موسوعة عبدالله بن عباس- الحلقة الاولى - الجزء الرابع 201

3- وذكر الطحاوي ـ وهو من الأحناف ـ باسناده عن إبراهيم ـ النخعي ـ قال: «كان عبد الله ـ يعني ابن مسعود ـ لا يقنت في الفجر، وأوّل من قنت فيها عليّ، وكانوا يرون إنّما فعل ذلك لأنّه كان محارباً.
وذكر أيضاً عن إبراهيم قال: إنّما كان عليّ (رضي الله عنه) يقنت فيها ـ الصلاة ـ ههنا بالكوفة ـ لأنّه كان محارباً فكان يدعو على أعدائه في القنوت في الفجر والمغرب».
ثمّ قال الطحاوي: «فثبت بما ذكرنا أنّ مذهب عليّ (رضي الله عنه) في القنوت هو مذهب عمر (رضي الله عنه) الّذي وصفنا، ولم يكن عليّ يقصد بذلك إلى الفجر خاصة، لأنّه قد كان يفعل ذلك في المغرب فيما ذكر إبراهيم»(1).
4- حكى الزيلعي عن إبراهيم النخعي قال: «وأهل الكوفة إنّما أخذوا القنوت عن عليّ، قنت يدعو على معاوية حين حاربه، وأهل الشام أخذوا القنوت عن معاوية قنت يدعو على عليّ»(2).
فتبيّن من جميع ما تقدم جواب السؤالين الأوّل والثاني (هل للإمام أن يلعن معاوية ومن معه)؟، و(ما الحجة في ذلك)؟.
أمّا جواب السؤال الثالث (لماذا أخّر اللعن حتى عاد ابن عباس ومن معه من مؤتمر التحكيم وأخبره بغدر عمرو بن العاص وأبي موسى الاشعري ونتيجة التحكيم المخزية والمحزنة)؟
فأرى ـ والله أعلم ـ أنّ الإمام (عليه السلام) كان قبل ذلك اليوم يرجو استصلاح أولئك المحاربين بما يرسل اليهم من كتب وعظية ورسل إصلاح لغرض إنابتهم

(1) شرح معاني الآثار 1/251 ط دار الكتب العلمية سنة 1399 بيروت.
(2) نصب الراية 2/131.
موسوعة عبدالله بن عباس- الحلقة الاولى - الجزء الرابع 202

إلى الحقّ والطريق المستقيم، وحتى بعد أن شبّت الحرب وقامت على ساق، لم يألو جهداً في سبيل ذلك، وتلك سيرته المثلى مع كلّ محاربيه من قبلُ ومن بعدُ، ولكن معاوية وأشياعه طُبع على قلوبهم فلم تنفع معهم نصائح الإمام ودعواته الإصلاحية، حتى إذا ألجأوه إلى التحكيم، وكانت خيانة الحكمَين اللذين حكما على الكتاب ولم يحكما به، وكانت جنايتهما على الأمة الإسلامية آخر ما تضاءل معه أمل الإمام في الاستصلاح، إن لم يكن هي الانقطاع التام، ولم يبق إلاّ إعلان الدعاء عليهم ليعلم المسلمون ضلالة الحكمَين وضلالة معاوية وأشياعه فدعا عليهم ولعنهم في صلواته، وكان في ذلك مع الحقّ والحقّ معه ـ كما في الحديث النبوي الشريف(1) لذا صار فعله حجة يحتج بها فقهاء المسلمين من شيعته وغيرهم.
وأمّا جواب السؤال الرابع (هل كان من حقّ معاوية أن يردّ بالمثل) لأنّ الإمام بدأ باللعن؟
فالجواب: ليس له ذلك، لأنّ بداية الظلم كانت منه حين عتا وتمرّد على الإمام فلم يبايعه مع أنّ بيعته لزمته منذ أوّل خلافته (عليه السلام)، ولمّا استمر

(1) أخرج الخطيب في تاريخ بغداد 14/320، والحاكم في المستدرك 3/124 وصححه الذهبي في التلخيص وصدقه، بالاسناد عن أبي ثابت مولى أبي ذر قال: دخلت على ام سلمة فرايتها تبكي وتذكر عليّاً وقالت: سمعت رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) يقول: (عليّ مع الحقّ والحقّ مع علي)ّ (عليّ مع القرآن والقرآن مع علي) ولن يفترقا حتى يردا عليّ الحوض يوم القيامة، ورواه ابن عساكر في ترجمة الإمام، وروى الهيثمي في مجمع الزوائد 7/235 عن سعد بن أبي وقاص ـ قال في حديث له مع معاوية ـ فإني سمعت رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) يقول: عليّ مع الحقّ والحقّ مع عليّ. وفي الحديث الثالث من مناقب عليّ في سنن الترمذي قال رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم): رحم الله عليّاً اللّهم ادر الحقّ معه حيث دار، ورواه الحاكم في المستدرك 3/124.
موسوعة عبدالله بن عباس- الحلقة الاولى - الجزء الرابع 203

