موسوعة عبدالله بن عباس- الحلقة الاولى - الجزء الرابع 233

وبحكم كتاب الله وما افترض علينا من ولاية من أقر بديننا، فمعاذ الله أن نفعل ذلك إن شاء الله حتى تذهب أنفسنا أو نظهر على عدونا.
فقال ابن عباس: اللّهمّ هذا هو الحقّ.
وقالوا: ألست تعلم أنّ فيما اشترط عليّ ومعاوية كلّ واحد منهما على صاحبه، انّه أيّما رجل أحدث حدثاً من أصحاب عليّ ودخل في دين معاوية وحكمه فليس لعليّ إقامة الحد عليه لدخوله في دين معاوية وحكمه، وأيما رجل أحدث حدثاً من أصحاب معاوية ودخل في دين عليّ وحكمه فليس لمعاوية إقامة الحد عليه لدخوله في دين عليّ وحكمه، فكيف يدخل في دين قوم قد أقروا على أنفسهم بأنّه من أحدث حدثاً منهم ففر من حكم الله عليه وكره إقامة الحد بأن يقول دخل في دين معاوية زال ذلك الحكم والحد عنه؟ وكيف يدخل في دين عليّ وامره كذلك، وزاد بأن خلع نفسه من إمرة المؤمنين ولم يرجع ولم يستغفر ممّا قد أتى ممّا وصفناه وذكرناه من أمره فيما سوى ذلك قد استحق من امر الله البراءة والخلع حتى يتوب ويستغفر ربّه ويرجع من ذنبه. ألست تقول انّ عليّاً قاتل طلحة والزبير بكتاب الله وبما افترض الله عليه من قتال الفئة الباغية، وعلى ذلك الأمر قاتل معاوية؟
قال: اللّهمّ نعم.
قالوا: وعلى الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر قاتل عمار بن ياسر ومن معه بصفين حتى قتل عمّار بن ياسر ومن معه من أصحاب النبيّ (صلّى الله عليه وآله وسلّم) والتابعين باحسان، وبأمر الله وإذنه قاتلوا الفئة الباغية؟
قال: اللّهمّ نعم.

موسوعة عبدالله بن عباس- الحلقة الاولى - الجزء الرابع 234

قالوا: أخبرنا عن عليّ حين حكّم الحكمين أليس قد حرّم القتال الّذي أحلّ الله من معاوية وجنده حتى يحكم الحكمان ويأذنا به؟
قال: اللّهمّ نعم.
قالوا: فاخبرنا عن عليّ أحرّم دماءهم بتوبة من معاوية وجنده، ودخول منهم في الإسلام؟ أم حرّم دماءهم بغير توبة منهم ولا دخول في الإسلام؟
قال: بل حرّم دماءهم بالعهد الّذي أعطاهم حتى يحكم (الحكمين)(؟) بغير توبة ولا دخول في الإسلام.
قالوا: أليس قد حرّم عليّ منهم ما أحلّ الله من قتالهم من غير انتقال منهم عن الّذي أحلّ دماءهم، واستحل قتال من قتل بلا حدث، (فمن أقام) (؟) الآن بكتاب الله وسنّة نبيّه (صلّى الله عليه وآله وسلّم) وبما قام به عمّار ومن معه من المسلمين فقاتل من قاتله عمار واستحل من استحل عمّار فهو من الكافرين عند صاحبك؟ وكيف يكون عمار من المهتدين المؤمنين ويضل من عمل عمله واقتدى بهداه بعده، فإن (كان)(؟) قاتلهم عمّار هدى، فقد اهتدى من اهتدى بهداه، وإن كان ضلالاً فقد ضل عليّ وأتباعه بولاية عمّار ومن معه من المسلمين، لقتالهم معاوية؟ وكيف يكون القتال لمعاوية ضلالاً ومعاوية على الدين الّذي استحل منه عمار قتاله وقتال من معه ثمّ لم يتوبوا ولم يرجعوا عمّا هم عليه من دين المسلمين وقولهم؟ وكيف لم يكن القتال لطلحة والزبير على البغي ضلالاً وقد كانا افضل من معاوية، ويكون القتال لمعاوية ومن معه ضلالاً فهم على الدين الّذي كان عليه طلحة والزبير، هذا ما نعرف من خطأ عليّ ورجعته عما كان عليه من الحقّ ورغبته عما مضى عليه خيار المسلمين؟ وكيف يحل الله قتال قوم ويأمر به ثمّ

