستا وخمسين سنة وشهورا وذلك يوم العاشر من شهر محرم الحرام سنة 61هـ (680م) بعد صلاة الظهر(2).
وأمر عمر بن سعد أعوانه بحمل رأس الحسين (ع) ورؤوس أهل بيته وأصحابه إلى عبيد الله بن زياد، فلما وصل رأس الحسين (ع) إلى ابن زياد جعل ينكث ثنيته بقضيب في يده، فقال له زيد بن أرقم: والله الذي لا إله غيره لقد رأيت شفتي رسول الله (ص) على هاتين الشفتين (يقبلهما)(3).
وحين دخلت السيدة زينب الكبرى بنت أمير المؤمنين الأمام علي ابن ابي طالب (ع)، وأمها فاطمة الزهراء (ع) بنت رسول الله (ص) مجلس ابن زياد في الكوفة، وقال لها: الحمدلله الذي فضحكم... فقالت: الحمدلله الذي أكرمنا بالنبي محمد (ص)، وطهرنا من الرجس تطهيرا، وانما يفتضح الفاسق، ويكذب الفاجر، وهو غيرنا. ثم قال ابن زياد: كيف رأيت فعل الله بأهل بيتك؟ قالت: والله ما رأيت الا جميلا، هؤلاء قوم كتب الله عليهم القتل، فبرزوا الى مضاجعهم، وسيجمع الله بينك وبينهم، فتحاج وتخاصم، فأنظر لمن الفلج يومئذ، ثكلتك أمك يا ابن مرجانة.

(1) البداية والنهاية في التاريخ، ج4 / ص: 188. موسوعة العتبات المقدسة لجعفر الخليلي، ص: 69.
(2) مروج الذهب، ج3/ ص: 71. مقاتل الطالبيين، مصدر سابق، ص: 84.
(3) تاريخ الطبري، ج5 / ص: 459. الكامل في التاريخ، ج4 / ص: 80. الاخبار الطوال: 259.
كربلاء الحضارة والتاريخ 61


وقد أخذت الرؤوس مع أهل بيت الامام الحسين (ع) وكان معهم علي بن الحسين (زين العابدين) (ع) الذي كان مريضا الى الشام، فلما نظر يزيد بن معاوية الى السبايا والرؤوس قد وضعت على الحراب إمتلأ سرورا.
اما الموقف الآخر للسيدة زينب (ع) فقد جاء في خطبتها الشهيرة حين دخلت مجلس يزيد بن معاوية في الشام، وسمعته يتمثل بأبيات وهو يقول:
ليت أشياخي ببدر شهدوا جزع الخزرج من وقع الأسل
لأهلوا واستهلوا فرحا ثم قالوا يا يزيد لا تشل

فقامت إليه (ع) وقالت: «الحمد لله رب العالمين، وصلى الله على رسوله وآله اجميعن، صدق الله سبحانه، حيث يقول: «ثم كان عاقبة الذين اساؤوا السوأى أن كذبوا بآيات الله وكانوا بها يستهزؤون»(1). أظننت يايزيد، حين أخذت علينا أقطار الارض، وآفاق السماء، فاصبحنا نساق، كما تساق الأسارى. أن بنا على الله هوانا، وبك عليه كرامة وإن ذلك لعظم خطرك عنده، فشمخت بأنفك، ونظرت في عطفك جذلان مسرورا.. حين رأيت الدنيا لك مستوثقة، والامور لديك متسقة.. وحين صفا لك ملكنا وسلطاننا.. فمهلا مهلا.. أنسيت قول الله تعالى: «ولا يحسبن الذين كفروا أنما نملي لهم خير لأنفسهم إنما نملي لهم ليزدادوا إثما ولهمم عذاب مهين(2).
»
أمن العدل يا إبن الطلقاء، تخديرك حرائرك وإماءك، وسوقك بنات رسول الله سبايا، قد هتكت ستورهن، وأبديت وجوهن، تحدو بهن الاعداء من

