وسيتناول هذا الفصل المراحل التاريخية التي مرت بها كربلاء، حيث ؤ
قسم إلى خمس مراحل تبعا لأهميتها وهي:
* كربلاء قبل الإسلام.
* واقعة الطف ... وكربلاء
* تاريخ كربلاء ما بعد واقعة الطف حتى الحكم الصفوي للعراق.
* تاريخ كربلاء خلال الحكمين الصفوي والعثماني للعراق.
* تاريخ كربلاء منذ تأسيس الدولة العراقية سنة 1921.
|
|
وجاء في كتاب (مراصد الإطلاع على أسماء الأمكنة والبقاع) ما
نصه: «إن بسواد الكوفة تقع ناحية تسمى (نينوى) منها كربلاء التي قتل فيها
الإمام الحسين (ع)»(2).
وقد جاء في كتاب (بغية النبلاء في تاريخ كربلاء)، أنه يوجد على
بضعة أميال في القسم الشمال الغربي من مدينة كربلاء، أطلال وأكم قيل أنها
كربلاء الأصلية.
والجدير بالذكر أنه قبل سني الحرب العالمية الأولى كان بعض
الأفراد من المناطق المجاورة لهذه المنطقة يستخرجون من هذه الأطلال
طابوقا (آجر) مسطحا كبيرا يطلق عليه محليا بالطابوق الفرشي يحملونه إلى
كربلاء(3). واستمرت كربلاء على ازدهارها في عهد الكلدانيين، فقد ذكر
المستشرق الفرنسي لويس ماسنيون في كتابة (خطط الكوفة) إن كربلاء كانت
قديما معبدا للكلدانيين في مدينة تدعى (نينوى)(4).
وقد أسفرت التقنيات الأثرية عن اكتشاف آثار ومواقع كثيرة على
أراضي كربلاء أقدمها مجموعة من كهوف ومغارات اصطناعية تقع على
الكتف الأيمن لوادي الطار الذي كان يمثل نهر الفرات القديم قبل أن توجد
بحيرة الرزازة. ويبلغ عددها 400 كهف تقريبا.
|
(1) محمد علي هبة الدين الشهرستاني: نهضة الحسين، ص: 89 ـ دار الكتاب العربي ـ بيروت / لبنان عبد الرزاق الحسني:
موجز تاريخ البلدان العراقية، ص: 61 ـ الطبعة الثانية، مطبعة العرفان ـ صيدا / لبنان ـ 1351هـ (1933م). (2) صفي الدين بن عبد الحق: مراصد الإطلاع على أسماء الامكنة والبقاع، ص: 261 ـ 262، الناشر أنتر برس. (3) عبد الحسين الكليدار آل طعمة: بغية النبلاء في تاريخ كربلاء، ص: 8 ـ مطبعة الإرشاد، بغداد. طابوق فرشي كبير: وهو عبارة عن طابوق طيني مفخور (اجر) على شكل مربع وذي سماكة تتراوح بين (4 ـ 5 سم). (4) محمد باقر مدرس: شهر حسين، (باللغة الفارسية) ص: 10 ـ انتشارات كيلني، الطبعة الثانية، 1414هـ (1994م). |
|
وتبعد هذه الآثار عن مدينة كربلاء الحالية حوالي 30 كلم إلى
الجنوب الغربي في منتصف الطريق بين كربلاء وقصر الأخيضر بامتداد
الهضبة الغربية الصحراوية. وقد قام الإنسان بنحتها وحفرها في حدود سنة
1200 قبل الميلاد، وربما استخدمت لأغراض دفاعية أول الأمر، ثم أتخذت
قبورا فيما بعد(1).
وإلى جانب ما تقدم فإن كربلاء ظلت مزدهرة ومحتفظة بمكانتها في
العصور الغابرة، وخصوصا في عهود التنوخيين واللخميين والمناذرة يوم كانت
الحيرة عاصمة مملكتهم(2).
