كربلاء الحضارة والتاريخ 31


وعبر قرون عديدة تطور فن العمارة الإسلامية وشمل مناطق جغرافية إمتدت من الأندلس والمغرب غربا، إلى آسيا الوسطى وشبه القارة الهندية شرقا. وكانت هذه المناطق تضم عددا من المراكز الإقليمية التي تميز كل منها بطابع خاص كان مؤثرا على الدوام. وتضم هذه المناطق شعوبا إسلامية ذات أصول عرقية عديدة وهي: العرب والفرس والأتراك والبربر والهنود.
إن ما نشاهده اليوم من معالم الحضارة الإسلامية من جامع دمشق إلى جامع قرطبة، ومن مساجد أصفهان البراقة، وروائع العمارة الاسلامية في سمرقند وبخارى، إلى مسجد السليمانية في استانبول، ومن الأضرحة الشبيهة بالجواهر واللآلئ، كأضرحة أئمة أهل البيت عليهم السلام في النجف الاشرف وكربلاء المقدسة والكاظمية وسامراء في العراق، ومشهد وقم في ايران، وتاج محل في الهند، إلى قصر الحمراء في غرناطة ... هذه المباني بكل ما فيها من فنون جديدة بقبابها ومآذنها وعقودها وزخارفها وطابعها المعماري المميز، أضفت مظاهر جديدة على عناصر مأخوذة عن كل الثقافات والأشكال الفنية القديمة الراقية.
إن أبرز ما ظهر في فنون عمائر المدن الإسلامية هو تشكيل العناصر المعمارية الجديدة، وابتكار التعبيرات والمفردات الفنية. وجاء هذا نتيجة استفادة المسلمين العرب من فنون عمائر الشعوب التي دخلت الإسلام. فاقتبس العرب من الفنون الأخرى ما وجدوه مناسبا للحضارة الإسلامية ويتفق مع تقاليدها وعادتها، فاستلهم الفنانون المسلمون من فنون حضارات وادي الرافدين القديمة المباني ذات الجدران الخارجية الضخمة العالية المزينة بزخارف آجرية متنوعة، وكذلك بعض الأشكال المعمارية كالزقورات البابلية التي تركت آثارها على المآذن في العهد العباسي، كمئذنة جامع المتوكل (ملوية سامراء) في

كربلاء الحضارة والتاريخ 32

العراق، ومئذنة جامع بن طولون في القاهرة، ومئذنة جامع أبي دلف في سامراء أيضا.
ومن فنون العمائر الساسانية اقتبست الأواوين الواسعة التي تعلوها القباب وتحيط بالصحن (الفناء المكشوف)، والعقود نصف الدائرية العالية التي تعلو القاعات الضخمة كما هو في المسجد الجامع في أصفهان. وهذا النوع من البناء يختلف كليا عن المباني ذات الأروقة والمجازات كما هو متبع في العراق وبلاد الشام وسواهما من البلدان الواقعة في غرب البلاد الإسلامية.
وقد تأثرت معظم المباني التي شيدت في بداية العصر العباسي بعناصر ومفردات فنون العمائر الساسانية المشيدة في إيران والعراق إبان فترة الحكم الساساني، كالإيوان الكبير، والبهو الكبير المغطى بعقود نصف دائرية، وبالخصوص في قصر الخليفة العباسي المعتصم في سامراء الذي بني سنة 221هـ (836م) وكذلك قصر الأخيضر بالقرب من كربلاء أنشئ في الصدر الأول للأسلام. بالإضافة إلى الاستفادة من الأسلوب المعماري الذي كان سائدا في عمائر بلاد وادي الرافدين.
كما أن هناك عنصرا معماريا اساسيا آخر يعتبر أحد عناصر فنون العمارة الإسلامية المميزة أخذ عن العمارة الساسانية وانتشر في دول إسلامية عديدة، وحلت به مشكلة الانتقال من المبنى ذي القاعدة المربعة إلى القبة نصف الدائرية التي تعلوه. حيث استخدمت الحنيات الركنية وهي مثلثات مقعرة من الحجر أو الطابوق المفخور (الآجر) مع الجص. ويختلف هذا عن مثلث القبة الذي ينتقل من المربع إلى الدائرة بالأقواس أو بمثمن الأضلاع، وهو الذي نشاهده في الآثار البيزنطية والرومانية.

كربلاء الحضارة والتاريخ 33


أما ما أخذه فن العمارة الإسلامية من الطراز المعماري التركي والمتأثر بالطراز البيزنطي، فهو المباني ذات التصاميم الدائرية الشكل والتي تحتوي على جزء مركزي كبير تعلوه قبة هائلة الحجم تجتمع حولها قبب متتباعة أصغر حجما منها وبأحجام مختلفة، واستطاع العديد من المعماريين الأتراك أن يطوروا هذا النمط من البناء، خصوصا المهندس الكبير سنان باشا، الذي جعل من المبنى البيزنطي (آيا صوفيا) نموذجا معماريا بعد أن أدخل عليه ابداعاته الهندسية وأصبح منطلقا ونموذجا لإنشاء العديد من المباني والمساجد في تركيا وخارجها.
أما فنون الزخرفة الهندسية والنباتية في العمارة الإسلامية فقد تطورت تطورا كبيرا بفضل تداخل مفردات وعناصر زخرفية لعمائر مختلفة، بحيث شمل هذا التطور جميع الأشكال المعروفة، مبسطة أو مركبة، متداخلة أو متشابكة، وأصبحت تتمثل فيها كل صور الجمال الفني المعماري. وقد تأثر العديد من المباني الإسلامية بهذا الفن الرفيع الذي كان سائدا قبل الإسلام في وادي الرافدين وبلاد فارس ومناطق أخرى.
وقد صنعت من الآجر أشكال لوحدات زخرفية أو أقسام تؤلف، في حالة رصفها هندسيا، اشكالا وزخارف هندسية ونباتية رائعة. وكذلك بعض الكتابات وأنواع الخطوط وخصوصا الخط الكوفي الجميل الذي استعمل بكثرة على شكل زخارف لكتابة الآيات القرآنية الكريمة. ومن أمثلة المباني الإسلامية التي اشتهرت بفنون زخارفها الآجرية الجميلة، المدرسة المستنصرية التي شيدت عام 631هـ (1234م)، وتعد من أشهر المباني القائمة اليوم في بغداد منذ العصر العباسي.

