موسوعة عبدالله بن عباس- الحلقة الاولى - الجزء الرابع 350

لعبد الله الحسن أمير المؤمنين من عبد الله بن عباس، أمّا بعد يا بن رسول الله فإنّ المسلمين ولّوك أمرهم بعد أبيك (رضي الله عنه) عليّ (عليه السلام) وقد أنكروا أمر قعودك عن معاوية، وطلبك لحقك، فشمّر للحرب، وجاهد عدوّك، ودار (وقارب) أصحابك، (واشتر من الظنين دينه بما لا يثلم لك ديناً) وولّ (ووال) أهل البيوتات والشرف ما تريد من الأعمال، فإنك تشتري بذلك قلوبهم (وتستصلح به عشائرهم، حتى يكون الناس جماعة، فإنّ بعض ما يكره الناس ـ ما لم يتعدّ الحقّ وكانت عواقبه تؤدي إلى ظهور العدل وعز الدين ـ خير من كثير ممّا يحبّه الناس، إذا كانت عواقبه تدعو إلى ظهور الجور وذلّ المؤمنين، وعز الفاجرين) واقتد بما جاء عن أئمّة العدل من تأليف القلوب والاصلاح بين الناس (فقد جاء عنهم أنّه لا يصلح الكذب إلاّ في حرب أو إصلاح بين الناس) واعلم بأنّ الحرب خدعة، ولك في ذلك سعة (إذا) ما كنت محارباً ما لم تبطل حقاً) ما لم ينتقص مسلماً حقاً هو له.
(واعلم) وقد علمت أن اباك عليّاً إنما رغب الناس عنه (وصاروا) إلى معاوية، لأنّه واسى بينهم في الفيء، وسوّى بينهم في العطاء، فثقل ذلك عليهم.
واعلم أنك تحاربُ من قد حارب الله ورسوله (في ابتداء الإسلام) حتى أظهره الله أمره، فلمّا أسلموا ووحدّوا الربّ، ومحق الله الشرك، وأعزّ الدين، وأظهروا الإيمان، وقرؤا القرآن وهم بآياته مستهزؤن، وقاموا إلى الصلاة وهم كسالى، وأدّوا الفرائض وهم لها كارهون، فلمّا رأوا أنّه لا يعزّ في هذا الدين إلاّ الأتقياء الأبرار، والعلماء الأخيار، توسّموا أنفسهم بسيماء الصالحين، ليظن بهم المسلمون خيراً، وهم عن آيات الله معرضون) فما زالوا بذلك حتى شركوهم في

موسوعة عبدالله بن عباس- الحلقة الاولى - الجزء الرابع 351

أماناتهم وقالوا: حسابهم على الله، فإن كانوا صادقين فإخواننا في الدين، وإن كانوا كاذبين كانوا بما اقترفوا هم الأخسرين) وقد مُنيت أبا محمّد بأولئك القوم وأبنائهم وأشباههم، والله ما زادهم طول العمر إلاّ غيّا، ولا زادهم في ذلك لاهل الدين إلاّ غشا (مقتا) فجاهدهم رحمك الله، ولا ترضى منهم بالدنية (ولا تقبل خسفا) فإن أباك عليّاً (رضي الله عنه) لم يجب إلى الحكومة في حقه حتى غُلب على أمره فأجاب، وهو يعلم (وانهم يعلمون) أنّه أولى بالأمر ان حكم القول بالعدل، فلمّا حكموا بالهوى رجع إلى ما كان عليه، وعزم على حرب القوم، حتى أتى عليه (وافاه) أجله، فمضى إلى ربه (رحمه الله)، فانظر رحمك الله أبا محمّد ولا تخرجن من حقّ أنت أولى به من غيرك (حتى يحول الموت) إن أتاك دون ذلك.
والسلام عليك ورحمة الله وبركاته.
قال ابن أعثم: فلمّا ورد كتاب عبد الله بن عباس وقرأه سرّه ذلك، وعلم أنّه قد بايعه (؟) وأنّه قد أمره بما يجب عليه في حقّ الله. دعا بكاتبه وأمره أن يكتب إلى معاوية ـ وذكر الكتاب بطوله»(1).
وقال الخطي: «لمّا وصل كتاب عبد الله بن عباس إلى الإمام الحسن (عليه السلام) وقرأه قال: لقد نصح ابن عباس فيما يراه، ولكن هيهات أن أخالف سنّة سنّها رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) وأمير المؤمنين بعدهما طلباً لالتماس دنيا، فإنّ في الحقّ سعة عن الباطل»(2).
وأنا على تحفظ من رواية الخطي الّتي لم يسندها إلى مصدر لنرى مدى صحته، ومع ذلك لو أغمضنا عنه لم نر في كتاب ابن عباس أيّ مخالفة لسنّة