(1) الروم، 10.
(2) آل عمران، 173.
كربلاء الحضارة والتاريخ 62

بلد الى بلد، ويستشرفهن أهل المناهل والمعاقل، ويتصفح وجوههن القريب والبعيد، والدنيء والرفيع. ليس معهن من رجالهن ولي، ولا من حماتهن حمي، وكيف يرتجى مراقبة من لفظ فوه أكباد الأزكياء ونبت لحمه من دماء الشهداء وكيف يستبطأ في بغضنا أهل البيت من نظر الينا بالشنف والشنآن، والإحن والاضغان؟ .. ثم تقول غير متألم ولا مستعظم:
لأهلوا واستهلوا فرحا ثم قالوا يا يزيد لا تشل

منحنيا على ثنايا ابي عبد الله سيد شباب أهل الجنة، تنكثها بمخصرتك؟ .. وكيف لا تقول ذلك ؟.. وقد نكأت القرحة واستأصلت الشأفة بإراقتك دماء ذرية محمد صلى الله عليه وآله وسلم، ونجوم الارض من آل عبد المطلب، وتهتف بأشياخك، زعمت انك تناديهم، فلتردن وشيكا موردهم، ولتودن انك شللت وبكمت، ولم تكن قلت ما قلت، وفعلت ما فعلت .. اللهم خذ لنا بحقنا، وانتقم ممن ظلمنا، واحلل غضبك على من سفك دماءنا، وقتل حماتنا. فوالله ما فريت الا جلدك، ولا حززت الا لحمك، ولتردن على رسول الله صلي الله عليه وآله وسلم بما تحملت من سفك دماء ذريته، وانتهكت من حرمته في عترته ولحمته، حيث يحمع الله شملهم، ويلم شعثهم، ويأخذ بحقهم، «ولاتحسبن الذين قتلوا في سبيل الله أمواتا بل أحياء عند ربهم يرزقون.»(1)
وحسبك بالله حاكما وبرسول الله خصيما، وبجبرائيل ظهيرا، وسيعلم من سول لك ومكنك من رقاب المسلمين« بئس للظالمين بدلا»(2)، وأيكم «(شر مكانا وأضعف جندا.»(3) ولئن جرت علي الدواهي مخاطبتك، اني

(1) آل عمران، 169.
(2) الكهف، 50.
(3) مريم، 75.
كربلاء الحضارة والتاريخ 63

لاستصغر قدرك، واستعظم تقريعك وأسكثر توبيخك، ولكن العيون عبرى، والصدور حرى .. ألا فالعجب كل العجب لقتل حزب الله النجباء بأيدي حزب الشيطان الطلقاء.. فهذه الأيدي تنطف من دمائنا، والافواه تتحلب من لحومنا، وتلك الجثث الطواهر الزواكي تنابها العواسل، وتعفرها أمهات الفراعل. ولئن اتخذتنا مغنما، لتجدنا وشيكا مغرما، حين لا تجد إلا ما قدمت يداك،«وما ربك بظلام للعبيد»، والى الله المشتكى، وعليه المعول.(1)
فكد كيدك، واسع سعيك، وناصب جهدك، فوالله لا تمحو ذكرنا، ولا تمنيت وحينا، ولايرخص عنك عارها، وهل رأيك الا فند، وايامك الا عدد، وجمعك الا بدد، يوم ينادي المنادي: «ألا لعنة الله على الظالمين»(2).
فالحمد لله رب العالمين الذي ختم لأولنا بالسعادة والمغفرة، ولآخرنا بالشهادة والرحمة، ونسأل الله أن يكمل لهم الثواب، ويوجب لهم المزيد، ويحسن علينا الخلافة إنه رحيم ودود،« و حسبنا الله ونعم الوكيل»(3)»(4).
أما الموقف الشجاع للأمام علي بن الحسين (زين العابدين) (ع) جاء في خطبته الشهيرة بمجلس يزيد في الشام. فقد روي ان يزيد بن معاوية بن ابي سفيان أمر الخطيب أن يرقى المنبر في المسجد الاموي بدمشق ويثني عليه وعلى أبيه معاوية، وينال من الامام علي بن أبي طالب وولده الأمام الحسين (ع) ... فصعد الخطيب المنبر، فحمد الله وأثنى عليه وأكثر الوقيعة في الامامين علي والحسين (ع)، وأطنب في تقريظ معاوية ويزيد. فصاح به