في عدوانه بدءاً من ذلك اليوم وحتى ساعة التحكيم، كان هو الظالم في جميع مواقفه، فكيف يحقّ للظالم الدعاء على المظلوم، وقد مرّت بنا رواية عائشة الّتي فيها لعن رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) ستة أصناف، فكان منهم معاوية لدخوله في زمرة تلك الأصناف فإن لم يكن مع كلّهم فلا شكّ في دخوله تحت عناوين الخمسة الأخيرة: (المتسلّط بالجبروت ليعزّ من أذله الله ويذل من أعزه الله، والمستحل لحُرم الله، والمستحل من عترتي ما حرّم الله، والتارك لسنتي، والمستأثر بالفيء).
فبعد هذا هل يحق لمن لعنه الله ولعنه رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) أن يردّ اللعن على نفس رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) وهو عليّ بنص آية المباهلة وأنفسنا؟!
وبدعة السبّ الّتي استحدثها معاوية، أثارت مشاعر المسلمين، وازداد عتواً حين خلا له الجوّ، فقد أمر ولاته على الأمصار أن يعلنوا بسب الإمام على منابر المسلمين تحدياً وتمادياً.
وما أكثر الشواهد على ذلك، سيأتي بعضها في صفحات احتجاج ابن عباس على معاوية لعنه الله.
وحسبنا في المقام ما رواه الديلمي في الفردوس(1)، والهيثمي في مجمع الزوائد(2) وقال: «رواه أحمد ورجاله رجال الصحيح غير أبي عبد الله الجدلي وهو ثقة: قال رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم): (من سبّ عليّاً فقد سبني ومن سبني فقد سبّ الله، ومن سبّ الله أدخله الله نار جهنم وله عذاب عظيم)».

(1) الفردوس 4/189.
(2) مجمع الزوائد 9/130.
موسوعة عبدالله بن عباس- الحلقة الاولى - الجزء الرابع 204

وما أخرجه الحاكم في المستدرك، وذكره الذهبي في تلخيصه وأقر تصحيحه عن أبي مليكة قال: «جاء رجل من أهل الشام فسبّ عليّاً عند ابن عباس، فحصبه ابن عباس وقال: يا عدو الله آذيت رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) « إِنَّ الَّذِينَ يُؤْذُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ لَعَنَهُمْ اللَّهُ فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ وَأَعَدَّ لَهُمْ عَذَابًا مُهِينًا »(1) لو كان رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) حياً لآذيته»(2).
وأخرج الحاكم أيضاً وصححه الذهبي في تلخيصه وصدّقه، والنسائي في الخصائص، وابن أبي شيبة في المصنف، والهيثمي في مجمع الزوائد وقال: رواه الطبراني في الثلاثة ـ يعني معاجمه الكبير والأوسط والصغير ـ وأبو يعلى، ورجال الطبراني رجال الصحيح غير أبي عبد الله الجدلي وهو ثقة. والحديث بلفظ الأوّل بإسناده عن أبي عبد الله الجدلي: «قال: حججت وأنا غلام فمررت بالمدينة، وإذا الناس عنق واحد، فاتبعتهم فدخلوا على أم سلمة زوج النبيّ (صلّى الله عليه وآله وسلّم) فسمعتها تقول: يا شبث بن ربعي، فأجابها ـ رجل جلف جاف: لبيك يا أمتاه، قالت: أيسبّ رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) في ناديكم؟ قال: وأنّى ذلك؟ قالت: فعليّ بن أبي طالب؟ قال: إنا لنقول أشياء نريد عرض الدنيا، قالت: فإنّي سمعت رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) يقول: (من سبّ عليّاً فقد سبّني، ومن سبّني فقد سبّ الله تعالى)»(3).
ولأحمد بن حنبل ـ إمام الحنابلة ومنهم النابتة ـ مقال مع استدلال يقطع جهيزة كلّ قيل وقال. فقد روى ابن عساكر باسناده: «انّه سأل رجل أحمد بن حنبل عن قول النبيّ (صلّى الله عليه وآله وسلّم): (عليّ قسيم النار) فقال: هذا حديث يضطرب طريقه

