موسوعة عبدالله بن عباس- الحلقة الاولى - الجزء الرابع
72
تريد على أن تمسك عن ابن عباس فلا تذكره بعد هذه الكلمة فأعطاه وأرضاه...
وقال: إنّ عبد الله بن عباس دعا على ابن فسوة فخرس وأصابه خبل مات فيه...»(1). وروى الخبر ابن قتيبة(2).
وقد يساور الشك بعض القراء فيتخيل البخل في ابن عباس حيث لم يتق شر لسان ابن فسوة، فيسد فمه بلهوة، ولكن سرعان ما يتبدد ذلك الخيال حين يقرأ نماذج من أقوال معاصريه في سخائه.
كقول عطاء: «ما رأيت مجلساً قط أكرم من مجلس ابن عباس أكثر علماً وأعظم جفنة»(3).
وقول مجاهد: «كان ابن عباس أمدّهم قامة، وأعظمهم جفنة، وأوسعهم علماً»(4).
وقول الضحاك: «ما رأيت بيتاً أكثر خبزاً ولحماً من بيت ابن عباس»(5).
فمن كان كذلك في بذله الطعام، وإكرام الكرام، لا يذهب الوهم بالقارئ أنّه منع ابن فسوة بخلاً، وإنّما رأى في إعطائه معونة على الكفر والعصيان فلا يحلّ له إكرامه، وهو يعصي الرحمن ويقول البهتان.
وحسبنا دليلاً على وضعه الكرم موضعه حديث وفادة أبي أيوب الأنصاري على ابن عباس بالبصرة وإكرامه، حتى خرج عن داره فأنزله فيها ـ كما أنزل
(1) أنساب الأشراف (ترجمة ابن جعفر) 2/49 تح ـ المحمودي.
(2) الشعر والشعراء /137.
(3) أنظر تاريخ بغداد 1/174.
(4) أنظر طبقات ابن سعد ترجمة ابن عباس تح ـ السُلمي ص203.
(5) أنظر سير أعلام النبلاء للذهبي 4/451 ط دار الفكر.
موسوعة عبدالله بن عباس- الحلقة الاولى - الجزء الرابع
73
رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) في داره، وملّكه كلّ ما أغلق عليها بابها، إلى غير ذلك ممّا يأتي حديثه مفصلاً في أخريات أيام ولايته.
وكذلك ما روي في أخبار الدولة العباسية قال: وقدم ركب من بني عبد الله بن بلال ـ كذا والصواب: هلال ـ بن عامر البصرة، فبلغ ذلك عبد الله بن العباس وهو يومئذ عامل عليّ بن أبي طالب على البصرة فأرسل إليهم فأتوه فقال: ما منعكم من النزول على ابن اختكم ـ وكانوا أخواله ـ فقالوا: نزلنا في بني هلال، وكرهنا جماعة الناس وغمّ الأزقة، وأحببنا فسحة هذا الظهر نسرح فيه.
قال: إذن لا تبعدوا من أن يأتيكم القرى، فكانت الجفان تغدو عليهم وتروح بألوان الطعام، فقال ابن المنتخب الهلالي:
انّ ابن عباس وجود يمينه
كفى كلّ معتلّ قراناً وباخل
وأرحلنا عنه ولم ينأ خيرُه
ولا غاله عن برّنا أم غافل
تروح وتغدو كلّ يوم جفانُهُ
بكل سديف النيّ للجوع قاتل(1)
وروى الغزالي(2)، والقاضي التنوخي في المستجاد(3)، والفيض الكاشاني(4)، وعبد الحفيظ أبو السعود(5)، وغيرهم: «انّه اجتمع قرّاء البصرة إلى ابن عباس وهو عامل بالبصرة، فقالوا: لنا جارٌ صوّام قوام يتمنى كلّ واحد منّا
(1) أخبار الدولة العباسية /124 تح ـ الدوري والمطلبي.
(2) إحياء العلوم 3/215.
(3) المستجاد من فعلات الأجواد /34 تح ـ محمّد عليّ كرد علي ّط الترقي بدمشق سنة 1365.
(4) المحجة البيضاء 6/67.
(5) محمّد وصحبه ط دار الكتاب العربي بمصر سنة 1367.
