موسوعة عبدالله بن عباس- الحلقة الاولى - الجزء الرابع 317

قومه، فتك بهم وركبها منهم، فهرب منهم فأتى النبيّ (صلّى الله عليه وآله وسلّم) كالعائذ بالإسلام، والله ما رأى أحد عليه منذ ادعى الإسلام خضوعاً وخشوعاً.
ألا وانّه كان من ثقيف فراعنة قبل يوم القيامة يجانبون الحقّ ويسعرون نيران الحرب ويوازرون الظالمين، ألا إنّ ثقيفاً قَومٌ غُدر لا يوفون بعهد، يبغضون العرب كأنّهم ليسوا منهم، ولربّ صالح قد كان فيهم، فمنهم عروة بن مسعود وأبو عبيد بن مسعود المستشهد يوم قسّ الناطف، وإنّ الصالح في ثقيف لغريب»(1).
ولا تزال تعيش الفكرة الخاطئة في كثير من الأدمغة الّتي ترى الميكافلية السبيل الأقوى إلى بلوغ الغاية، ولا تنظر إلى السبيل الأقوم، حتى كانوا يرون في بلوغ معاوية إلى سدة الحكم حجة لهم. وانّه كان داهية ولم يكن الإمام كذلك، وقد فاتهم قد يرى الحوّل القلّب وجه الحيلة ولكن دونها حاجز من تقوى الله. وللردّ على هؤلاء فلنقرأ أوّلاً: ما قاله أمير المؤمنين (عليه السلام): «والله ما معاوية بأدهى مني ولكنه يغدُر ويفجُر، ولولا كراهية الغدر لكنت من أدهى العرب، ولكن كلّ

(1) شرح النهج لابن أبي الحديد 1/363 - 364 ط مصر الأولى، وكتاب الغارات /516 تحقيق السيّد جلال الدين الحسيني، وغدرة المغيرة وفجرته، ذكرها من المؤرخين ابن هشام في سيرته عند صلح الحديبية 2/313 ط مصر سنة 1375، وذكرها ابن جرير الطبري في تاريخه في حوادث السنة السادسة 1/1537 ط أوربا. والواقدي في المغازي تحت عنوان: غزوة الحديبية 2/595 وهو أوسع من ذكر ذلك. وابن الأثير 2/76 وغيرهم وملخصها بلفظ ابن هشام: فقال عروة: من هذا يا محمّد؟ قال: هذا ابن أخيك المغيرة بن شعبة قال: أي غَدر وهل غسلت سوأتك إلاّ بالأمس؟ قال ابن هشام: أراد عروة بقوله هذا أن المغيرة بن شعبة قبل إسلامه قتل ثلاثة عشر رجلاً من بني مالك من ثقيف، فتهايج الحيّان من ثقيف بنو مالك رهط المقتولين، والأحلاف رهط المغيرة فودى عروة المقتولين ثلاث عشرة دية وأصلح ذلك الأمر.
موسوعة عبدالله بن عباس- الحلقة الاولى - الجزء الرابع 318

غدرة فجرة، ولكلّ فجرة كفرة، ولكلّ غادر لواء يُعرف به يوم القيامة، والله ما أُستغفل بالمكيدة، ولا أُستغمز بالشديدة»(1).
ولنذكر في هذا المقام ما حكاه ابن أبي الحديد عن أبي عثمان ـ الجاحظ ـ قال أبو عثمان: «وربّما رأيت بعض من يظن بنفسه العقل والتحصيل والفهم والتمييز، وهو من العامة، ويظن أنّه من الخاصة، يزعم ان معاوية كان أبعد غوراً، وأصح فكراً وأجود رويّة، وأبعد غاية، وأدّق مَسلكاً، وليس الأمر كذلك، وسأومي إليك بجملة تعرف بها موضع غلطه، والمكان الّذي دخل عليه الخطأ مِن قبله.
كان عليّ (عليه السلام) لا يستعمل في حربه إلاّ ما وافق الكتاب والسنّة، وكان معاوية يستعمل خلاف الكتاب والسنّة كما يستعمل الكتاب والسنّة، ويستعمل جميع المكايد حلالها وحرامها، ويسير في الحرب بسيرة ملك الهند إذا لاقى كسرى، وخاقان إذا لاقى رتبيل، وعليّ (عليه السلام) يقول: لا تبدؤهم بالقتال حتى يبدؤوكم ولا تتبعوا مُدبراً، ولا تجهزوا على جريح ولا تفتحوا باباً مغلقاً. هذه سيرته في ذي الكلاع وفي أبي الأعور السُلمي وفي عمرو بن العاص وحبيب بن مسلمة وفي جميع الرؤساء كسيرته في الحاشية والحشو والأتباع والسفلة، وأصحاب الحروب ان قدروا على البيات بيتوا، وان قدروا على رضخ الجميع بالجندل وهم نيام فعلوا، وإن أمكن ذلك في طرفة عين لم يؤخروه إلى ساعة،

