موسوعة عبدالله بن عباس- الحلقة الاولى - الجزء الرابع 217

وبعث إلى الخوارج يطلب قتلة ابن خباب ومن معه، فبعثوا إليه كلنا قتلتهم، وكلنا نستحل دماءهم ودماءكم وقد أرسل تلك المرة قنبر غلامه فعاد بجوابهم فأرسل ابن عباس إليهم.
قال حميد الدين في الحدائق الوردية: «قال: يا بن عباس انهض إلى القوم فادعهم بمثل الّذي دعاهم به قنبر، فإنّي أرجو أن يجيبوك، فقال ابن عباس: يا أمير المؤمنين ألقي عليَّ حلّتي أو ألبس عليَّ سلاحي فإنّي أخافهم على نفسي؟
قال: بلى فانهض اليهم في حلّتك:
فمن أيّ يوميك تفرّ أيوم لم يقدر أم يوم قُدر(1)

«فنهض إليهم ابن عباس وقد لبس أحسن ثيابه، وتطيّب أفضل طيبه، وركب أحسن مراكبه. فلمّا رأوه ضجّوا في وجهه يا بن عباس أنت أفضل الناس بينا تأتينا في لباس الجبابرة ومراكبهم»(2).
وفي رواية ابن أعثم: «أنّ الإمام (عليه السلام) قال له: تقدم فها أنا ذا من ورائك.
قال فتقدم عبد الله بن عباس حتى واجه القوم ثمّ قال: أيها الناس ما الّذي نقمتم على أمير المؤمنين (عليه السلام)؟
فقالوا له: يا بن عباس الّذي نقمناه عليك في وقتنا هذا أشد ممّا نقمناه على عليّ، وذلك انّك قد جئتنا في حلة يمانية، ونحن نريد حربك وحرب ابن عمك.

(1) الحدائق الوردية 1/83 ط صنعاء.
(2) من زيادات مخطوطة مكتبة الشيخ كاشف الغطاء قدس سره ولم يوجد في المطبوعة بصنعاء.
موسوعة عبدالله بن عباس- الحلقة الاولى - الجزء الرابع 218

فقال ابن عباس: أمّا هذه الحلة فقد رأيت خيراً منها على مَن هو خير مني وهو أبو القاسم محمّد صلّى الله عليه (وآله) وسلّم، وأمّا الحرب فقد دنت منا ومنكم ولا شك في ذلك، فهاتوا ما الّذي نقمتم على عليّ (رضي الله عنه)؟
قالوا: نقمنا عليه أشياء، لوكان حاضراً لكفّرنا بهنّ، وعليّ وراءه يسمع ذلك.
فالتفت ابن عباس إلى عليّ فقال: يا أمير المؤمنين إنّك قد سمعت الكلام فأنت أحق بالجواب»(1).
وروى السبط عن ابن عباس قال: «لمّا خرجنا إلى قتال الخوارج سمع عليّ (عليه السلام) رجلاً منهم يتهجّد بالقرآن فقال: نومٌ على يقين خير من صلاة في شك»(2) - ما أبلغها من كلمة تصلح أن تكون ميزاناً توزن به أعمال الرجال -.
قال ابن أعثم في تاريخه(3)، وابن طلحة الشافعي واللفظ له: «فتقدم عليّ حتى واجه القوم وقال: أيّها الناس أنا عليّ بن أبي طالب فتكلموا بما نقمتم به عليَّ؟ فقالوا: نقمنا عليك أوّلاً قاتلنا بين يديك بالبصرة، فلمّا أظفرك الله بهم أبحتنا ما كان في عسكرهم ومنعتنا النساء والذرية، فكيف تستحل ما كان في العسكر ولا تستحل النساء والذرية؟
فقال لهم (عليه السلام): يا هؤلاء انّ أهل البصرة قاتلونا وبدأونا بالقتال، فلمّا ظفرتم أقتسمتم سلب من قاتلكم، ومنعتكم من النساء والذرية، فإنّ النساء لم يقاتلن، والذرية ولدوا على الفطرة ولم ينكثوا ولا ذنب لهم، وقد رأيت رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم)

(1) تاريخ ابن أعثم 4/121.
(2) تذكرة الخواص /61.
(3) تاريخ ابن أعثم 4/123 ـ 125.
موسوعة عبدالله بن عباس- الحلقة الاولى - الجزء الرابع 219

