موسوعة عبدالله بن عباس- الحلقة الاولى - الجزء الرابع 88

الأوّل، ولولاهم لعاجله الحرب، ولكن جرى القدر الماضي على قدر، فلمّا قضى على الزمرة الناكثة واتباعهم، وأتى الكوفة أخذ في إسداء النصائح قبل أن يعلن الحرب، وجرت مكاتبات دامت سبعة عشر شهراً، لم تردع معاوية ولم تخضعه، فصمّم حينئذٍ على الإستعداد والمسير بنفسه، فكتب إلى عماله وأمراء الأجناد أن يوافوه بأجنادهم إلى النخيلة. وكان ابن عباس أحد من كتب إليه الإمام في ذلك.
روى نصر في كتابه بسنده عن عبد الله بن عوف بن الأحمر: «أنّ عليّاً لم يبرح النخيلة حتى قدم عليه ابن عباس بأهل البصرة، وكان كتب عليّ إلى ابن عباس وإلى أهل البصرة:
أمّا بعد فأشخص إليَّ مَن قِبلك من المسلمين والمؤمنين، وذكّرهم بلائي عندهم، وعفوي عنهم، واستبقائي لهم، ورغّبهم في الجهاد، وأعلمهم الّذي لهم في ذلك من الفضل.
فقام فيهم ابن عباس فقرأ عليهم كتاب عليّ، فحمد الله وأثنى عليه ثمّ قال: (أيّها الناس، استعدّوا للمسير إلى إمامكم، وانفروا في سبيل الله خفافاً وثقالاً وجاهدوا بأموالكم وأنفسكم، فإنكم تقاتلون المحلّين والقاسطين، الذين لا يقرءون القرآن، ولا يعرفون حكم الكتاب ولا يدينون دينَ الحقّ، مع أمير المؤمنين وابن عم رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم)، الآمر بالمعروف والناهي عن المنكر، والصادع بالحقّ والقيّم بالهدى، والحاكم بحكم الكتاب، الّذي لا يرتشي في الحكم ولا يداهن الفجّار، ولا تأخذه في الله لومة لائم).
فقام الأحنف بن قيس، فقال: نعم والله لنجيبنّك، ولنخرجنّ معك على العسر واليسر، والرضا والكره، نحتسب في ذلك الخير، ونأمل من الله العظيم من الأجر.

موسوعة عبدالله بن عباس- الحلقة الاولى - الجزء الرابع 89

وقام إليه عمرو بن مرجوم العبدي، فقال: وفّق الله أمير المؤمنين، وجمع له أمر المسلمين، ولعن المحلّين القاسطين، الذين لا يقرءون القرآن، نحن والله عليهم حنقون، ولهم في الله مفارقون. فمتى أردتنا صحبتك خيلُنا ورجلُنا.
وأجاب الناس وخفّوا، فاستعمل ابن عباس على البصرة أبا الأسود الدؤلي، وخرج حتى قدم على عليّ ومعه رؤوس الأخماس:
خالد بن المعمّر السدوسي(1) على بكر بن وائل، وعمرو بن مرحوم العبدي(2) على عبد القيس، وصبرة بن شيمان الأزدي(3) على الأزد، والأحنف بن قيس(4) على تميم وضبة والرباب، وشريك بن الأعور الحارثي(5) على أهل العالية.