موسوعة عبدالله بن عباس- الحلقة الاولى - الجزء الرابع
74
أن يكون مثله، وقد زوّج ابنة له من ابن أخيه وهو فقير، وليس عنده ما يجهزها به. فقام عبد الله بن عباس فأخذ بأيديهم فأدخلهم داره ففتح صندوقاً فأخرج منه ست بُدرٌ ثمّ قال: احملوا فحملوا. فقال ابن عباس: ما أنصفناه أعطيناه ما يشغله عن صيامه وقيامه، ارجعوا نكن أعوانه على تجهيزها، فليس للدنيا من القدر ما يشغل به مؤمناً عن عبادة ربّه تعالى، وما بنا من التكبّر ما لا نخدم معه أولياء الله تعالى، ففعل وفعلوا».
وروى البلاذري: «إنّ ابن عباس كان يعشّي الناس بالبصرة في شهر رمضان ويحدّثهم ويفقههم فإذا كانت آخر ليلة من الشهر ودّعهم ثمّ قال: ملاك أمركم الدين، ووصلتكم الوفاء، وزينتكم العلم، وسلامتكم في الحاكم، وطَولكم في المعروف، إنّ الله كلّفكم الوسع فاتقوه ما استطعتم»(1).
هذه نبذة مقتطفة من تاريخ حياته في البصرة. ولم أقف على أصدق واصف له في أيام ولايته من صعصعة بن صوحان العبدي (رحمه الله)، وذلك عندما قدم إلى الكوفة فسأله الإمام عنه فقال: «يا أمير المؤمنين، إنّه آخذ بثلاث وتارك لثلاث:
آخذ بقلوب الناس إذا حَدّثَ، وبحسن الاستماع إذا حُدِّث، وبأيسر الأمر إذا خولف. وتارك المراء، ومقارنة اللئيم، وما يعتذرَ منه»(2).
ولم يخطيء صعصعة في وصفه، كما أنّه لم يبالغ، فقد كان ابن عباس كذلك منذ كان فتى لم تستو شؤون رأسه كما قال عمر في حقه، ولقد رآه
(1) أنساب الأشراف (ترجمة ابن عباس) برقم 117 نسخة مخطوطة بقلمي.
(2) مختصر تاريخ دمشق 12/313.
موسوعة عبدالله بن عباس- الحلقة الاولى - الجزء الرابع
75
الحطيئة الشاعر في مجلس عمر وقد علا القوم بلسانه ونزل عنهم بسنّه فسأل عنه فقيل له هذا ابن عباس حبر الأمة ولسان قريش فأنشأ يمدحه بأبيات منها:
إنّي وجدت بيان المرء نافلة
تُهدى له ووجدت العيّ كالصمم
والمرء يبلى ويبقى الكلم سائرة
وقد يلام الفتى يوماً ولم يلم(1)
وصدق وصف القائل فيه:
صموت إذا ما زين الصمت أهله
وفتّاق أبكار الكلام المختّم
وعن ماحوى القرآن من كلّ حكمة
وسيطت له الآراء باللحم والدم(2)
حل مشكلة في التاريخ:
نقرأ أحياناً في التاريخ أحداثاً لفّها الغموض الزماني بضبابية تكاد تخفي حقائقها، وإذا دققنا النظر فيها ملاحظين البُعد الزماني والمكاني، نجد ما حَدَث من تشويش إنّما هو من فعل المؤرخين، حين يذكرون النصوص المختلفة وأحياناً متضادة ومتنافرة، ثمّ لا يتحمّلون عناء معالجتها، مكتفين بسياقها مسندة ـ كما فعل الطبري وابن اعثم ـ أو نسبتها إلى القيل، وبذلك يحسبون أنهم رفعوا عن أنفسهم إصر التبعة، غافلين عن حساب البُعد الزماني والمكاني في تكوين الحَدَث، ومهما كان عذرهم، فإنّ المشكلة الّتي تواجهنا فعلاً، هي تحديد الفترة الّتي أقامها الإمام في الكوفة بدءاً من دخوله إليها في 12 رجب سنة 36 إلى أن
(1) عيون الأخبار لابن قتيبة 1/229 ط دار الكتب، والإصابة 2/352، والاستيعاب بهامش الإصابة 2/346 ط مصطفى محمّد.
(2) الروض الأنف للسهيلي 2/313 ط مصر.
موسوعة عبدالله بن عباس- الحلقة الاولى - الجزء الرابع
76
غادرها إلى حرب معاوية بصفين، فإنّ تحديد الفترة بدقة إنّما ينفعنا فعلاً وفي المستقبل لترتيب الأحداث فيما بعدها، وما ولّدته من تداعيات أفرزت مفاهيم خاطئة وجسيمة، ومع ذلك فإنّما علينا الأناة، ولابدّ لنا من الاستهداء بما ذكره المؤرخون على علاّته، ثمّ علينا الموائمة بين أقوالهم ورواياتهم المتضاربة ما وسع التوفيق لذلك.