منّ على المشركين فلا تعجبوا أن مننت على المسلمين، فلم أسب نساءهم ولا ذريتهم.
وقالوا: نقمنا عليك يوم صفين وقت الكتاب انّك قلت لكاتبك اكتب هذا ما تقاضى عليه أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب ومعاوية بن أبي سفيان، فأبى معاوية أن يقبل منك أنّك أمير المؤمنين، وقلت للكاتب هذا ما تقاضى عليه عليّ ابن أبي طالب ومعاوية بن أبي سفيان، فإن لم تكن أمير المؤمنين، فنحن المؤمنون فلست أميرنا.
فقال: يا هؤلاء أنا كنت كاتب رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) يوم الحديبية، فقال لي النبيّ (صلّى الله عليه وآله وسلّم) اكتب هذا ما صالح عليه محمّد رسول الله وسهيل بن عمرو، فقال سهيل: لو علمنا أنّك رسول الله لما صددناك ولا قاتلناك. فأمرني رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) فمحوت اسمه من الكتاب وكتب هذا ما اصطلح عليه محمّد بن عبد الله. وانّما محوت اسمي من إمرة المؤمنين كما محا رسول الله اسمه من الرسالة، وكانت لي به أسوة.
قالوا: فإنّا نقمنا عليك أنّك قلت للحكَمين: انظرا في كتاب الله فإن كنت أفضل من معاوية فأثبتاني في الخلافة، وإن كان معاوية أفضل مني فاثبتاه في الخلافة، فإن كنت شاكاً في نفسك أنّ معاوية أفضل منك فنحن فيك أعظم شكاً.
فقال لهم عليّ: إنّما أردت بذلك النصفة لمعاوية، فإنّني لو قلت للحكمين أحكما لي وذرا معاوية كان لا يرضى بذلك. والنبيّ (صلّى الله عليه وآله وسلّم) لو قال لنصارى نجران لما قدموا عليه فقالوا نبتهل واجعل لعنة الله عليكم كانوا لا يرضون بذلك، ولكنه أنصفهم من نفسه، فقال كما أمره الله تعالى به « تَعَالَوْا نَدْعُ أَبْنَاءَنَا وَأَبْنَاءَكُمْ

موسوعة عبدالله بن عباس- الحلقة الاولى - الجزء الرابع 220

وَنِسَاءَنَا وَنِسَاءَكُمْ وَأَنْفُسَنَا وَأَنْفُسَكُمْ ثُمَّ نَبْتَهِلْ فَنَجْعَلْ لَعْنَةَ اللَّهِ عَلَى الْكَاذِبِينَ »(1) فأنصفهم من نفسه فكذا أنصفت من نفسي ولم أعلم بما أراد عمرو بن العاص من خديعة أبي موسى.
قالوا: فإنّا نقمنا عليك أنّك حكّمت حَكَماً في حق هو لك.
فقال: إنّ رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) حكّم سعد بن معإذ في بني قريظة، ولو شاء لم يفعل، فحكم فيهم سعد بما علمتم، وانما أقمت حكماً كما أقام رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم). فهل عندكم شيء غير هذا تحتجون به عليّ؟ فسكت القوم، ثمّ صاح جماعة منهم من كلّ ناحية: التوبة التوبة يا أمير المؤمنين، واستأمن منهم ثمانية آلاف وبقي على حربه أربعة آلاف، فأقبل على هؤلاء الذين استأمنوا إليه وقال: اعتزلوا في وقتكم هذا عني وذروني والقوم، فاعتزل أولئك عنه... اهـ»(2).
وذكر الطبري في تاريخه من حديث أبي مخنف قال: «ورفع عليّ راية أمان مع أبي أيوب الأنصاري فناداهم أبو أيوب: من جاء هذه الراية منكم ممّن لم يقتل ولم يستعرض فهو آمن، ومن انصرف منكم إلى الكوفة أو إلى المدائن وخرج من هذه الجماعة فهو آمن، إنّه لا حاجة لنا بعد أن نصيب قتلة اخواننا منكم في سفك دمائكم.
فقال فروة بن نوفل الأشجعي: والله ما أدري على أيّ شيء نقاتل عليّاً، لا أرى إلاّ أن أنصرف حتى تنفذ لي بصيرتي في قتاله أو اتّباعه، وانصرف في خمسمائة فارس حتى نزل البندنجين والدسكرة.