كربلاء الحضارة والتاريخ 34


أما الزخارف الجبصية في تزيين الجدران فقد وجدت في آثار المباني العباسية في سامراء، وخاصة الهندسية منها والنباتية. وجاء قسم منها على شكل عناقيد من العنب وأوراقها. وقد اقتبست هذه الزخارف من الفنون الساسانية والبارثية. وقد ظهرت أيضا في مسجد ابن طولون في القاهرة الذي شيد عام 265هـ (879م).
أما عهد السلاجقة 447 ـ 553هـ (1055 ـ 1157م) فقد تميز أيضا باستخدام الجبص في زخرفة مساحات كبيرة من جدران المساجد. وهذه الزخارف تتكون من نقوش كتابية وتوريقات نباتية. وقد وجدت نماذج جميلة لحروف كوفية تنتهي بتوريقات كما هو مسجد حيدرية بمدينة قزوين في إيران.
أما الزخارف الحجرية، فهناك أمثلة عديدة تبين أن الفن الإسلامي تأثر بالفنون البيزينطية والهيلينية والساسانية في اقتباسها. وكمثال على ذلك واجهة قصر المشتى التي تزخر بمثل هذه النقوش الجميلة، فمعظم هذه الزخارف كانت مستخدمة في الفن المسيحي قبل الاسلام في سوريا.
وقد تأثر الفاطميون عند حكمهم لمصر بفنون العمائر القبطية والفارسية كما هو واضح في الزخارف التي استخدموها في تزيين عمائرهم ومنها الزخارف النباتية والحيوانية والخرافية، والتي كانت تستخدم في بلاد فارس قبل الاسلام.
ومن اهم فنون العمارة البيزنطية التي تاثر بها المعماريون في العهد الاموي في زخارف الفسيفساء الحجرية في تزيين أرضيات المباني، والفسيفساء الزجاجية الملونة والمذهبة في زخرفة الجدران. ولقد ازدهر هذا الفن في ذلك العهد بشكل كبير ، وما زالت آثاره شاخصة الى يومنا هذا وخاصة في الجامع

كربلاء الحضارة والتاريخ 35

الأموي الكبير بدمشق، والذي جدد بناؤه في عهد الوليد بن عبد الملك بين عامي (88-96هـ) (707-714م). وقد زينت بعض نوافذه بأجمل الزخارف التي تعكس تأثرها بالفن الإغريقي والروماني.
أما قبة الصخرة في القدس الشريف التي شيدت في عهد عبد الملك بن مروان عام 72هـ (692م)، فنجد ان زخارفها شبيهة بالفسيفساء الموجودة في الجامع الاموي بدمشق وهي مقتبسة من الفنون الإغريقية والبيزنطية مع عناصر من الفن الهيليني والساساني، وخاصة الفسيفساء التي زينت بها القبة.
ومن العناصر والمفردات التي تميزت بها العمارة الاسلامية ايضا هي الزخرفة الكتابية. فقد تفنن بها الفنان المسلم، واتخذها أداة لإضفاء سمات جمالية، حيث اصبحت هذه الزخرفة تتضمن الخطوط بكافة أنواعها، سواء على سطوح الجدران او القباب او في الاقواس والمآذن والشرفات. ولم تلبث أن تطورت وتنوعت، ثم تداخلت معها الازهار والفروع النباتية. وقد أثارت الكتابة العربية، كعنصر زخرفي، إعجاب الفنانين في اسبانيا وفرنسا، الذين اتخذوا من حروفها أداة لتزيين كنائسهم ومبانيهم. وقد تجلت هذه الفنون في واجهة كاتدرائية نوتردام.
إن استعمال الخط قد اكتشف منذ القدم. وظهر لاول مرة في التاريخ أيام السومريين في بلاد وادي الرافدين وقد تبين بأن الحروف قيما جمالية ولها إمكانية في تشكيل لوحات فنية بديعة. لذلك استخدم الخط بكافة أنواعه، كوسيلة للتعبير والتزيين وخاصة في العصر العباسي في عمائر سامراء وبغداد والمدن الاسلامية الاخرى في مجال زخرفة البناء. وكان احد اهم مفردات العمارة الاسلامية على مر العصور. فقد استعمل بطرق واشكال هندسية مختلفة أضفت على المباني طابعا معماريا مميزا. كما ساهمت