(1) شرح النهج لابن أبي الحديد 2/572، وشرح محمّد عبده 2/206 وجاء في حديث ابن أبي شيبة في كتاب الجمل من مصنفه 15/251 ط باكستان قول كليب الجرمي وقد دخل على أمير المؤمنين (عليه السلام) بذي قار فقال: قدمت على أدهى العرب ـ يعني علياً ـ... وقد أخرج الطبري الحديث بكامله وفيه شهادة الجرمي بأن علياً من أدهى العرب ـ راجع 4/491.
موسوعة عبدالله بن عباس- الحلقة الاولى - الجزء الرابع 319

وإن كان الحرق أعجل من الغرق لم يقتصروا على الغرق ولم يؤخروا الحرق إلى وقت الغرق...
فمن اقتصر ـ حفظك الله ـ من التدبير على ما في الكتاب والسنّة كان قد منع نفسه الطويل العريض من التدبير وما لا يتناهى من المكايد، والكذب ـ حفظك الله ـ أكثر من الصدق، والحرام أكثر عدداً من الحلال... فعليّ (عليه السلام) كان ملجماً بالورع عن جميع القول إلاّ ما هو لله (عزّ وجلّ) رضاً، فصار ممنوع اليدين من كلّ بطش إلاّ ما هو لله رضاً ولا يرى الرضا إلاّ فيما يرضاه الله ويحبه، ولا يرى الرضا إلاّ فيما دلّ عليه الكتاب والسنّة، دون ما يعوّل عليه أصحاب الدهاء والمكر والمكايد والآراء، فلمّا أبصرت العوام كثرة نوادر معاوية في المكايد وكثرة غرائبه في الخداع، وما اتفق له وتهيّأ على يده ولم يروا ذلك من عليّ (عليه السلام)، ظنوا بقصر عقولهم وقلة علومهم ان ذلك من رجحان عند معاوية ونقصان عند عليّ (عليه السلام)...»(1).
وهذا الحال ذكره غير واحد من الكتاب المعاصرين.
منهم الكاتب أحمد عباس صالح، قال في كتابه اليمين واليسار: «وكان عليّ بن أبي طالب يمثل في نظر غالبية المسلمين الرجل الوحيد الأقرب إلى روح الإسلام وأصوله الصحيحة، ولكنه في نفس الوقت يمثل السياسي المتشدد أو على الأصح الأكثر تشدداً من عمر بن الخطاب نفسه، وهو الأمر الّذي جعل الكثيرين من القادة والطامحين والمستفيدين ينظرون إلى تولية عليّ بن أبي طالب نظرة حذر وتردّد. وأصحاب المصالح لم يستطيعوا أن يحتملوا عمر، ابن

(1) شرح النهج لابن أبي الحديد 2/577 ط مصر الأولى.
موسوعة عبدالله بن عباس- الحلقة الاولى - الجزء الرابع 320

الخطاب، فأولى بهم أن يتخوفوا من عليّ وأن يعملوا جهدهم ألاّ يصل إلى الخلافة»(1).
ومنهم الدكتور هشام جعيّط (تونسي)، قال في كتابه الفتنة ما يلي: «هناك في التراث التاريخي العربي ميل شديد إلى إظهار عليّ على أنّه سياسي رديء، وحتى كأنه رجل محدود(2) وفي المقابل هناك ميل إلى اعتبار معاوية ذا حسّ سياسي عميق. وليس في ذلك فقط انعكاس لواقع، أو على العكس، تعبير عن شبكة رقيقة من الروايات المعادية لعليّ، بل هناك أيضاً الميل الغالب على العقل البشري لرفض الكمال وإلى مساواة اللعبة، وإلى تمييز مجالات الأنشطة، فبما ان التقوى هي نصيب عليّ، فعندئذ تكون السياسة نصيب معاوية.
وحتى أننا نلاحظ في الموروث التاريخي المؤيد لعليّ إلى حد كبير، نزوعاً غامضاً إلى التشديد على دهاء معاوية، يكون في آنٍ عبقرية استراتيجية ومكر يستحق الإعجاب والإدانة.
في الواقع ليست الاُمور بهذه البساطة: فقد كان عليّ سياسياً اكثر ممّا يُعتقد، وكان معاوية استراتيجياً أقل كياسة، وكان بالأخص أقل مكراً ممّا جرت العادة على وصفه.
وبعد يبقى صحيحاً أنّ عليّاً كان بوجه خاص قد عرف تجربة المرحلة التاريخية النبوية المحصورة في المجال الحجازي والعربي على الأكثر، وأنه لم

(1) اليمين واليسار في الإسلام /97ـ ـ98 ط المؤسسة العربية للدراسات والنشر سنة 1972.
(2) هذه روايات من أصل أموي وأما من أصل عباسي. راجع مثلاً الطبري 4/439 حيث يبرز الواقدي على المسرح علياً وابن عباس، علياً والمغيرة بن شعبة، وحيث يبدو عليّ مفتقراً إلى الحسّ السياسي بالمقارنة مع الرجلين.
موسوعة عبدالله بن عباس- الحلقة الاولى - الجزء الرابع 321