يتضح مما تقدم أن تاريخ كربلاء موغل في القدم، وأنها كانت من
أمهات مدن طسوج النهرين الواقعة على ضفاف نهر بالاكوباس ( الفرات
القديم) وعلى أرضها معبد للعبادة والصلاة. كما يستدل على قدمها من
الأسماء التي عرفت بها قديما كـ«عمورا»، «ماريا»، و «صفورا». وقد كثرت
حولها المقابر، كما عثر على جثث بشرية داخل أواني خزفية يعود تاريخها
إلى ما قبل العهد المسيحي. أما الأقوام التي سكنتها فكانت تعتمد على
الزراعة لخصوبة تربتها وغزارة مائها وكثرة العيون التي كانت منتشرة في
أرجائها(3).
ومن الأدلة أيضا على قدم كربلاء أو قدم «الأكوار» (جمع كورة في
تلك الجهات) هو وجود أطلال وهضبات لم تزل قائمة على بعد بضعة أميال
عن كربلاء الحالية(4)، الى الشمال الغربي منها.
|
(1) د. قحطان رشيد صالح: الكشاف الأثري، ص: 222، المؤسسة العامة للأثار والتراث في العراق، 1987م. (2) سلمان هادي طعمة: تراث كربلاء، ص: 24، الطبعة الثانية، مؤسسة الأعلمي للمطبوعات ـ بيروت/ لبنان ـ 1983م. (3) د. مصطفى جواد: موسوعة العتبات المقدسة لجعفر الخليلي، ج2 / ص: 16، من قسم كربلاء، الطبعة الأولى ـ دار التعارف ـ بغداد 1386هـ (1966م). (4) المصدر السابق. |
|
وعندما إستولى الساسانيون على العراق في عهد شاهبور ذي الأكتاف
(تاسع ملوك الساسانيين). الذي اعتلى العرش سنة 310م. قسموا العراق إلى
عشر استانات (ولايات)، سمي كل منها طسج (قضاء).
وقسمت هذه الوحدات الإدارية بدورها إلى وحدات أصغر سمي كل
منها رستاق (ناحية). وكانت الأراضي الواقعة بين مدينة عين التمر ـ التي
تقع في البادية على مسافة 67 كلم من كربلاء إلى الجنوب الغربي منها ـ
ونهر الفرات هي الولاية العاشرة. وقد قسمت إلى ست وحدات إدارية سميت
إحداها «طسج النهرين». وسبب تسمية هذه الوحدة «بالنهرين» كونها واقعة
بين خندق شاهبور ونهر العلقمي(1).
ويقال بأن كربلاء كانت قبيل الإسلام أيضا تحتوي على بيوت ومعابد
للمجوس وكان يطلق عليها بلغتهم (مه بار سور علم) أي المكان المقدس(2).
ويستدل مما تقدم بأن كربلاء كانت على مر العصور أرضا مقدسة لدى
ديانات مختلفة وعند أقوام متعددة، ولذلك كانت تنتشر فيها معابد كثيرة
للصلاة(3).
يقول الدكتور مصطفى جواد المؤرخ واللغوي العراقي المعروف: «إن
اسم كربلاء ليس عربيا وأن محاولات رده إلى الأصول العربية غير صحيحة
وتصطدم بعقبات تاريخية ولغوية، إذ أن موقعها خارج عن الجزيرة العربية وأن
في العراق كثيرا من البلدان ليست اسماؤها عربية كبغداد وبابل وبعقوبة»(4).
|
(1) محمد باقر مدرس: شهر حسين، ص:10 ـ11، انتشارات كليني، الطبعة الثانية، 1414هـ (1994م).
تسمية العلقمي تسمية عباسية متأخرة. ولعل كان باسم آخر جدد كريه العلقمي. (2) سلمان هادي طعمة: تراث كربلاء، ص: 23. (3) د. رؤوف محمد علي الأنصاري: مجلة النور، ص:2 ـ العدد 61، لندن 1416هـ(1996م). (4) د. مصطفى جواد، موسوعة العتبات المقدسة، ج 2 من قسم كربلاء، ص: 16. |
|
ويعتقد فريق من المؤرخين واللغويين، أنه يمكن ربط اسم كربلاء
بللفظة الآرامية كاربيلا (kar-bella) المتصلة بلفظة كربلاتو
(kar-ballato) الآشورية أو كاربيل (kar-bel) التي تعني سور
الإله بيل(1).