(1) فصلت،46.
(2) هود،18.
(3) آل عمران، 173.
(4) العلامة الشيخ محمد مغنية: مع بطلة كربلاء زينب بنت الامام أميثر المؤمنين. دار الجواد، دار التيار، بيروت - لبنان، الطبعة الرابعة، 1984م، ص 612. العلامة الشيخ محمد جواد مغنية ك وبطلة كربلاء، الطبعة الأولى، ص256. أحمد خليل جمعة: نساء أهل البيت، مطبعة دار اليمامة،1998، ص 641
كربلاء الحضارة والتاريخ 64

الامام علي بن الحسين (زين العابدين) (ع): «ويلك أيها الخاطب اشتريت مرضاة المخلوق بسخط الخالق»... ثم إلتفت الامام (ع) إلى يزيد وقال له: «يا يزيد، إئذن لي أن أصعد هذه الأعواد (أي المنبر) فأتكلم بكلمات لله فيهن رضى ولهؤلاء الجلساء أجر وثواب».
فأبى يزيد عليه ذلك، فقال الناس: يا... له فليصعد المنبر، فعلنا نسمع منه شيئا، فقال يزيد: إن صعد لم ينزل إلا بفضيحتي وبفضيحة آل أبي سفيان، فقيل له: .. وما قدر ما يحسن هذا؟ فقال يزيد: إنه من أهل البيت قد زقو العلم زقا.
قال الراوي: فما يزالون به حتى أذن له، فصعد المنبر، فحمد الله وأثنى عليه، ثم خطب خطبة أبكى منها العيون، وأرجل منها القلوب...
ثم قال (ع): «أيها الناس، أعطينا ستا وفضلنا بسبع، أعطينا: العلم والحلم والسماحة والفصاحة والشجاعة والمحبة في قلوب المؤمنين. وفضلنا: بأن منا النبي المختار محمدا، ومنا الصديق(1)، ومنا الطيار(2)، ومنا أسد الله وأسد رسوله(3)، ومنا سبطا هذه الأمة(4)، من عرفني فقد عرفني، ومن لم يعرفني أنبأته بحسبي ونسبي... ايها الناس، أنا ابن مكة ومنى، أنا ابن زمزم والصفا، أنا أبن من حمل الركن بأطرافه الردا(5)، أنا ابن خير من ائتزر وارتدى، أنا ابن خير من انتعل واحتفى، أنا ابن خير من طاف وسعى، أنا ابن خير من حج ولبى، أنا ابن من حمل على البراق في الهواء، أنا ابن من أسري به من المسجد الحرام الى المسجد الاقصى، أنا ابن من بلغ به

(1) أي الامام علي بن أبي طالب (ع).
(2) أي جعفر بن أبي طالب (رض).
(3) أي حمزة بن عبد المطلب (رض) عم النبي (ص).
(4) أي الأمامين الحسن والحسين (ع).
(5) أي أنا ابن النبي(ص).
كربلاء الحضارة والتاريخ 65