يُرَد له، أو أنّه هو ذاته لم يُرِد إقحام نفسه في مغامرة الفتح، وبالتالي توسيع آفاقه، بينما كان معاوية قد وجد نفسه طيلة /20 سنة مشاركاً في تنظيم الامبراطورية وإدارتها...»(1).
ومنهم الشيخ العلائلي، في كتابه القيم سموّ المعنى في سموّ الذات، وقد بحث (أسباب فشل سياسة عليّ (عليه السلام) ونجاح السياسة المعادية) كما عنون ذلك، فقال: «والحقّ أنا إذا درسنا سياسة عليّ (عليه السلام) وسياسة معاوية، على مناهج علوم النفس والسياسة والاجتماع والقانون، رأينا عمق سياسة عليّ ونفوذها ورجاحة خططه، ونرى أيضاً كيف يبني ويهدم تبعاً لنظر دقيق وتفكير موفّق، وانما جاء فشلها من نواح:
(1) انّ التربية الدينية لم تشمل العرب على وجه صحيح، ولم يعن الخلفاء بنشرها على الطريقة الوجدانية الّتي اختمرت في نفس أبي ذر (رضي الله عنه) فقام ينشرها مجتهداً... ثمّ ذكر أسباب ذلك التخلف في الشعور الديني عند العرب ثمّ قال: إذاً فقد كان أخذ عليّ (عليه السلام) لهؤلاء بالسياسة الدينية الصارمة وهم على غير استعداد لها سبباً من أسباب الفشل.
(2) سياسة عليّ (عليه السلام) القانونية، فقد كان يلتمس لكل اجراآته وجوهاً من القانون أي دينية، ويجتهد في ايضاحها قبل أن يقوم بحركة ما، ولا شك في أنّ طبيعة القانون غير طبيعة الظروف المفاجآت هذا سبب ثان للفشل، بينما كانت

(1) الفتنة /186، جدليّة الدين والسياسة في الإسلام المبكر ـ ترجمة خليل أحمد خليل استإذ المعرفة والفلسفة ـ الجامعة اللبنانية بمراجعة المؤلف. ط دار الطليعة للطباعة والنشر بيروت ط الثالثة سنة 1995.
موسوعة عبدالله بن عباس- الحلقة الاولى - الجزء الرابع 322

سياسة معاوية لا تتقيد بحدود ولا بأوضاع، وإنّما تركب كلّ صعب وذلول في سبيل أغراضها، وكذلك كانت سياسة مستشاره عمرو...
هذا ميزان نستطيع أن نزن به سياسة عليّ (عليه السلام) ومعاوية، فقد كان عليّ محافظاً دينياً لا يمكنه أن يحمل الناس إلاّ على قانونه الخاص الّذي يسيطر عليه، ولا يتحلل من أسره، ولذلك هو يلتمس لنفسه شواهد من القانون تبرّر عمله، فإن لم يجدها أحجم إحجام المذعور، ومن ثمّ لا يعطي أذنه لأي ناصح مهما علم صدقه وصدق رأيه ما دام لا يتفق مع الدين (القانون الّذي يحترمه عليّ (عليه السلام) ويعمل به).
بينما كان معاوية متحللاً من هذا القيد، فلم تكن سياسته قانونية بل سياسة ظرفية، ومن ثمّ كانت قمينة بالنجاح وجديرة بأن لا تفشل.
(3) روح العراق الّتي كانت قَبَليّة في ذلك العهد على شكل وبيل فظيع، إذ كان يجمع أقواماً من قبائل شتى وجهات مختلفة تقوم في مجموعها على التقليد البدوي القديم الّذي لم يؤثر فيه الإسلام شيئاً، لأنّه لم يهاجمه في محل العقيدة ومكان الضمير، وإنّما هاجمه في الأعمال الظاهرة والشكل الصوري فقط... وبهذا أعلل كلّ الإضطرابات الّتي ثارت في محيط العرب، وأبرزها إكراه خليفة كعليّ (عليه السلام) لقبول التحكيم وتهديده بأن يفعل به كما فعل بعثمان (رضي الله عنه) ولقد قال عليّ كرّم الله وجهه في كلمة له: (لا رأي لمن لا يطاع)...
(4) من القضايا الثابتة أنّ البدوي يؤخذ بالاحتكام والخوف والسيطرة، وبعث الرعب في نفسه والتظاهر عليه بالقوة...
هذه أسباب اجتمعت على فشل سياسة عليّ.