ويرى فريق من المؤرخين واللغويين، ومنهم الأب أنستاس ماري
الكرملي، أن لفظ كربلاء ذكر في كتب الباحثين ومنحوت من كلمتين
آشوريتين هما «كرب» بمعنى معبد أول حرم والكلمة الثانية «إل» بمعنى إله
في اللغة الآرامية ومجموع الكلمتين بمعنى «معبد الإله» أو «حرم الإله»(2).
وذهب بعض الباحثين إلى أن لفظ كرب تطور في اللغة
العبرية، لذلك نجد الكلمة (كراب karab). ومعناه يقترب. تعني في الوقت
نفسه (يقاتل ويحارب) ومن هنا كانت كلمة (كراب karab) بمعنى المعركة(3).
وقد ذكر آخرون بان لفظة (كربلاء) مشتقة من الكلمة العربية الكربلة أي
رخاوة في القدمين، يقال: جاء يمشي مكربلا، فيجوز على هذا أن تكون أرض
هذا الموضع رخوة فسميت بذلك، ويقال: كربلت الحنطة إذا هذبتها ونقيتها(4).
ويقول الشيخ آغا بزرك الطهراني إن كلمة كربلاء متكونة من كلمتين
هما «كار» أي الفعل و «بالا» بمعنى السامي والعلوي باللغة الفارسية. وبذلك
يكون معنى لفظة كربلاء «الفعل العلوي» أو «العمل السماوي» المفروض من
الأعلى وهذا يقارب المعنى الذي ذهب إليه الأب أنستاس ماري الكرملي كما
ذكرنا ذلك سابقا(5).
|
(1) مصطفى عباس الموسوي: العوامل التاريخية لنشاة وتطور المدن العربية الإسلامية، ص:168، بغداد 1982م، منشورات
وزارة الثقافة والإعلام. (2) عبد الرزاق الحسني: العراق قديما وحديثا، ص: 124، الطبعة الثانية، مطبعة العرفان، صيدا / لبنان ـ 1375هـ(1956). محمد باقر مدرس:شهر حسين، ص:10،مصدر سابق. (3) د. مصطفى جواد، موسوعة العتبات المقدسة، لجعفلر الخليلي، ج2 من قسم كربلاء، ص: 11. (4) ياقوت الحموي: معجم البلدان، ج7 / ص:229، الطبعة الأولى، مطبعة السعادة ـ مصر،1324هـ(1906م). (5) د. مصطفى جواد: موسوعة العتبات المقدسة، ج2 قسم كربلاء، ص: 18. |
|
إن اسم كربلاء كان معروفا للعرب قبل الفتح الإسلامي للعراق وقبل
أن يسكنها العرب المسلمون وذكرها بعض المسلمين الذين رافقوا خالد بن
الوليد عند فتح الجانب الغربي من العراق(1).
وورد في معجم البلدان لياقوت الحموي أيضا: إن كربلاء سميت
بالطف لأنها مشرفة على العراق وذلك من أشرف على الشيء أي أطل،
والطف: طف الفرات أي الشاطئ. وجاء أيضا أن الطف: أرض من ضاحية
الكوفة في طريق البرية فيها كان مقتل [الإمام] الحسين بن علي بن أبي
طالب (ع) وهي أرض بادية قريبة من الريف فيها عدة عيون ماء جارية، منها
(الصيد)، و (القطقطانية)، و(الرهيمة)، و(عين الجمل) وذواتها، وهي عيون
كانت للموكلين بالمسالح (الحصون والقصور) التي كانت وراء خندق سابور
الذي حفره بينه وبين العرب وغيرهم(2).
وتشير بعض المصادر التاريخية إلى إن كربلاء الحالية المعروفة
بهذا الاسم اليوم، كانت قبل الإسلام منطقة تحيط بها قرى قديمة عند قدوم
الإمام الحسين (ع) إليها عام 61هـ (680م) منها (نينوى)، و(عمورا)،
و(ماريا)، و(صفورا)، و(شفيه)(3)، وكانت على مقربة من هذه القرى منطقة
تدعى (النواويس) وهي مجموعة مقابر للمسيحيين الذين سكنوا هذه الأراضي
قبل الفتح الإسلامي للعراق. وتقع هذه المقابر اليوم في شمال غربي كربلاء
في أراضي الكمالية بالقرب من المنطقة التي يقع فيها مرقد الحر بن يزيد
الرياحي(4).
|
(1) أبو جعفر محمد بن جرير الطيري:تاريخ الرسل والملوك، ج3/ ص: 373، دار المعارف بمصر 1962م.