كربلاء الحضارة والتاريخ 36

الخطوط بأنواعها ـ وخصوصا الخط الكوفي ـ في تعميق الهوية الإسلامية المشتركة وتوظيف التراث بطريقة فنية معاصرة.
وتعتبر المقرنصات من أبرز سمات الزخرفة المعمارية الإسلامية، وأكثرها روعة. وهي عبارة عن زخرفة تتألف من حنيات بارزة مصفوفة تغطي مناطق الانتقال بين المسطحات الأفقية والرأسية. وتتكون من بناء حقيقي أو تنفذ بإضافات من الجبص أو مواد أخرى. وقد تزود بدلايات تتعلق بقممها بحيث تصبح أشبه بالرواسب الكلسية المتدلية من أسقف بعض المغارات والكهوف. وتستخدم المقرنصات على وجه الخصوص في مناطق الانتقال في القباب والبوابات وأسفل شرفات المآذن وغيرها. ومن أجمل المقرنصات الظاهرة للعيان هي مقرنصات القصر العباسي (المدرسة الشرابية) في بغداد، وكذلك مقرنصات الأضرحة في العراق وإيران.
وقد استخدمت المقرنصات الحجرية في زخرفة أسطح الجدران وخاصة في العهدين الفاطمي والمملوكي في مصر. ويوجد هذا النوع من الزخارف غالبا في رقبة القبة من الداخل، وفي الجزء العلوي من المدخل. ومن الأمثلة على ذلك مدخل مدرسة «السلطان حسن» في القاهرة.
وهناك أسلوب مميز هو زخرفة القباب من الخارج بالمقرنصات التي استخدمت لمجرد الزخرفة والتزيين. وتظهر منها أمثلة في قبة المدرسة النورية بدمشق، وقبة الست زبيدة في الكرخ وقبة الشيخ عمر السهروردي في جانب الرصافة ببغداد.
أما البلاطات الإسلامية (القاشاني) واستعمالاتها في تزيين المباني الإسلامية فتعتبر من الفنون التي ابتكرها المسلمون وطوروها على مدى قرون عديدة. ومن أقدم البلاطات الإسلامية تلك التي عثر عليها في مدينة سامراء

كربلاء الحضارة والتاريخ 37

في العراق والتي تعود إلى القرن التاسع الميلادي وتضم آثارا فنية نادرة وجدت في الجوامع وبعض القصور كقصر الجوسق الخاقاني.
وتعتبر مدينة كربلاء المقدسة من المدن الإسلامية الرائدة في صناعة واستخدام البلاط القاشاني، لذلك سمي محليا في العراق ب«الكاشي الكربلائي»، والذي استخدم في تزيين الأضرحة والمساجد والمباني الدينية والتراثية.
ومن العراق انتقلت تقنية الزخرفة بمواد البريق المعدني إلى أنحاء العالم الإسلامي ومنها إيران، التي أنتجت خلال المرحلة الممتدة من نهاية القرن الثاني عشر إلى النصف الأول من القرن الرابع عشر، بلاطات خزفية مزخرفة بالبريق المعدني تتميز بمستواها الفني الرفيع. وهي اليوم تشاهد في العديد من المباني الدينية والتاريخية وكذلك تحف بديعة موزعة على عدد كبير من المتاحف العالمية. وكانت مدينة كاشان المركز الأساسي لإنتاج هذه البلاطات، لذلك سمي ب«البلاط القاشاني». وكانت هذه البلاطات تستخدم لتغطية الجدران وخاصة جدران القباب والمآذن والمداخل والمحاريب.
وقد استخدمت البلاطات في العهد الصفوي بكثرة في تغطية الجدران الخارجية. ومثال على ذلك مسجد الشيخ لطف الله ومسجد الإمام في أصفهان. وتتكون هذه الزخارف من تفريعات نباتية متصلة ورسوم الأزهار ذات الألوان الجميلة. وقد استخدمت البلاطات ذات البريق المعدني في مصر أولا في العهدين الطولوني والفاطمي.
وتعتبر الزخارف الخشبية وخاصة الشناشيل (المشربيات) إحدى سمات فنون العمارة الإسلامية. وقد انتشرت الشناشيل ـ وهي الشرفات الخشبية المزخرفة البارزة عن البناء ـ في العديد من المدن الإسلامية. وتتميز

كربلاء الحضارة والتاريخ 38

بجمال نقوشها الخشبية، وهي شاهد على جمالية العمارة الإسلامية وتقدمها خلال فترات من تاريخها الحضاري الاسلامي العريق.
أما الزخارف الأخرى في الأعمال الخشبية فقد أظهر النجارون الذين صنعوها تفوقا في الدقة والمهارة في أعمال التكسية الخشبية والنوافذ، خصوصا في بعض الألواح والمشبكات التي ظهرت بخصائص متميزة في الواجهات الداخلية للأبنية.
ومن أهم الإنجازات الحضارية التي حققتها العمارة الإسلامية هي تأكيد توظيف مواد البناء المحلية في البلدان الإسلامية كالطابوق المفخور (الآجر) والمواد التزينية كالبلاط القاشاني والفسيفساء والأخشاب وغيرها، واستخدامها بطريقة فنية رائعة في تشييد المباني وزخرفتها حتى تلائم الظروف البيئية والمناخية وتنسجم مع الحياة الحضارية والاجتماعية لكل بلد. وهكذا نجد من هذا العرض مدى تأثير فنون عمائر مختلف الحضارات على تطور وازدهار فنون العمارة في البلدان الإسلامية.
ولابد من التأكيد في النهاية على ضرورة إصدار مجلة فصلية تعنى بالتراث والفنون والحرف الإسلامية، وباللغتين العربية والإنكليزية في بادئ الأمر، ومن ثم في فترات لاحقة تصدر بلغات أخرى، لتتضمن أيضا العديد من البحوث والدراسات حول التراث والفنون والحرف الإسلامية، لتشكل خطوة هامة في طريق حوار الحضارات.
إن ابسط وسيلة لإيصال ما يكتنزه العالم الإسلامي من فنون وتراث حضاري عريق إلى شعوب العالم كافة هي إيجاد أداة أكاديمية تتمثل بالكتابة والصور، وهذا ما يمكن إنجازه من خلال مجلة الفنون والحرف الإسلامية.