(1) الفتوح 4/148 ـ 150 ط دار الندوة الجديدة أفست حيدر آباد ط الأولى.
(2) المقتل للخطي /99 ط بمبىء.
موسوعة عبدالله بن عباس- الحلقة الاولى - الجزء الرابع 352

رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) في تعامله مع أعدائه الّذين حاربوه في ابتداء الإسلام كأبي سفيان وابنه معاوية وبقية المشركين ممّن حاربوا الله ورسوله، ولمّا ظهر أمر الله وهم له كارهون دخلوا في حظيرة الإسلام طوعاً وكرهاً، فعاملهم رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) بمنتهى التلطف وتألّفهم بالعطاء، وفاضل بينهم فيه، وغض عينه عن مساويهم وسوابقهم السيئة، حتى فرض لهم سهماً في الزكاة، سوى ما كان يمنحهم من الغنائم، وقصة غنائم هوازن خير شاهد على ذلك، وقد أثارت سخط الأنصار، فلم يتراجع النبيّ (صلّى الله عليه وآله وسلّم) عن موقفه غير انّه استرضى الأنصار بحضوره عندهم وسلّ السخيمة من صدورهم فرضوا.
فابن عباس في كتابه يطلب من الإمام الحسن (عليه السلام) أن ينهج ذلك النهج، وضربه المثل بما جاء عن أئمّة العدل جده وأبيه فيما تفرضه ظروف الحرب، وأنّ الحرب خدعة، وله فيها سعة ما لم يبطل حقاً، وينتقص مسلماً حقاً هو له.
ولمّا كان الإمام الحسن (عليه السلام) في حالة حرب مع معاوية منذ أيام أبيه، ولم يتغيّر الحال، فله أن يستعمل أساليب الغلبة ما وسعه ذلك، وحتى التفاضل في العطاء الّذي رآه ابن عباس ناجحاً في ذلك الظرف لاستمالة قلوب الزعماء لم يخرج عن حدود تألف القلوب الّذي سنّه رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) مع المؤلفة قلوبهم بذلك، فأنا من رواية الخطى على تحفظ.
ومهما يكن فقد سبق السيف العذل وجاوز الحزام الطبيَين، فإنّ المجتمع الكوفي لم يكن في هواه على وتيرة واحدة، وشرائحه المختلفة والمتباينة من أقصى اليمين إلى أقصى اليسار كما قلناه آنفاً تكفي لزعزعة الثقة بهم. فكيف للإمام الحسن (عليه السلام) أن يجمع كلّ أولئك تحت خيمة واحدة على ما بينهم من

موسوعة عبدالله بن عباس- الحلقة الاولى - الجزء الرابع 353

التنافر والعداء بالرغم من انتمائهم البلدي ولكن ليس بالعقدي، ومع ذلك فقد بذل جهداً كبيراً في سبيل لمّ الشمل وجمع الكلمة، وقد كتب إلى معاوية يدعوه إلى مبايعته، وردّ عليه معاوية بمثل ذلك، وأعلمه الرسل باستعداد معاوية لغزو العراق، ثمّ خروجه في ستين ألفاً يريد العراق. فعندها كتب الإمام الحسن (عليه السلام) إلى عمّاله يأمرهم بالإحتراس ثمّ ندب الناس إلى حرب معاوية(1).
ولنترك الحديث عن بقية المأساة فإنّها بالغة الأسى فمن تخاذل وتقاعس عن الخروج إلى خيانة بعد خيانة، وجناية بعد جناية حتى الّذين أرسلهم الإمام الحسن (عليه السلام) مقدمة لجيشه مع ابن عمه عبيد الله بن العباس وقيس بن سعد فقد صار الأشراف يتسللون لواذاً إلى معاوية وهو قريب منهم في عسكره، فكتب قيس إلى الإمام الحسن وهو بالمدائن بذلك فخطب الناس وقال: (يا أهل العراق ما أصنع بجماعتكم معي، هذا كتاب قيس بن سعد يخبرني بأن أهل الشرف منكم قد صاروا إلى معاوية، أما والله ما هذا بمنكر منكم، لأنكم أنتم الّذين أكرهتم أبي يوم صفين على الحكمين، فلمّا أمضى الحكومة وقبل منكم اختلفتم، ثمّ دعاكم إلى قتال معاوية ثانية فتوانيتم، ثمّ صار إلى ما صار إليه من كرامة الله إياه، ثمّ إنكم بايعتموني طائعين غير مكرهين، فأخذت بيعتكم وخرجت في وجهي هذا والله يعلم ما نويت فيه، فكان منكم إليَّ ما كان، يا أهل العراق فحسبي منكم لا تعزوني في ديني فإني مسلّم هذا الإمر إلى معاوية)(2).