(1) خالد بن المعمّر السدوسي، من رؤساء بني بكر في عهد عمر، وكان مع الإمام عليّ في الجمل وصفين ومن أمراء جيشه أدرك عصر النبوة وبقي حتى عهد معاوية فولاّه إمرة إرمينية فقصدها فمات في طريقه إليها بنصبين. الأعلام للزركلي 2/340.
(2) عمرو بن مرحوم العبدي كانت إليه رئاسة عبد القيس وله موقف مشرّف ومشكور في فتنة ابن الحضرمي كما سيأتي الحديث عنها في أيام الإمام الحسن (عليه السلام)، وقد عدّه الشيخ الطوسي في رجاله من أصحاب الإمام أمير المؤمنين (عليه السلام).
(3) صبرة بن شيمان الأزدي، رأس الأزد في أيامه وقائدهم في وقعة الجمل، كان مع عائشة على يسارها، وله كلام مع معاوية وقد اجتمعت الوفود عنده فتكلموا فأكثروا فقام صبرة فقال يا أمير المؤمنين، إنا حيّ فعال ولسنا بحيّ مقال، ونحن بأدنى فعالنا عند أحسن فعالهم، فقال: صدقت. الأعلام للزركلي 3/286.
(4) الأحنف بن قيس سيّد بني تميم، أحد عظماء الدهاة الفصحاء الشجعان، يضرب به المثل في الحلم، اعتزل الحرب يوم الجمل ثمّ شهد صفين مع الإمام عليّ (عليه السلام) ولما تولى معاوية الأمر بعد الصلح مع الإمام الحسن (عليه السلام) عاتبه معاوية فأغلظ له في الجواب فسئل معاوية عن صبره عليه فقال: هذا الّذي إذا غضب غضب له مئة ألف لا يدرون فيم غضب. توفي بالكوفة سنة /72 هـ وأخباره كثيرة جمع الجلودي كتاب (أخبار الأحنف) وللزركلي أيضاً نحو ذلك.
(5) شريك بن الأعور الحارثي هو ابن عبد الله الأعور البصري كان من شيعة الإمام أمير المؤمنين (عليه السلام) بالبصرة جليل القدر شهد صفين وقاتل مع عمار بن ياسر، وهو الّذي أتى به ابن زياد معه من البصرة إلى الكوفة حين قدمها لضبطها من الثورة على الأمويين وقد دخلها مسلم بن عقيل، فنزل شريك على هاني بن عروة وبها مسلم فحرّضه على اغتيال ابن زياد حين يأتي لعيادته وكان مريضا، ومات بالكوفة سنة 60 ودفن بالثوية، وصلّى عليه ابن زياد، ولما علم ابن زياد انّه كان يحرّض على قتله قال: والله لا أصلي على جنازة عراقي أبداً، ولولا ان قبر زياد فيهم لنبشت شريكاً. تاريخ الطبري 6/ 202 ط الحسينية.
موسوعة عبدالله بن عباس- الحلقة الاولى - الجزء الرابع 90

فقدموا على عليّ بالنخيلة...»(1).
قال البلاذري: «وقد كان الأحنف وشريك قدما الكوفة مع عليّ، فردّهما إلى البصرة ليستنفرا هؤلاء الذين ساروا معهما إلى الكوفة، ويقال إنهما شيّعاه فردهما قبل أن يبلغا الكوفة ليستنفرا الناس إليه ففعلا، ثمّ أشخصهما ابن عباس معه»(2).

إلى صفين:

قال الخضري في محاضراته: «لم تكن واقعة الجمل على شدة هولها وفظاعة أمرها إلاّ مقدمة لما هو أشد منها وأفظع أمراً وهو الحرب في صفين».
قال أبو حنيفة الدينوري: «فلمّا اجتمع إلى عليّ قواصيه، وانضمت إليه أطرافه، تهيأ للمسير من النخيلة، ودعا زياد بن النضر وشريح بن هانيء فعقد لكل واحد منهما على ستة آلاف فارس. ـ وذكر وصية الإمام لهما ـ ثمّ قال: فلمّا كان اليوم الثالث من مخرجهما قام في أصحابه خطيباً فقال: أيّها الناس نحن سائرون غداً في آثار مقدمتنا، فإيّاكم والتخلّف، فقد خلّفت مالك بن حبيب اليربوعي، وجعلته على الساقة، وأمرته ألاّ يدع أحداً إلاّ ألحقه بنا.

(1) وقعة صفين /130- 131.
(2) أنساب الأشراف (ترجمة الإمام) 2/295ـ296.
موسوعة عبدالله بن عباس- الحلقة الاولى - الجزء الرابع 91

فلمّا أصبح نادى في الناس بالرحيل، وسار ـ ثمّ ذكر منازله الّتي مرّ بها من رسوم بابل إلى ساباط المدائن وقد هيئت له فيه الأنَزال، ثمّ إلى الأنبار وهكذا قطع المنازل حتى وصل إلى صفين فوجد معاوية قد نزل على شريعتها الوحيدة الّتي لم يصلح غيرها للرواء، لأن ما عداها أخراق عالية وأماكن وعرة، وغياض ملتفّة، فيها نزور طولها نحو من فرسخين، وليس في ذينك الفرسخين طريق إلى الفرات إلاّ طريق واحد مفروش بالحجارة، وسائر ذلك خِلاف وغرب ملتف لا يسلك، وجميع الغيضة نزور ووحل»(1). هكذا وصفها الدينوري.
قال ابن أبي الحديد في شرح النهج: «وكان وصول عليّ (عليه السلام) إلى صفين لثمان بقين من المحرم من سنة سبع وثلاثين»(2).
وذكر نصر بن مزاحم في وقعة صفين القتال على شريعة الماء حتى ملكها العراقيون: وأرادوا منع أهل الشام منه فيموتوا عطشا، لكن الإمام منعهم من ذلك وأبت نفسه الشريفة إلاّ تكرّما، وأباح الماء للواردين منهم أسوة بجنده، فالناس فيه شرع سواء(3).
وقال نصر: «ومكث عليّ يومين لا يرسل إلى معاوية ولا يأتيه من قبل معاوية أحد»(4).
وقال أبو حنيفة في الأخبار الطوال: «ثمّ توادع الناس وكفّ بعضهم عن بعض، وأمر على ألاّ يُمنع أهل الشام من الماء فكان يسقون جميعاً، ويختلط