(1) الأحزاب /57.
(2) مستدرك الحاكم 3/121 وصححه.
(3) نفس المصدر 3/121.
موسوعة عبدالله بن عباس- الحلقة الاولى - الجزء الرابع 205

عن الأعمش، ولكن الحديث الّذي ليس عليه لبس هو قول النبيّ (صلّى الله عليه وآله وسلّم): (يا عليّ لا يحبّك إلاّ مؤمن، ولا يبغضك إلاّ منافق) وقال الله (عزّ وجلّ): « إِنَّ الْمُنَافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الأَسْفَلِ مِنْ النَّارِ »(1)»(2).
فمن أبغض عليّاً فهو في الدرك الأسفل من النار.
فلينظر المسلم المنصف إلى مقال أحمد واستدلاله! فهل ثمة عنده ريب في أنّ معاوية وأشياعه مشمولون لما قاله أحمد؟
أو ليس إنّما سبّه لأنّه كان يبغضه؟
أو ليس هو الّذي ابتدع تلك السنّة السيئة بدعة سبّ الإمام؟ فعليه وزرها ووزر من عمل بها إلى يوم القيامة لقوله (صلّى الله عليه وآله وسلّم): (من سنّ سنة حسنة فله أجرها وأجر من عمل بها إلى يوم القيامة. ومن سنّ سنة سيئة فعليه وزرها ووزر من عمل بها إلى يوم القيامة)(3).
إذن فليتبوأ مقعده في الدرك الأسفل من النار.
ويعجبني ذكر ما قاله الخياط المتكلم رئيس الفرقة الخياطية من معتزلة بغداد قال: «ما قطعني إلاّ غلام قال لي: ما تقول في معاوية؟ قلت: إني أقف فيه.
قال: ما تقول في ابنه يزيد؟ قلت: ألعنه.
قال: فما تقول فيمن يحبّه؟ قلت: ألعنه.
قال: أفترى معاوية كان لا يحبّ ابنه؟!»(4).

(1) النساء /145.
(2) تاريخ مدينة دمشق (ترجمة الإمام) 1/253.
(3) أُنظرعلى سبيل المثال مسند أحمد 4/359، وصحيح مسلم 3/87.
(4) ربيع الأبرار للزمخشري 1/680- 681- ط أوقاف بغداد.
موسوعة عبدالله بن عباس- الحلقة الاولى - الجزء الرابع 206

وأحسب أنّي ذكرت فيما فيه كفاية في جواب النابتة الغاوية، الذين يرون من حقهم الدفاع عن خالهم معاوية.
وللمطارفة ما أدري وليتني كنت أدري لماذا يرون معاوية خالاً للمؤمنين لمكان اخته أم حبيبة احدى زوجات النبيّ (صلّى الله عليه وآله وسلّم) ولا يرون غيره من اخوان أمهات المؤمنين كذلك؟ فهلا رأوا خوؤلة محمّد بن أبي بكر وراعوا حرمته وحرمة أخته عائشة وهي عند أولئك النابتة أهم زوجات الرسول (صلّى الله عليه وآله وسلّم)؟ أفهل من رعاية حقّها أن يقتلوا أخاها محمّد بن أبي بكر أشنع قتلة ثمّ يدخلوه جوف حمار ميت، ثمّ يحرقوه؟!
أيّ فظاظة وقسوة؟ أيّ همجية ووحشية؟ وقد روى المؤرخون كالطبري(1)، وابن الأثير(2)، وابن كثير(3)، وابن أبي الحديد(4)، والبلاذري(5): «انّ عائشة لمّا بلغها قتل محمّد بن أبي بكر جزعت عليه جزعاً شديداً، وجعلت تقنت وتدعو في دبر الصلاة على معاوية وعمرو بن العاص»، وقال البلاذري: «فلمّا بلغ ذلك عائشة (رضي الله عنه) جزعت عليه وقبضت عياله وولده إليها، ولم تأكل شواء حتى توفيت(6) ولم تعثر قط إلاّ قالت: تعس معاوية بن خديج ـ قاتل محمّد ـ».