موسوعة عبدالله بن عباس- الحلقة الاولى - الجزء الرابع 235

يهتدي من حرّمه وهم على ذلك الدين ويضل من استحله، وكيف يحل الله قتال قوم ويأمر به ويأذن فيه ثمّ يكفّر من استحله حتى يأذن فيه من يستحل تحريمه من الحكمين، وذلك انّ عليّاً حرّم القتال الّذي أحلّه الله من معاوية وجنده، حتى يأذن فيه عمرو بن العاص وأبو موسى وزعم عليّ أنّه من قام بكتاب الله جلّ وعلا وسنّة نبيّه (صلّى الله عليه وآله وسلّم)، ويستحل ما أحل الله من قتال الفئة الباغية حتى تفيء إلى أمر الله فهو من الكافرين حتى يأذن فيه من يدين بتحريم ما أحل الله من قتال الفئة الباغية حتى تفيء إلى أمر الله بغير كتاب من الله حدث يحرّم ما أحل الله من قتالهم وحتى يأذن فيه من يدين بتحريمه ويستحل ما حرّم الله من دماء المسلمين، ويحرّم ما أحل الله من قتال الفئة الباغية ويعادي أولياء الله ويوالي أعداء الله. فنذكرك الله يا بن عباس هل يسع هذا من فعله ويهتدي به؟
قال: اللّهمّ لا. (وانصرف عنهم وهو مقرّ لهم ومعترف لهم أنّهم قد خصموه، ونقضوا عليه ممّا جاء به ممّا احتج به عليهم)(؟)
(فرجع ابن عباس إلى عليّ، فلمّا رآه قام إليه وناجاه وكره أن يسمع أصحابه قولهم وحجتهم الّتي احتجوا بها)(؟)
فقال له عليّ: ألا تعينني على قتالهم؟
فقال ابن عباس: لا والله لا أقاتل قوماً قد خصموني في الدنيا وإنّهم يوم القيامة لي أخصم وعليّ أقوى وإن لم أكن معهم لم أكن عليهم.
واعتزل عنه ابن عباس (رضي الله عنه) ثمّ فارقه، وكتب إليه عليّ (يؤنبه)(؟) بمال أخذه من البصرة من بيت المال.

موسوعة عبدالله بن عباس- الحلقة الاولى - الجزء الرابع 236

فقال له: قد عرفت وجه أخذي المال انّه كان بقية دون حقي من بعد ما أعطيت كلّ ذي حق حقه، قد علمت أخذي المال من قبل قولي في أهل النهروان، ولو كان أخذي المال باطلاً كان أهون من أن اشرك في دم مؤمن فاكفف عن القوم فأبى، والله أعلا وأعلم، انتهى»(1).
فهذا ما سطره سالم بن حمد العماني في كتابه، ولابدّ لنا من تعقيب يكشف للقارئ زيف ما ذكره وسطره.
ويتم ذلك من خلال النقاط التالية:

تعقيب بلا تثريب : (2)

لنقف وقفة عابرة عند تلك المحاورة، ولننظر كم عليها من علامات الاستفهام، ممّا يسقطها عن الاعتبار في هذا المقام.
1- ذكر المؤلف أسماء ثلاثة كتب أخذ بعضها عن بعض فجعلها مصادر للمحاورة، فقال: «نقلاً عن شرح اللامية للقطب وأصله في كتاب السير العُمانية من سيرة شبيب بن عطية».
ولمّا كانت تلك الأسماء مجهولة الهوية عند أصحاب المعجمات الببلوغرافية المعنية، بدءاً من ابن النديم صاحب الفهرست، ومروراً بكاتب جلبي صاحب كشف الظنون، انتهاءً بإسماعيل البغدادي صاحب ذيل كشف الظنون فمن أين السبيل إلى معرفة أصحابها وتقييم كتبهم فضلاً عن توثيقهم؟!

(1) العقود الفضية في أصول الأباضية /50 - 59.
(2) ممّا استجد بحثه فالحقناه بالكتاب.
موسوعة عبدالله بن عباس- الحلقة الاولى - الجزء الرابع 237

2- ذكر المؤلف اسم اثنين من علمائهم هما القطب صاحب شرح اللامية، وشبيب بن عطية صاحب السيرة، وقال عنه: «من علماء القرن الثاني للهجرة»، وحسبنا أن نبحث عنه وحده، ولو عرفناه فهو الأصل لمن بعده، ولكنّا بعد البحث المضني والأستعانة بالحاسوب الآلي في المكتبة الألفية وكتب العقائد والفرق بعد هذا كلّه لم نجد له ذكراً في كتب أصحاب الرجال والتراجم والتاريخ وكتب الفرق والمقالات. فمن ذا يكون هذا الإنسان المجهول الّذي ذكره في (ص253) وقال عنه في حديثه الجليل من أئمة الأباضية في عمان فقال: «وتوفي في زمانه خلف بن زياد البحراني، وبقي في منزلة إمام بعده شبيب بن عطية الأباضي العماني ومحمّد بن أبي عفان وفي زمانهما بعض جور وقتل»؟
وحبّذا لو ذكر عنه شيئاً من ترجمته أسوة بمن ترجم لهم من أئمة الأباضية، حيث ترجم لأبي الشعثاء جابر بن زيد في (ص93)، ولأبي بلال مرداس بن حدير في (ص107)، ولعبد الله بن أباض (ص121)، ولأبي عبيد مسلم بن أبي كريمة في (ص139)، وللربيع بن حبيب في (ص149)، فبقي على جهالته، ولا تجدينا معرفة الباقين ما دام الأصل مجهولاً.
3- ولو سلّمنا جدلاً أنّ (شبيب بن عطية)كان شخصاً واقعياً له وجود خارجي، ولم يكن اسماً موهوماً، فلماذا لم يسند روايته بإسناد يرفع عنه إصر الوضع، وقد كان الإسناد في عصره هو الوسيلة الوحيدة لبراءة عهدة الرواة، وبقي الإسناد كذلك إلى قرون بعده، أنظرالطبري المتوفى سنة310هـ، والبلاذري المتوفى سنة 276، وحتى المسعودي واليعقوبي وابن أعثم، كلهم اعتمدوا الإسناد في الرواية، إما في أوائل كتبهم أو في أوّل كلّ حدث أو حديث.