(1) الأخبار الطوال /166.
(2) شرح النهج 1/292.
(3) وقعة صفين /185 ـ 208.
(4) المصدر السابق /209.
موسوعة عبدالله بن عباس- الحلقة الاولى - الجزء الرابع 92

بعضهم ببعض، ويدخل بعضهم في معسكر بعض، فلا يعرض أحد من الفريقين لصاحبه إلاّ بخير، ورجوا أن يقع الصلح... فلم يزالوا يتراسلون شهر ربيع ـ الأوّل والثاني ـ وجمادى الأولى»(1).
وقال نصر: «فتراسلوا ثلاثة أشهر ربيع الآخر وجمادين، فيفزعون الفزعة فيما بين ذلك»(2).
وقال أبو حنيفة: «ويفزعون فيما بين ذلك يزحف بعضهم إلى بعض، فيحجز بينهم القراء والصالحون، فيفترقون من غير حرب، حتى فزعوا في هذه الثلاثة أشهر خمساً وثمانين فزعة، كلّ ذلك يحجز بينهم القرّاء. فلمّا انقضت جمادى الأولى بات عليّ (رضي الله عنه) يعبيء أصحابه ويكتّب كتابه، وبعث إلى معاوية يؤذنه بحرب، فعَبى معاوية أيضاً أصحابه وكتّب كتابه، فلمّا أصبحوا تزاحفوا وتواقفوا تحت راياتهم في صفوفهم، ثمّ تحاجزوا فلم تكن حرب، وكانوا يكرهون أن يلتقوا بجميع الفيلقين مخافة الاستئصال غير أنّه يخرج الجماعة من هؤلاء إلى الجماعة من أولئك، فيقتتلون بين العسكرين، فكانوا كذلك حتى أهلّ هلال رجب، فأمسك الفريقان»(3).
وقال نصر: «حتى إذا كان رجب وخشي معاوية أن يبايع القرّاء عليّاً على القتال، أخذ في المكر، وأخذ يحتال للقرّاء لكيما يحجموا عنه، ويكفّوا حتى ينظروا ـ وان معاوية كتب في سهم: من عبد الله الناصح فإنّي أخبركم أنّ معاوية يريد أن يفجّر عليكم الفرات فيغرقكم فخذوا حذركم.

(1) الأخبار الطوال /169.
(2) وقعة صفين /213.
(3) الأخبار الطوال /169.
موسوعة عبدالله بن عباس- الحلقة الاولى - الجزء الرابع 93

ثمّ رمى معاوية بالسهم في عسكر عليّ (عليه السلام) فوقع في يدي رجل من أهل الكوفة فقرأه ثمّ أقرأه صاحبه، فلمّا قرأه وأقرأه الناس... فلم يزل حتى رفع إلى أمير المؤمنين. فقال: ويحكم إنّ الّذي يعالج معاوية لا يستقيم له ولا يقوى عليه، وإنّما يريد أن يزيلكم عن مكانكم، فالهوا عن ذلك ودَعَوه».
ثمّ ذكر نصر عدم طاعتهم وخلافهم ونجاح معاوية بمكره حتى اضطروا إلى القتال مرة ثانية على الماء، فاسترجعوا الشريعة وأرادوا منع الماء على معاوية وجنده، فمنعهم الإمام وقال: «أيّها الناس انّ الخطب أعظم من منع الماء...»(1).
والآن فلنقرأ:


ماذا عن ابن عباس في صفين؟

لقد مرّ بنا قول المؤرخين: إنّ الإمام لم يبرح النخيلة حتى وافاه ابن عباس. ومرّ بنا قولهم: إنّه أتاه من البصرة ومعه أجناده ورؤوس الأخماس. وفارقناه منذ النخيلة وحتى صفين فلم نقف له على ذكر في تلك المنازل الّتي قطعها مع الإمام، ولمّا كان هو مع الإمام لم يفارقه في حلّه وترحاله، ولم يزل معه من بدء الحرب وحتى نهايتها المحزنة بخدعة التحكيم، ثمّ لم يفارقه حتى عاد معه إلى الكوفة، فلا شك أنّه كانت له في خلال تلك المدة الّتي استدامت شهوراً طويلة مواقف كثيرة، وإذا كنا لا نحصيها عدداً، لأنّا لم نحط بتفاصيلها خبراً، لكن ما ظهر منها أثرى الموضوع دلالة وأصالة، حيث وجدناه رأساً منظوراً في موقفه القيادي، وقائداً عسكرياً في قتاله الميداني، ومناوراً بارعاً صلباً مع المخادعين، وخطيباً بليغاً في تعبئة أجناده.