موسوعة عبدالله بن عباس- الحلقة الاولى - الجزء الرابع 323

وقال: إنّ المقدرة السياسية لا تقاس بمقدار النجاح بل بمقدار ما تكون مقدماتها التعليلية صحيحة، لأنّ الفشل كثيراً ما يكون نتيجة مفاجأة لم تكن في الحسبان كما وقع لعليّ (عليه السلام) بالفعل في حركة الخوارج، ولولاها لكان نجاحها مضموناً أو محتوماً...»(1).
ومنهم الدكتور طه حسين، يقول في كتابه علي وبنوه في حديثه عن فرار مصقلة بن هبيرة إلى معاوية: «يظهر الفرق واضحاً بين مذهب عليّ في السياسة الّتي تخلص للدين، ومذهب معاوية في السياسة الّتي تخلص للدنيا»(2).
وقال: «وهذه السيرة الّتي سارها عليّ في عمّاله هي نفس السيرة الّتي سارها في الناس، فلم يكن يُطمع الناس في نفسه، ولم يكن يوئيسهم منها، وإنّما كان يدنو منهم أشد الدنوّ ما استقاموا على الطريق وأدّوا الحقّ، فإن انحرفوا عن الجادة أو التووا ببعض ما يجب عليهم بَعُد عنهم أشدّ البعد، وأجرى فيهم حكم الله غير مصطنع هوادة أو رفقاً»(3).
وقال أيضاً: «فقل إذاَ في غير تردّد: انّ أوّل الظروف الّتي كانت تقتضي أن يخفق عليّ في سياسته هو ضعف سلطان الدين على نفوس المحدثين من المسلمين، وتغلّب سلطان الدنيا على هذه النفوس»(4).
وقال: «كان عليّ يدبّر خلافة، وكان معاوية يدبّر ملكاً وكان عصر الخلافة قد انقضى وكان عصر الملك قد أظلّ»(5).

(1) سمو المعنى في سمو الذات /49 مط عيسى البابي الحلبي وشركاه بمصر سنة 1358.
(2) عليّ وبنوه /128 ط دار المعارف.
(3) نفس المصدر /166.
(4) المصدر السابق /177.
(5) نفس المصدر /181.
موسوعة عبدالله بن عباس- الحلقة الاولى - الجزء الرابع 324

ومنهم الاستاذ عباس محمود العقاد، يقول في كتابه عبقرية الإمام: «فالسياسة الّتي اتبعها الإمام هي السياسة الّتي كانت مقيّضة له مفتوحة بين يديه، وهي السياسة الّتي لم يكن له محيد عنها، ولم يكن له أمل في النجاح إن حاد عنها إلى غيرها . . .
ومهما يكن من حكم الناقدين في سياسة الإمام فمن الجَور الشديد أن يُطالب بدفع شيء لا سبيل إلى دفعه، وأن يحاسب على مصير الخلافة وهي منتهية لا محالة إلى ما انتهت إليه...
ومن الجور الشديد أن يلقى عليه اللوم لأنّه باء بشهادة الخلافة ولابدّ لها من شهيد.
وقد تجمعت له أعباء النقائض والمفارقات الّتي نشأت من قبله، ولم يكد يسلم منها خليفة من الخلفاء بعد النبيّ صلوات الله عليه...
وقد نُقدت سياسة عليّ لفوات الخلافة منه قبل البيعة، كما نُقدت سياسته لفوات الخلافة منه بعد البيعة، واحصى عليه بعض المؤرخين أنّه تأخر نيّفاً وعشرين سنة فلم يخلف النبيّ (صلّى الله عليه وآله وسلّم) ولم يخلف أبا بكر، ولم يخلف عمر... كأنّه كان مستطيعاً أن يخلف أحداً منهم بعمل من جهده وسعي من تدبيره، فأعياه السعي والتدبير...»(1).
ثمّ ساق العقاد ما براه بمنظوره الخاص من أسباب العوائق الّتي حالت بين الإمام وبين الخلافة قبل وصولها إليه، فذكر جملة منها ما صح وفيها ما لا يصح، غير انّه ختم كلامه فقال: «وكلّ سياسة له لم تكن لتحيد به عن الخاتمة

(1) عبقرية الإمام /773 العبقريات الإسلامية.
موسوعة عبدالله بن عباس- الحلقة الاولى - الجزء الرابع 325