موسوعة عبدالله بن عباس- الحلقة الاولى - الجزء الرابع 238

4- شيوع الأخطاء الاملائية والنحوية وقد وضعتها بين أقواس وأتبعتها بعلامة استفهام بين قوسين. ولم تقتصر تلك الأخطاء على الاملائية والنحوية، بل تسرّب الخطأ حتى نال الآي القرآني، فغلط في نقلها، وذلك قوله تعالى في سورة براءة فقال: (وإلى قوله لا تعملون) ولدى مراجعة الآية الكريمة كانت قوله تعالى: « ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لا يَعْلَمُونَ »(1)، ولم يرد تصحيح ما ذكرت في جدول (تصويب) في آخر الكتاب.
5- هلهلة اللغة الفجّة الّتي ساق بها المحاورة مع كثرة التكرار المملّ فيها، ولم يعهد ذلك في شيء من محاورات الخوارج وخطبهم، بل وصفوا بالبلاغة وحسن البيان، ولندع الشكليات، ولننظر إلى الأهم منها.
6- قال: «وانصرف عنهم وهو مقرّ لهم أنهم قد خصموه ونقضوا عليه ممّا جاء به ممّا احتج به عليهم». وهنا لابدّ من وقفة تأمّل!
لماذا انصاع ابن عباس لحجتهم؟ وهم لم يأتوه بشيء جديد، وإنّما حشروا في حوارهم المزيد من غير المفيد، هو اجترار وتكرار لما سبق أن سمعه منهم من إشكاليات تافهة مرّت به في حروراء وفي الكوفة، حينما أتاهم في منزلهم، ومرت بنا محاوراته وفيها قرأناه مخاصماً جدلاً بقوة جنان وحسن بيان مع انارة المحجة ببليغ الحجة، فاستطاع أن يقنع منهم من أناب فتاب، وآب إلى جادة الصواب، فما باله في هذه المرة احرنجم عن الجواب؟
7- وإذا صحّ ما ذكره المؤلف في المحاورة من انصياع ابن عباس لحجتهم، وبالأحرى انقطاع حجته عن جوابهم، فما باله لم يتبدّل نظره إليهم بعد

(1) براءة /6.
موسوعة عبدالله بن عباس- الحلقة الاولى - الجزء الرابع 239

ذلك، بل كانت مواقفه هي الأولى، وهي الأقوى في إظهار موالاة الإمام أمير المؤمنين (عليه السلام)، ومعاداة أعدائه، ومنهم الخوارج، وستأتي شواهد على ذلك في صفحة احتجاجاته.
وللتدليل أذكر موقفاً واحداً يفنّد زعم المؤلف: فقد روى الشيخ الطوسي بسنده عن سعيد بن المسيب قال: «سمعت رجلاً يسأل ابن عباس عن عليّ بن أبي طالب، فقال له ابن عباس: إن عليّ بن أبي طالب صلّى القبلتين، وبايع البيعتين، ولم يعبد صنماً ولا وثناً، ولم يضرب على رأسه بزلَم ولا بقدح، ولد على الفطرة، ولم يشرك بالله طرفة عين أبداً.
فقال الرجل: إني لم أسألك عن هذا، وانما أسألك عن حمله سيفه على عاتقه يختال به حتى أتى البصرة فقتل بها أربعين ألفاً، ثمّ صار إلى الشام فلقي حواجب العرب فضرب بعضهم ببعض حتى قتلهم، ثمّ أتى النهروان وهم مسلمون فقتلهم عن آخرهم.
فقال له ابن عباس: أعليّ أعلم عندك أم أنا؟
فقال: لو كان عليّ أعلم عندي منك لما سألتك.
قال سعيد بن المسيب فغضب ابن عباس حتى اشتد غضبه ثمّ قال:
ثكلتك أمك. عليّ علّمني وكان علمه من رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم)، ورسول الله علّمه الله من فوق عرشه فعلم النبيّ من الله، وعلم عليّ من النبيّ، وعلمي من علم عليّ، وعلم أصحاب محمّد كلّهم في علم عليّ كالقطرة الواحدة في سبعة أبحر»(1).