(1) وقعة صفين /213.
موسوعة عبدالله بن عباس- الحلقة الاولى - الجزء الرابع 94

وما علينا الآن إلاّ أن نلمّ ببعض النصوص التاريخية لنستعلم منها صفحات جهاده في صفين، لتبدو مواقفه الناصعة النيّرة المشرقة.


أوّلاً: مركزه القيادي

قال نصر وأبو حنيفة الدينوري: «وقد استعمل على الميسرة عبد الله بن عباس... وجعل في الميسرة ربيعة... وجعل على قريش وأسد وكنانة عبد الله بن عباس...»(1)، وهذا الّذي تكاد تتفق عليه المصادر الأولى التاريخية، وفي بعضها نجد: «وعبّأ عليّ بن أبي طالب أصحابه... وجعل على خيل القلب عبد الله بن عباس والعباس بن ربيعة بن الحارث»(2)، ويصح جميع ذلك إذا عرفنا أنّ الحرب استدامت شهوراً وشهورا، فلا مانع من تغيير مكان القيادة تبعاً لما تمليه حالة الحرب وتعبئة العدوّ.
فقد قال نصر: «فمكثوا على ذلك حتى كان ذو الحجة فجعل عليّ يأمر هذا الرجل الشريف فيخرج معه جماعة فيقاتل، ويخرج إليه من أصحاب معاوية رجل معه آخر... فاقتتل الناس ذا الحجة كلّه، فلمّا مضى ذو الحجة تداعى الناس أن يكفّ بعضهم عن بعض إلى ان ينقضي المحرم، لعل الله أن يجري صلحاً واجتماعاً، فكفّ الناس بعضهم عن بعض»(3) .
ثمّ ذكر نصرَ وغيره أيضاً ـ تبادل الرسل بالمساعي الحميدة لكن معاوية بعناده لم يرضخ لقبول الحقّ .

(1) وقعة صفين /213، الأخبار الطوال /171.
(2) تاريخ الفتوح لابن اعثم الكوفي 3/32.
(3) وقعة صفين /219 ـ 221.
موسوعة عبدالله بن عباس- الحلقة الاولى - الجزء الرابع 95

قال أبو حنيفة: «فلمّا انسلخ المحرم - أي من سنة 38- بعث عليّ منادياً فنادى في عسكر معاوية عند غروب الشمس: إنّا أمسكنا لتنصرم الأشهر الحرم وقد تصرمت، وإنّا ننبذ إليكم على سواء، إنّ الله لا يحب الخائنين.
فبات الفريقان يكتّبون الكتائب، وقد أوقدوا النيران في العسكرين، فلمّا أصبحوا تزاحفوا»(1).
هذا ما ذكره الدينوري، ولم يبعد عن رواية نصر بن مزاحم في وقعة صفين كثيراً. إلاّ أنّ نصراً ذكر في موضع آخر فقال: «فلمّا انسلخ المحرم واستقبل صفر وذلك سنة تسع وثلاثين»(2)، وأحسب وهماً أو تصحيفاً جرى في تحديد السنة.
والصحيح فيما أراه كما بيّناه بين شارحتين عند ذكر رواية الدينوري أنّها سنة ثمان وثلاثين، لأنّه قد مرّ بنا قول ابن أبي الحديد في تاريخ وصول الإمام إلى صفين (لثمانٍ بقين من المحرم من سنة سبع وثلاثين)، ومرّ بنا عن نصر والدينوري ذكر المراسلة طيلة الأشهر ربيع الأوّل والثاني وجمادى الأولى والآخرة، ومرّ بنا ذكر الفزعات الّتي تخللت تلك الشهور، ثمّ ذكر الموادعة في رجب، ثمّ استمرت الحال على نحو ذلك اللون من الحرب إلى نهاية شهر ذي الحجة وهو نهاية سنة سبع وثلاثين فلابدّ أن يكون هذا المحرّم الّذي تمت فيه الموادعة وقد انسلخ هو بداية سنة ثمان وثلاثين، ولمزيد من الإيضاح ارجع إلى حلّ مشكلة في التاريخ ستجد مزيداً من التوضيح.