جبرئيل الى سدرة المنتهى، أنا ابن من دنا فتدلى، فكان قاب قوسين أو أدنى، أنا ابن من صلى بملائكة السماء، أنا ابن من أوحى إليه الجليل ما أوحى، أنا ابن محمد المصطفى، أنا ابن علي المرتضى، أنا ابن من ضرب خراطيم الخلق حتى قالوا: لا اله إلا الله، أنا ابن من ضرب بين يدي رسول الله بسيفين وطعن برمحين، وهاجر الهجرتين، وبايع البيعتين، وقاتل ببدر وحنين، ولم يكفر بالله طرفة عين، أنا ابن صالح المؤمنين(1)، ووارث النبيين، وقامع الملحدين، ويعسوب المسلمين، ونور المجاهدين، وزين العابدين، وتاج البكائين، وأصبر الصابرين، وأفضل القائمين، من آل ياسين رب العالمين. أنا ابن المؤيد بجبرئيل، المنصور بميكائيل، أنا ابن المحاميعن حرم المسلمين، وقاتل المارقين والناكثين والقاسطين، والمجاهد أعداءه الناصبين، وأفخر من مشى من قريش أجمعين، وأول من أجاب واستجاب لله ورسوله من المؤمنين، وأول السابقين، وقاصم المعتدين، ,ومبيد المشركين وسهم من مرامي الله على المنافقين، ولسان حكمة العابدين، وناصر دين الله، وولي أمر الله، وبستان حكمة الله، وعيبة علمه، سمح سخي بهي، بهلول زكي أبطحي، رضي مقدام همام، صابر صوام، مهذب قوام، قاطع الأصلاب، ومفرق الأحزاب، أربطهم عنانا، وأثبتهم جنانا، وأمضاهم عزيمة، وأشدهم شكيمة، أسد باسل، يطحنهم في الحروب إذا ازدلفت الأسنة، وقربت الأعنة، طحن الرحى، ويذروهم فيها ذرو الريح الهشيم، ليث الحجاز، مكي مدني، خيفي عقبي، بدري أحدي، شجري مهاجري، من العرب سيدها، ومن الوغى ليثها، وارث المشعرين، وأبو السبطين، الحسن والحسين، ذاك جدي علي بن أبي طالب. ثم قال: أنا ابن فاطمة الزهراء، أنا ابن سيدة النساء، أنا ابن خديجة الكبرى، أنا ابن المقتول ظلما، أنا ابن محزور الرأس من القفا، أنا أبن العطشان حتى قضى، أنا ابن

(1) أي الامام علي بن أبي طالب (ع).
كربلاء الحضارة والتاريخ 66

طريح كربلاء، أنا ابن مسلوب العمامة والرداء، أنا ابن من بكت عليه ملائكة السماء، أنا ابن من ناحت عليه الجن في الأرض والطير في الهواء، أنا ابن من رأسه على السنان يهدى أنا ابن من حرمه من العراق الى الشام تسبى»(1) ..فلم يزل يقول: أنا أنا، حتى ضج الناس بالبكاء والنحيب، وخشي يزيد لعنه الله أن ينقلب الأمر عليه، فأمر المؤذن فقطع عليه الكلام. فلما قال المؤذن: الله أكبر، الله أكبر... قال الامام علي بن الحسين (ع): «لا شيئ أكبر من الله، كبرت كبيرا لا يقاس». فلما قال: أشهد أن لا إله إلا الله... قال الامام (ع): «شهد بها شعري وبشري ولحمي ودمي». فلما قال المؤذن: أشهد أن محمدا رسول الله... إلتفت الامام علي بن الحسين (ع) من فوق المنبر الى يزيد فقال (ع): محمدا هذا جدي أم جدك يايزيد ؟ فإن زعمت أنه جدك فقد كذبت وكفرت، فإن زعمت أنه جدي فلم قتلت عترته ؟
فنزل الامام زين العابدين (ع) من المنبر، هذا وقد تفرق من كان في المسجد، وإلتفوا حول العالم (ع)، ولما خشي يزيد الفتنة وانقلاب الأمر، عجل بإخراج الامام (ع) والعيال من الشام الى وطنهم ومقرهم.
لقد تجلت خطابات السيدة زينب الكبرى (ع) والامام زين العابدين (ع) آثارها في نفوس الناس ظلت أصداؤها تتداولها الأجيال على مر القرون، فقد جمعت بين بلاغة الكلام وشجاعة الموقف، وفصاحة الكلمة والبراعة الأدبية، حيث تبلورت فيها رسالة جدهم محمد رسول الله (ص)، وبلاغة وفصاحة أمير المؤمنين الامام علي بن أبي طالب (ع)... إذ نرى الخطابة في ذروتها حين تكون أمام عامة الناس في تقريع الحكام الظالمين، وفي ظروف خطيرة وحساسة.