ولنأخذ نموذجاً منهم المسعودي المتوفى سنة 346هـ، فقد قال: «وولى على البصرة عبد الله بن عباس وسار إلى الكوفة، فكان دخوله لأثنتي عشرة ليلة مضت من رجب... وصرف عن همدان جرير بن عبد الله البجلي وكان عاملاً لعثمان... ووجّه بجرير بن عبد الله إلى معاوية، فلمّا قدم عليه جرير دافعه وساءله أن ينتظره وكتب إلى عمرو بن العاص... فقدم جرير على عليّ فأخبره خبرهم...»(1).
وقال: «وكان سير عليّ من الكوفة إلى صفين لخمس خلون من شوال سنة ست وثلاثين...»(2).
وقال: «ولمّا كان أوّل يوم من ذي الحجة بعد نزول عليّ على هذا الموضع ـ يعني شريعة الماء بصفين ـ بعث إلى معاوية يدعوه إلى اتحاد الكلمة، فاتفقوا على الموادعة إلى آخر المحرم سنة سبع وثلاثين...»(3).
فهذا نموذج واحد ولم يبعد عنه الآخرون في ضبط الأحداث باليوم والشهر والسنة، وهذا ما يبعث على العجب! وأعجب منه ما رواه أبو هلال
(1) مروج الذهب 2/381 تح ـ محمّد محي الدين عبد الحميد.
(2) نفس المصدر /348.
(3) نفس المصدر /387.
موسوعة عبدالله بن عباس- الحلقة الاولى - الجزء الرابع
77
العسكري بسنده عن الزهري قال: «ورد عليّ الكوفة بعد الجمل في شهر رمضان سنة ست وثلاثين»(1)!!
فإنّ الزمن الّذي حددوه ـ ومنهم المسعودي ـ من دخول الإمام إلى الكوفة في 12 رجب سنة 36هـ وبين خروجه منها إلى صفين في 5 شوال سنة 36هـ لم يبلغ ثلاثة أشهر، مع أنّ المسعودي بالذات ذكر في كتابه قولاً: «أن كان بين دخول الإمام الكوفة وبين التقائه معاوية للقتال بصفين ستة أشهر وثلاثة عشر يوماً»(2) ولم يعقب على ذلك القول بشيء، ممّا دل على رضاه به. وهذا التحديد على ما فيه أحسبه أقرب إلى الواقع إذا ما جعلناه ستة عشر شهراً وثلاثة عشر يوماًَ، واحتملنا سقوط (عشر) من بعد الستة من الناسخ. وحينئذ يتفق مع قول الشعبي الّذي رواه نصر بن مزاحم: «إنّ عليّاً قدم من البصرة مستهل رجب وأقام بها سبعة عشر شهراً يجري الكتب فيما بينه وبين معاوية وعمرو بن العاص...»(3).
فإنّا إذا اعتمدنا هذا القول في تحديد الفترة تكشفت بعض الجوانب من الضبابية، لأنّها ـ الفترة ـ حينئذٍ تسع لتلك الأحداث المذكورة.
وللتوضيح وعلى سبيل المثال، فلنأخذ حدثاً له أبعاد زمانية ومكانية تنير الدرب أمامنا. ذلك هو كتاب الإمام إلى جرير بن عبد الله وكان عاملاً لعثمان على همدان وإرساله إلى معاوية ولنرجع في حكايته على طولها إلى أقدم مصدر بين أيدينا هو كتاب وقعة صفين لنصر بن مزاحم المتوفى سنة 212هـ.
(1) جمهرة الأمثال 2/158.
(2) مروج الذهب 2/360.
(3) وقعة صفين /89 ـ 90.
موسوعة عبدالله بن عباس- الحلقة الاولى - الجزء الرابع
78
قال: «فكتب إليه مع زحر بن قيس الجعفي: أمّا بعد فإنّ الله لا يغيّر ما بقوم حتى يغيّروا ما بأنفسهم، وإذا أراد الله بقوم سوءاً فلا مردّ له وما لهم من دونه من وال، وإنّي أخبرك عن نبأ من سرنا إليه من جموع طلحة والزبير عند نكثهم بيعتهم، وما صنعوا بعاملي عثمان بن حنيف. إني هبطت من المدينة بالمهاجرين والأنصار، حتى إذا كنت بالعُذيب بعثت إلى أهل الكوفة بالحسن بن عليّ وعبد الله بن عباس وعمّار بن ياسر وقيس بن سعد بن عُبادة، فاستنفروهم فأجابوا، فسرت بهم حتى نزلت بظهر البصرة فأعذرت في الدعاء، وأقلت العثرة، وناشدتهم عقد بيعتهم، فأبوا إلاّ قتالي، فاستعنت بالله عليهم فقُتل من قُتل وولوا مدبرين إلى مصرهم، فسألوني ما كنت دعوتهم إليه قبل اللقاء، فقبلت العافية، ورفعت السيف، واستعملت عليهم عبد الله بن عباس، وسرت إلى الكوفة، وقد بعثت اليكم زحر بن قيس فاسأل عما بدا لك»(1).