(1) الأمالي 1/11 مط النعمان في النجف.
موسوعة عبدالله بن عباس- الحلقة الاولى - الجزء الرابع 240

وستأتي له مواقف مع بعض الخوارج منها مع ذلك الّذي كان متعلقاً بأستار الكعبة وهو يعلن براءته من الإمام وحديثه رواه ميمون بن مهران، ولولا طوله لذكرته.
ومنها مع السائل الخارجي الّذي سأله عن الإمام فأعرض ثمّ سأله ثانياً فأجابه بجواب بليغ وحديثه عن ضرار بن الأزور.
ومنها ما رواه الأصبغ بن نباتة عن إسلام الاعرأبي على يد الإمام، وما كساه الإمام، وتعرّض الخوارج له حتى شككوه في الإمام فأتى ابن عباس وهو في مسجد الكوفة فسأله عما جرى له فأجابه حتى أقنعه، والحديث طويل سيأتي في صفحة احتجاجاته.
8- قال: «فرجع ابن عباس إلى عليّ، فلمّا رآه قام إليه وناجاه وكره أن يسمع أصحابه قولهم وحجتهم الّتي احتجوا بها».
أقول: وهذا أمرٌ لم يُعهد من الإمام مثله من ذي قبل، كما لم يعهد من ابن عباس كذلك.
ولو أغمضنا عن مناقشة ذلك فلنا أن نسأل المؤلف: من أين علم الإمام بأنّ ابن عباس أتاه مخصوماً فكره أن يسمع أصحابه قولهم وحجتهم الّتي احتجوا بها، حتى احتاط للأمر بالنجوى؟ على أنّ ذلك التصرّف منه أدعى إلى اثارة الفضول ولفت النظر ثمّ التساؤل عما جاء به ابن عباس، مع أنّا قد مرّ بنا في الحديث عن مؤتمر التحكيم مضايقة الكوفيين لابن عباس في السؤال عما تجيء به رسُل الإمام حتى تبرّم ساخطاً عليهم فضولهم غير المستحب قائلاً كما في الطبري: (أما تعقلون! أما ترون رسول معاوية يجيء لا يُعلم بما جاء به، ويرجع لا يُعلم ما

موسوعة عبدالله بن عباس- الحلقة الاولى - الجزء الرابع 241

رجع به، ولا يسمع لهم صياح ولا لفظ (لغط) وأنتم عندي كلّ يوم تظنون الظنون).
فمن مرّت به هكذا تجربة كيف يُعقل تناسيها، ولا يحتاط بعدم إثارة الفضول والشكوك؟
وأيضاً كيف لم يثر ذلك المشهد فضول الأصحاب وفيهم أمثال الأشعث ابن قيس الّذي كان يدس أنفه في كلّ شيء، وتفتح شهيته إثارة الفتنة؟
9- قال: «إنّ عليّاً قال له: ألا تعينني على قتالهم؟ فقال ابن عباس: لا والله لا أقاتل قوماً قد خصموني في الدنيا وإنّهم يوم القيامة لي أخصم وعليّ أقوى، إن لم أكن معهم لم أكن عليهم».
أقول: ما دام الحديث كان سراً ونجوى بين الإمام وابن عباس ولم يكن معهم ثالث، فمن ذا يا ترى أذاع النجوى؟
هل هو الإمام الّذي حرص على عدم معرفة أصحابه بما جاء به ابن عباس؟ وهذا لا يعقل لأنّ إذاعته على خلاف مصلحته.
أو هو ابن عباس لأنّه الطرف الآخر؟ وهنا سؤال يقفز في الذهن: فإذا كان هو ابن عباس فلابدّ أنّه حدّث به لآخر أو آخرين فسُمع منه وروي عنه، فمن هو الراوي لذلك؟ لماذا لم يذكر اسمه في المحاورة؟
10- قال: «واعتزل ابن عباس (رضي الله عنه) ثمّ فارقه... وكتب إليه عليّ يأنّبه (وهذا غلط إملائي وصوابه: يؤنّبه) بمال أخذه من البصرة من بيت المال: فقال له: قد عرفت وجه أخذي المال... قد علمت أخذي للمال من قبل قولي في أهل النهروان».