أحمد خليل جمعة: نساء أهل البيت، مصدر سابق، ص6(1) مع بطلة كربلاء زينب بنت الإمام أمير المؤمنين، مصدر سابق، ص63. الحسين وبطلة كربلاء، مصدر سابق، ص 260. 44.
كربلاء الحضارة والتاريخ 67


وإن دور السيدة زينب (ع) الحقيقي قد بدأ بعد المأساة، إذ كان عليها أن تحمي السبايا من الهاشميات اللاتي ثكلن برجالهن، وأن تناضل مستميتة عن غلام مريض. هو الامام علي زين العابدين بن الامام الحسين (ع). كاد لولاها أن يذبح، فتفنى بذهابه يومئذ سلالة الامام. ثم كان عليها بعد ذلك أن لا تدع الدم المسفوك يذهب هدرا... وان موقف السيدة زينب (ع) بعد الفاجعة هو الذي جعل من «كربلاء» مأساة خالدة.(1)
وبعد استشهاد الحسين (ع) وأصحابه بيومين، خرج قوم من بني أسد - كانوا قد نزلوا بالغاضرية - إلى الحسين (ع) وأصحابه، فصلوا عليهم، ودفنوا الحسين (ع) حيث قبره الآن، ودفنوا ابنه علي الاكبر (ع) عند رجله، وحفروا للشهداء من أهل بيته وأصحابه الكرام ممن استشهدوا معه في المعركة مما يلي رجلي الحسين، فجمعوهم ودفنوهم جميعا معا.
ودفنوا العباس بن علي بن أبي طالب (ع) في موضعه الذي قتل فيه حيث يبعد عن مرقد الإمام الحسين 350 مترا على طريق الغاضرية(2).
وتتناول المصادر التاريخية مدفن رأس الحسين (ع) وأكثرها ترجيحا تلك التي تقول بأنه أعيد مع بقية الرؤوس مع الإمام علي بن الحسين (زين العابدين) (ع) إلى كربلاء ودفن مع جسده الشريف(3).
لقد كان الامام الحسين (ع) شجاعا مقداما، حكيما، عظيما، فصيحا بليغا، ورعا عالما، راجح العقل، وسيما، مهيب الطلعة، كريما سخيا، ذكيا،

(1) د. عائشة عبد الحمن (بنت الشاطئ): السيدة زينب، ص10، دار الكتاب العربي - بيروت، 1399هـ (1979م).
(2) الكامل في التاريخ. مصدر سابق، ج4 / ص: 80. مقاتل الطالبيين، مصدر سابق، ص: 146. المرجع الفقيه الشيخ المفيد: الإرشاد، ص: 243، الطبعة الثالثة، مؤسسة الأعلمي، بيروت - لبنان 1399هـ (1979م).
(3) السبط بن الجوزي: تذكرة الخواص، ص: 265، مكتبة نينوى الحديثة، طهران. السيد محسن الأمين: أعيان الشيعة، ج1 / ص: 578. بحار الأنوار للمجلسي، ج44 / ص: 199.
كربلاء الحضارة والتاريخ 68

فارسا بارعا، قائدا باسلا، إشراقة في التاريخ الإسلامي والحضارة الأنسانية، كل تلك الصفات تتواجد في قائدنا وسيدنا الامام الحسين بن علي بن أبي طالب (ع). وهكذا كانت النهاية المؤلمة للإمام الحسين (ع). الذي لقب بسيد الشهداء. وأهل بيته وصحبه الكرام الذين ضربوا أروع الامثلة في الثبات على المبدأ، وسمو النفس والفداء، وان واقعة الطف ملحمة إنسانية خالدة تركت بصمات بليغة وعميقة في تاريخ البشرية، ظلت أصداؤها تتجاوب على مر القرون.
وعلى أية حال لم تكتسب كربلاء هذه المكانة والمنزلة العظيمة التي لها الآن لولا استشهاد الأمام الحسين (ع) ونفر من أهل بيته وصحبه الابرار في العاشر من شهر محرم الحرام سنة 61هـ (680م) في هذه البقعة. وتدين المدينة الحالية بنشأنها الى واقعة الطف، وكان نواتها قبر الامام الحسين(ع).
وتذكر بعض المصادر التاريخية ان المختار بن أبي عبيدة الثقفي أيام امرته على الكوفة أقام بناء القبر تعلوه قبة من الطابوق (الآجر)، وهذه القبة تعد الأولى في الاسلام وذلك سنة 66هـ (686م). وشيد مسجدا بجانب القبر، ويعتبر هذا البناء أول بناء شيد في مدينة كربلاء الحالية، كما شيد قرية صغيرة تحيط بالقبر.
وبدأت المنطقة تتطور رويدا رويدا وذلك لكثرة الزائرين اليها واختيار بعض المسلمين، خصوصا العلماء والوراة والمحدثين الاقامة فيها. حتى أصبحت بمرور الزمن حاضرة اسلامية لها شأنها بين المدن الإسلامية وغدت محط أنظار الملايين من شعوب العالم الأسلامي.