(1) آل عمران /61.
(2) مطالب السؤول /45 ط حجرية سنة 1287هـ.
موسوعة عبدالله بن عباس- الحلقة الاولى - الجزء الرابع 221

وخرجت طائفة أخرى متفرقين فنزلت الكوفة. وخرج إلى عليّ منهم نحو من مائة. وكانوا أربعة آلاف، فكان الذين بقوا مع عبد الله بن وهب منهم الفين وثمانمائة، وزحفوا إلى عليّ... ونهض إليهم الرجال بالرماح والسيوف فوالله ما لبثوهم أن أناموهم»(1).
وفي لفظ آخر عند الدينوري: «وقتلت الخوارج كلها ربضة واحدة»(2).
وقال ابن خلدون في تاريخه: «فهلكوا كلّهم في ساعة واحدة كأنّما قيل لهم موتوا»(3).
وقال المبرّد في الكامل: «وقد قال لهم ـ يعني الإمام ـ انّه والله ما يقتل منكم عشرة ولا يفلت منهم عشرة، فقتل من أصحابه تسعة وأفلت منهم ثمانية»(4).
قال أبو مخنف في حديثه عن عبد الرحمن بن جندب بن عبد الله: «انّه لم يقتل من أصحاب عليّ إلاّ سبعة»(5).
وقال في حديثه الآخر قال: «كان عليّ لمّا فرغ من أهل النهروان حمد الله وأثنى عليه، ثمّ قال: إنّ الله قد أحسن بكم، وأعزّ نصركم، فتوجّهوا من فوركم هذا إلى عدوكم معاوية وأشياعه القاسطين الذين نبذوا كتاب الله وراء ظهورهم واشتروا به ثمناً قليلاً فبئس ما شروا به أنفسهم لو كانوا يعلمون.

(1) تاريخ الطبري 5/86.
(2) الأخبار الطوال /210.
(3) تاريخ ابن خلدون 2/1123 ط دار الكتاب اللبناني سنة 1956.
(4) الكامل 3/187 مطبعة نهضة مصر.
(5) تاريخ الطبري 5/89.
موسوعة عبدالله بن عباس- الحلقة الاولى - الجزء الرابع 222

فقالوا: يا أمير المؤمنين نفذت نبالنا، وكلّت أذرعنا، وتقطّعت سيوفنا، ونصلت أسنّة رماحنا، فارجع بنا إلى مصرنا فلنستعد بأحسن عدّتنا، ولعل أمير المؤمنين يزيد في عدتنا عدة من هلك منا فإنّه أقوى فإنّه أوفى (أقوى) على عدونا»(1).
قال الطبري وغيره: «وكان الّذي تولّى هذا الكلام هو الأشعث بن قيس»(2). قال البلاذري: «وكان الأشعث طنيناً وسماه عليّ عرف النار»(3).
فأقبل الإمام راجعاً حتى نزل النخيلة، فأمر الناس أن يلزموا عسكرهم، ويوطنّوا على الجهاد أنفسَهم، وأن يقلّوا زيارة نسائهم وأبنائهم حتى يسيروا إلى عدوّهم، فأقاموا أياماً، ثمّ تسللوا من معسكرهم، فدخلوا إلاّ رجالاً من وجوه الناس قليلاً، وتُرك المعسكر خالياً، فلمّا رأى ذلك دخل الكوفة، وأنكسر عليه رأيه في المسير.
قال الطبري: «وكان غير أبي مخنف يقول: كانت الوقعة بين عليّ وأهل النهر سنة ثمان وثلاثين، وهذا القول عليه أكثر أهل السير»(4). بينما رأى اليعقوبي(5)، وابن تغري بردى(6) أنّها سنة 39هـ وصحح ذلك.

(1) تاريخ الطبري 5/89.
(2) المصدر السابق.
(3) أنساب الأشراف 2/379، وأحسب تصحيفاً وقع في قوله (طنيناً) وفسره في الهامش أي رفع الصوت فسمع الناس قوله هذا فركنوا إليه. ولعل الصواب (ظنيناً) أي متهماً في دينه. وهذا ما يتناسب مع وصف الإمام له بانه عُرف النار.
(4) تاريخ الطبري 5/91.
(5) تاريخ اليعقوبي ه2/169.
(6) النجوم الزاهرة 1/117.
موسوعة عبدالله بن عباس- الحلقة الاولى - الجزء الرابع 223