(1) أنظر الفتوح لابن أعثم 4/153 ط دار الندوة افست عن طبعة حيدر اباد.
(2) نفس المصدر 4/157.
موسوعة عبدالله بن عباس- الحلقة الاولى - الجزء الرابع 354

قال اليعقوبي: «وكان معاوية يدسّ إلى معسكر الحسن من يتحدّث أنّ قيس ابن سعد قد صالح معاوية وصار معه، ووجّه إلى عسكر قيس من يتحدّث أنّ الحسن قد صالح معاوية وأجابه، ووجّه معاوية إلى الحسن المغيرة بن شعبة وعبد الله بن عامر بن كريز وعبد الرحمن بن اُم الحكم وأتوه وهو بالمدائن نازل مضاربه ثمّ خرجوا من عنده وهم يقولون ويُسمعون الناس: إنّ الله قد حقن بابن رسول الله الدماء وسكّن به الفتنة وأجاب إلى الصلح. فأضطرب العسكر ولم يشكك الناس في صدقهم، فوثبوا بالحسن وانتهبوا مضاربه وما فيها، فركب الحسن (عليه السلام) فرساً له ومضى في مظلم ساباط وقد كمن له الجراح بن سنان الأسدي فجرحه بمغول في فخذه، وقبض على لحية الجراح ثمّ لواها فدقّ عنقه، وحُمل الحسن (عليه السلام) إلى المدائن وقد نزف نزفاً شديداً، واشتدت به العلة فافترق عنه الناس، وقدم معاوية العراق فغلب على الأمر والحسن عليل شديد العلة. فلمّا رأى الحسن أن لا قوة به وأن أصحابه قد افترقوا عنه فلم يقوموا له، صالح معاوية وصعد المنبر فحمد الله وأثنى عليه وقال: (أيها الناس إن الله هداكم بأولنا وحقن دماءكم بآخرنا وقد سالمت معاوية « وَإِنْ أَدْرِي لَعَلَّهُ فِتْنَةٌ لَكُمْ وَمَتَاعٌ إِلَى حِينٍ »(1)(2).

أمر الخلافة في وثيقة الصلح:

لقد كانت وثيقة الصلح الّتي أمضاها معاوية وأشهد عليها، قد نصت صراحة على إرجاع الأمر من بعده إلى الإمام الحسن (عليه السلام).، وجاء في جملة من المصادر: «وليس لمعاوية أن يعهد بالأمر إلى أحد من بعده، والأمر بعده

(1) الأنبياء /111.
(2) تاريخ اليعقوبي 2/191 ط الحيدرية.
موسوعة عبدالله بن عباس- الحلقة الاولى - الجزء الرابع 355

للحسن»(1). وقال ابن عبد البر: «واشترط عليه الحسن أن يكون له الأمر من بعده، فالتزم بذلك كلّه معاوية»(2).
ولكن معاوية قد استهان بهذا الشرط اُسوة بجميع بقية الشروط، ولم يتحرّج من إعلانه ذلك في خطبته على ملأ من المسلمين فقال: «ألا وإنّ كلّ شيء أعطيت الحسن بن عليّ تحت قدميَّ هاتين لا أفي به»(3).
ونحن إذا أردنا أن نحاسب رجال الإسلام السني على المعنى الّذي صاروا ينادون به تبريراً لحكومة الحاكمين، وذلك هو مبدأ الشورى، نجدهم عاجزين عن إثباته ولو لمرة واحدة. وفي يوم من الأيام في تاريخ حكومات الإسلام، إذ أنّ معنى (الشورى) هو حقّ اختيار الحكام متروك للمسلمين، وذلك فيه أيضاً من الفراغات ما يعجزون عن سدها، إذ تبقى أساليب الاختيار مجهولة، ويبقى اختلاف الرأي في جواز الثورة على الظالمين وعدمه يشكل عائقاً عن تطبيق مبدأ الشورى كما ينبغي أن يكون، لأن من أكبر العوائق الطرح الّذي أحاطوه بأطار من قداسة الحديث النبوي الشريف: (أطعه وإن ضرب رأسك)(4) وهو طرح زائف لاكته ألسنة وعاظ السلاطين كاستهلاك محلي بحجة اتقاء الفتنة وتبريراً لأعمال الحاكمين الظالمين، لذلك رفض الشيعة طرح الفكر السياسي السني في مسألة الخلافة، والتزموا بمبدأ النص الّذي طرحه القرآن وبلّغه النبيّ (صلّى الله عليه وآله وسلّم) حيث