د.مصطفى جواد: موسوعة العتبات المقدسة، قسم كربلاء، ص:12.. (2) ياقوت الحموي: معجم البلدان، ج7 / ص: 229، الطبعة الأولى، مطبعة السعادة ـ مصر 1324هـ (1906م). (3) محمد حسن مصطفى آل كليدار: مدينة الحسين، ص:13 ـ 14، ط1، مطبعة النجاح ـ بغداد 1367هـ (1947م). (4) محمد حسن مصطفى آل كليدار: مدينة الحسين، مصدر سابق، ص: 13ـ 14. |
|
وتشير رواية مقتل الإمام الحسين (ع) إلى أن قوما من بني أسد قد
تولوا دفنه، مما يعني أن قبيلة بني أسد العربية كانت تسكن كربلاء قبل قدوم
الإمام الحسين (ع).
وقد اطلق على مدينة كربلاء الحالية بعد استشهاد الإمام الحسين (ع)
في العام نفسه (61هـ) أسماء عدة منها (مشهد الحسين)، و(مدينة الحسين)،
و(البقعة المباركة)، و(موضع الابتلاء)،و(محل الوفاء)، و(الحائر)،
و(الحير) إلى غير ذلك من الأسماء.إلا أن أشهر هذه الأسماء هو (الحائر)
لما أحيط بهذا الاسم من الحرمة والتقديس، والجدير بالذكر أن الحائر إختص
فيما بعد بالمرقد في الغالب (1).
وسبق للإمام علي بن أبي طالب (ع) خلال سفره إلى حرب صفين
أن شاهده أنصاره يقف متأملا ما في هذه الأرض من اطلال وآثار، فسئل عن
السبب فقال: إن لهذه الأرض شأنا عظيما فها هنا محط ركابهم وها هنا
مهراق دمائهم، فسئل في ذلك فقال: «ثقل لآل محمد ينزلون هنا»(2).
وإلى جانب تلك القرى الموغلة في القدم كانت توجد قرى أخرى عامرة
بالسكان والحياة. وكانت أكبر هذه القرى المحيطة بكربلاء هي بلدة (عين
التمر) والتي تضم ناحية شثاثا ومنها يجلب القسب (التمر اليابس) والتمر(3).
ومن القرى المحيطة بكربلاء أيضا قرية الغاضرية. وقد أنشئت بعد
انتقال قبيلة بني أسد إلى العراق في صدر الإسلام. وعلى هذا فإنها ليست
قديمة في التاريخ، وهي لا تزال معروفة باسم «الغاضريات» وهي الأراضي
|
(1)المصدر السابق، ص: 14. د. عبد الجواد الكليدار: تاريخ كربلاء وحائر الحسين، ص: 23، الطبعة الثانية - المطبعة
الحيدرية- النجف الأشرف، 1367هـ (1947م). (2) الدينوري: الأخبار الطوال، ص: 253، الطبعة الأولى، القاهرة 1960م. د. مصطفى جواد: موسوعة العتبات المقدسة لجعفر الخليلي، ج2 من قسم كربلاء، ص: 16. (3) ياقوت الحموي: معجم البلدان، ج4 / ص:176. |
|
وكانت توجد قرية بالقرب من كربلاء عامرة بالمساكن تسمى (العقر).
وقد روي أن الإمام الحسين (ع)، لما انتهى إلى هذه الأرض قال لبعض
أصحابه: ماتسمى هذه القرية ؟ وأشار إلى العقر، فقيل له: اسمها العقر،
فقال الحسين (ع): نعوذ بالله من العقر، ثم قال (ع): فما إسم هذه الأرض
التي نحن فيها؟ قالوا: كربلاء، فقال (ع): أرض كرب وبلاء !ّ وأراد الخروج
منها فمنع كما هو مذكور في مقتله(2).