(1) الأخبار الطوال /171.
(2) وقعة صفين /228.
موسوعة عبدالله بن عباس- الحلقة الاولى - الجزء الرابع 96

ونعود إلى ابن عباس فلا نجد طروّ تبديل على مركزه القيادي منذ بدء الحرب حتى نهايتها، محافظاً على السلامة الفكرية عند قواد أجناده، ورفع المعنويات القتالية عند الأفراد، ولم يذكر مؤرخو الأحداث انّ الميسرة أصابها ما أصاب الميمنة من تضعضع وحتى انكشاف بدت آثاره السيئة على القلب، حتى قالوا انّ الإمام انحاز إلى الميسرة فاستقلت ربيعة في حمايته وتحالفت على الموت دونه، وكان خطيبهم يقول لهم يا معشر ربيعة لا عذر لكم بعد اليوم عند العرب إن أصيب أمير المؤمنين وهو فيكم.
وما رجعت الميمنة إلى مراكزها وانتظمت صفوفها إلاّ بعد أن اعترضهم الإمام وأرسل إليهم الأشتر فثابوا وتابوا، والميسرة مستمرة في قتالها، وقد ذكر نصر مشاهد قتالية دلت على بطولات نادرة، ومع ذلك فقد ذكر ريبة ناسٍ في أحد رؤوس الأخماس وذلك هو خالد بن المعمر السدوسي، واتهموه بأنّه كاتب معاوية وخافوا خيانته وهذا من ربيعة البصرة الذين جاؤا مع ابن عباس فأتوا الإمام وأخبروه بخشيتهم، واتخذ الإمام الإجراء المناسب والحيطة، ولم يذكر عن قبائل ربيعة أيّ شائبة في صدق القتال وبذل النصيحة، وما ذلك إلاّ بفضل القيادة الحكيمة الّتي كانت تحت إمرة ابن عباس.


ثانياً: منازلته الحربية

لم نجد ابن عباس يباشر الحرب بنفسه إلاّ في أيام معلومات، وهذا يفرض سؤالاً وجيهاً لماذا لم يباشر الحرب؟ مع أنّه بحكم مركزه القيادي يجب أن يكون مع المقاتلين في كلّ حملة فضلاً عن المبارزة الانفرادية.

موسوعة عبدالله بن عباس- الحلقة الاولى - الجزء الرابع 97

وللجواب على ذلك: وجدنا نهياً من الإمام ـ وهو القائد الأعلى ـ ينهى جماعة عن مباشرة القتال كان منهم ابن عباس.
فقد روى ابن قتيبة في كتابه عيون الأخبار قال: «قال أبو الأغر التميمي: بينا أنا واقف بصفين مرّ بي العباس بن ربيعة بن الحرث بن عبد المطلب، مكفّرا بالسلاح، وعيناه تبصّان من تحت المغفر كأنّهما عينا أرقم وبيده صفيحة يمانية يقلّبها وهو على فرس له صعب، فبينا هو يمغته ويلين من عريكته، هتف به هاتف من أهل الشام يعرف بعرار بن أدهم، يا عباس هلمّ إلى البراز، قال العباس: فالنزول إذا فإن أيأس من القفول، فنزل الشامي وهو يقول:
إن تركبوا فركوب الخيل عادتنا أو تنزلون فإنا معشرٌ نُزُل

وثنى العباس رجله وهو يقول:
ويصد عنك مخيلة الرجل العريض موضحة عن العظم
بحسام سيفك أو لسانك والكلم الأصيل كأرغب الكلم

ثمّ عصّب فضلات درعه في حجزته، ودفع فرسه إلى غلام له أسود يقال له: أسلم، كأنّي والله انظر إلى فلافل شعره، ثمّ دلف كلّ واحد منهما إلى صاحبه فذكرت قول أبي ذؤيب:
فتنازلا وتواقفت خيلاهما وكلاهما بطل اللقاء مخدّع

وكفّت الناس أعنّة خيولهم ينظرون ما يكون من الرجلين، فتكافحا بسيفيهما مليّاً من نهارهما لا يصل واحد منهما إلى صاحبه لكمال لامته، إلى أن لحظ العباس وهناً في درع الشامي فأهوى إليه بيده فهتكه إلى ثندوته، ثمّ عاد لمجادلته وقد أصحر له مفتق الدرع فضربه العباس ضربة انتظم بها جوانح صدره،