(1) أنظر الاصابة 1/329، وذخائر العقبى/139، وتهذيب الأسماء واللغات 1/199.
(2) الاستيعاب 1/370.
(3) أنظر شرح النهج لابن أبي الحديد (رواية السبيعي).
(4) في صحيح مسلم كتاب الامارة، باب الأمر بلزوم الجماعة... في حديث حذيفة قال صلى الله عليه (وآله) وسلّم: تسمع وتطيع للأمير وإن ضرب ظهرك وأخذ مالك فاسمع وأطع 6/20 ط محمّد عليّ صبيح.
موسوعة عبدالله بن عباس- الحلقة الاولى - الجزء الرابع 356

قال الله سبحانه وتعالى: « وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْراً أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ »(1)، وقال تعالى: « يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الأَمْرِ مِنْكُمْ »(2)، وقال تعالى: « إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ »(3)، إلى غير ذلك من آي القرآن المجيد. مضافاً إلى أحاديث الرسول الكريم وبياناته القولية والعملية في تعيين الإمام والخليفة من بعده.


موقف ابن عباس من الصلح:

مع المسيرة المتأنية بين نصوص السير والأخبار التاريخية في فترة خلافة الإمام الحسن (عليه السلام)، والّتي استدام حكمه فيها طيلة ستة أشهر قبل وقوع الصلح، نجد أنفسنا كقرّاء واعين، أو باحثين متتبعين، لم تخطئنا العين المدققة، إدراك الأسباب الّتي حملت الإمام الحسن (عليه السلام) على الصلح والمسالمة، كما لم تخطئ العين معرفة الراضين من أصحابه بذلك ومعرفة الساخطين. مع أنّه (عليه السلام) في منظورهم جميعاً كان هو الإمام الّذي تجب طاعته سواء حارب أو سالم، كما أنّه (عليه السلام) في منظور هؤلاء وهؤلاء بل ومنظور الأمة الّتي بايعته وخرجت معه لحرب معاوية، كان القائد العسكري المحنّك، الّذي يجب إتباعه عند خوض المعركة، بعد أن كان قد خطط لها التخطيط السليم الدقيق. أو عدم خوضها ما دامت النتيجة محكومة بالفشل سلفاً. كما حدث فعلاً ذلك عند مباغتة عنصر

(1) الأحزاب /36.
(2) المائدة /92.
(3) المائدة /59.
موسوعة عبدالله بن عباس- الحلقة الاولى - الجزء الرابع 357

المفاجأة في تسلّل الأشراف إلى معاوية! كما مرت الإشارة إلى ذلك، ثمّ مكاشفة الباقين في هزال ولائهم! كما وقد مرّ الدليل على ذلك، ومن قبل ومن بعد ونشاط الإعلام المعادي المعاوي في خلخلة المعنويات المهزوزة! وقرأنا بعض الشواهد عليه فماذا كان يجب أن يكون الموقف من أولئك الراضين وأولئك الساخطين؟ غير التسليم، أليس فيما تقدم ما يكفي لإمام معصوم عند من يدين له بالطاعة بالإمامة؟ وما يكفي له حتى عند من يراه قائداً عسكرياً فيجب عليه الطاعة أيضاً؟ فله إذن ومن حقه أن يتخذ ـ وهو الإمام وهو القائد ـ ما يمليه عليه الموقف المتأزم، من قرار حرب أو سلم، وبعد أن أصبح واضحاً عنده خسارة الحرب مهما بذل من جهد هو والمخلصون من شيعته، وأن الشرّ قد دنا فتدلى، وبانت النذُر في الشعارات الّتي أطلقها الخوارج الّذين كانوا في جيشه، والبيانات الّتي تلقفها الرواة فحفلت بها السير ارادة القبض عليه وتسليمه إلى معاوية.
فهل بعد ذلك كلّه من فرصة لخوض حرب مع معاوية محكوم عليها سلفاً بالفشل؟ إذن لا بدّ من المسالمة حقناً للدماء وبقياً على الصفوة الباقية، هكذا فقد تمّ الصلح على شروط، لكن لم يف معاوية بواحد منها.
ولنعد إلى البصرة حيث كان ابن عباس لا يزال مقيماً بها وأميراً عليها. وعلى توابعها من بلاد فارس وكور الأهواز الخمس ومنها فساوداربجرد الّتي ورد ذكرها في وثيقة الصلح على أن يُحمل خراجها للإمام الحسن (عليه السلام)، وسيأتي مزيد بيان عن ذلك.