موسوعة عبدالله بن عباس- الحلقة الاولى - الجزء الرابع 242

أقول: وهنا تبدّى الصبح لذي عينين، وصكّ الحجر العصفورين كما يقول المثل السائر.
فابن عباس اعتزل وفارق، وأخذ من بيت مال البصرة، وبرّر أخذه، وأصرّ مستكبراً بقوله: «ولو كان أخذي المال باطلاً كان أهون من أن أشرك في دم مؤمن فاكفف عن القوم»، والإمام علم بذلك من قبل قول ابن عباس في أهل النهروان ولم يؤاخذه أو يعاتبه، وسكت على خيانته، ليكون شريكاً له في جنايته، فكلاهما أصابه حظ من ذرو هذا القول في المحاورة.
أليس كذلك؟ وعرفنا منذ الآن أنّ عنصراً رابعاً دسّ أنفه في مسألة مال البصرة ولم أكن قد وقفت عليه من قبل، فتعاونت تلك العناصر على غير مودّة بينها على تشويه صفحة ابن عباس فهو ضحية: أموية حانقة، وعباسية بغيضة، وشيعة موتورة، وأخيراً خوارج ثائرة.
11- ولنعد إلى عدم انتظام سياق الكلام في المقام، فقد قال المؤلف: «وكتب إليه عليّ يأنّبه (؟)»، وهذا يعني البُعد المكاني ليصح التعبير بقوله: وكتب إليه.. ولا أقل عن مجلسه إن لم يكن عن بلده كما هو المتعارف.
ثمّ قال المؤلف: «فقال له: قد عرفت وجه أخذي المال» ـ وهذا يعني الحضور ليصح التعبير بقوله: فقال له... فكيف التوافق والاتساق بين (كتب) وبين (فقال(؟» أليس الجمع بين الغائب والحاضر في آن واحد يعني التنافي كما في المثل المعروف (أكوس عريض اللحية).
12- وأخيراً ختم المؤلف تلك المحاورة بقول ابن عباس: «فاكفف عن القوم».

موسوعة عبدالله بن عباس- الحلقة الاولى - الجزء الرابع 243

ولنا أن نسأل: مَن هم القوم الذين يطلب ابن عباس من الإمام الكف عنهم؟
أهم الخوارج ـ كما هو المتبادر للقرينة المقامية ـ؟ فهؤلاء سبق للإمام أن حاربهم بالنهروان واستأصل شأفتهم ولم ينج منهم إلاّ ثمانية فرّوا كما مرّ ذكر ذلك. وابن عباس على علم بذلك، فأيّ معنى للكف عن أناس انتهى أمرهم وقضي عليهم بالنهروان؟
وإن كان القوم غيرهم فمن هم؟
والّذي يبدو لي أنّ المحاورة من نسج غبّي لم يحسن الصنعة ولا شك أنّه من أولئك الذين إذا هَووُا أمراً صيّروه ديناً كما مرّت الإشارة إليه آنفاً، ولكنه من قوم لا يفقهون.
ويبدو أنّ المؤلف الأباضي صاحب العقود الفضية لم يقف على ما ذكره البلاذري في الأنساب: «قالوا: وكتب عليّ إلى عبد الله بن عباس بمقتل محمّد ابن أبي بكر وعبد الله بالبصرة، قبل أن يكتب أبو الأسود الدئلي إلى عليّ فيه، وقبل أن يقع بينهما المنافرة، وكان عبد الله قد نافر عليّاً بالنهروان ولحق بمكة»(1).
قلت: يبدو أنّ الأباضي لم يقف على هذا، وإلا لجعل منها أساساً يعليّ عليه بنيانه، ويدعم هذيانه على أنّ ذلك لا يجديه شيئاً، لأنّ وقعة النهروان ـ فيما رواها البلاذري ـ كانت في 9 صفر سنة 38هـ، وفي قول غيره سنة تسعة وثلاثين، ومقتل محمّد كان في سنة 39هـ لكنه لم يكن قبل وقعة النهروان، فإذا (كان ابن عباس قد نافر عليّاً بالنهروان ولحق بمكة) كيف يصح أنّه كتب إليه بمقتل محمّد وهو بالبصرة...؟

(1) أنساب الأشراف 2/405 تح المحمودي.
موسوعة عبدالله بن عباس- الحلقة الاولى - الجزء الرابع 244

ومهما شككنا في القبلية والبعدية بين النهروان ومقتل محمّد، فإنّا لا نشك في حضور ابن عباس بالكوفة بعد حرب النهروان وقد أرسله الإمام داعياً بقية الخوارج في النخيلة فأبوا.
والآن لنقرأ ما قاله أبو العباس المبرّد(1): «وكان أهل النخيلة جماعة بعد أهل النهروان ممّن فارق عبد الله بن وهب، وممّن لجأ إلى راية أبي أيوب، وممّن كان أقام بالكوفة فقال: لا أقاتل عليّاً ولا أقاتل معه، فتواصوا فيما بينهم وتعاضدوا وتأسّفوا على خذلانهم أصحابَهم ـ ثمّ ذكر قيام المستورد فيهم خاطباً يدعوهم إلى الجهاد ـ فكلٌّ أجاب وبايع.
قال المبرّد: فوجّه إليهم عليّ بن أبي طالب عبد الله بن العباس داعياً، فأبوا... ثمّ قال ثمّ سار إليهم فطحنهم جميعاً لم يفلت منهم إلاّ خمسة...
قال المبرّد: وفيهم يقول عمران بن حطان:
إنّي أدين بما دان الشراة به يوم النخيلة عند الجوسق الخربِ(2)

وعاد المبرّد فذكر مناظرة أهل النخيلة لابن عباس، فقال: وكان أصحاب النخيلة قالوا لابن عباس: إن كان عليّ على حق لم يشكك فيه، وحَكّم مضطراً فما بالُه حيث ظفر لم يسب، فقال لهم ابن عباس: قد سمعتم الجواب في التحكيم، فأمّا قولكم في السباء، أفكنتم سابين أمكم عائشة! فوضعوا أصابعهم في آذانهم وقالوا: أمسك عنا غَرب لسانك فانّه طلق ذلق، غواصّ على موضع الحجة»(3).