(1) جامع البيان 6/60 ط الحسينية و 5/105 ذخائر العرب.
(2) تاريخ ابن الأثير 3/155.
(3) البداية والنهاية 7/314.
(4) شرح النهج لابن أبي الحديد 2/33.
(5) أنساب الأشراف 2/403 تح ـ المحمودي.
(6) ذكر ابن الجوزي في المنتظم 5/151 بسنده عن يزيد بن أبي حبيب قال بعث معاوية بن خديج بمولى له يقال له سليم إلى المدينة بشيراً بقتل محمّد بن أبي بكر ومعه قميص محمّد بن أبي بكر ودخل به دار عثمان، فاجتمع إليه آل عثمان من رجال ونساء وأظهروا السرور بمقتله وأمرت ام حبيبة بنت أبي سفيان بكبش يشوى وبعثت بذلك إلى عائشة وقالت: هكذا يشوى أخوكِ، فلم تأكل عائشة شواء حتى لحقت بالله (عزّ وجلّ).
موسوعة عبدالله بن عباس- الحلقة الاولى - الجزء الرابع 207

ودع عنك حديث محمّد بن أبي بكر وإعراضهم عنه لأنّه كان ربيب الإمام، فهلم إلى عبد الله بن عمر، فهذا ممّن لم يبايع الإمام، وقد شايع الأمويين وبايعهم، لماذا لم يمنحوه فخرية لقب الخوؤلة وهو ابن عمر بن الخطاب الخليفة واخته حفصة إحدى أمهات المؤمنين؟!
وأخيراً نودع أولئك النابتة الذين أغراهم الشيطان فأغواهم، وغلبهم الهوى فأرداهم، بآيات من الذكر الحكيم قال الله سبحانه وتعالى في سورة التوبة: « أَلَمْ يَعْلَمُوا أَنَّهُ مَنْ يُحَادِدْ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَأَنَّ لَهُ نَارَ جَهَنَّمَ خَالِدًا فِيهَا ذَلِكَ الْخِزْيُ الْعَظِيمُ »(1)، وقال تعالى في سورة المجادلة: « إِنَّ الَّذِينَ يُحَادُّونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ كُبِتُوا كَمَا كُبِتَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَقَدْ أَنْزَلْنَا آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ وَلِلْكَافِرِينَ عَذَابٌ مُهِينٌ »(2)، وقال تعالى: « إِنَّ الَّذِينَ يُحَادُّونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُوْلَئِكَ فِي الأَذَلِّينَ »(3)، وقال تعالى: « لا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كَانُوا آبَاءَهُمْ أَوْ أَبْنَاءَهُمْ أَوْ إِخْوَانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ أُوْلَئِكَ كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمْ الإِيمَانَ وَأَيَّدَهُمْ بِرُوحٍ مِنْهُ وَيُدْخِلُهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ أُوْلَئِكَ حِزْبُ اللَّهِ أَلا إِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمْ الْمُفْلِحُونَ »(4).
وأمّا جواب السؤال الخامس (هل أنّ ابن عباس في البصرة كان يفعل كما فعل أمير المؤمنين (عليه السلام) في الكوفة فيقنت بلعن معاوية وأشياعه)؟

(1) التوبة /63.
(2) المجادلة /5.
(3) المجادلة /20.
(4) المجادلة /22.
موسوعة عبدالله بن عباس- الحلقة الاولى - الجزء الرابع 208

فالجواب: نعم كان يفعل ذلك.
فقد أخرج ابن أبي شيبة في المصنف(1) بالإسناد عن أبي رجاء العطاردي قال: «صلّى بنا ابن عباس الفجر بالبصرة فقنت». وقال التركماني في الجوهر النقي بهامش سنن البيهقي: «وهذا سند صحيح»(2).
وعنه أيضاً قال: «رأيت ابن عباس يمدّ بضبعيه في قنوت صلاة الغداة إذا كان بالبصرة».
وعنه أيضاً قال: «صليت مع ابن عباس في مسجد البصرة صلاة الغداة فقنت بنا قبل الركوع».
وأخرج ابن أبي شيبة في مصنفه أيضاً ذلك عن أبي العالية.
وأخرج البيهقي في سننه بسنده عن أبي رجاء قال: «صلّى ابن عباس صلاة الصبح في هذا المسجد فقنت وقرأ هذه الآية « وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ »(3)»(4).
وأخرج ابن أبي شيبة في مصنفه بسنده عن خلاس بن عمرو الهجري عن ابن عباس: «انّه صلّى فقنت بهم في الفجر بالبصرة فرفع يديه حتى مدّ ضبعيه»(5).
فهذه الآثار الّتي وقفت عليها في ان ابن عباس كان بالبصرة يصلي الغداة فيقنت قبل الركوع ويقرأ قوله تعالى: « وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ »(6) وهو يرفع يديه حتى يمدّ بضبعيه.