كربلاء الحضارة والتاريخ 39


جمالية فنون العمارة الإسلامية
جمالية فنون العمارة الإسلامية



كربلاء الحضارة والتاريخ 40


جمالية فنون العمارة الإسلامية
جمالية فنون العمارة الإسلامية



كربلاء الحضارة والتاريخ 41

الفصل الأول


كربلاء ... المراحل التاريخية

توطئة:
يستهدف هذا الفصل دراسة الجوانب التاريخية لكربلاء وتأثيراتها على الأصعدة المختلفة ومنها الجانب العمراني. وفي العصور التي سبقت الإسلام كانت للمنطقة المحيطة بكربلاء الحالية أهميتها التاريخية والدينية والجغرافية، ومركزا للعبادة وأرضا مقدسة لدى ديانات مختلفة وأقوام متعددة.
أما مدينة كربلاء الحالية، كحاضرة إسلامية مقدسة فقد ولدت مع استشهاد الإمام الحسين بن علي بن أبي طالب (ع) في واقعة الطف عام 61هـ (680م). وقد شهدت في مراحلها التاريخية المختلفة تطورات أثرت على ازدهارها ونموها العمراني. ويعزى ذلك إلى الاهتمام والعناية التي حظيت بها المدينة ومراقدها المقدسة خلال العهود الإسلامية من قبل الكثير من الحكام والولاة الذين تعاقبوا على حكم العراق وكانوا يمثلون دولا ذات حضارات مختلفة، وخاصة خلال العهود العباسية والبويهية والجلائرية والصفوية والعثمانية.
وقد لعبت مدينة كربلاء المقدسة في أحقاب زمنية مختلفة دورا متميزا في التاريخ الإسلامي، فكانت مركزا للتمدن والازدهار الثقافي والديني والعمراني. أما حاليا، فتعتبر إحدى أهم مدن العالم الإسلامي. وقد حظيت هذه المدينة باهتمام عدد من الرحالة والمؤرخين والمستشرقين الذين تناول كل واحد منهم جانبا من تاريخها ومعالمها الإسلامية المميزة

كربلاء الحضارة والتاريخ 42


وسيتناول هذا الفصل المراحل التاريخية التي مرت بها كربلاء، حيث ؤ قسم إلى خمس مراحل تبعا لأهميتها وهي:
* كربلاء قبل الإسلام.
* واقعة الطف ... وكربلاء
* تاريخ كربلاء ما بعد واقعة الطف حتى الحكم الصفوي للعراق.
* تاريخ كربلاء خلال الحكمين الصفوي والعثماني للعراق.
* تاريخ كربلاء منذ تأسيس الدولة العراقية سنة 1921.

كربلاء الحضارة والتاريخ 43

كربلاء قبل الإسلام


أعطى الموقع الجغرافي والبيئي المتميز لكربلاء أهمية خاصة منذ أقدم العصور. وهي تنتمي إلى حضارة الأقوام السامية في العراق ـ التي تنحدر من سام بن سيدنا نوح (ع) ـ، لاسيما البابليين منهم، وذلك لقربها من بابل. وكانت جسرا للهجرات السامية والعربية بين بلاد الشام والجزيرة العربية وبين سواد العراق. وهي أول مركز استيطان سامي عربي في منطقة الفرات الأوسط، وملتقى الطرق البرية الرئيسية عبر منطقة عين التمر باتجاه كافة البلدان.
إن موقعها في الجنوب الغربي لمدينة بغداد وقربها من مجرى نهر الفرات، ووجودها داخل منطقة مناخية معتدلة، لا في أقصى جنوب العراق ولا في أقصى شماله، إضافة لأراضيها الخصبة الصالحة للزراعة، وقد جعلها موقع جذب لبعض القبائل والجماعات والقوافل التي كانت تتجول في القسم الشرقي من شبه الجزيرة العربية، مما جعل منها أيضا مركزا لتجمع سكاني قبل ظهور الإسلام بفترة طويلة.
وقد وجدت لفظة كربلاء في المنحوتات الأثرية البابلية التي عثر عليها الباحثون الأثريون. فقيل إنها منحوتة من كلمة «كور بابل» وهي تعني مجموعة قرى بابلية قديمة أشهرها وأكبرها «نينوى» التي تقع إلى الشمال الشرقي من مدينة كربلاء الحالية ـ وهي غير نينوى عاصمة الآشوريين التي تقع في شمال العراق قرب مدينة الموصل ـ وكانت قرية عامرة في العصور القديمة، سكنها الساميون. وهي الآن سلسلة تلال أثرية ممتدة من جنوب سدة الهندية على نهر الفرات التي تبعد عن كربلاء الحالية بنحو 30كلم حتى

كربلاء الحضارة والتاريخ 44

مصب نهر العلقمي في الأهوار القريبة من مدينة كربلاء وتعرف «بتلال نينوى». (1)
وجاء في كتاب (مراصد الإطلاع على أسماء الأمكنة والبقاع) ما نصه: «إن بسواد الكوفة تقع ناحية تسمى (نينوى) منها كربلاء التي قتل فيها الإمام الحسين (ع)»(2).
وقد جاء في كتاب (بغية النبلاء في تاريخ كربلاء)، أنه يوجد على بضعة أميال في القسم الشمال الغربي من مدينة كربلاء، أطلال وأكم قيل أنها كربلاء الأصلية.
والجدير بالذكر أنه قبل سني الحرب العالمية الأولى كان بعض الأفراد من المناطق المجاورة لهذه المنطقة يستخرجون من هذه الأطلال طابوقا (آجر) مسطحا كبيرا يطلق عليه محليا بالطابوق الفرشي يحملونه إلى كربلاء(3). واستمرت كربلاء على ازدهارها في عهد الكلدانيين، فقد ذكر المستشرق الفرنسي لويس ماسنيون في كتابة (خطط الكوفة) إن كربلاء كانت قديما معبدا للكلدانيين في مدينة تدعى (نينوى)(4).
وقد أسفرت التقنيات الأثرية عن اكتشاف آثار ومواقع كثيرة على أراضي كربلاء أقدمها مجموعة من كهوف ومغارات اصطناعية تقع على الكتف الأيمن لوادي الطار الذي كان يمثل نهر الفرات القديم قبل أن توجد بحيرة الرزازة. ويبلغ عددها 400 كهف تقريبا.