المحتومة أقل محيد. وكلّ ما كان من تدبير الحوادث أو من تدبيره فهو على هذا الملتقى الّذي يتلاحق عنده الاسراع والإبطاء ـ إلى أن قال ـ: وتقضي بنا هذه التقديرات جميعاً إلى نتيجة واضحة نلخصها في كلمات وجيزة ونعتقد أنها أعدل الأقوال في وصف تلك السياسة الّتي كثرت مطارح النقد والدفاع.
فسياسة عليّ لم تورّطه في غلطات كان يسهل عليه اجتنابها باتباع سياسة أخرى. وهي كذلك لم تبلغه مآرب مستعصية، كان يعز عليه بلوغها في موضعه الّذي وضع فيه وعلى مجراه الّذي جرى عليه.
فليست هي علة فشل منتزع، ولا علة نجاح منتزع، أو هي لا تستدعي الفشل من حيث لم يخلق، ولا تستدعي النجاح من حيث لم يسلس له قياد...
ورأينا في سياسته فهماً وعلماً، ولكننا لم نر فيها الحيلة العملية الّتي هي إلى الغريزة أقرب منها إلى الذكاء...
فكان نعم الخليفة، لو صادف أوان الخلافة...
وكان نعم الملك لو جاء بعد توطيد المُلك واستغنائه عن المساومة والإسفاف. ولكنه لم يأت في أوان الخلافة ولا في أوان مُلك مُوطّد، فحمل أعباء النقيضين وأخفق حيث ينبغي أن يخفق أو حيث يعييه أن ينجح، وتلك آية الشهيد»(1).
وقال العقاد أيضاً: «ثمّ يفترق الناس في رأيه إلى رأيين وإن لم يكونوا من الشانئين المتحزبّين، فيقول أناس إنّه كان على قسط وافر من الفهم والمشورة، ولكنه عند العمل لا يرى ما تقضي به الساعة الحازبة، ولا ينتفع بما يراه، ويقول أناس: بل

(1) نفس المصدر /773.
موسوعة عبدالله بن عباس- الحلقة الاولى - الجزء الرابع 326

هو الاضطرار والتحرّج يقيدانه ولا يقيّدان أعداءه، وإنّهم لدونه في الفطنة والسداد وهو (رضي الله عنه) قد اعتذر لنفسه بمشابه من هذا العذر حين قال: (والله ما معاوية بأدهى مني، ولكنه يغدر ويفجر، ولولا كراهية الغدر لكنت من أدهى العرب)»(1).
ومنهم عبد الوهاب النجار، قال في كتابه تاريخ الخلفاء: «إننا إذا نظرنا إلى عليّ من جانب الدين وحب الحقّ والزهد في الدنيا والإعراض عن زخارفها وزينتها وجدناه يمشي في صف أبي بكر وعمر لا يتخلف عنهما قيد خطوة.
وإذا نظرنا من جهة الفقه في أحكام الدين والعلم بجزئيات فروع الشريعة وجدناه يسبقهما. أمّا من حيث تدبير الملك وسياسة الرعية ومقاربة العامة، والتنبّه لدقائق السياسة والأخذ على شكائم القوم والإحاطة بأحوالهم، فإنّه يتأخر عن الرجلين في هذا المقام. مع سعة درايته وقوة عارضته، لأنّ الأقوال في السياسة وحسن الملكة والإعراب عن دقائق ذلك شيء، وإفاضة ذلك على الرعية وبسط النفوذ على الكافة وإخضاعهم للإرادة شيء آخر.
وقد يمر بنا شيء من ذلك ومن تعليل عدم نجاحه في جمع كلمة الأمة. والسرّ في ذلك سوء الأحوال الّتي تولى فيها. وعندي أنّ الوقت لو صفا لعليّ (رضي الله عنه) وواتته المقادير باستتباب الراحة واجتماع الكلمة، لأذاق الأمة حلاوة العدل، وحملهم على الجادة وسار بهم في طريق الفتوح، وبسط نفوذ الإسلام وإعزاز كلمته بما لم يدع مقالاً لقائل، ولله في خلقه شؤون.
ويكفي من ينظر في أمر عليّ أنّه لم يوجد عنده من المال سوى سبعمائة درهم كان أرصدها لشراء خادم له لم يكن عنده سواها، وفي رعيته من يملك

(1) نفس المصدر /699 مجموعة العبقريات الإسلامية.
موسوعة عبدالله بن عباس- الحلقة الاولى - الجزء الرابع 327

عشرات الآلاف ومئات الآلاف، ولم يكن مترفهاً في معيشته ولا متوسعاً كما كان معاوية أو عثمان، بل كان من طراز أبي بكر وعمر»(1).
أقول: ومهما كانت آراء من سبق من الباحثين متفاوتة في تقييمهم لسياسة الإمام (عليه السلام)، لكنها متفقة على أنّه (عليه السلام) كان المصيب في عزله ونصبه، وسلمه وحربه، متبعاً أمر ربّه، لذلك لم تكن الخلافة عنده تساوي شسع نعل إلاّ أن يقيم حقاً أو يدفع باطلاً.
وقد قال أحمد بن حنبل ـ إمام الحنابلة ـ: «إنّ عليّاً ما زانته الخلافة ولكن هو زانها».
وتعقّبه ابن الجوزي بعد أن حكى ذلك عنه بقوله:
مـا زانـه المـلـك إذ حـواه بـل كـلّ شـيء بـه يـزان
جـرى فـفات الملوك سبقاً فـلـيـس قُـدّامـه عـنـان
نـالـت يـداه ذُرى مـعـالٍ يـعجز عن مثلها العيان(2)