(1) المصنف 2/312 ط باكستان إدارة القرآن.
(2) السنن الكبرى 2/205، وبهامشه الجوهر النقي.
(3) البقرة /238.
(4) السنن الكبرى 2/205.
(5) المصنف ابن أبي شيبة 2/316 ط باكستان إدارة القرآن.
(6) البقرة /238.
موسوعة عبدالله بن عباس- الحلقة الاولى - الجزء الرابع 209

ولسائل أن يسأل أين غاب اللعن الّذي كان يقوله الإمام في الكوفة عن ابن عباس بالبصرة؟
فنقول له: وإن لم نجد ذلك صريحاً فيما تقدّم من الآثار، إلاّ أنّي أرى ذلك بدلالة ما تقدم من أنّ لعن الإمام لمعاوية وأشياعه لأنّهم من المحاربين فقنت عليهم يدعو باللعن، ولمّا سئل عن ذلك قال: (استنصرنا عليهم). فابن عباس أيضاً كان معه يومئذ ولمّا أتى البصرة فهو لا يزال في حالة حرب مع أولئك، ولمّا كان يقنت فيرفع يديه حتى يمدّ بضبعيه فذلك منه مبالغة في التضرّع وطلب النصر من الله تعالى، ولو لم يكن كذلك، لما بالغ تلك المبالغة، ولمّا قرأ على المأمومين قوله تعالى: « وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ »(1) أراد ـ والله أعلم ـ ليقطع على من لا يرى ذلك ما يدور في هاجسه، لأنّ في البصرة من العثمانية ممّن لا يرضى بالحكم القائم وقد مرّت بنا شواهد على ذلك.
فهو بقراءته الآية الكريمة ضمن ما يتلو من دعاء كأنّه يخاطبهم بالصبر على ما يسمعون، ويفهمهم شرعية فعله فلا يسخطون فإنّ من معاني قوله تعالى: « وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ »(2) طول القيام(3)، وكأن ذلك مأخوذ من المعنى اللغوي في أصل القنوت الّذي هو الدوام على الشيء، والله أعلم. وفوق كلّ ذي علم عليم.

عودة ابن عباس إلى البصرة:

عاد ابن عباس إلى البصرة، فوجد أجواءها مكفهّرة بالإشاعات والأكاذيب، ووجد الخوارج تنقّ أصواتهم مع العثمانية في نقد الحكم القائم، فكانت البصرة ـ

(1) البقرة /238.
(2) البقرة /238.
(3) أنظر الجامع لاحكام القرآن للقرطبي 3/214.
موسوعة عبدالله بن عباس- الحلقة الاولى - الجزء الرابع 210

وهي مهبط ابليس على حد تعبير الإمام ـ تروج فيها المزاعم الباطلة، وتنفق فيها أساليب المكر والخداع من لدن معاوية، حيث وجد في عثمانيتها أنصاراً عرف بعضهم في صفين وتعرّف على بعضهم عن طريق عيونه وجواسيسه. فهي ـ البصرة ـ أضحت بعد حرب صفين أشد عرضة للخطر الداهم سواء السياسي أو الديني المتطرف من قبل معاوية أو الخوارج، لذلك عظمت مسؤولية ابن عباس، فاتخذ لحزمه وبصيرته في الأمور، التدابير اللازمة من رقابة صارمة ويقظة هادئة، فبثّ العيون مترصدين تحركات المشبوهين، يعاونه في ذلك المخلصون من شيعة الإمام. فأخبروه بأن الخوارج اجتمعوا في خمسمائة رجل وجعلوا عليهم مسعر بن فدكي التميمي وقد خرجوا فأتبعهم أبا الأسود الدؤلي فلحقهم في ألف فارس، فأدركهم بالجسر الأكبر ـ جسر تستر ـ فتواقفوا حتى حجز الليل بينهم، وأدلج مسعر بأصحابه. وأقبل يعترض الناس، وعلى مقدمته الأشرس بن عوف الشيباني، وسار حتى لحق بعبد الله بن وهب بالنهر(1).
فعاد أبو الأسود إلى ابن عباس فأخبره.
وليس من شكّ في أنّ الإشاعات وجدت سوقاً نافقة عما سوف يفعله الخوارج، ومن الطبيعي أن يكثر التساؤل عما سيتخذه الإمام أزاء خروجهم، فلم يلبث الناس حتى وافى البصرة عتبة بن الأخنس بن قيس من بني سعد بن بكر رسولا يحمل كتاب الإمام إلى ابن عباس، وفيه: (أمّا بعد فإنّا قد عسكرنا بالنخيلة. وقد أزمعنا على السير إلى عدونا من أهل الشام. فاشخص إليَّ فيمن قبلك حين يأتيك رسولي والسلام).