موسوعة عبدالله بن عباس- الحلقة الاولى - الجزء الرابع 98

فخرّ الشاميّ لوجهه وكبر الناس تكبيرة ارتجت لها الأرض من تحتهم، وسما العباس في الناس، فإذا قائل يقول من ورائي: « قَاتِلُوهُمْ يُعَذِّبْهُمْ اللَّهُ بِأَيْدِيكُمْ وَيُخْزِهِمْ وَيَنْصُرْكُمْ عَلَيْهِمْ وَيَشْفِ صُدُورَ قَوْمٍ مُؤْمِنِينَ * وَيُذْهِبْ غَيْظَ قُلُوبِهِمْ وَيَتُوبُ اللَّهُ عَلَى مَنْ يَشَاءُ »(1) فالتفت فإذا أمير المؤمنين (عليه السلام)، فقال لي يا أبا الأغر من المنازل لعدونا؟
قلت: هذا ابن أخيكم، هذا العباس بن ربيعة. فقال: وإنّه لهو، يا عباس ألم أنهك وابن عباس أن تخلاّ بمراكزكما وأن تباشرا حرباً؟ قال: انّ ذلك كان، قال: فما عدا ممّا بدا؟ قال: يا أمير المؤمنين أفادعى إلى البراز فلا أجيب؟ قال: نعم طاعة أمامك أولى من إجابة عدوك، ثمّ تغيّظ واستطار، حتى قلت: الساعة الساعة، ثمّ سكن وتطامن ورفع يديه مبتهلاً فقال: اللّهمّ اشكر للعباس مقامه واغفر ذنبه انّي قد غفرت له فاغفر له»(2).
فهذا الخبر فيه صراحة النهي لابن عباس أن يخلّ بمركزه ـ القيادي ـ وأن يباشر حرباً ـ بنفسه ـ
ويبدو من الخبر الآتي أنّه قد علم بهذا النهي معاوية وخاصته، إلاّ أنّهم فسّروه حفاظاً من الإمام على سلامة ابن عباس والنفر الآخرين. وذلك فيما رواه لنا نصر بن مزاحم في كتابه قال: «وحدّثنا عمر بن سعد عن الأجلح بن عبد الله الكندي عن أبي جحيفة قال: ثمّ إنّ معاوية جمع كلّ قرشي بالشام فقال: العجب يا معشر قريش إنّه ليس لأحد منكم في هذه الحرب فعال يطول به لسانه غداً ما عدا عمراً، فما بالكم

(1) التوبة /14- 15.
(2) عيون الأخبار 1/179.
موسوعة عبدالله بن عباس- الحلقة الاولى - الجزء الرابع 99

وأين حميّة قريش؟ فغضب الوليد بن عقبة وقال: وأيّ فعالٍ تريد، والله ما نعرف في أكفائنا من قريش العراق مَن يغني غناءنا باللسان ولا باليد.
فقال معاوية: بل إن أولئك قد وقوا عليّاً بأنفسهم.
قال الوليد: كلا بل وقاهم عليّ بنفسه.
قال: ويحكم أما منكم من يقوم لقرنه منهم مبارزة أو مفاخرة.
فقال مروان: أمّا البراز فإنّ عليّاً لا يأذن لحسن ولا لحسين ولا لمحمّد بنيه فيه، ولا لابن عباس وأخوته(1) ويصلى بالحرب دونهم، فلأيّهم نبارز؟
وأمّا المفاخرة فبماذا نفاخرهم أبالإسلام أم بالجاهلية؟ فإن كان بالإسلام فالفخر لهم بالنبوة، وإن كان بالجاهلية فالملك فيه لليمن، فإن قلنا قريش قالت العرب فأقروا لبني عبد المطلب...»(2).
فبدلالة هذين الخبرين عرفنا نهي الإمام لابن عباس عن مباشرة الحرب مبارزة، وإنّما كان النهي لئلا تخل المبارزة والمباشرة بالمركز الّذي منه تنطلق الأوامر إلى رؤساء الأخماس بالتوجيه بما تمليه الحرب في الساعة

(1) لعل الصواب في العبارة أن تكون هكذا: ولا لابن عباس ولا بني اخوته. أي بني اخوة الإمام الذين كانوا معه بصفين من أبناء جعفر وعقيل. أمّا اخوة ابن عباس فلم يذكر في أسماء من حضر صفين اسم أحدٍ منهم إلاّ ان ابن عبد البر في الاستيعاب ذكر في آخر ترجمة الحبر ابن عباس فقال: شهد عبد الله بن عباس مع عليّ (رضي الله عنهما) الجمل وصفين والنهروان، وشهد معه الحسن والحسين ومحمّد بنوه وعبيد الله وقثم ابنا العباس ومحمّد وعبد الله وعون بنو جعفر بن أبي طالب والمغيرة بن نوفل بن الحرث بن عبد المطلب وعقيل بن أبي طالب وعبد الله بن ربيعة بن الحرث بن عبد المطلب... اهـ.
أقول: وهذا لا يخلو من نظر، فان عبيد الله وقثم كانا واليين على اليمن ومكة، وعقيل لم يحضر أي من الحروب الثلاثة، نعم ورد ذكر مسلم بن عقيل في صفين وربّما كان معه بعض اخوته.
(2) وقعة صفين /527 ـ 528.
موسوعة عبدالله بن عباس- الحلقة الاولى - الجزء الرابع 100