وقد أدرك ذلك في الإمام (عليه السلام) حتى غير المسلمين، وحسبنا نموذجاً واحداً هو جورج جرداق، فقد قال: «لقد كان عليّ من المهارة والمقدرة على الدهاء بحيث لم يكن غيره من مهرة العرب ودهاتهم، وكان من بُعد الغَور وعمق النظر في أمور السياسة والقتال، ومن سَبر النفوس وإدراك الدخائل، ومن معرفة النتائج قبل الوصول إليها، والبصر بأهواء الرجال ومطامعهم وأساليبهم في الحيلة، بحيث لم يكن معاوية بن أبي سفيان ولا عمرو بن العاص ولا غيرهما من أهل الدهاء

(1) تاريخ الخلفاء /474 ط السلفية بمصر.
(2) التبصرة 2/243 ط عيسى البابي الحلبي سنة 1390 تح ـ د. مصطفى عبد الواحد.
موسوعة عبدالله بن عباس- الحلقة الاولى - الجزء الرابع 328

والحيلة. ولكنه كان يزدري الحيلة الملتوية، ويمقت ما يسميه الناس استغلال الفرصة إذا كان فيه ما يخجل الخُلق. وكان يرفع نفسه عن المكر والكيد، ولو جاءاه بالنصر، ويأبى إلاّ الصراحة والصدق، أو ليس هو القائل بصدد ما شاع في زمانه عن دهاء معاوية، وقعوده هو عن مثل هذا الدهاء ـ (والله ما معاوية بأدهى مني، ولكنه يغدر ويفجر، ولولا كراهية الغدر لكنت أدهى العرب)ـ.
وقد أشبعنا هذه الناحية درساً مباشراً أو غير مباشراً فما بنا حاجة للعودة إليها الآن، وإنّما نذكرها بمعرض الحديث عن حادثتي صفين ـ يعني استيلاء الإمام على الماء بعد ان أجلى جند معاوية عنه ثمّ أباحه لهم، ويعني تمكنّه من قتل عمرو بن العاص ثمّ عفته عنه لأنّه شغر برجله وأبدى عورته ـ لنرى إلى أيّ حد يعجز بعض خصومه وبعض محبيه عن إدراك شخصيته إدراكاً صحيحاً شاملاً، فإذا بأولئك يتهمّونه بالتقصير في الميدان السياسي، وإذا بهؤلاء يأسفون لفرصتين لم يستغلهما في الميدان الحربي، وكلّهم مخطئ بمقياس الشخصية العلوية، لأنّ مفاهيم السياسة وقواعد الحرب عند الإمام نابعة من معين واحد لا يتجزأ ولا يتقطع، هو الشخصية العلوية، أو قل: الروح العلوية الّتي يُصدّق بعضها بعضاً، وتستند مآتيها الواحد إلى الآخر، ولا مقياس لديها أجلّ وأعظم من الوجدان السليم والخلق الكريم اللذين يكمنان عنده وراء كلّ قاعدة وكلّ شريعة.
ثمّ إنّ قولاً غير هذا نرى من الخير أن نثبته في هذا المقام. تحدّث إليَّ مرة صديق أديب يُعنى بشؤون الإسلام قال: وكأنه ينزع عن ألسنة سائر القائلين: لن تقنعني بأنّ عليّاً كان خبيراً بأحوال السياسة وأمور الرجال، وبأنّه كان من الموهبة

موسوعة عبدالله بن عباس- الحلقة الاولى - الجزء الرابع 329

السياسية بحيث تقول فسألته قائلاً: لنفرض أنّ الصدفة لم تسق عبد الرحمن بن ملجم إلى قتل عليّ، أو لنفرض أنّ الصدفة شاءت أن يكون إلى جانب عليّ صبيحة مقتله رهط من أنصاره فوقوه الضربة الغادرة فنجا، ثمّ عاد ثانية لتأديب معاوية تنفيذاً لما كان عازماً عليه، وانتصر على جند الشام في معركة السيف كما كان مرجّحاً أن يكون! أو لنفرض إن حيلة التحكيم في موقعة صفين لم تجز على قسم من جيش عليّ، فتابعوا القتال وقبضوا على معاوية وعمرو بن العاص، وانتهى أمر الموقعة كما انتهى أمر موقعة الجمل!
أقول: لنفرض كلّ هذا أو شيئاً من هذا، وأنّ عليّاً انتصر أخيراً على معاوية كما انتصر على طلحة والزبير ـ وهو إن لم ينتصر فعلى الصدفة والقدر تقع المسؤولية ـ فماذا كنت تقول في سياسة عليّ عند ذاك؟! وأي مطعن في كفاءاته كنت ترى؟!
أما كنت تقول مع القائلين: إنّ عليّاً جمع إلى البلاغة والحكمة وشرف النفس وصفاء الوجدان، دهاءً فوق دهاء معاوية في السياسة، وطاقة فوق طاقة عمرو بن العاص في مواجهة الأحداث ومعالجة المعضلات له.
وما يقال في شأن عليّ بهذا الصدد يقال في شأنه يوم أخذ عليه الآخذون عزل معاوية عن الولاية، وعزل غيره من الولاة الذين شاءت الصدف وأحوال العصر وسياسة عثمان وأوضاع الناس أن تمدهم بأسلحة لا شأن في مقارعتها للخُلق السليم والإدراك العظيم والكفاءة الخالصة. لقد تعوّد الناس وفيهم الدارسون والمؤرخون أن ينساقوا في تيار المألوف من النظر في الأمور والحكم عليها. وفي مقدّمة هذا المألوف أن تقاس كفاءات الرجال في الصراع بمقياس الانتصار والإنكسار، دونما نظر إلى الأسلوب المتّبع في إدراك النصر، ودونما