(1) محمد علي هبة الدين الشهرستاني: نهضة الحسين، ص: 89 ـ دار الكتاب العربي ـ بيروت / لبنان عبد الرزاق الحسني: موجز تاريخ البلدان العراقية، ص: 61 ـ الطبعة الثانية، مطبعة العرفان ـ صيدا / لبنان ـ 1351هـ (1933م).
(2) صفي الدين بن عبد الحق: مراصد الإطلاع على أسماء الامكنة والبقاع، ص: 261 ـ 262، الناشر أنتر برس.
(3) عبد الحسين الكليدار آل طعمة: بغية النبلاء في تاريخ كربلاء، ص: 8 ـ مطبعة الإرشاد، بغداد. طابوق فرشي كبير: وهو عبارة عن طابوق طيني مفخور (اجر) على شكل مربع وذي سماكة تتراوح بين (4 ـ 5 سم).
(4) محمد باقر مدرس: شهر حسين، (باللغة الفارسية) ص: 10 ـ انتشارات كيلني، الطبعة الثانية، 1414هـ (1994م).
كربلاء الحضارة والتاريخ 45


وتبعد هذه الآثار عن مدينة كربلاء الحالية حوالي 30 كلم إلى الجنوب الغربي في منتصف الطريق بين كربلاء وقصر الأخيضر بامتداد الهضبة الغربية الصحراوية. وقد قام الإنسان بنحتها وحفرها في حدود سنة 1200 قبل الميلاد، وربما استخدمت لأغراض دفاعية أول الأمر، ثم أتخذت قبورا فيما بعد(1).
وإلى جانب ما تقدم فإن كربلاء ظلت مزدهرة ومحتفظة بمكانتها في العصور الغابرة، وخصوصا في عهود التنوخيين واللخميين والمناذرة يوم كانت الحيرة عاصمة مملكتهم(2). يتضح مما تقدم أن تاريخ كربلاء موغل في القدم، وأنها كانت من أمهات مدن طسوج النهرين الواقعة على ضفاف نهر بالاكوباس ( الفرات القديم) وعلى أرضها معبد للعبادة والصلاة. كما يستدل على قدمها من الأسماء التي عرفت بها قديما كـ«عمورا»، «ماريا»، و «صفورا». وقد كثرت حولها المقابر، كما عثر على جثث بشرية داخل أواني خزفية يعود تاريخها إلى ما قبل العهد المسيحي. أما الأقوام التي سكنتها فكانت تعتمد على الزراعة لخصوبة تربتها وغزارة مائها وكثرة العيون التي كانت منتشرة في أرجائها(3).
ومن الأدلة أيضا على قدم كربلاء أو قدم «الأكوار» (جمع كورة في تلك الجهات) هو وجود أطلال وهضبات لم تزل قائمة على بعد بضعة أميال عن كربلاء الحالية(4)، الى الشمال الغربي منها.

(1) د. قحطان رشيد صالح: الكشاف الأثري، ص: 222، المؤسسة العامة للأثار والتراث في العراق، 1987م.
(2) سلمان هادي طعمة: تراث كربلاء، ص: 24، الطبعة الثانية، مؤسسة الأعلمي للمطبوعات ـ بيروت/ لبنان ـ 1983م.
(3) د. مصطفى جواد: موسوعة العتبات المقدسة لجعفر الخليلي، ج2 / ص: 16، من قسم كربلاء، الطبعة الأولى ـ دار التعارف ـ بغداد 1386هـ (1966م).
(4) المصدر السابق.
كربلاء الحضارة والتاريخ 46


وعندما إستولى الساسانيون على العراق في عهد شاهبور ذي الأكتاف (تاسع ملوك الساسانيين). الذي اعتلى العرش سنة 310م. قسموا العراق إلى عشر استانات (ولايات)، سمي كل منها طسج (قضاء).
وقسمت هذه الوحدات الإدارية بدورها إلى وحدات أصغر سمي كل منها رستاق (ناحية). وكانت الأراضي الواقعة بين مدينة عين التمر ـ التي تقع في البادية على مسافة 67 كلم من كربلاء إلى الجنوب الغربي منها ـ ونهر الفرات هي الولاية العاشرة. وقد قسمت إلى ست وحدات إدارية سميت إحداها «طسج النهرين». وسبب تسمية هذه الوحدة «بالنهرين» كونها واقعة بين خندق شاهبور ونهر العلقمي(1).
ويقال بأن كربلاء كانت قبيل الإسلام أيضا تحتوي على بيوت ومعابد للمجوس وكان يطلق عليها بلغتهم (مه بار سور علم) أي المكان المقدس(2). ويستدل مما تقدم بأن كربلاء كانت على مر العصور أرضا مقدسة لدى ديانات مختلفة وعند أقوام متعددة، ولذلك كانت تنتشر فيها معابد كثيرة للصلاة(3).
يقول الدكتور مصطفى جواد المؤرخ واللغوي العراقي المعروف: «إن اسم كربلاء ليس عربيا وأن محاولات رده إلى الأصول العربية غير صحيحة وتصطدم بعقبات تاريخية ولغوية، إذ أن موقعها خارج عن الجزيرة العربية وأن في العراق كثيرا من البلدان ليست اسماؤها عربية كبغداد وبابل وبعقوبة»(4).