(1) الكامل 3/336 ط نهضة مصر بتحقيق محمّد أبو الفضل إبراهيم.
(2) الجوسق الخرب بظاهر الكوفة عند النخيلة، والبيت في معجم البلدان 3/170 من أبيات نسبها إلى قيس بن الأصم الضبي.
(3) الكامل 3/238.
موسوعة عبدالله بن عباس- الحلقة الاولى - الجزء الرابع 245

في مقتل محمّد بن أبي بكر:

لمّا انقضى أمر الحكمين، وعاد أهل الشام مع عمرو بن العاص سلموا على معاوية بالخلافة، ولم يكونوا بايعوه من قبل إلاّ على الطلب بدم عثمان، أمّا الآن فقد تصيّدت الدنيا رجالاً بفخّها، فمعاوية صار نداً لعليّ في دعوى الخلافة، وعمرو بن العاص يريد طعمته الّتي شايع معاوية عليها وهي مصر، ومصر لا تزال تحت حكم الإمام، إذن لابدّ من التحرّك لافتتاحها وما أيسره إذ لا تزال بمصر عثمانية الهوى، ومهما كان محمّد بن أبي بكر والي الإمام على درجة عالية من الحنكة السياسية فهو بين عدوين لدودين، من الداخل والخارج وهما أقوى منه لو أراد المجالدة، لكنه كان يمكنه أن يكون هو الأقوى منهما لو استعمل المجادلة بالحسنى مع العدو الداخلي كما فعل ذلك قيس بن سعد يوم كان عامل الإمام على مصر، أمّا محمّد بن أبي بكر فلم يهادن العثمانية ولم يهادن أهل خربتا بل قاتلهم في أوّل ولايته فهم ناصبوه العداء كما ناصبهم فأصبحت مصر فريسة مستساغة لمعاوية، فأرسل إليها عمرو بن العاص مع ستة آلاف لأخذها وطرد محمّد منها ولكن محمّد لم يكن لين العريكة بل كان أقوى شكيمة وعزيمة فلم يكن يتخلى عن مصر ويسلّم أمانته إلى عمرو بن العاص وداهمه الخطر وأحدق به فاستنصر الإمام يطلب منه المدد، وفي العدة والعدد، فأمر الإمام بأن ينادى بالصلاة جامعة فاجتمع الناس فخطبهم وحمد الله وأثنى عليه، وصلّى على محمّد (صلّى الله عليه وآله وسلّم) ثمّ قال: (أمّا بعد فان هذا صريخ محمّد بن أبي بكر وإخوانكم من أهل مصر قد سار اليهم ابن النابغة عدو الله وولي من عادى الله، فلا يكونن اهل الضلال إلى باطلهم والركون إلى سبيل الطاغوت أشد اجتماعاً منكم على حقكم هذا فإنّهم قد بدأوكم وإخوانكم بالغزو فأعجلوا اليهم بالمواساة والنصر، عباد الله

موسوعة عبدالله بن عباس- الحلقة الاولى - الجزء الرابع 246

إنّ مصر أعظم من الشام أكثر خيراً، وخير أهلاً، فلا تغلبوا على مصر، فان بقاء مصر في أيديكم عزّ لكم وكبت لعدوكم، اخرجوا إلى الجرعة بين الحيرة والكوفة فوافوني بها هناك غداً إن شاء الله).
وبكّر من الغد إلى الجرعة وأقام بها حتى انتصف النهار فلم يوافه من الناس مائة رجل، وعلى رواية الطبري فلم يوافه منهم رجل واحد، فرجع وقد ساءه تخاذل أصحابه وتثاقلهم عن نصرة محمّد. فلمّا كان العشي بعث إلى رؤساء الناس وأشرافهم فدخلوا عليه وهو حزين كئيب فلمّا حضروا خطبهم عاتباً وغاضباً فقال: (الحمد لله على ما قضى من أمري، وقدّر من فعليّ، وابتلاني بكم أيّتها الفرقة ممّن لا يطيع إذا أمرتُ، ولا يجيبُ إذا دعوتُ، لا أباً لغيركم، ما تنتظرون بصبركم والجهاد على حقكم! الموت والذل لكم في هذه الدنيا على غير الحقّ، فوالله لئن جاء الموت ـ وليأتينّ ـ ليفرقنّ بيني وبينكم، وأنا لصحبتكم قالٍ، وبكم غير ضنين، لله أنتم ألا دين يجمعكم! ألا حميّة تغضبكم! ألا تسمعون بعدوكم ينتقص بلادكم! ويشن الغارة عليكم، أو ليس عجباً أنّ معاوية يدعو الجناة الطغاة الظلمة فيتبعونه على غير عطاء ولا معونة ويجيبونه في السنة المرة والمرتين والثلاث إلى أيّ وجه شاء، ثمّ أنا أدعوكم وأنتم أولو النهى وبقية الناس على المعونة وطائفة منكم على العطاء فتقومون عني وتعصونني، وتختلفون عليَّ!)(1).
فقام إليه مالك بن كعب الهمداني ثمّ الأرحبي فقال: يا أمير المؤمنين اندب الناس فإنّه لا عطر بعد عروس، لمثل هذا اليوم كنت أدّخر نفسي، والأجر لا يأتي