(1) أنظر جامع البيان للطبري 5/76 ـ 77 ط المعارف، والأخبار الطوال /205 ط تراثنا بمصر.
موسوعة عبدالله بن عباس- الحلقة الاولى - الجزء الرابع 211

وقبل الإسترسال في الحديث عن موقف ابن عباس أزاء الكتاب، لابدّ من وقفة تحقيق مع رواة الكتاب، فثمة تحريف في بعض المصادر ربّما كان متعمداً لما يترتب عليه من نتائج سلبية بالنسبة إلى ابن عباس.
فأقول: إنّ النص الّذي ذكرته آنفاً رواه أبو حنيفة الدينوري(1) بيد أنّ الطبري ذكره في تاريخه بلفظ آخر وهو: «أمّا بعد فإنّا قد خرجنا إلى معسكرنا بالنخيلة، وقد أجمعنا على المسير إلى عدونا من أهل المغرب، فاشخص بالناس حتى يأتيك رسولي، وأقم حتى يأتيك أمري والسلام»(2).
وهذا قريب ممّا ذكره ابن قتيبة في الإمامة والسياسة ففيها: «أمّا بعد فانا أجمعنا على المسير إلى عدونا من أهل الشام فأشخص إليَّ مَن قبلك من الناس وأقم حتى آتيك والسلام»(3)، وقد نقله أحمد زكي صفوت في جمهرة رسائل العرب(4) نقلاً عن الطبري والإمامة والسياسة من دون ذكر التفاوت.
وما ذكرناه عن أبي حنيفة الدينوري أصح ممّا ذكره الآخران، لأنّ الأحداث الّتي جرت بعد هذا الكتاب تدل على صحته، فمنها حضوره مع عدد معيّن في النخيلة، ثمّ حضوره مع الإمام بالنهروان، وذكر وروده المدائن، واحتجاجه على الخوارج قبل الحرب، كلّ ذلك يؤكد صحة ما رواه الدينوري في الأخبار الطوال (فاشخص إليَّ فيمن قبلك حين يأتيك رسولي).

(1) الأخبار الطوال /206.
(2) تاريخ الطبري 5/78.
(3) الإمامة والسياسة 1/121.
(4) رسائل العرب رقم /468.
موسوعة عبدالله بن عباس- الحلقة الاولى - الجزء الرابع 212

وأمّا ما رواه الطبري وابن قتيبة فإنّه لا يمكن المساعدة عليه، لأنّ قول الإمام (عليه السلام) في آخر كتابه: (وأقم حتى يأتيك أمري والسلام) أو (وأقم حتى آتيك) يمنع ابن عباس من التحرّك من البصرة حتى يأتيه أمره. ولم يذكر المؤرخون بما فيهم الطبري نفسه أنّ الإمام أمره بعد ذلك بالتوجّه إليه. وليس ثمة غير الكتاب المذكور، وهذا لا يتفق بلفظه (وأقم) مع تأكيد حضوره عند الإمام ومعه بدءاً من معسكر النخيلة ومروراً بالمدائن وانتهاءً مع الخوارج بالنهروان وأخيراً حضوره بالكوفة عند مقتل الإمام (عليه السلام).
والآن إلى موقف ابن عباس من ذلك الكتاب، وموقف الناس منه وبالتالي موقف ابن عباس من الناس. فلنقرأ بعض نصوص المؤرخين:
قال ابن قتيبة في الإمامة والسياسة والطبري في تاريخه واللفظ بينهما: «فلمّا قدم كتاب عليّ على ابن عباس فقرأه على الناس، ثمّ أمرهم بالشخوص مع الأحنف بن قيس، فشخص معه الف وخمسمائة رجل، فاستقلّهم ابن عباس، فقام خطيباً فحمد الله وأثنى عليه ثمّ قال: يا أهل البصرة قد جاءني كتاب أمير المؤمنين يأمرني بإشخاصكم فأمرتكم بالمسير إليه مع الأحنف بن قيس، فلم يشخص إليه منكم إلاّ ألف وخمسمائة، وأنتم في الديوان ستون ألفاً سوى أبنائكم وعبدانكم ومواليكم، ألا فانفروا مع جارية بن قدامة السعدي ولا يجعلنّ امرؤ على نفسه سبيلاً، فإنّي موقع بكلّ من وجدته تخلّف عن دعوته (مكتبه) عاصياً لإمامه، حزناً يعقب ندماً، وقد أمرت أبا الأسود بحشدكم فلا يلم امرؤ جعل السبيل على نفسه إلاّ نفسه.