موسوعة عبدالله بن عباس- الحلقة الاولى - الجزء الرابع 330

نظر إلى احتمالات كثيرة يتعلّق بعضها بالأخلاق إذ تنحدر أو تعلو، ويرتبط بعضها بالصدف والتقادير الّتي لابدّ في دفعها لمنكسر، ولابدّ في إعدادها وإنزالها منزلة السلاح القادر القاهر لمنتصر أو لذي دهاء.
وعلى كلّ حال فهؤلاء يريدون من عليّ أن يوارب في السياسة، وأن يستغل الظرف في القتال ويأبى هو ذلك.
إنّهم يريدونه أن يكون معاوية بن أبي سفيان، وهو عليّ بن أبي طالب؟...اهـ.»(1).
وفي هذا التصوير والتقدير الّذي رآه جرداق فقد شاركه في التصوير قبله السيّد قطب في كتابه العدالة الاجتماعية في الإسلام فقال: «والذين يروون في معاوية دهاء وبراعة لا يرونهما في عليّ، ويعزون إليهما غلبة معاوية في النهاية إنّما يخطئون في تقدير الظروف، كما يخطئون فهم عليّ وواجبه، لقد كان واجب عليّ الأوّل والأخير أن يردّ للتقاليد الإسلامية قوتّها، وأن يردّ إلى الدين روحه، وأن يجلو الغاشية الّتي غشت هذا الروح على أيدي أمية في كبرة عثمان ووهنه، ولو جارى معاوية في إقصاء العنصر الأخلاقي من حسابه لسقطت مهمته، ولمّا كان لظفره بالخلافة خالصة من قيمة في حياة هذا الدين، فما جدوى استبدال معاوية بمعاوية!؟ إن عليّاً إما أن يكون عليّاً أو فلتذهب الخلافة عنه، بل فلتذهب حياته معها، وهذا هو الفهم الصحيح الّذي لم يغب عنه ـ كرّم الله وجهه ـ وهو يقول: (والله ما معاوية بأدهى مني، ولكنه يغدر ويفجر، ولولا كراهية الغدر لكنت من أدهى الناس)... اهـ»(2).

(1) الإمام عليّ صوت العدالة الإنسانية (عليّ وعصره) 4/987 ط بيروت.
(2) العدالة الإجتماعية في الإسلام /197 ـ 198 ط 4 سنة 1373 بمصر.
موسوعة عبدالله بن عباس- الحلقة الاولى - الجزء الرابع 331

بداية عهد الخلافة الجديدة:

استقبل ابن عباس عهد الخلافة الجديدة بإيمانه الراسخ بأحقيتها الشرعية، فعليه أن يستلهم بعبقريته ما يستوحيه منها فيما يجب عليه القيام به أزاء الخلافة الجديدة،وما يلزمه من العمل في سبيل إرساء دعائمها، فهو في سنّه الّذي تجاوز بداية الكهولة حتى كان هو أكبر الهاشميين الّذين معه في الكوفة سنّاً، وهو في علمه أوسعهم - بعد الحسنين - علماً وفهماً، وهو في تجاربه أيضاً أكثر تجربة، فمن جميع ذلك له رصيدٌ يؤهله أن يكون هو صاحب الرأي والكلمة في تلك الساعة.
وهكذا كان، فقد قال الرواة: لمّا توفي الإمام أمير المؤمنين (عليه السلام) وجهزه أولاده وآله ومنهم ابن عباس، حتى رووا أنّه شارك الحسنين في تغسيله كما في رواية أبي مخنف عند أبي الفرج في المقاتل(1)، ورواية الهاروني في تيسير المطالب عن الأسود الكندي والأجلح قالا في حديثهما: «وولي غسله ابنه الحسن بن عليّ (عليه السلام) وعبد الله بن العباس»(2).
وقال الرواة: حمله بنوه وآله إلى مثواه الأخير حيث أمرهم بدفنه فيه في النجف - الغري - وذلك في جوف الليل الغابر(3)، وعادوا إلى الكوفة قبل أن ينبلج عمود الصبح، فدخلوا دار الإمام، وما من شك أنّهم تداولوا الحديث حول مواجهة الموقف مع الناس الّذين يترقبون ما يأتيهم من وراء رتاج الباب، ولابدّ