(1) محمد باقر مدرس: شهر حسين، ص:10 ـ11، انتشارات كليني، الطبعة الثانية، 1414هـ (1994م). تسمية العلقمي تسمية عباسية متأخرة. ولعل كان باسم آخر جدد كريه العلقمي.
(2) سلمان هادي طعمة: تراث كربلاء، ص: 23.
(3) د. رؤوف محمد علي الأنصاري: مجلة النور، ص:2 ـ العدد 61، لندن 1416هـ(1996م).
(4) د. مصطفى جواد، موسوعة العتبات المقدسة، ج 2 من قسم كربلاء، ص: 16.
كربلاء الحضارة والتاريخ 47


ويعتقد فريق من المؤرخين واللغويين، أنه يمكن ربط اسم كربلاء بللفظة الآرامية كاربيلا (kar-bella) المتصلة بلفظة كربلاتو (kar-ballato) الآشورية أو كاربيل (kar-bel) التي تعني سور الإله بيل(1).
ويرى فريق من المؤرخين واللغويين، ومنهم الأب أنستاس ماري الكرملي، أن لفظ كربلاء ذكر في كتب الباحثين ومنحوت من كلمتين آشوريتين هما «كرب» بمعنى معبد أول حرم والكلمة الثانية «إل» بمعنى إله في اللغة الآرامية ومجموع الكلمتين بمعنى «معبد الإله» أو «حرم الإله»(2).
وذهب بعض الباحثين إلى أن لفظ كرب تطور في اللغة العبرية، لذلك نجد الكلمة (كراب karab). ومعناه يقترب. تعني في الوقت نفسه (يقاتل ويحارب) ومن هنا كانت كلمة (كراب karab) بمعنى المعركة(3). وقد ذكر آخرون بان لفظة (كربلاء) مشتقة من الكلمة العربية الكربلة أي رخاوة في القدمين، يقال: جاء يمشي مكربلا، فيجوز على هذا أن تكون أرض هذا الموضع رخوة فسميت بذلك، ويقال: كربلت الحنطة إذا هذبتها ونقيتها(4).
ويقول الشيخ آغا بزرك الطهراني إن كلمة كربلاء متكونة من كلمتين هما «كار» أي الفعل و «بالا» بمعنى السامي والعلوي باللغة الفارسية. وبذلك يكون معنى لفظة كربلاء «الفعل العلوي» أو «العمل السماوي» المفروض من الأعلى وهذا يقارب المعنى الذي ذهب إليه الأب أنستاس ماري الكرملي كما ذكرنا ذلك سابقا(5).

(1) مصطفى عباس الموسوي: العوامل التاريخية لنشاة وتطور المدن العربية الإسلامية، ص:168، بغداد 1982م، منشورات وزارة الثقافة والإعلام.
(2) عبد الرزاق الحسني: العراق قديما وحديثا، ص: 124، الطبعة الثانية، مطبعة العرفان، صيدا / لبنان ـ 1375هـ(1956). محمد باقر مدرس:شهر حسين، ص:10،مصدر سابق.
(3) د. مصطفى جواد، موسوعة العتبات المقدسة، لجعفلر الخليلي، ج2 من قسم كربلاء، ص: 11.
(4) ياقوت الحموي: معجم البلدان، ج7 / ص:229، الطبعة الأولى، مطبعة السعادة ـ مصر،1324هـ(1906م).
(5) د. مصطفى جواد: موسوعة العتبات المقدسة، ج2 قسم كربلاء، ص: 18.
كربلاء الحضارة والتاريخ 48


إن اسم كربلاء كان معروفا للعرب قبل الفتح الإسلامي للعراق وقبل أن يسكنها العرب المسلمون وذكرها بعض المسلمين الذين رافقوا خالد بن الوليد عند فتح الجانب الغربي من العراق(1).
وورد في معجم البلدان لياقوت الحموي أيضا: إن كربلاء سميت بالطف لأنها مشرفة على العراق وذلك من أشرف على الشيء أي أطل، والطف: طف الفرات أي الشاطئ. وجاء أيضا أن الطف: أرض من ضاحية الكوفة في طريق البرية فيها كان مقتل [الإمام] الحسين بن علي بن أبي طالب (ع) وهي أرض بادية قريبة من الريف فيها عدة عيون ماء جارية، منها (الصيد)، و (القطقطانية)، و(الرهيمة)، و(عين الجمل) وذواتها، وهي عيون كانت للموكلين بالمسالح (الحصون والقصور) التي كانت وراء خندق سابور الذي حفره بينه وبين العرب وغيرهم(2).
وتشير بعض المصادر التاريخية إلى إن كربلاء الحالية المعروفة بهذا الاسم اليوم، كانت قبل الإسلام منطقة تحيط بها قرى قديمة عند قدوم الإمام الحسين (ع) إليها عام 61هـ (680م) منها (نينوى)، و(عمورا)، و(ماريا)، و(صفورا)، و(شفيه)(3)، وكانت على مقربة من هذه القرى منطقة تدعى (النواويس) وهي مجموعة مقابر للمسيحيين الذين سكنوا هذه الأراضي قبل الفتح الإسلامي للعراق. وتقع هذه المقابر اليوم في شمال غربي كربلاء في أراضي الكمالية بالقرب من المنطقة التي يقع فيها مرقد الحر بن يزيد الرياحي(4).

(1) أبو جعفر محمد بن جرير الطيري:تاريخ الرسل والملوك، ج3/ ص: 373، دار المعارف بمصر 1962م. د.مصطفى جواد: موسوعة العتبات المقدسة، قسم كربلاء، ص:12..
(2) ياقوت الحموي: معجم البلدان، ج7 / ص: 229، الطبعة الأولى، مطبعة السعادة ـ مصر 1324هـ (1906م).
(3) محمد حسن مصطفى آل كليدار: مدينة الحسين، ص:13 ـ 14، ط1، مطبعة النجاح ـ بغداد 1367هـ (1947م).
(4) محمد حسن مصطفى آل كليدار: مدينة الحسين، مصدر سابق، ص: 13ـ 14.
كربلاء الحضارة والتاريخ 49