وعندي أنّ بداية المسير كان في آخر سنة ثمان وثلاثين، ولمّا كانت الوقعة في اليوم التاسع من صفر كما في أنساب الأشراف(1) فلابدّ أن تكون سنة تسع وثلاثين. فقد قال اليعقوبي: «وكانت وقعة النهروان سنة تسع وثلاثين»(2)، وقال ابن تغري بردى: «فيها ـ سنة تسع وثلاثين ـ أيضاً كانت وقعة الخوارج مع عليّ بن أبي طالب بحروراء، وبالنخيلة قاتلهم عليّ فكسرهم وقتل رؤوسهم، وسجد شكراً لمّا أتي بمخدّج اليد مقتولاً... وكان رأسهم عبد الله بن وهب الراسبي، وقد تقدم ذكرها في السنّة الماضية، والأصح أنّها في هذه السنّة»(3).
ومهما يكن الإختلاف في تعيين السنّة، فلا خلاف في أنّ الإمام قاتل أهل النهروان فقتلهم وهم المارقون الذين حذّر منهم النبيّ (صلّى الله عليه وآله وسلّم) فإنّهم شر الخليفة وأخبر عنهم: (يقرأون القرآن لا يجاوز تراقيهم، يقتلهم خير الخلق والخليقة). وهو أمير المؤمنين.
وله (عليه السلام) كلام قاله بعد تلك الوقعة رواه البرقي المتوفى سنة (274هـ أو 280هـ) في كتابه: «قال: (والّذي فلق الحبة وبرأ النسمة لقد شهدنا في هذا الموقف أناس لم يخلق الله آباءهم ولا أجدادهم بعد)، فقال الرجل: وكيف يشهدنا قوم لم يُخلقوا؟! قال (عليه السلام): (بلى، قوم يكونون في آخر الزمان يشركوننا فيما نحن فيه، ويسلّمون لنا، فأولئك شركاؤنا فيما كنّا فيه حقّاً حقّا)»(4).
اللّهمّ فاشهد إنّا على ذلك وأنت خير الشاهدين.

(1) أنساب الأشراف للبلاذري 2/362 و 375.
(2) تاريخ اليعقوبي ه2/169.
(3) النجوم الزاهرة 1/118 ط دار الكتب المصرية.
(4) المحاسن /263 برقم 323 تح ـ السيّد جلال الدين الحسيني ط ايران.
موسوعة عبدالله بن عباس- الحلقة الاولى - الجزء الرابع 224

محض هراء وافتراء من دون حياء : (1)

لقد اتفقت المصادر الحديثية والتاريخية وحتى كتب المقالات والفِرق، القديمة والحديثة، على انّ ابن عباس حاور الخوارج سواء في حروراء أو في الكوفة، أو في النهروان، واتفقت على غلبته عليهم بالحجة في موقفه معهم في حروراء والكوفة حتى استجاب لنصحه أعداد مر ذكرها عند ذكر المحاورتين مفصلة.
أمّا عن محاورته الثالثة في النهروان، فقد كان رسولاً إليهم بين يدي الإمام، ولمّا بلّغهم الرسالة وسألهم عمّا يريدون وطلبوا أن يكون الإمام هو الّذي يتولى جوابهم تقدّم الإمام وحاججهم حتى خصمهم، فأناب منهم من أناب، واعتزل من اعتزل، وأخيراً دخل بعضهم تحت راية الأمان، وبقي الآخرون الذين حصدتهم السيوف حتى كأنّهم قيل لهم موتوا فماتوا، ولم يرد في شيء من تلك المصادر عن ابن عباس انقطاع حجة أو عجز عن بيان محجة، فضلاً عن غلبة الخوارج عليه.
غير أنّ من العجيب الغريب أن أجد كاتباً من الأباضية وأحسبه من المعاصرين كما ورد بخطه في أوّل الكتاب تاريخ سنة 1394هـ يذكر هذا الكاتب ـ واسمه سالم بن حمد بن سليمان بن حميد الحارثي العاني الأباضي في كتابه (العقود الفضية في أصول الأباضية)(2) ـ صورة محاورة جرت بين ابن عباس وبين الخوارج على خلاف جميع ما مرّ في تلك المصادر القديمة

(1) ممّا استجدّ بحثه وإلحاقه بالكتاب.
(2) العقود الفضية في أصول الأباضية ط دار اليقظة العربية في سوريا ولبنان.
موسوعة عبدالله بن عباس- الحلقة الاولى - الجزء الرابع 225