(1) مقاتل الطالبين /41 تح ـ السيّد أحمد صقر ط مصر سنة 1368 هـ.
(2) تيسير المطالب في أمالي أبي طالب الهاروني المتوفى سنة 454/85 ط بيروت سنة 139.
(3) أنظر الفتوح لابن أعثم 4/145 ط حيدر آباد.
موسوعة عبدالله بن عباس- الحلقة الاولى - الجزء الرابع 332

لمن في الدار من التفكير في كيفية أخذ البيعة للإمام الحسن (عليه السلام)، من الناس، وهم هم أنفسهم في الأمس القريب في مواقفهم المتخاذلة مع الإمام أمير المؤمنين (عليه السلام) حتى ملّهم وتبرّم بهم ومنهم، ودعا لنفسه وعليهم أن يريحه الله منهم، فاستجاب له دعاءه.
وما من شك أيضاً أنّ الناس الّذين اجتمعوا في المسجد في حالة انتظار وترقّب، وهم على وجل ممّا تحمله معها أيامهم المقبلة من عاديات معاوية الّذي يتربص بهم ويتحيّن الفرصة، وقد وافته، وبالأمس القريب كانت غاراته تترى على أطراف بلادهم، مضافاً إلى ما له في الكوفة من أناس - ولنسميهم طابوره الخامس ان صح التعبير - سوف يستغلون الفراغ الّذي خلّفه غياب الإمام أمير المؤمنين (عليه السلام)، إذن فلابدّ من سدّ هذا الفراغ بقيام إمام من بعده، يسدّد شؤونهم، ويلوذون به في ملمّاتهم، وإلاّ فسيكونون عرضة للضياع وانتهاش الضِباع.
وبين خضم المداولات في الدار والتكهنات خارج الدار، تبدّى الصبح لذي عينين، كما بدت طلعة الكهل الوقور وقد جلّله الحزن ليطالع الناس بموقف إعلام بصيغة استعلام، واعلان بلغة استفهام، فمن ذا هو؟ وماذا قال؟


إعلام واستعلام:

كان ذلك الرجل الثاكل الحزين الّذي بدّد سأم التربّص والترقب لدى الناس، هو عبد الله بن عباس.
ومن هو أولى منه في تلك الساعة الحرجة فهو مع حزنه البالغ المشوب بالحذر من المفاجأة، عليه أن يلج الرتاج ويفتح المغلق في صدور الناس، وعليه أن يهيء الجو المكفهرّ بالحزن لاستقبال بيعة جديدة، وعليه أن يدعو بدون

موسوعة عبدالله بن عباس- الحلقة الاولى - الجزء الرابع 333

ترهيب أو ترغيب، وعليه أن يخبر ولكنه بلغة المستخبر، فهو معلن ولكنه بلهجة مستفهم، لذلك خرج إلى الناس وهم في تطلّع إلى ما يقول، وهو أيضاً في تطلّع إلى ما في النوايا، يريد أن يستطلع الآراء ليعرف الخبايا في مدى الإستجابة والاستعداد لقبول البيعة الجديدة، وذلك قبل أن يعلمهم بالإمام الجديد فقال للناس بصوته الجهوري الموروث: «إنّ أمير المؤمنين (عليه السلام) توفي وقد ترك خَلَفاً، فإن أحببتم خرج إليكم، وإن كرهتم فلا أحد على أحد»، فبكى الناس وقالوا: بل يخرج إلينا.
ولا شك أنّ المقام كان يستدعي أكثر من هذا الكلام، ويتضح ذلك ممّا جاء في رواية البلاذري: قال: «وخرج عبيد الله (كذا) بن العباس بن عبد المطلب إلى الناس بعد وفاة عليّ ودفنه فقال: إنّ أمير المؤمنين (رحمه الله) تعالى قد توفي براً تقيا، عدلاً مرضياً، أحيى سنة نبيّه وابن عمه وقضى بالحق في أمته وقد ترك خَلَفاً رضيّاً، مباركاً حليماً، فإن أحببتم خرج إليكم فبايعتموه، وإن كرهتم ذلك فليس أحد على أحد. فبكى الناس: وقالوا: يخرج مطاعاً عزيزا»(1).
لغة تنبئك عمّا تكنّه نفس القائل من حنكة ودربة ودهاء، كما أنّ جواب الناس بلغة البكاء، تنبئك عمّا تكنّه نفوس السامعين من الحب والولاء، وما في دخيلتها من عاطفة ورثاء، ولا يمنع ذلك من وجود مراض النفوس بينهم ممّن يسرّون حسواً في ارتغاء.
والآن نحن أزاء هذا الموقف في حدود ما قرأناه في الخبر فهل نجد تطوراً في المبدأ الثابت لابن عباس والمعلن في مسألة الإمامة والإمام، فبعد

(1) أنساب الأشراف 3/28 تح ـ المحمودي ط بيروت.

السابق السابق الفهرس التالي التالي