موسوعة عبدالله بن عباس- الحلقة الاولى - الجزء الرابع 213

قال: فحشد أبو الأسود الناس بالبصرة فاجتمع إليه ألف وسبعمائة، فأقبل هو والأحنف بن قيس حتى وافيا عليّاً بالنخيلة، فلمّا رأى عليّ انّه إنّما قدم عليه من أهل البصرة ثلاثة آلاف ومائتا رجل جمع إليه رؤساء الناس وأمراء الأجناد ووجوه القبائل، فحمد الله وأثنى عليه ثمّ قال:
يا أهل الكوفة أنتم إخواني وأنصاري وأعواني على الحقّ، ومجيبيّ إلى جهاد المحلَين، بكم أضرب المدبر، وأرجو إتمام طاعة المقبل، وقد بعثت إلى أهل البصرة فاستنفرتهم فلم يأتني منهم غير ثلاثة آلاف ومائتين، فأعينوني بمناصحة سمحة خليّة من الغشّ، وإني آمركم أن يكتب إليّ رئيس كلّ قوم منكم ما في عشيرته من المقاتلة وأبنائهم الذين أدركوا القتال، والعبدان والموالي، وارفعوا ذلك إليّ ننظر فيه إن شاء الله...اهـ»(1).
وهذا النص مرّ وليس فيه ذكر لشخوص ابن عباس من البصرة مع الجيش. غير أنّ الدينوري قال في الأخبار الطوال: «فقدم عليه عبد الله بن عباس في فرسان البصرة وكانوا زهاء سبعة آلاف رجل»(2).
وإذا أضفنا هذا الرقم إلى ما تقدم برواية ابن قتيبة والطبري كانوا جميعاً عشرة آلاف، وهذا ما ذكره المسعودي في مروج الذهب قال: «وأتاه من البصرة مع ابن عباس ـ وكان عامله عليها ـ عشرة آلاف فيهم الأحنف بن قيس وجارية ابن قدامة السعدي وذلك سنة ثمان وثلاثين»(3).

(1) الإمامة والسياسة 1/121، تاريخ الطبري 5/78.
(2) الأخبار الطوال /206 ط تراثنا بمصر.
وفي مصباح الأنوار لمحمّد بن هاشم 2 باب 32 مخطوط ذكر انّهم تسعة آلاف، واحتمال التصحيف وارد.
(3) مروج الذهب 2/36 ط العامرة البهية سنة 1346هـ.
موسوعة عبدالله بن عباس- الحلقة الاولى - الجزء الرابع 214

وهنا لا يفوتني التنبيه إلى تفاوت في هذا النص وقع في مروج الذهب فقد ورد: «وأتاه من البصرة (من قبل) ابن عباس... بدل: وأتاه من البصرة (مع ابن عباس)»(1) كما مرّ في ط العامرة البهية. وهذا التفاوت يغيّر كثيراً في مجريات الأمور بالنسبة إلى ابن عباس، ولا أعلم هل أنّ ما في طبعة تحقيق عبد الحميد كان من المزيد والتنقيح الّذي امتازت به طبعته؟ بعد ثلاثين سنة من تاريخ الطبعة الأولى، ولا يحضرني فعلاً طبعات أخر للمقارنة، إلاّ أنّ الّذي سبق لي ذكره من إمارات وجود ابن عباس مع الإمام في تلك الحرب تؤيد نص طبعة العامرة البهية (وأتاه من البصرة مع ابن عباس).
ومع جميع تلك الإمارات فلم يأخذ بها بعض الباحثين المحدثين ومنهم طه حسين فقد قال في كتابه عليّ وبنوه: «وكتب عليّ إلى أهل البصرة فجاء منهم جند صالح، ولم يشخص ابن عباس هذه المرة، وإنّما اكتفى بتسريح الجند إلى عليّ»(2) وكأنّه يحاول ترتيب مقدمات الإدانة لحديث الخيانة والله العالم.