(1) أنظر تاريخ الطبري 5/107 ط دار المعارف.
موسوعة عبدالله بن عباس- الحلقة الاولى - الجزء الرابع 247

إلاّ بالكرة، اتقوا الله واجيبوا إمامكم وانصروا دعوته، وقاتلوا عدوه أنا أسير إليها يا أمير المؤمنين.
فأمر الإمام سعداً ـ مولاه ـ فنادى في الناس: ألا فانتدبوا إلى مصر مع مالك ابن كعب.
ثمّ إنّه خرج وخرج معه عليّ، فنظر فإذا جميع من خرج نحو ألفي رجل، فقال: سِر ما أخالك تدرك القوم حتى ينقضي أمرهم.
قال: فخرج بهم فسار خمساً.
ثمّ إنّ الحجاج بن غزية الأنصاري قدم على عليّ من مصر، وقدم عبد الرحمن بن شبيب الفزاري. فأمّا الفزاري فكان عينه بالشام، وأمّا الأنصاري فكان مع محمّد بن أبي بكر، فحدّثه الأنصاري بما رأى وعاين وبهلاك محمّد، وحدّثه الفزاري أنّه لم يخرج من الشام حتى قدمت البُشراء من قبل عمرو بن العاص تترى، يتبع بعضها بعضاً بفتح مصر وقتل محمّد بن أبي بكر، وحتى أذّن بقتله على المنبر، وقال: يا أمير المؤمنين قلّما رأيت قوماً قط أسرّ، ولا سروراً قط أظهر من سرور رأيته بالشام حين أتاهم هلاك محمّد بن أبي بكر.
فقال عليّ: حزننا عليه على قدر سرورهم به، لا بل يزيد أضعافاً(1).
وقد روى الطبري وغيره من المؤرخين كتاب الإمام أمير المؤمنين إلى ابن عباس وهو بالبصرة يخبره بمقتل محمّد بن أبي بكر ويشكو إليه تخاذل أصحابه، ويبثّه بعض شجونه.

(1) نفس المصدر 5/108.
موسوعة عبدالله بن عباس- الحلقة الاولى - الجزء الرابع 248

وكان مقتل محمّد من أنكى الرزايا الّتي اقترفها معاوية وأشياعه، فقد مرّ بنا أن ذكرنا كيفية قتله البشعة، وذكرنا مدى وقع نبأ الفاجعة على أخته عائشة على ما كان بينهما من نبوة في الرأي حتى صارت تدعو على معاوية وعمرو بن العاص. فما ظنك بمدى حزن الإمام عليه وهو ربيبه، ومدى حزن ابن عباس عليه وهو ابن خالته وصاحبه، ولم يكن كتاب الإمام إلى ابن عباس بنبأ الفاجعة لمجرد الإخبار وبث الشكوى فيما أرى ـ بل فيه إيماء إلى اتخإذ ابن عباس الحيطة واليقظة في ضبط البلاد لأنّ البصرة هي ثالث المعسكرات الإسلامية الّتي كانت تضمها حكومة الإمام، وقد سقطت مصر منها بيد العدو، فلم يبق إلاّ الكوفة والبصرة، وهي مطمح نظر معاوية، لعلمه بأن فيها من العثمانية والموتورين بحرب الجمل ما يكفيه لإثارة الشغب، وبالتالي الانقضاض عليها، فهو سوف يتحيّن الفرصة لذلك، وكما حدث بعدُ في فتنة ابن الحضرمي وسنأتي على ذكرها.
ونعود إلى كتاب الإمام إلى ابن عباس ونذكره برواية الشريف الرضي في نهج البلاغة. قال: «ومن كتاب له (عليه السلام) إلى عبد الله بن العباس بعد مقتل محمّد ابن أبي بكر: (أمّا بعدُ فإنّ مصر قد افتتحت ومحمّد بن أبي بكر (رحمه الله) قد استُشهد، فعند الله نحتسبه ولداً ناصحاً، وعاملاً كادحاً، وسيفاً قاطعاً، وركناً دافعاً. وقد كنتُ حثثت الناس على لحاقه، وأمرتهم بغياثه قبل الوقعة، ودعوتهم سراً وجهراً وعوداً وبدءاً، فمنهم الآتي كارهاً، ومنهم المعتلّ كاذباً، ومنهم القاعد خاذلاً، أسأل الله أن يجعل لي منهم فرجاً عاجلاً، فوالله لولا طمعي عند لقائي عدوي في الشهادة، وتوطيني نفسي على المنيّة لأحببتُ أن لا أبقى مع هؤلاء يوماً واحداً، ولا ألتقي بهم أبداً)».