والساحة، من تنظيم وتوجيه أو منازلة أو مرابطة، أو هجوم عام، وذلك كله إنّما يتم من خلال البقاء في المركز القيادي وليتلقى الأوامر أيضاً من الإمام (عليه السلام)، فهذا هو المدلول لكلمة الإمام: (ألم أنهك وابن عباس أن تخلاّ بمراكزكما وأن تباشرا حرباً).
وأمّا تفسير مروان لذلك الموقف فهو خطأ محض، ولو كان لما ذكره وجه من الصحة لشمل الذكر بقية من حضر الحرب من بني هاشم كأبناء أخيه جعفر الطيار وهم محمّد وعبد الله وعون، وكالمغيرة بن نوفل بن الحارث وعمه عبد الله بن ربيعة أخ العباس بن ربيعة وبقية الهاشميين، فإنّ شفقة الإمام كانت على الجميع سواسية، مع أنّ أبناء الإمام أمير المؤمنين (عليه السلام) كانوا يخوضون الحرب معه ويحوطونه ويتقون النبال دونه، ولا يمنع ذلك من الشفقة عليهم، والتصدي بنفسه للعدو دونهم إذا خشي عليهم منه.
فقد روى نصر بسنده عن زيد بن وهب قال: «مرّ عليّ يومئذ ومعه بنوه نحو الميسرة ومعه ربيعة وحدها، وإني لأرى النبل بين عاتقه ومنكبيه، وما من بنيه أحد إلاّ يقيه بنفسه، فيكره عليّ ذلك، فيتقدم عليه ويحول بينه وبين أهل الشام، ويأخذ بيده إذا فعل ذلك فيلقيه بين يديه أو من ورائه...»(1).
ويبدو من خلال وقائع الحرب الّتي استدامت طويلاً، كانت لابن عباس بعض المنازلات الميدانية، ولابدّ أنّها كانت بإذن من الإمام (عليه السلام)، وقد وجدت له ثلاثة مواقف قتالية مع أقطاب قادة أهل الشام المميّزين: كعمرو بن العاص والوليد بن عقبة وعبيد الله بن عمر، وذي الكلاع الحميري.

(1) وقعة صفين /280.
موسوعة عبدالله بن عباس- الحلقة الاولى - الجزء الرابع 101

ثالثاً: موقف خطابي ومنازلة ميدانية مع عمرو بن العاص

روى نصر بسنده عمن سمع عمرو بن العاص قبل الوقعة العظمى بصفين وهو يحرّض أصحابه بصفين: «فقام محنيّاً على قوس، فقال - ثمّ ذكر الخطبة وجاء في آخرها: مع أنّ القوم ـ ويعني أهل العراق ـ قد وطِئوا بلادكم وبغوا عليكم، فجدّوا في قتال عدوكم، واستعينوا بالله ربكم، وحافظوا على حُرماتكم»(1).
وقال نصر: «ثمّ إنّه جلس فقام عبد الله بن العباس خطيباً فقال:
الحمد لله رب العالمين، الّذي دحا تحتنا سبعاً، وسمك فوقنا سبعاً، ثمّ خلق فيما بينهنّ خلقاً وأنزل لنا منهنّ رزقاً، ثمّ جعل كلّ شيء يبلى ويفنى غير وجهه الحي القيوم الّذي يحيا ويبقى.
ثمّ إنّ الله بعث أنبياء ورسلا فجعلهم حججاً على عباده، عُذراً أو نُذراً، لا يطاع إلاّ بعلمه وإذنه، يمنّ بالطاعة على من يشاء من عباده ثمّ يثيب عليها، ويعصى بعلم منه فيعفو ويغفر بحلمه، لا يقدر قدره، ولا يبلغ شيء مكانه، أحصى كلّ شيء عدداً، وأحاط بكل شيء علماً.
ثمّ إني أشهد أن لا اله إلاّ الله وحده لا شريك له، وأشهد أنّ محمّداً عبده ورسوله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) إمام الهدى والنبيّ المصطفى، وقد ساقنا قدر الله إلى ما قد ترون، حتى كان فيما اضطرب من حبل هذه الأمة، وانتشر من أمرها، أنّ ابن آكلة الأكباد قد وجد من طغام أهل الشام أعواناً على عليّ بن أبي طالب ابن عم رسول الله وصهره، وأول ذكرٍ صلّى معه، بدري قد شهد مع رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) كلّ مشاهده الّتي فيها الفضل، ومعاوية وأبو سفيان مشركان يعبدان الأصنام.