إلى النهروان:

ذكر غير واحد من مترجمي حبر الأمة عبد الله بن عباس (رضي الله عنه) حضوره مع الإمام في حربه الخوارج بالنهروان، فمنهم ابن عبد البر في الاستيعاب(3)، والدياربكري في تاريخ الخميس(4)، والمسعودي في مروج الذهب كما مرّ،

(1) مروج الذهب طبعة مصرية بتحقيق محمّد محي الدين عبد الحميد الطبعة الثالثة سنة 1377 هـ مكتوب عليها (مزيدة ومنقحة).
(2) عليّ وبنوه /112 ط المعارف.
(3) الاستيعاب 2/352.
(4) تاريخ الخميس 1/189.
موسوعة عبدالله بن عباس- الحلقة الاولى - الجزء الرابع 215

والخطيب البغدادي في تاريخ بغداد ذكره فيمن ورد المدائن مع الإمام (عليه السلام)(1)، كما ذكر ابن شهر آشوب في المناقب(2) بعث الإمام ابن عباس إلى الخوارج في النهروان فقال له: (يا بن عباس امض إلى هؤلاء القوم فانظر ما هم عليه ولماذا اجتمعوا؟ الخ ثمّ ذكر محاججته إياهم بعين ما مرّ منّا ذكره في محاورة ابن عباس مع المحكمة في حروراء نقلاً عن ابن أعثم).
وقال ابن حجر في فتح الباري: «ومقتضى ما ذكره أهل العلم بالأخبار كالمدائني ان ابن عباس كان استنفر أهل البصرة بأمر عليّ ليعاودوا محاربة معاوية بعد الفراغ من أمر التحكيم ثمّ وقع أمر الخوارج فسار ابن عباس إلى عليّ فشهد معه النهروان...»(3).
وقال المدني في الدرجات الرفيعة: «وعن عبد الله بن عوف بن الأحمر أنّ عليّاً (عليه السلام) لم يبرح النخيلة حتى قدم عليه ابن عباس من البصرة»(4).
وقال سبط ابن الجوزي: «وكانت الخوارج بالنهروان، فقال له ابن عباس: قد تجدّد أمر فاكتب إليهم قبل لقائك إياهم، فكتب إليهم يخبرهم بأمر الحكمين فاقبلوا إلينا لنجاهد القوم فإنّا على الأمر الأوّل.
فكتبوا إليه: إنّك لم تغضب لله تعالى وإنّما غضبت لنفسك، فإن شهدت على نفسك بالكفر وتبت نظرنا فيما بيننا وبينك، وإلاّ نابذناك على سواء إنّ الله لا يحب الخائنين.

(1) تاريخ بغداد 1/174.
(2) مناقب ابن شهر آشوب 2/369 ط الحيدرية.
(3) فتح الباري 13/28 تح ـ محمّد فؤاد عبد الباقي ومحب الدين الخطيب ط بيروت.
(4) الدرجات الرفيعة /110.
موسوعة عبدالله بن عباس- الحلقة الاولى - الجزء الرابع 216

فلمّا قرأ كتابهم يئس منهم»(1).
إذن تبين لنا عدم الشك في حضور الحبر ابن عباس مع جند أهل البصرة عند الإمام في النخيلة، وهو (عليه السلام) لم يبرح حتى تكامل جيشه، ولمّا عزم على المسير إلى أهل الشام، بلغه مقالة الناس: «أن لو سار بنا إلى هذه الحرورية فبدأنا بهم، فإذا فرغنا منهم وجّهنا من وجهنا ذلك إلى المحلّين»، فقام في الناس خطيباً فحمد الله وأثنى عليه ثمّ قال: (أمّا بعد فإنّه قد بلغني قولكم لو أنّ أمير المؤمنين سار بنا إلى هذه الخارجة الّتي خرجت عليه فبدأنا بهم، فإذا فرغنا منهم وجّهنا من وجهنا ذلك إلى المحلّين، وإنّ غير هذه الخارجة أهمّ إلينا منهم، فدعوا ذكرهم وسيروا إلى قوم يقاتلونكم كيما يكونوا جبّارين ملوكاً، ويتخذوا عباد الله خولا).
فتنادى الناس من كلّ جانب سر بنا يا أمير المؤمنين حيث أحببت.
فلمّا همّ بالمسير بلغه ما صنع الخوارج بعبد الله بن خبّاب وقتلهم امرأته وهي حامل متم فشقّوا بطنها.
قام إليه ناس فقالوا: يا أمير المؤمنين علام ندع هؤلاء وراءنا يخلفوننا في أموالنا وعيالنا، سر بنا إلى القوم، فإذا فرغنا فيما بيننا وبينهم سرنا إلى عدونا من أهل الشام.
فارتضى ذلك الرأي وأمر الناس بالرحيل، ثمّ سار والناس معه حتى أتى النهروان، وسار بأصحابه حتى نزل على فرسخين من النهروان ثمّ راسلهم وكاتبهم فلم يرتدعوا(2).

(1) التذكرة /110 ط حجرية.
(2) مطالب السؤول لابن طلحة الشافعي /45 ط حجرية.

السابق السابق الفهرس التالي التالي