موسوعة عبدالله بن عباس- الحلقة الاولى - الجزء الرابع 249

وهذا الكتاب كما يفيض أسىً ولوعة، مع حرارة لها لذعة، هو آية في الفصاحة والبلاغة، قال ابن أبي الحديد في تعقيبه عليه: «أنظر إلى الفصاحة كيف تعطي هذا الرجل قيادها وتملكه زمامها؟ واعجب لهذه الألفاظ المنصوبة، يتلو بعضها بعضاً كيف تواتيه وتطاوعه، سهلة سلسة، تتدفق من غير تعسّف ولا تكلّف حتى انتهى إلى آخر الفصل، فقال: يوماً واحداً، ولا ألتقي بهم أبداً. وأنت وغيرك من الفصحاء إذا شرعوا في كتاب أو خطبة، جاءت القرائن والفصائل تارة مرفوعة، وتارة مجرورة، وتارة منصوبة، فإن أرادوا قسرها بإعراب واحد ظهر منها في التكلّف أثر بيّن، وعلامة واضحة، وهذا الصنف من البيان أحد أنواع الإعجاز في القرآن، ذكره عبد القاهر قال: «انظر إلى سورة النساء وبعدها سورة المائدة، الأولى منصوبة الفواصل، والثانية ليس فيها منصوب أصلاً، ولو مزجت احدى السورتين بالأخرى لم تمتزجا، وظهر أثر التركيب والتأليف بينهما.ثمّ انّ فواصل كلّ واحدة منهما تنساق سياقة بمقتضى البيان الطبيعي لا الصناعة التكلفية».
ثمّ انظر إلى الصفات والموصوفات في هذا الفصل كيف قال: ولداً ناصحاً وعاملاً كادحاً، وسيفاً قاطعاً، وركناً دافعاً، لو قال: ولداً كادحاً، وعاملاً ناصحاً، وكذلك ما بعده لما كان صواباً، ولا في المواقع واقعاً، فسبحان من منح هذا الرجل بهذه المزايا النفسية، والخصائص الشريفة، أن يكون غلام من أبناء مكة ينشأ بين أهله، لم يخالطه الحكماء وخرج أعرف بالحكمة ودقائق العلوم الآلهية من افلاطون وأرسطو، ولم يعاشر أرباب الحكم الخلقية والآداب النفسانية، لأن قريشاً لم يكن أحد منهم مشهوراً بمثل ذلك، وخرج أعرف بهذا الباب من

موسوعة عبدالله بن عباس- الحلقة الاولى - الجزء الرابع 250

سقراط، ولم يربّ بين الشجعان لأن أهل مكة كانوا ذوي تجارة ولم يكونوا ذوي حرب، وخرج أشجع من كلّ بشر مشى على الأرض.
قيل لخلف الأحمر: أيّما أشجع عتيبة وبسطام أم عليّ بن أبي طالب؟ قال: إنّما يذكر عتيبة وبسطام مع البشر والناس، لا مع من يرتفع عن هذه الطبقة، فقيل له: فعلى كلّ حال.
قال: والله لو صاح في وجهيهما لماتا قبل أن يحمل عليهما.
وخرج أفصح من سحبان وقسّ، ولم تكن قريش بأفصح العرب، كان غيرها أفصح منها. قالوا: أفصح العرب جرهم وإن لم تكن لهم نباهة، وخرج أزهد الناس، وأعفّهم مع أنّ قريشاً ذووا حرص ومحبة للدنيا، ولا غرو فيمن كان محمّد (صلّى الله عليه وآله وسلّم) مربّيه ومخرجّه، والعناية الآلهية تمدّه وترفده أن يكون منه ما كان»(1).
قال أبو محنف في كتابيه مقتل محمّد بن أبي بكر والأشتر، وقد ذكر كتاب الإمام إلى ابن عباس بصورة أوسع ممّا مر وهي: «بسم الله الرحمن الرحيم، من عبد الله عليّ أمير المؤمنين إلى عبد الله بن عباس، سلام عليك فإنّي أحمد الله إليك الّذي لا إله إلاّ هو، أمّا بعد، فإن مصر قد افتتحت، ومحمّد بن أبي بكر قد استشهد، فعند الله نحتسبه وندّخره، وقد كنت قمت في الناس في بدئه، وأمرتهم بغياثه قبل الوقعة، ودعوتهم سراً وجهراً، وعَوداً وبدءاً، فمنهم من أتى كارهاً، ومنهم من اعتل كاذباً، ومنهم القاعد حالاً (خاذلاً)، أسأل الله أن يجعل لي منهم فرجاً ومخرجاً، وأن يريحني منهم عاجلاً، والله لولا طمعي عند لقاء

(1) شرح النهج لابن أبي الحديد 4/54 ـ 55.
السابق السابق الفهرس التالي التالي