موسوعة عبدالله بن عباس- الحلقة الاولى - الجزء الرابع 358

أمّا عن موقفه من الصلح فلم أقف على ما يمكن الإستناد إليه، إلاّ أنّ في دسائس معاوية الّتي طالت الكوفة والبصرة فدسّ إليها رجلين رجلاً من حمير إلى من الكوفة ورجلاً من بني القين إلى البصرة فدُلّ عليهما وقتلا. كما مرت الإشارة إلى ذلك وفوق هذا ما يشير إلى أنّ معاوية قد استطالت ذراعه فأراد أن يتناول بها زياد بن أبيه وهو عامل ابن عباس على فارس فكتب إليه يتهدّده فقام زياد خطيباً فقال: «العجب من ابن آكلة الأكباد وكهف النفاق، ورئيس الأحزاب كتب إليّ يتهددني وبيني وبينه ابنا عم رسول الله صلّى الله عليه (وآله) وسلّم ـ يعني ابن عباس والحسن بن عليّ ـ في تسعين ألفاً واضعي سيوفهم على عواتقهم لا ينثنون، لئن خلص إلي الأمر ليجدني أحمز ضراباً بالسيف»(1).
قال الشعبي في حديثه: «فلم يزل زياد بفارس حتى صالح الحسن (عليه السلام) معاوية، وقدم معاوية الكوفة فتحصّن زياد في القلعة الّتي يقال لها قلعة زياد»(2).
ومن المتيقن أنّ زياداً لم يكن ليردّ على تهديد معاوية له من فراغ، بل كانت بينه وبين معاوية حاميتان ـ الكوفة والبصرة ـ وفيها تسعون ألفاً، واضعي سيوفهم على عواتقهم لا ينثنون. وانا أحسب أنّ ذلك من طفح الكيل عند زياد، وإلا فأين هم في الدفاع عن إمامهم الحسن (عليه السلام)، أوليس حامية الكوفة هي الّتي خانته وغدرت به وانتهبت رحله وسلبته حتى مطرفه؟ ولم تكتف بذلك حتى طعنته في فخذه، أو ليس أشرافها الّذين كاتبوا معاوية ان شاء قبضوا على الحسن

(1) تاريخ الطبري 6/97 ط الحسينية.
(2) نفس المصدر.
موسوعة عبدالله بن عباس- الحلقة الاولى - الجزء الرابع 359

وسلموه إليه مكتوفاً؟ فحمله ذلك كلّه على الموادعة والصلح، أمّا حامية البصرة فلم يذكر عنها شيء في ذلك الحدث، لذلك لم نستطع أن ندينهم بشيء من إصر الخذلان، لكن سيأتي لهم مع ابن عباس موقف لا يخلو من إدانة.
أمّا عن موقف ابن عباس من الصلح فلم أقف على ما يشير إليه كما قلنا، ومن الغرابة انا لم نجد خبراً يشير إلى أنّ الإمام الحسن (عليه السلام) كتب إليه في ذلك، وهذا من الغرابة بمكان، وأغرب من ذلك كلّه أنا لم نقف على خبر يثبت استدعاء الإمام الحسن (عليه السلام) مقاتلة أهل البصرة للإشتراك مع الكوفيين في حرب معاوية، كما كان الشأن في ذلك أيام أمير المؤمنين (عليه السلام) في حرب صفين وحرب النهروان كما مرّ. وهذه نقطة لم يبحثها من كتب عن الإمام الحسن (عليه السلام) وهي حريّة بالبحث، وليس من الدقة تجاهلها. وقد حاولت كثيراً أن أجد سنداً تاريخياً يصح الاعتماد عليه في المقام فلم أجده. ويبقى المجال للتخمين والظن، وهذا لا يغني عن الواقع والحقّ شيئاً.
ولا ينقضي العجب من إغفال التاريخ وصمته المطبق إذ لم يذكر شيئاً كان بين الإمام الحسن (عليه السلام) وعامله عبد الله بن عباس بعد كتاب ابن عباس إليه في الحضّ على مداراة أهل البيوتات والشرف وعلى محاربة معاوية، ولم يذكر التاريخ جواباً من الإمام الحسن (عليه السلام) على ذلك الكتاب، فهل يعقل أن لا يكون لذلك الكتاب من جواب؟! وهكذا يستمر الصمت المطبق فلا نقف على كلمة تدلّنا على نحو اتصال أو مراجعة في شأن بين ابن عباس وبين الإمام الحسن (عليه السلام).