(1) نفس المصدر /358.
موسوعة عبدالله بن عباس- الحلقة الاولى - الجزء الرابع 102

واعلموا والله الّذي ملك الملك وحده فبان به وكان أهله، لقد قاتل عليّ بن أبي طالب مع رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) وعليّ يقول: صدق الله ورسولهُ، ومعاوية وأبو سفيان يقولان: كذب الله ورسوله.
فما معاوية في هذه بأبّر ولا أتقى ولا أرشد ولا أصوب منه في تلكم، فعليكم بتقوى الله والجد والحزم والصبر، والله إنّكم لعلى الحقّ وإنّ القوم لعلى الباطل، فلا يكوننّ أولى بالجدّ في باطلهم منكم في حقكم، أما والله إنّا لنعلم أنّ الله سيعذّبهم بأيديكم وبأيدي غيركم.
اللّهمّ ربّنا أعنّا ولا تخذلنا، وانصرنا على عدوّنا، ولا تَخلُّ عنا، وافتح بيننا وبين قومنا بالحقّ، وأنت خير الفاتحين، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
أقول قولي هذا واستغفر الله لي ولكم»(1).
ثمّ جرت منازلة ميدانية واشتد القتال فيها، فقد قال ابن اعثم الكوفي: «خرج عمرو بن العاص في خيل عظيمة، فأخرج إليه عليّ (رضي الله عنه) عبد الله بن عباس في خيل مثلها، فانصرفوا عن قتلى وجرحى»(2).


رابعاً: يوم من أيام صفين مع الوليد بن عقبة

قال نصر في كتابه وقعة صفين: «فلمّا أن كان اليوم الخامس ـ من شهر صفر ـ خرج عبد الله بن العباس، والوليد بن عقبة، فاقتتلوا قتالاً شديداً، ودنا ابن عباس من الوليد بن عقبة، فأخذ الوليد يسبّ بني عبد المطلب وأخذ يقول: يابن عباس قطعتم أرحامكم، وقتلتم إمامكم، فكيف رأيتم صنع الله بكم، لم تعطوا ما طلبتم، ولم تدركوا ما أمّلتم، والله ـ إن شاء الله ـ مهلككم وناصرنا عليكم.

(1) نفس المصدر /359.
(2) كتاب الفتوح 3/30.
موسوعة عبدالله بن عباس- الحلقة الاولى - الجزء الرابع 103

فأرسل إليه ابن عباس: أن ابرز إليّ، فأبى أن يفعل، وقاتل ابن عباس يومئذ قتالاً شديداً».
ثمّ قال نصر: «ثمّ انصرفوا عند الظهر وكلّ غير غالب وذلك يوم الأحد»(1).
هذا ما ذكره نصر من عدم الغلبة لأي من الطرفين ـ يخالفه ما رواه المسعودي فقد قال: «وأكثر الوليد من سب بني عبد المطلب بن هاشم، فقاتله ابن عباس قتالاً شديداً وناداه: ابرز إليَّ يا صفوان ـ وكان لقب الوليد ـ وكانت الغلبة لابن عباس، وكان يوماً صعباً»(2).
وقد ورد ذكر هذا اليوم عند الطبري(3)، وفي تاريخ ابن الأثير(4)، والبداية والنهاية لابن كثير(5)، وتاريخ ابن خلدون(6). وغيرها من المصادر، وجميعها متفقة على أنّ المنازلة كانت بين ابن عباس وبين الوليد. إلاّ أنّ البلاذري بعد أن روى ما هو المذكور عند المؤرخين عقب قائلاً: ومن قال: إنّ الوليد اعتزل القتال، قال: كان القتال في اليوم الخامس بين عبد الله بن عباس وملحان(7) بن حارثة بن سعد بن الحشرج الطائي وهو من أهل الشام، وفيه يقول الشاعر:

(1) وقعة صفين /249.
(2) مروج الذهب 2/389 تح ـ محمّد محي الدين عبد الحميد.
(3) تاريخ الطبري 5/13 ط دار المعارف.
(4) تاريخ ابن الأثير 3/127 ط بولاق.
(5) البداية والنهاية 7/261 ط السعادة.
(6) تاريخ ابن خلدون 1/1103 ط دار الكتاب اللبناني.
(7) هو ابن عم حاتم الطائي الجواد المشهور. فحاتم بن عبد الله بن سعد بن الحشرج الطائي، وهذا ملحان بن حارثة بن سعد بن الحشرج الطائي وله ذكر في اخبار حاتم في الاغاني 16/95 و 98 ط الساسي وفيها: وكان ـ حاتم ـ لا يسافر إلاّ وهو ـ يعني ملحان بن حارثة ـ معه.

السابق السابق الفهرس التالي التالي