ثمّ ذكر نصر: خطبة جرير في الناس وخطبة زحر بن قيس وذكر من الشعر لابن أخت جرير ولجرير ولغيرهما ممّا لا يعنينا ولا يغنينا ذكره، سوى أنّ الّذي يعنينا قول الراوي: «فأجاب جرير وكتب جواب كتابه بالطاعة»(2)، وهذا الّذي جرى كلّه يحتاج إلى زمان لا يقل عن الشهر.
وقال أيضاً: «ثمّ أقبل جرير سائراً من ثغر هَمَدان حتى ورد على عليّ (عليه السلام) بالكوفة فبايعه ودخل فيما دخل فيه الناس من طاعة عليّ واللزوم لأمره»(3).
(1) نفس المصدر /19 فما بعدها.
(2) نفس المصدر /20.
(3) نفس المصدر /24.
موسوعة عبدالله بن عباس- الحلقة الاولى - الجزء الرابع
79
وقال أيضاً: «عن عامر الشعبي انّ عليّاً (عليه السلام) حين قدم من البصرة نزع جريراً عن هَمَدان فجاء حتى نزل الكوفة، فأراد عليّ أن يبعث إلى معاوية رسولاً فقال له جرير: ابعثني إلى معاوية فإنّه لم يزل لي مستنصحاً ووُدّا، آتيه فأدعوه على أن يسلّم لك هذا الأمر، ويجامعك على الحقّ، على أن يكون أميراً من أمرائك، وعاملاً من عمّالك ما عمل بطاعة الله، واتبع في كتاب الله، وأدع أهل الشام إلى طاعتك وولايتك، وجلّهم قومي وأهل بلادي وقد رجوت ألاّ يعصوني.
فقال له الأشتر: لا تبعثه ودعه، ولا تصدّقه، فوالله إنّي لأظن هواه هواهم، ونيّته نيّتهم.
فقال له عليّ: دعه حتى ننظر ما يرجع به الينا، فبعثه عليّ (عليه السلام)... وهذا أيضاً يجب أن يحسب له مقدار من الزمان ولا أقل من شهر»(1).
وقال أيضاً: «فانطلق جرير حتى أتى الشام ونزل بمعاوية فدخل عليه...»(2).ثمّ ذكر كلام جرير في الإمام وبيعة أهل الإسلام له إلاّ الشام ودفع إليه كتاب الإمام (عليه السلام) ـ وذكر نسخة الكتاب.
ثمّ ذكر خطبة جرير وهي خطبة بليغة: «ثمّ قعد فقال معاوية: أنظِر وننظُر واستطلعُ رأي أهل الشام ثمّ خطب معاوية فيهم ودعاهم إلى أنّه ولي دم عثمان فأجابوه إلى الطلب بدمه...»(3).
وقال أيضاً: «واستحثه جرير بالبيعة فقال يا جرير إنّها ليست بخلسة، وإنه أمر له ما بعده، فأبلعني ريقي حتى أنظر، ودعا ثقاته فقال له عتبة بن أبي سفيان ـ
(1) نفس المصدر /32.
(2) نفس المصدر /33.
(3) نفس المصدر /34 ـ 36.
موسوعة عبدالله بن عباس- الحلقة الاولى - الجزء الرابع
80
وكان نظيره ـ إجتمعنّ على هذا الأمر بعمرو بن العاص وأثمن له بدينه، فإنّه من قد عرفت، وقد اعتزل أمر عثمان في حياته وهو لأمرك أشدّ اعتزالاً إلاّ أن ير فرصة»(1).
وقال أيضاً: «وكتب معاوية إلى عمرو وهو بالسبع من فلسطين... فلمّا قرأ الكتاب على عمرو استشار ابنيه... فاشار عليه عبد الله بما هو خير له في دينه، واشار عليه محمّد بما هو خير له في دنياه - وأخيراً ذكر تردده حتى قطع عليه ذلك غلامه وردان - فسار حتى قدم على معاوية، وعرف حاجته إليه، فكايد كلّ منهما صاحبه حتى تمت الصفقة فاعطى معاوية مصر طعمة لعمرو وكتبا بذلك كتاباً»(2).