موسوعة عبدالله بن عباس- الحلقة الاولى - الجزء الرابع 360

وأغرب ما رأيت في المقام ما أخرجه الطبراني في المعجم الكبير وعنه الهيثمي عن عيسى بن زيد قال: «استأذن الأشعث بن قيس على معاوية بالكوفة فحجبه مليّاً وعنده ابن عباس والحسن بن عليّ فقال: أعن هذين حجبتني يا أمير المؤمنين، تعلم أنّ صاحبهم جاءنا فملأنا كذباً يعني عليّاً.
فقال ابن عباس: والله عنده مهرة جدك وطعن في أست أبيك.
فقال: ألا تسمع يا أمير المؤمنين ما يقول؟
قال: أنت بدأت.
قال الهيثمي: رواه الطبراني وفيه جماعة لم أعرفهم»(1).
أقول: لقد كفانا قول الهيثمي مؤنة الرد والمناقشة في هذا الخبر. مضافاً إلى ما حكاه ابن حجر في الإصابة(2) (عن خليفة وأبي نعيم وغير واحد انّ الأشعث مات بعد قتل عليّ بأربعين ليلة و...).
إذن فما دمنا لم نجد نصاً يشير إلى حضور قول أو عمل من ابن عباس في مسألة الصلح؟ وما دمنا نفتقد الحجة في ذلك، فعلينا التريّث في تصنيف ابن عباس مع الراضين، هو أو مع الساخطين. لكنا قد نتبين جواب ذلك التساؤل من خلال كتاب معاوية إليه وجوابه على ذلك الكتاب، وهو كتاب له دلالته في أنّ ابن عباس لم يكن ـ في رأي معاوية على الأقل ـ ممّن تشمله وثيقة الصلح لتعصم دمه.
قال ابن أبي الحديد: «وكتب معاوية إلى ابن عباس عند صلح الحسن (عليه السلام) له كتاباً يدعوه فيه إلى بيعته ويقول له فيه: ولعمري لو قتلتك بعثمان رجوت أن

(1) مجمع الزوائد 7/247.
(2) الإصابة 1/16.
موسوعة عبدالله بن عباس- الحلقة الاولى - الجزء الرابع 361

يكون ذلك لله رضاً، وأن يكون رأياً صواباً، فإنك من الساعين عليه والخاذلين له، والسافكين دمه، وما جرى بيني وبينك صلح فيمنعك مني، ولا بيدك أمان.
فكتب إليه ابن عباس جواباً طويلاً يقول فيه: أمّا قولك: إنّي من الساعين على عثمان والخاذلين له والسافكين دمه، وما جرى بيني وبينك صلح فيمنعك مني فأقسم بالله لأنت المتربص بقتله، والمحب لهلاكه، والحابس الناس قبلك عنه على بصيرة من أمره، ولقد أتاك كتابه وصريخه يستغيث بك ويستصرخ فما حفلت به(1) حتى بعثت إليه معذراً بأخرة، أنت تعلم أنّهم لن يتركوه حتى يقتل، فقتل كما كنت أردت، ثمّ علمت عند ذلك إن الناس لن يعدلوا بيننا وبينك، فطفقت تنعى عثمان، وتلزمنا دمه، وتقول قتل مظلوماً، فإن يك قتل مظلوماً فأنت أظلم الظالمين، ثمّ لم تزل مصوّبا ومصعّدا، وجاثماً ورابضاً تستغوي الجهال، وتنازعنا حقنا بالسفهاء حتى أدركت ما طلبت، « وَإِنْ أَدْرِي لَعَلَّهُ فِتْنَةٌ لَكُمْ وَمَتَاعٌ إِلَى حِينٍ »(2)»(3).
فهذا نص له دلالته، ولا يعقل أن يكون هذا هو جميع الكتاب والجواب، خصوصاً مع ملاحظة قول ابن أبي الحديد: «فكتب إليه ابن عباس جواباً طويلاً...». وليته لم يقتضبه، فرواه لنا بكامله لأفدنا منه أموراً أخرى. ومهما يكن العذر له في ذلك، فإن فيما ذكره دلالة على زمن المكاتبة إذ في كتاب معاوية

(1) يشير إلى كتاب عثمان إليه يستنصره فلم ينصره، قال الطبري في تاريخه 5/115 فلمّا جاء معاوية الكتاب تربّص به...
(2) الأنبياء /111.
(3) شرح النهج لابن أبي الحديد 4/58، ولا يخفى تشابه ختام كتابه بختام خطبة الإمام الحسن (عليه السلام) فكلاهما يرى في تولي معاوية الفتنة وهو متاع إلى حين.
موسوعة عبدالله بن عباس- الحلقة الاولى - الجزء الرابع 362