وتشير رواية مقتل الإمام الحسين (ع) إلى أن قوما من بني أسد قد تولوا دفنه، مما يعني أن قبيلة بني أسد العربية كانت تسكن كربلاء قبل قدوم الإمام الحسين (ع).
وقد اطلق على مدينة كربلاء الحالية بعد استشهاد الإمام الحسين (ع) في العام نفسه (61هـ) أسماء عدة منها (مشهد الحسين)، و(مدينة الحسين)، و(البقعة المباركة)، و(موضع الابتلاء)،و(محل الوفاء)، و(الحائر)، و(الحير) إلى غير ذلك من الأسماء.إلا أن أشهر هذه الأسماء هو (الحائر) لما أحيط بهذا الاسم من الحرمة والتقديس، والجدير بالذكر أن الحائر إختص فيما بعد بالمرقد في الغالب (1).
وسبق للإمام علي بن أبي طالب (ع) خلال سفره إلى حرب صفين أن شاهده أنصاره يقف متأملا ما في هذه الأرض من اطلال وآثار، فسئل عن السبب فقال: إن لهذه الأرض شأنا عظيما فها هنا محط ركابهم وها هنا مهراق دمائهم، فسئل في ذلك فقال: «ثقل لآل محمد ينزلون هنا»(2).
وإلى جانب تلك القرى الموغلة في القدم كانت توجد قرى أخرى عامرة بالسكان والحياة. وكانت أكبر هذه القرى المحيطة بكربلاء هي بلدة (عين التمر) والتي تضم ناحية شثاثا ومنها يجلب القسب (التمر اليابس) والتمر(3).
ومن القرى المحيطة بكربلاء أيضا قرية الغاضرية. وقد أنشئت بعد انتقال قبيلة بني أسد إلى العراق في صدر الإسلام. وعلى هذا فإنها ليست قديمة في التاريخ، وهي لا تزال معروفة باسم «الغاضريات» وهي الأراضي

(1)المصدر السابق، ص: 14. د. عبد الجواد الكليدار: تاريخ كربلاء وحائر الحسين، ص: 23، الطبعة الثانية - المطبعة الحيدرية- النجف الأشرف، 1367هـ (1947م).
(2) الدينوري: الأخبار الطوال، ص: 253، الطبعة الأولى، القاهرة 1960م. د. مصطفى جواد: موسوعة العتبات المقدسة لجعفر الخليلي، ج2 من قسم كربلاء، ص: 16.
(3) ياقوت الحموي: معجم البلدان، ج4 / ص:176.
كربلاء الحضارة والتاريخ 50

المنبسطة التي هي اليوم إحدى نواحي مدينة كربلاء وتعرف بمنطقة الحسينية الواقعة على طريق كربلاء - بغداد القديم عامرة ببساتين النخيلة والفواكه(1).
وكانت توجد قرية بالقرب من كربلاء عامرة بالمساكن تسمى (العقر). وقد روي أن الإمام الحسين (ع)، لما انتهى إلى هذه الأرض قال لبعض أصحابه: ماتسمى هذه القرية ؟ وأشار إلى العقر، فقيل له: اسمها العقر، فقال الحسين (ع): نعوذ بالله من العقر، ثم قال (ع): فما إسم هذه الأرض التي نحن فيها؟ قالوا: كربلاء، فقال (ع): أرض كرب وبلاء !ّ وأراد الخروج منها فمنع كما هو مذكور في مقتله(2).
وعلى أية حال لم تكتسب مدينة كربلاء الحالية هذه المكانة السامية والمنزلة المقدسة التي لها الآن لولا إستشهاد الإمام الحسين (ع) وصحبه في اليوم العاشر من شهر محرم الحرام سنة 61هـ (680م)، في هذه البقعة التي تقع بين كربلاء القديمة في التاريخ والنواويس على وجه التحديد. وقد تنبأ بذلك الإمام الحسين (ع) نفسه قبل أن يرد أرض كربلاء ويلقى مصرعه فيها، إذ قال (ع): كأني بأوصالي تقطعها عسلان الفلوات بين النواويس وكربلاء(3).
ولكن كل ما يمكن القول عن تاريخ كربلاء القديم عند الفتح الإسلامي: إنها بقعة زراعية واقعة على ضفاف نهر الفرات، والأقوام الذين سكنوها كانوا يعولون على الزراعة لخصوبة تربتها، وغزارة مائها لكثرة العيون التي كانت منتشرة في أرجائها.

(1) د. عبد الجواد الكليدار: تاريخ كربلاء وحائر الحسين، ص:112.
(2) ياقوت حموي: معجم البلدان، ج7 / ص:229. الدينوري: الاخبار الطوال، ص:252.
(3) السيد ابن طاووس: الملهوف في قتلى الطفوف، ص: 25، دارالمرتضى - بيروت / لبنان.
نور الدين الشاهرودي: تاريخ الحركة العلمية في كربلاء، ص: 13، الطبعة الأولى، دار العلوم، بيروت - لبنان 1410هـ (1990م).
كربلاء الحضارة والتاريخ 51

واقعة الطف ... وكربلاء


شهد التاريخ الإسلامي في كربلاء واقعة مروعة تعد من أكبر الوقائع والأحداث المؤلمة التي شهدها العالم الإسلامي، ألا وهي واقعة الطف (عاشوراء) التي وقعت بين قوى الخير والنور والشرعية المتمثلة بالإمام الحسين بن علي بن أبي طالب (ع) وأهل بيته وأصحابه المعدودين، وبين قوى الشر والظلام والملك العضوض المتمثلة بيزيد بن معاوية بن أبي سفيان وجيشه الكبير في شهر محرم الحرام سنة 61هـ (680م).
ولد الإمام الحسين (ع) الذي يكنى (أبا عبد الله) في الثالث من شهر شعبان سنة 4هـ (626م)، وبعض المصادر التاريخية ومنها تاريخ الطبري، تذكر بأنه ولد في الخامس من شهر شعبان من السنة نفسها. فقد جمع الأمام الحسين (ع) شرف النسب من أطرافه، فأبوه أمير المؤمنين الإمام علي بن أبي طالب (ع) وهو ابن عم النبي محمد (ص) ورابع الخلفاء الراشدين، وأمه فاطمة الزهراء سيدة نساء العالمين (ع) بنت رسول الله محمد بن عبد الله (ص) سيد الانبياء والمرسلين وأشرف الخلق أجمعين وأمها خديجة الكبرى.
أطل الحسين (ع) على الحياة، وكان لإطلالته أجمل الأثر وأعز الأمل، فرح أبوه وامه بولادته فرحا عظيما، ولما سمع رسول الله (ص) بالخبر البهيج... أقبل الى منزل إبنته فاطمة (ع)، فأختار (ص) له إسما لم يكن الناس قد تعارفوا عليه.
كان الامام الحسين (ع) يشبه جده النبي محمدا (ص) شبها عظيما وكان لهذا الشبه أعمق الأثر في نفوس المسلمين، وكانت ولادته (ع) بعد عام