والحديثة، ولم يكتف بانقطاع حجة ابن عباس مخصوماً، بل تعدى إلى جعله في صفهم خصماً خصوماً، وبالتالي مفارقاً للإمام عاقاً ظلوماً.
ولم أكن أتوقع أن أقرأ يوماً عند كاتب من البهتان ما يصادم الوجدان بلا أيّ برهان، لأنّ الناس في هذا الزمان قد تخطّوا في ثقافاتهم حواجز الزمان والمكان، ولم تعد تنطلي عليهم أساليب الغش والخداع، ولابدّ لمن يحكي قولاً أو رأياً أو يزعم زعماً، أن يذكر مصدره، ليصدّق نقله، وليبرأ من عهدته. ثمّ يترك الأمر إلى قناعة القارئ تصديقاً أو تكذيباً.
أمّا أن يذكر شيئاً على خلاف ما هو ثابت تاريخياً ثمّ يحكيه مرسلاً عن كتاب هيّان بن بيّان عن كتاب شختي بن بختي فذلك أمرٌ مرفوض جملة وتفصيلا، ولم أكُن يوماً شاكاً في صحة ما ورد عن بعض الخوارج وأنّهم كانوا إذا هوَوا أمراً صيّروه حديثاً، كما روى ذلك الخطيب البغدادي في كتابيه(1)، وكذلك روى القرطبي في تفسيره عن شيخ من شيوخ الخوارج بعد أن تاب قال: «إنّ هذه الأحاديث دين فانظروا ممّن تأخذون دينكم، فإنّا كنّا إذا هوينا أمراً صيّرناه حديثاً»(2).
فأنا لم أكن شاكاً في صحة ذلك عنهم، لكني كنت أستغرب تلك المقولة، مع ما أعطى الله الإنسان من نعمة العقل كيف يتجاهل المرء عقله فينبذه ويتّبع هواه مع ما هم عليه حيث يراؤون الناس من صلاح الظاهر وثفنات السجود.

(1) الجامع لأخلاق الراوي وآداب السامع 1/137 ط مكتبة المعارف الرياض، والكفاية في علم الرواية/123 ط المكتبة العلمية بالمدينة المنورة.
(2) الجامع لأحكام القرآن 1/78 ط دار الشعب.
موسوعة عبدالله بن عباس- الحلقة الاولى - الجزء الرابع 226

لقد صدق الله مولانا العليّ العظيم حيث يقول في سورة البقرة:
« وَمِنْ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالْيَوْمِ الآخِرِ وَمَا هُمْ بِمُؤْمِنِين َ * يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَمَا يَخْدَعُونَ إِلاّ أَنفُسَهُمْ وَمَا يَشْعُرُونَ * فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فَزَادَهُمْ اللَّهُ مَرَضًا وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ بِمَا كَانُوا يَكْذِبُونَ * وَإذا قِيلَ لَهُمْ لا تُفْسِدُوا فِي الأَرْضِ قَالُوا إِنَّمَا نَحْنُ مُصْلِحُونَ * ألا إِنَّهُمْ هُمْ الْمُفْسِدُونَ وَلَكِنْ لا يَشْعُرُونَ * وَإذا قِيلَ لَهُمْ آمِنُوا كَمَا آمَنَ النَّاسُ قَالُوا أَنُؤْمِنُ كَمَا آمَنَ السُّفَهَاءُ أَلا إِنَّهُمْ هُمْ السُّفَهَاءُ وَلَكِنْ لا يَعْلَمُونَ »(1). وقال سبحانه وتعالى في سورة القصص: « فَإِنْ لَمْ يَسْتَجِيبُوا لَكَ فَاعْلَمْ أَنَّمَا يَتَّبِعُونَ أَهْوَاءَهُمْ وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنْ اتَّبَعَ هَوَاهُ بِغَيْرِ هُدًى مِنْ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ * وَلَقَدْ وَصَّلْنَا لَهُمْ الْقَوْلَ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ »(2).
ولئلا أتجنّى على مؤلف الكتاب وزمرته، وتنويراً للقارئ بما أشرت إليه في العنوان لابدّ لي من نقل ما ساقه في كتابه بنصّه وفصّه كما يقولون ثمّ التعقيب عليه بعد ذلك.
فقد قال: «وأرسل عليّ ابن عباس ليناظرهم. نقلاً من شرح اللامية للقطب، وأصله في كتاب السير العُمانية من سيرة شبيب بن عطية من علماء القرن الثاني للهجرة هكذا: طلب ابن عباس اليهم الرجوع، وقالوا له: انّ صاحبك ترك اسم أمير المؤمنين وطلب الحكومة، وخلع سربالاً ألبسه الله إياه.
فقال ابن عباس (رضي الله عنهما): أما علمتم أنّ رسول الله صلّى الله عليه (وآله) وسلّم لمّا عاهد أهل مكة ومشركي العرب ـ ومشركي قريش عام الحديبية حين صدّه