وعلى أية حال لم تكتسب مدينة كربلاء الحالية هذه المكانة السامية
والمنزلة المقدسة التي لها الآن لولا إستشهاد الإمام الحسين (ع) وصحبه في
اليوم العاشر من شهر محرم الحرام سنة 61هـ (680م)، في هذه البقعة التي
تقع بين كربلاء القديمة في التاريخ والنواويس على وجه التحديد. وقد تنبأ بذلك
الإمام الحسين (ع) نفسه قبل أن يرد أرض كربلاء ويلقى مصرعه فيها، إذ
قال (ع): كأني بأوصالي تقطعها عسلان الفلوات بين النواويس وكربلاء(3).
ولكن كل ما يمكن القول عن تاريخ كربلاء القديم عند الفتح
الإسلامي: إنها بقعة زراعية واقعة على ضفاف نهر الفرات، والأقوام الذين
سكنوها كانوا يعولون على الزراعة لخصوبة تربتها، وغزارة مائها لكثرة العيون
التي كانت منتشرة في أرجائها.
|
(1) د. عبد الجواد الكليدار: تاريخ كربلاء وحائر الحسين، ص:112. (2) ياقوت حموي: معجم البلدان، ج7 / ص:229. الدينوري: الاخبار الطوال، ص:252. (3) السيد ابن طاووس: الملهوف في قتلى الطفوف، ص: 25، دارالمرتضى - بيروت / لبنان. نور الدين الشاهرودي: تاريخ الحركة العلمية في كربلاء، ص: 13، الطبعة الأولى، دار العلوم، بيروت - لبنان 1410هـ (1990م). |
|
شهد التاريخ الإسلامي في كربلاء واقعة مروعة تعد من أكبر الوقائع
والأحداث المؤلمة التي شهدها العالم الإسلامي، ألا وهي واقعة الطف
(عاشوراء) التي وقعت بين قوى الخير والنور والشرعية المتمثلة بالإمام
الحسين بن علي بن أبي طالب (ع) وأهل بيته وأصحابه المعدودين، وبين
قوى الشر والظلام والملك العضوض المتمثلة بيزيد بن معاوية بن أبي سفيان
وجيشه الكبير في شهر محرم الحرام سنة 61هـ (680م).
ولد الإمام الحسين (ع) الذي يكنى (أبا عبد الله) في الثالث من شهر
شعبان سنة 4هـ (626م)، وبعض المصادر التاريخية ومنها تاريخ الطبري،
تذكر بأنه ولد في الخامس من شهر شعبان من السنة نفسها. فقد جمع الأمام
الحسين (ع) شرف النسب من أطرافه، فأبوه أمير المؤمنين الإمام علي بن
أبي طالب (ع) وهو ابن عم النبي محمد (ص) ورابع الخلفاء الراشدين، وأمه
فاطمة الزهراء سيدة نساء العالمين (ع) بنت رسول الله محمد بن عبد الله (ص)
سيد الانبياء والمرسلين وأشرف الخلق أجمعين وأمها خديجة الكبرى.
أطل الحسين (ع) على الحياة، وكان لإطلالته أجمل الأثر وأعز
الأمل، فرح أبوه وامه بولادته فرحا عظيما، ولما سمع رسول الله (ص) بالخبر
البهيج... أقبل الى منزل إبنته فاطمة (ع)، فأختار (ص) له إسما لم يكن
الناس قد تعارفوا عليه.
كان الامام الحسين (ع) يشبه جده النبي محمدا (ص) شبها عظيما
وكان لهذا الشبه أعمق الأثر في نفوس المسلمين، وكانت ولادته (ع) بعد عام
|
عاش الامام الحسين مع أخيه الامام الحسن (عليهما السلام) في بيئة
خصبة بالايمان والتقوى بين أبوين خلدهما التاريخ الاسلامي، وأحيطا بالرعاية
الفائقة وبالحنان الكامل. حفظ القرآن الكريم وهو لا يزال صغيرا، وتردد على
مسجد جده رسول الله (ص) وأخذ من علمه الكثير. وطالما كان يجلس
بجوار والدته وتقص عليه حكايات الابطال وقصة الدعوة الاسلامية وسيرة
عظماء المسلمين وقتذاك التي كانت خير شاهد اثبات على كل تفاصيلها
حيث تابعتها بوعي عميق منذ الصغر.