كربلاء الحضارة والتاريخ 69

تاريخ كربلاء ما بعد واقعة الطف حتى الحكم الصفوي للعراق


اضطر الإمام الحسين (ع) تحت ضغط الجيش الأموي أن ينزل بأهله وأصحابه في أرض غير مأهولة بالسكان و كانت تحيط بها يومئذ قرى عديدة متناثرة هنا وهناك تعرف بكربلاء. كان بعضها موغلا في القدم لم يبق منها سوى الأطلال مثل عمورا، وماريا، وصفورا، وبعضها الآخر قرى قديمة أو محدثة مثل نينوى والغاضرية وشفيه(1). وهذه القرى معروفة بخصوبتها وكثرة ما فيها من العيون والنهيرات، ومن أهم هذه النهيرات نهران كان أحدهما يتفرع من الفرات قرب مدينة المسيب والذي سمي بعد ذلك بالعلقمي. أما النهر الآخر فكان يسمى بنهر نينوى وكان يتفرع من الفرات أيضا في المنطقة الواقعة بين سدة الهندية الحالية والمسيب(2).
وبعد استشهاد الإمام الحسين (ع) بيومين، وضع رهط من بين أسد معامل على قبره. وأخذ الزوار يأمون القبر رويدا رويدا وبأعداد تتكاثر باستمرار. وقد أدى ذلك إلى أن يكون القبر نواة لمدينة كربلاء(3).
ومن أوائل الزائرين، كما تروي المصادر التاريخية، عبيد الله بن الحر الجعفي والمختار بن أبي عبيدة الثقفي ومصعب بن الزبير وسليمان بن صرد الخزاعي وكثيرون أخرون في عام 61هـ (680م)، وذلك بعد الواقعة بقليل(4).

(1) د. عبد الجواد الكليدار: تاريخ كربلاء وحائر الحسين، ص: 23، 112، الطبعة الثانية، المطبعة الحيدرية، النجف - العراق، 1386هـ (1967م).
(2) أبو فرج الاصفهاني: مقاتل الطالبيين، ص: 146، الطبعة الثانية، مؤسسة الأعلمي للمطبوعات، بيروت- لبنان، 1408هـ (1987م).
(3) أي. جي. برل: دائرة المعارف الإسلامية، ج4/ ص: 637، 1978م. السيد محسن الأمين: أعيان الشيعة، ج1/ ص: 627.
(4) ابن جرير الطبري: تاريخ الطبري، تاريخ الرسل والملوك، ج5/ ص: 470، دارالمعارف، مصر، 1963م. تاريخ كربلاء وحائر الحسين، ص: 102.
كربلاء الحضارة والتاريخ 70


وفي سنة التالية (20 صفر سنة 62هـ (681م)) قام الصحابي الجليل الضرير جابر بن عبد الله الأنصاري بزيارة قبر الإمام الحسين(ع) قادما من المدينة المنورة مع جماعة من أهلها من المسلمين، واجتمع في السنة نفسها بالإمام علي بن الحسين (زين العابدين) (ع). وتروي الأخبار أنه عندما وصل إلى قبر الإمام (ع) قال لأصحابه «ألمسوني القبر» (1).
وفي العهد الأموي كان بجانب قبر [الإمام] الحسين مسجد شيده المختار إبن أبي عبيدة الثقفي أيام إمرته على الكوفة سنة 66هـ (686م) وكانت على مقربة منه شجرة السدرة التي كان المسلمون يتظللون بها عند زيارتهم القبر الشريف (2).
وتذكر المصادر التاريخية بأن كربلاء لم تمصر طوال العهد الأموي. وعلى الرغم مما كان في نفوس الهاشميين وشيعتهم من لهفة ورغبة في العيش جوار قبر [الإمام] الحسين (ع) فإنهم لم يتمكنوا من بناء الدور البدء بالعمران فيها خوفا من بطش وتنكيل بني أمية. فقد انتشرت في العهد الأموي المسالح (مخافر الشرطة) حول كربلاء لمنع الزوار من زيارة مشهد [الإمام] الحسين (ع).
وكان الزائرون من جانبهم بيتخذون من الغاضرية ونينوى ملجأ ومحطا لرحالهم لقربهما من كربلاء ويجعلونهما بالظاهر هدفا فيمكثون فيها حينا لإبعاد الشبهة عنهم والتمويه على المسالح الأموية ثم يلجأون منها سرا إلى المرقد الشريف(3).