(1) البقرة /8 - 13.
(2) القصص /50 - 51.
موسوعة عبدالله بن عباس- الحلقة الاولى - الجزء الرابع 227

المشـركـون عـن المسجد الحرام إلى مضيّ المـدة الّتـي سماهـا لهـم (من ترك فيها)(؟) القتال والدماء، وأمّا ما ذكرتم من خلعه نفسه من اسم أمير المؤمنين فقد فعل ذلك رسول الله صلّى الله عليه (وآله) وسلّم حين كتب الكتاب لقريش وأملاها(؟) رسول الله صلّى الله عليه (وآله) وسلّم، هذا ما قاضى به محمّد رسول الله صلّى الله عليه (وآله) وسلّم قريشاً، فقال المشركون: لو علمنا أنك رسول الله ما خالفناك، فكتب من محمّد بن عبد الله.
وأمّا ما ذكرتم من الحكومة وأنّها لا تجوز فقال عز من قائل: « يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَقْتُلُوا الصَّيْدَ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ وَمَنْ قَتَلَهُ مِنْكُمْ مُتَعَمِّدًا فَجَزَاءٌ مِثْلُ مَا قَتَلَ مِنْ النَّعَمِ يَحْكُمُ بِهِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ هَدْيًا بَالِغَ الْكَعْبَةِ »(1)، وقال عزّ من قائل: « وَإِنْ خِفْتُمْ شِقَاقَ بَيْنِهِمَا فَابْعَثُوا حَكَمًا مِنْ أَهْلِهِ وَحَكَمًا مِنْ أَهْلِهَا إِنْ يُرِيدَا إِصْلاحًا يُوَفِّقْ اللَّهُ بَيْنَهُمَا »(2).
فقالوا: قد سمعنا قولك والّذي أرسلت به واحتجاجك، فنذكرك الله لما سمعت قولنا وفهمت حجّتنا ثمّ كنت عدلاً بيننا وبين من أرسلك.
قال: اللّهمّ نعم.
قالوا: أخبرنا عمّن قتل الصيد وهو محرم هل يسعه أن يحكّم من يرى استحلال الصيد المحرّم، ويستحل قتل صيد الحرم؟ قال: لا.
قالوا: وكيف يسع عليّاً أن يحكّم في دين الله مَن يدين باستحلال ما حرّم الله من دماء المسلمين، ويحرّم ما أحلّ الله من قتال الفئة الباغية، ومَن يدين

(1) المائدة /95.
(2) النساء /35.
موسوعة عبدالله بن عباس- الحلقة الاولى - الجزء الرابع 228

بولاية من عادى الله ورسوله وبعداوة أولياء الله، ويدين بخلاف ما عليه المسلمون من الحقّ الّذي هم عليه، وفارقوهم على خلافه، فوالله لو كانت الحكومة حقاً لكان عليّ ترك الحقّ بتحكيمه في دين الله مَن يدين بخلاف دين الله فيما استحل من قتل المؤمنين وسفك دمائهم وما حرّم الله من قتال الفئة الباغية مع ما يدين به من ولاية من عادى الله ورسوله وعداوة أولياء الله، على الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، والله سبحانه يقول: « وَمَنْ يُشَاقِقْ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا »(1).
ثمّ قالوا: نذكرك الله يا بن عباس هل تعلم أنّ أبا موسى كان شاكاً في قتال الفئة الباغية يحرّم ما أحل الله من قتال الفئة الباغية، ويخذّل الناس عن القتال؟
قال: اللّهمّ نعم.
قالوا: انّ عليّاً حكّم فيمن قتل الصيد وهو محرم من يعتقد أنّه لا يحرم قتل الصيد في الحرم، ولا يحرم قتل الصيد في الحلّ على المحرم، أكان بتحكيمه من كان هذا أمره وصفته على هذا الوجه ضلالاً إذ حكّم شاكاً ـ مرتاباً فيما حكم الله به من تحريم قتل الصيد في الحرم إذ كان محرماً لضلّ بتحكيمه مَن هذا أمره وصفته، ولو كانت الحكومة عدلاً لكان بحكومة مَن يستحل قتل المؤمنين ويعاديهم ويكفر بدينهم ضالاً، وقد أضل بحكومته من يحرّم ما أحل الله للمؤمنين من قتال من بغى عليهم، واتبع سبيلاً غير سبيلهم، وأبى أن يقرّ بحكم القرآن فيما خالفوا فيه، فنذكرك الله يا بن عباس هل تعلم انّ عمرو بن العاص استحلّ ما حرّم الله من دماء المسلمين، وحرّم ما أحلّ الله من قتال من بغى على