وقد أنجبت السيدة فاطمة الزهراء (ع) إلى جانب الإمامين الحسن
والحسين (ع) من الذكور محسنا الذي توفي صغيرا، وزينب الكبرى (ع) وأم
كلثوم الكبرى (ع) من الإناث. ثم تزوج الإمام علي(ع) بعد وفاة السيدة
فاطمة (ع) من أم البنين (فاطمة بن حزام) التي يرجع نسبها إلى بني كلاب
فأنجبت منه العباس، وجعفرا، وعبد الله، وعثمان، وقد قتلوا جميعا مع الإمام
الحسين (ع) في واقعة الطف (1).
لقد عاش الإمام الحسين (ع) في كنف جده رسول الله (ص) ست
سنوات وستة أشهر، أي إلى وفاة النبي (ص) يوم 28 من شهر صفر سنة
11هـ (633م)(2).
|
(1) ابن جرير الطبري: تاريخ الطبري - تاريخ الرسل والملوك، ج5 / ص: 468 - 469، دار المعارف - القاهرة 1963م.
ابن عساكر: من تاريخ دمشق، ترجمة ريحانة رسول الله الإمام الحسين (ع)، ص: 23، الطبعة الاولى، مؤسسة المحمودي
للطباعة والنشر، بيروت - لبنان 1398هـ (1978م). (2) السيد محسن الأمين: أعيان الشيعة، ج1 / ص:578، دار التعارف للمطبوعات، بيروت - لبنان 1403هـ (1983م). العلامة المجلسي: بحارالأنوار، ج22 / ص: 514، مطبعة مؤسسة الوفاء، بيروت - لبنان 1403هـ (1983م). |
|
وينقل عن أنس بن مالك: «إن رسول الله (ص) سئل: أي أهل بيتك
أحب إليك ؟ قال: الحسن والحسين. وكان يقول لفاطمة (ع): ادعي إلي أبني
فيشمهما ويضمهما إليه»(1).
وفيما رواه الترمذي بسند حسن: «إن رسول الله (ص) قال: حسين
مني وأنا من حسين، أحب الله من أحب حسينا، حسين سبط من الأسباط»(2).
وروى الإمام أحمد والتمرذي بسندهما عن أبي سعيد الخدري (رض): «إن
رسول الله (ص) قال: الحسن والحسين سيدا شباب أهل الجنة»(3).
بعد استشهاد أمير المؤمنين الإمام علي بن أبي طالب (ع) يوم 21
من شهر رمضان سنة 40هـ (661م)، تسلم زمام أمور الخلافة الإسلامية
الإمام الحسن (ع)، وكان معاوية بن أبي سفيان والياً على الشام. فبدأ بوادر
الحرب تظهر بين جيش الإمام الحسن (ع) في الكوفة وجيش معاوية في
الشام.
ووقف الإمام الحسن (ع) من هذه الفتنة موقف الحازم اليقظ الذي
تمثلت فيه الحكمة، فتم الصلح بينه وبين معاوية. وكان أحد شروط هذا
الصلح أن يخلف معاوية في الحكم الإمام الحسن (ع). ولكن معاوية إغتال
الإمام بدس السم إليه، وقد توفي يوم 7 من شهر صفر سنة 50هـ
(670م) (4). فكانت هذه بداية الحرب على الإمام الحسين (ع) وأهل بيت
النبي (ص) من قبل معاوية وابنه يزيد.
|
(1) الترمذي: سنن الترمذي، ج5 / ص: 658، حديث رقم 3772، مطبعة دار إحياء التراث العربي، بيروت - لبنان. (2) المصدر السابق، حديث رقم 3775. (3) المصدر السابق، ج5 / ص: 661، حديث رقم 3781. (4) السيد محسن الأمين: أعيان الشيعة، ج1 / ص: 570 -571. أبو فرج الاصطفهاني: مقاتل الطالبيين، ص: 60 و 80، الطبعة الثانية، مؤسسة الأعلمي، بيروت - لبنان 1408هـ (1987م). |
| السابق |
الفهرس |
التالي |