تهديد وتوعيد، وتأكيد على أنّ ابن عباس لم يكن قد بايع، ولم يكن جرى له صلح مع معاوية، فهذا يدل على انّه كان بعد مسالمة الإمام الحسن (عليه السلام) وهي كانت في النصف من جمادى الأولى سنة 41 كما في الاستيعاب وغيره وقيل في ربيع الأوّل أو الثاني، إذن فابن عباس لم يزل بالبصرة لذلك الوقت ولم يبايع معاوية. ولا يعقل أنّه يكون لم يبلغ علمه ما جرى للإمام الحسن (عليه السلام) من الأحداث الّتي اضطرته إلى المسالمة، فهو ولا شك لم يستسغ مرارة الصلح الاضطراري، كيف وهو الّذي كان مصراً على حرب معاوية كما في كتابه إلى الإمام الحسن (عليه السلام)، ولكن لا يعني ذلك سخطه على خطة الإمام الحسن (عليه السلام)، بل سيأتي ما يدل على بقائه في ولايته على ولائه حتى فارق البصرة إلى المدينة.
والآن هلمّ الخطب فيما رواه الطبري بسنده عن الزهري في حديث بيعة الحسن (عليه السلام) ففيه من الطامّات ما يسقطه عن الإعتبار:
فمنها قوله: «فلمّا علم عبد الله بن عباس بالذي يريد الحسن (عليه السلام) أن يأخذه لنفسه، كتب إلى معاوية يسأله الأمان، ويشترط لنفسه على الأموال الّتي أصابها، فشرط ذلك له معاوية»(1). فإذا كان قد شرط له معاوية ذلك فلماذا إذن الكتاب إليه يتهدده ويتوعدّه كما مرّ؟ ولماذا كان جواب ابن عباس طويلاً؟ كما مرّ.
إنّها إحدى أكاذيب الزهري فهو من المنحرفين عن أهل البيت، ومن مرتزقة الأمويين وكان على شرطة بعض بني مروان. قال خارجة: «قدمت على الزهري وهو صاحب شرط لبعض بني مروان، قال: فرأيته يركب وفي يده حربة

(1) تاريخ الطبري 5/158 ط دار المعارف و 6/2 ط أفست أوربا، وفي الكامل لابن الأثير 3/177ط بولاق عبيد الله بدل عبد الله. واظنه من غلط النساخ وخلط الرواة وقد مرّ تحقيق ذلك.
موسوعة عبدالله بن عباس- الحلقة الاولى - الجزء الرابع 363

وبين يديه الناس بأيديهم كافر كوبات، فقلت: قبح الله ذا من عالم، فانصرفت فلم أسمع منه»(1). وقد مرّ بنا في مقدمة الجزء الأوّل نماذج من أكاذيبه.


قبيل المغادرة:

لا شك عندي ان ابن عباس كان في آخر أيام ولايته على البصرة يعاني آلام المرارة الّتي سبّبها تدني الأمور وتلاحق الأحداث، وأوجعها في نفسه تولي معاوية أمور المسلمين، ولكنه ما دام تابعاً في ولايته لإمامه الحسن (عليه السلام) فلا بدّ له من التسليم وعليه الرضا بما جرى به قلم القضا، وإنّي لم أجد خبراً واحداً يدل على وهن في عزيمته أو خلل في ولايته، بالرغم من عثمانية البصرة ودسائس معاوية، فهو لم ينحني للعاصفة مع أنّه من خلال موقعه كان في مهبّها، فلم تزعزعه العواصف، ولم تهن من عزيمته ونشاطه الأحداث القواصف، بل وكأنّها زادته في شعوره شموخاً ورفعة، وفي عزيمته صموداً وصبراً. ولعل في خبر وفادة أبي أيوب الأنصاري عليه في تلك الفترة ما يعطينا ملامح من ذلك الشعور.
فلنقرأ الخبر أوّلاً كما رواه الطبراني في المعجم بسنده قال: «أنّ أبا أيوب ابن زيد الأنصاري ـ الّذي كان رسول الله صلّى الله عليه (وآله) وسلّم نزل عليه حين هاجر إلى المدينة ـ غزا أرض الروم، فمرّ على معاوية فجفاه، فانطلق ثمّ رجع من غزوته، فمرّ عليه فجفاه، ولم يرفع به رأساً فقال: إن رسول الله صلّى الله عليه (وآله) وسلّم أنبأني أنا سنرى بعده إثرة، فقال معاوية: فبم أمركم؟ قال: أمرنا

(1) فهارس الثقاة لابن حيان /122 ط مؤسسة الكتب الثقافية عن كتاب الثقات 8/5 و 5/5 ط دار الكتب العلمية.
موسوعة عبدالله بن عباس- الحلقة الاولى - الجزء الرابع 364