(1) النساء /115.
موسوعة عبدالله بن عباس- الحلقة الاولى - الجزء الرابع 229

المسلمين، وتولى من عادى الله، وعادى المسلمين ومن دان بدينهم، وما هم عليه من الحقّ ومن قتال أهل البغي؟
فقال: اللّهمّ نعم قد خصمتم عليّاً بهذا وقولكم الحقّ (؟).
ثمّ قالوا: أمّا ما ذكرت من قول الله « وَإِنْ خِفْتُمْ شِقَاقَ بَيْنِهِمَا ـ إلى قوله (عزّ وجلّ) ـ يُوَفِّقْ اللَّهُ بَيْنَهُمَا »(1) فأخبرنا عن رجل من المسلمين عنده يهودية أو نصرانية وكان بينهما اختلاف ومنازعة هل ينبغي له ولمن حضره من المسلمين أن يدعو اليهود أو النصارى يحكمونهم بما هم به كافرون من أحكام المؤمنين؟
قال: لا.
قالوا: كيف حكّم عليّ عمرو بن العاص وهو يكفر بما حكّمه فيه ويستحل ما حرّم الله من دماء المسلمين ويدين بغير دينهم، ويوالي من عادوا ويعادي من والوا، فنذكرك الله هل يسع عليّاً هذا؟
قال: لا يجوز هذا لمن فعله ولا يسعه.
وقالوا: أمّا ما ذكرت من أمر الموادعة والقضية الّتي كانت بين رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) وبين المشركين، فإنّها كانت منازل ونقل عنها منزلة منزلة، وكلّ منزلة نقل الله عنها نبيّه أو أمره بغيرها حرّم عليه الإقامة عليها وحرّم على المسلمين أيضاً أن يقيموا على ما نقل عنه، من ذلك القبلة الّتي كانت بيت المقدس نقل الله نبيّه والمؤمنين عنها باستقبال البيت الحرام، ومثل الخمر كانت حلالاً ثمّ نهى الله

(1) النساء /35.
موسوعة عبدالله بن عباس- الحلقة الاولى - الجزء الرابع 230

عنها أوّلاً تأديباً ثمّ حرّمها بعد ذلك من نعمه وطوله ومنّته على نبيّه (صلّى الله عليه وآله وسلّم) وعلى المؤمنين، وكذا مفاداة النبيّ (صلّى الله عليه وآله وسلّم) لأهل بدر، ولا أمر ولا نهي ولا وعيد، وقال تعالى: « لَوْلاَ كِتَابٌ مِنْ اللَّهِ سَبَقَ لَمَسَّكُمْ فِيمَا أَخَذْتُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ »(1) وقد كان سبق من الله العفو عنهم والمغفرة لهم فيما فعلوا، (وقيل)(؟) سبق من الله أن لا يعذّب أحداً إلاّ بعد بيان، (أو سبق)(؟) من الله (جلّ جلاله) أن يحلّ لهذه الأمة ما غنموا من عدوّهم إذا حاربوا، وأنزل الله (عزّ وجلّ) على نبيّه بعد ذلك تحريم معاهدة المشركين فقال « بَرَاءَةٌ مِنْ اللَّهِ وَرَسُولِهِ ـ إلى قوله جلّ وعلا: ـ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ ـ وإلى قوله: ـ لا يَعْلَمُونَ »(2) (؟) فجاءت براءة بنقض كلّ عهد وتحريم أمان المشركين وقتلهم حيث ما وجدوا وحصرهم والقعود لهم بكل مرصد وتحريم الجنوح اليهم، ولا يقبل منهم إلاّ الدخول في الإسلام والاقرار به ولاهل الكتاب الجزية، فما لهم إلاّ الإسلام أو الجزية ولم يحل الله أمان أحد منهم إلاّ من استجار ليسمع كلام الله فان لم يؤمن أبلغه مأمنه. وقال الله (عزّ وجلّ): « يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ـ إلى قوله ـ بَعْدَ عَامِهِمْ هَذَا »(3) فلا إقامة لأحد على ما نقل الله نبيّه عنه. فما حجة صاحبك علينا فيما نقل الله نبيّه والمؤمنين عنه، وحرّم ذلك عنه، وان جوّز ذلك فليرجع إلى استقبال بيت المقدس وإلى كلّ ما نسخ.
ثمّ قالوا نذكرك الله يا بن عباس هل تعلم أنّ الّذي احتج به صاحبك علينا منتقض غير جائز في الدين؟