كربلاء الحضارة والتاريخ 52

من ولادة أخيه الامام الحسن (ع)، وكانا يحتلان مركز الصدارة عند جدهم الرسول الاعظم (ص).
عاش الامام الحسين مع أخيه الامام الحسن (عليهما السلام) في بيئة خصبة بالايمان والتقوى بين أبوين خلدهما التاريخ الاسلامي، وأحيطا بالرعاية الفائقة وبالحنان الكامل. حفظ القرآن الكريم وهو لا يزال صغيرا، وتردد على مسجد جده رسول الله (ص) وأخذ من علمه الكثير. وطالما كان يجلس بجوار والدته وتقص عليه حكايات الابطال وقصة الدعوة الاسلامية وسيرة عظماء المسلمين وقتذاك التي كانت خير شاهد اثبات على كل تفاصيلها حيث تابعتها بوعي عميق منذ الصغر.
وقد أنجبت السيدة فاطمة الزهراء (ع) إلى جانب الإمامين الحسن والحسين (ع) من الذكور محسنا الذي توفي صغيرا، وزينب الكبرى (ع) وأم كلثوم الكبرى (ع) من الإناث. ثم تزوج الإمام علي(ع) بعد وفاة السيدة فاطمة (ع) من أم البنين (فاطمة بن حزام) التي يرجع نسبها إلى بني كلاب فأنجبت منه العباس، وجعفرا، وعبد الله، وعثمان، وقد قتلوا جميعا مع الإمام الحسين (ع) في واقعة الطف (1).
لقد عاش الإمام الحسين (ع) في كنف جده رسول الله (ص) ست سنوات وستة أشهر، أي إلى وفاة النبي (ص) يوم 28 من شهر صفر سنة 11هـ (633م)(2).

(1) ابن جرير الطبري: تاريخ الطبري - تاريخ الرسل والملوك، ج5 / ص: 468 - 469، دار المعارف - القاهرة 1963م. ابن عساكر: من تاريخ دمشق، ترجمة ريحانة رسول الله الإمام الحسين (ع)، ص: 23، الطبعة الاولى، مؤسسة المحمودي للطباعة والنشر، بيروت - لبنان 1398هـ (1978م).
(2) السيد محسن الأمين: أعيان الشيعة، ج1 / ص:578، دار التعارف للمطبوعات، بيروت - لبنان 1403هـ (1983م). العلامة المجلسي: بحارالأنوار، ج22 / ص: 514، مطبعة مؤسسة الوفاء، بيروت - لبنان 1403هـ (1983م).
كربلاء الحضارة والتاريخ 53


وينقل عن أنس بن مالك: «إن رسول الله (ص) سئل: أي أهل بيتك أحب إليك ؟ قال: الحسن والحسين. وكان يقول لفاطمة (ع): ادعي إلي أبني فيشمهما ويضمهما إليه»(1). وفيما رواه الترمذي بسند حسن: «إن رسول الله (ص) قال: حسين مني وأنا من حسين، أحب الله من أحب حسينا، حسين سبط من الأسباط»(2). وروى الإمام أحمد والتمرذي بسندهما عن أبي سعيد الخدري (رض): «إن رسول الله (ص) قال: الحسن والحسين سيدا شباب أهل الجنة»(3).
بعد استشهاد أمير المؤمنين الإمام علي بن أبي طالب (ع) يوم 21 من شهر رمضان سنة 40هـ (661م)، تسلم زمام أمور الخلافة الإسلامية الإمام الحسن (ع)، وكان معاوية بن أبي سفيان والياً على الشام. فبدأ بوادر الحرب تظهر بين جيش الإمام الحسن (ع) في الكوفة وجيش معاوية في الشام.
ووقف الإمام الحسن (ع) من هذه الفتنة موقف الحازم اليقظ الذي تمثلت فيه الحكمة، فتم الصلح بينه وبين معاوية. وكان أحد شروط هذا الصلح أن يخلف معاوية في الحكم الإمام الحسن (ع). ولكن معاوية إغتال الإمام بدس السم إليه، وقد توفي يوم 7 من شهر صفر سنة 50هـ (670م) (4). فكانت هذه بداية الحرب على الإمام الحسين (ع) وأهل بيت النبي (ص) من قبل معاوية وابنه يزيد.

(1) الترمذي: سنن الترمذي، ج5 / ص: 658، حديث رقم 3772، مطبعة دار إحياء التراث العربي، بيروت - لبنان.
(2) المصدر السابق، حديث رقم 3775.
(3) المصدر السابق، ج5 / ص: 661، حديث رقم 3781.
(4) السيد محسن الأمين: أعيان الشيعة، ج1 / ص: 570 -571. أبو فرج الاصطفهاني: مقاتل الطالبيين، ص: 60 و 80، الطبعة الثانية، مؤسسة الأعلمي، بيروت - لبنان 1408هـ (1987م).
السابق السابق الفهرس التالي التالي