أن نصبر، قال: فاصبروا إذن. فأتى عبد الله بن عباس بالبصرة وقد أمّره عليّ (رضي الله عنهما) عليها. فقال: يا أبا أيّوب أريد أن أخرج لك عن مسكني كما خرجت لرسول الله صلّى الله عليه (وآله) وسلّم، فأمر أهله فخرجوا، وأعطاه كلّ شيء أغلق عليه الدار، فلمّا كان انطلاقه قال: حاجتك؟ قال: حاجتي عطائي وثمانية أعبد يعلمون في أرضي، وكان عطاؤه أربعة آلاف فأضعفها له خمس مرات، فأعطاه عشرين ألفاً وأربعين عبداً»(1).
وهذا الخبر رواه الحاكم في المستدرك لا يخلو من فوائد واليك بلفظه: «إنّ أبا أيوب الأنصاري أتى معاوية فذكر له حاجة، قال: ألست صاحب عثمان؟ قال: أمّا إنّ رسول الله صلّى الله عليه (وآله) وسلّم قد أخبرنا انّه سيصيبنا بعده إثرة، قال: وما أمركم؟ قال: أمرنا أن نصبر حتى نرد عليه الحوض، قال: فاصبروا. فغضب أبو أيوب وحلف أن لا يكلّمه أبداً.
ثمّ إنّ أبا أيوب اتى عبد الله بن عباس فذكر له ذلك، فخرج له عن بيته كما خرج أبو أيوب لرسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) عن بيته، وقال: أيش تريد؟ قال: اربعة أغلمة يكونون في محلي، قال: لك عندي عشرون غلاماً»(2).
ورواه مرة أخرى وفيه: «وكان قدم عليه البصرة، ففرغ له بيته، وقال: لأصنعنّ بك كما صنعت برسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم)، وقال: كم عليك من الدين؟ قال: عشرون ألفاً، قال: فأعطاه أربعين ألفاً وعشرين مملوكاً وقال: لك ما في البيت. قال الحاكم: هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرّجاه»(3). ووافقه الذهبي في

(1) المعجم الكبير 4/125 ط الموصل، ورواه بسند أخر في 4/126.
(2) مستدرك الحاكم 3/459.
(3) نفس المصدر /460.
موسوعة عبدالله بن عباس- الحلقة الاولى - الجزء الرابع 365

التلخيص وقال: إنّه صحيح(1). وورد الخبر في سير أعلام النبلاء للذهبي(2)، وتاريخ ابن كثير(3).
وتعقيباً منا على الخبر، فهو نص صريح على وفادة أبي أيوب الأنصاري على ابن عباس وهو بعدُ بالبصرة، وكانت وفادته بعد وفادة على معاوية كانت مخيبة لآماله، فلم يرَ الحسن ولم يسمع من معاوية غير السخرية والتهكّم بالانصار وبحديث الرسول (صلّى الله عليه وآله وسلّم). لذلك يمّم وجهه شطر ابن عباس، فأسدى له ومعه ما مرّ ذكره من تكريم وعطاء لم يكن ليحلم ببعضه عند معاوية.
ولعل خبر هذه الوفادة وصل إلى معاوية فغاضه أن يكون لبني هاشم شأنٌ يذكر، ورأس يُشار إليه ويُقصد، وهو الّذي قد كادَ سيّد بني هاشم الإمام الحسن (عليه السلام) حتى استلب الحكم من يده فسالمه مضطراً، إذن لماذا يترك ابن عباس وشأنه، وهو لم يبايع سالماً، ولا يزال يمارس نشاطه مراغماً، فكتب إليه بما مرّ ذكره، وأجابه ابن عباس بجواب تقدّم شطره وسطره. وبعد هذا فلا يعني بقاء ابن عباس بالبصرة بعد الصلح محتملاً الا أن يقيم كسائر المواطنين تحت ولاية الوالي الذي سيرسله معاوية، وما يدريه ماذا تحمله له الأيام مع الوالي الجديد. إلاّ أنّها بلا شك لا تحمل له ما يطمئنه بالراحة ويبشّره بالخير. فعليه أن يرحل وعليه أن يتهيأ للمغادرة، ويستعد للعودة إلى الحجاز ـ مكة أو المدينة ـ حيث مهبط الوحي ومنتدى الأهل، وقد عاد من قبلُ إمامُه الحسن (عليه السلام) وأهلُ بيته الكرام، ففارقوا الكوفة، وهي في نفس ابن عباس سيدة البصرة، ولعل مرارة تجرّعه الغيظ

(1) راجع مجمع الزوائد 9/323، وقال: رواه الطبراني.
(2) سير أعلام النبلاء 3/236 ط مصر، و 4/59 و 63 ط دار الفكر ببيروت.
(3) تاريخ ابن كثير 3/202.

السابق السابق الفهرس التالي التالي