(1) الأنفال /68.
(2) براءة /1.
(3) براءة /28.
موسوعة عبدالله بن عباس- الحلقة الاولى - الجزء الرابع 231

قال: اللّهمّ نعم.
قالوا: يا بن عباس ألست تعلم أنّ الله (عزّ وجلّ) قال في كتابه: « الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي... » الآية(1)، « وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ... »الآية(2).
(قالوا)(؟): اللّهمّ نعم.
قالوا: فهل تعلم ان قتال الفئة الباغية حد من حدود الله كالجلد والقطع؟
قال: نعم.
قالوا: فأخبرنا (عمن زنا)(؟) أو سرق فأراد امام المسلمين أن يقيم عليه الحد فامتنع وقامت معه طائفة تمنعه عن إقامة الحد أليس يحل قتالهم؟
قال: بلى.
قالوا: فان المسلمين قاتلوهم حتى قتلوا منهم قتلى ثمّ ابتغوا الحكومة أيسع المسلمين قبولها وتحريم القتال وتعطيله؟
قال: اللّهمّ لا.
قالوا: فكيف يسوغ لنا أن نحكّم في دين الله من يدين بتعطيل الحدود وتحريم ما أحل الله من قتال الفئة الباغية مع انّه حد من حدود الله، وكلّ ما حكم الله فيه فلا تخيير فيه لعباده قال الله (عزّ وجلّ): « وَأَنْ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ وَلا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ وَاحْذَرْهُمْ أَنْ يَفْتِنُوكَ عَنْ بَعْضِ مَا أَنزَلَ اللَّهُ إِلَيْكَ » ـ إلى قوله (عزّ وجلّ) ـ « لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ »(3) وقال: « أَفَغَيْرَ اللَّهِ أَبْتَغِي حَكَمًا... » الخ(4) وقال:

(1) النور /2.
(2) المائدة /38.
(3) المائدة /49.
(4) الأنعام /114.
موسوعة عبدالله بن عباس- الحلقة الاولى - الجزء الرابع 232

« إِنْ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ ـ إلى قوله ـ لا يَعْلَمُونَ »(1) وما جعل الله (عزّ وجلّ) الحكم فيه للرجال فليحكم فيه ذوا عدل ولا حكم في غير ذلك للرجال، قال الله جلّ وعلا: « وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلا مُؤْمِنَةٍ إذا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمْ الْخِيَرَةُ » ـ إلى قوله ـ « ضَلَّ ضَلالاً مُبِينًا »(2) وقال: « فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ » ـ إلى قوله (عزّ وجلّ) ـ « وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا »(3) فكيف يحكّم في دين الله من لم يحكّمه الله ورسوله، ووجد في نفسه حرجاً ممّا قضى الله ورسوله وأبى أن يسلّم تسليماً، واستحل قتل من حكّم الله ورسوله وسلّم لحكمه تسليماً، فان معاوية وعمرو ابن العاص أبيا أن يسلمّا لحكم الله ورسوله؟
قال: اللّهمّ نعم.
ثمّ قالوا: يا بن عباس ان كان معاوية وعمرو بن العاص سلما لحكم الله وما أنزل من القرآن ورجعا عمّا كانا عليه وفاءاً إلى أمر الله ورجعا إلى دين المسلمين فالحق علينا أن نقبل عنهما ونتولاّهما، لأنّ الله أمر بقتال الفئة الباغية حتى تفيء إلى أمر الله، فإذا فاءوا إلى أمر الله قبل ذلك منهم، ولم يسع أحداً يردّ ذلك عليهما، وأمّا أن نحكّم الرجال فيما قد فرغ الله من الحكم فيه، فإن كان حكموا بنقض ما جاءنا من الله فننتقل عما نحن عليه من البينات إلى الضلال والعمى والترك لحكم الله، والإيمان الّذي نحن عليه حتى يستحل ما حرم الله ويحرم ما أحل الله، ونوالي من كنا نعاديه بدين وفريضة، ونعادي من كنا نوإليه بدين الله

(1) الأنعام /57.
(2) الأحزاب /36.
(3) النساء /65.

السابق السابق الفهرس التالي التالي