(1) محمد حسن مصطفى آل كليدار: مدينة الحسين، ص: 19، الطبعة الأولى، مطبعة النجاح - بغداد، 1367هـ (1947م). سلمان هادي طعمة: تراث كربلاء، ص: 33.
(2) السيد حسن الصدر: نزهة أهل الحرمين في عمارة المشهدين، ص: 21، مطبعة اهل البيت، كربلاء، 1384هـ (1965م).
(3) تاريخ كربلاء وحائر الحسين، ص: 99، 192، 193.
كربلاء الحضارة والتاريخ 71


وفي أوائل حكم الخلفاء العباسيين أخذ الناس يتقاطرون على كربلاء ليتخذوا فيها سكنا. وأخذت هذه المنطقة بالتقدم والعمران وأصبحت مأهولة بالسكان. وتذكر المصادر التاريخية بأن الراوية الكبير عثمان بن عيسى الكوفي العامري كان أول من سكن كربلاء الحالية في عهد الإمام علي بن موسى الرضا (ع) أي بعد عام 183هـ (799م) مع ولديه. وكانت لهذا الراوية مؤلفات أهمها، كتاب المياه، وكتاب القضايا والأحكام، وكتاب الوصايا(1).
يذكر الطبري اثناء عرضه لحوادث عام 193هـ (809م) أن والدة الخليفة العباسي المهدي (أم موسى) وابنة يزيد بن منصور كانت تصرف مرتبات إلى رجال يخدمون مرقد [الإمام] الحسين (ع). وعند بداية حكم الخليفة العباسي هارون الرشيد استمر صرف تلك المرتبات من قبل هارون الرشيد(2). ثم أخذت هذه المدينة بالتراجع بعد ذلك. فقد غير هارون الرشيد من سياسته في أواخر أيام حياته فأمر بحرث الأرض التي تضم قبر [الإمام] الحسين (ع) وقطع شجرة السدرة وهدم المسجد الصغير(3).
وعندما تولى الخليفة العباسي المأمون بن هارون الرشيد الحكم بعد أخيه الأمين سنة 198هـ (813م) عاد الاهتمام بمدينة كربلاء بشكل عام، وأعيد بناء مرقد الإمام الحسين(ع)، وأخذ المأمون بإظهار الحب لأهل البيت (ع) وبدأ المسلمون يتوافدون على المدينة والسكنى بجوار المرقد تباعا(4).
وفي أواخر القرن الثاني الهجري قام رجل من بني علقمة. بطن من تميم ثم من دارم الذين جدهم علقمة بن زرارة بن عدس. بحفر نهر محاذ

(1) النجاشي: رجال النجاشي، ص: 212، طبعة ثانية، قم- إيران، 1398هـ (1978م).
(2) تاريخ الرسل والملوك، تاريخ الطبري، ج8/ ص: 355، 356.
(3) تاريخ كربلاء وحائر الحسين، ص: 198. أعيان الشيعة، ج1/ ص:927.
(4) عبد الرزاق الحسني: العراق قديما وحديثا، ص: 129، الطبعة الثانية، مطبعة العرفان، صيدا - لبنان، 1375هـ(1956م). محمد باقر مدرس: شهر حسين، ص: 203.

السابق السابق الفهرس التالي التالي