وذكر بعد ذلك: «قال ـ معاوية لعمرو ـ ما ترى في عليّ؟ فأشار عليه بأن يرسل إلى شرحبيل بن السمط الكندي وهو عدو لجرير المرسَل إليك، فأرسل إليه ووطّن له ثقاتك فليفشوا في الناس عليّاً قتل عثمان...
فكتب ـ معاوية ـ إلى شرحبيل أن جرير بن عبد الله قدم علينا من عند عليّ ابن أبي طالب بأمر فظيع فأقدم.
ودعا معاوية رؤوس قحطان واليمن وكانوا ثقات معاوية وخاصته وبني عم شرحبيل، فأمرهم أن يلقوه ويخبروه أن عليّاً قتل عثمان، واستشار شرحبيل أهل اليمن، فنهاه عبد الرحمن بن غنم الأزدي وهو صاحب معإذ بن جبل وختنه وكان أفقه أهل الشام... وبعث إليه عياض الثمالي وكان ناسكاً بشعر ينصحه فيه،
(1) نفس المصدر /38.
(2) نفس المصدر /39 - 42.
موسوعة عبدالله بن عباس- الحلقة الاولى - الجزء الرابع
81
لكنه لم يقبل النصيحة، وأتى معاوية وتلقاه الناس وعظّموه بأمر معاوية، فدخل على معاوية وقد حشي دماغه بأنّ عليّاً قتل عثمان. فقال يا معاوية أبى الناس إلاّ أنّ عليّاً قتل عثمان، ووالله لئن بايعت له لنخرجنّك من الشام أو لنقتلنّك. قال معاوية: ما كنت لأخالف عليكم، وما أنا إلاّ رجل من أهل الشام. قال: فردّ هذا الرجل إلى صاحبه إذاً.ثمّ أمر حصين بن نمير أن يحضر له جريراً فأحضره وتجادلا هو وشرحبيل إلى أن كتب جرير رسالة شعرية إلى شرحبيل ينصحه فيها، فتراجع عن رأيه وبلغ معاوية ذلك فلفق له رجالاً يدخلون عليه ويعظمون عنده قتل عثمان ويرمون به عليّاً فأعادوه إلى رأيه الأوّل. وبلغ ذلك قومه فأرسل إليه ابن أختٍ له من بارق بشعرٍ ينصحه ويعيّره بمتابعة ابن هند، فعزم على قتاله إلاّ أنّه هرب إلى الكوفة، ثمّ أتى معاوية وجعل يحرّضه على الطلب بدم عثمان فقال له جرير يا شرحبيل، مهلاً فإنّ الله حقن الدماء ولمّ الشعث وجمع أمر الأمة... فإياك أن تفسد بين الناس، وأمسك عن هذا القول قبل أن يظهر منك قول لا تستطيع ردّه... ثمّ قام فتكلم فصدّقه الناس، فعندها أيس جرير»(1).
وهذا كلّه يحتاج إلى حساب الزمان الّذي استغرقته تلك المفاوضات والمكاتبات.
وقال أيضاً: «أتى معاوية جريراً في منزله فقال يا جرير انّي قد رأيت رأياً قال: هاته قال اكتب إلى صاحبك يجعل لي الشام ومصر جباية، فإذا حضرته الوفاة لم يجعل لأحد بعده بيعة في عنقي، وأسلّم له هذا الأمر واكتب إليه بالخلافة، فقال: جرير أكتب بما أردت وأكتب معك، فكتب معاوية بذلك إلى عليّ.
(1) نفس المصدر /49.
موسوعة عبدالله بن عباس- الحلقة الاولى - الجزء الرابع
82
فكتب عليّ إلى جرير: أمّا بعد فإنّما أراد معاوية ألاّ يكون لي في عنقه بيعة، وأن يختار من أمره ما أحب وأراد أن يريّثك حتى يذوق أهل الشام، وان المغيرة بن شعبة قد كان أشار عليّ أن استعمل معاوية على الشام وأنا بالمدينة، فأبيت ذلك عليه، ولم يكن الله ليراني اتخذ المضلين عضدا، فإن بايعك الرجل، وإلاّ فأقبل.
وقال: وفشا كتاب معاوية في العرب فبعث إليه الوليد بن عقبة ـ وهذا كان في المدينة ـ وذكر مقطوعتين من الشعر يحرّضه على الحرب»(1).
وقال أيضاً: «فخرج جرير يتجسس الأخبار فإذا هو بغلام يتغنى على قعود له ـ ثمّ ذكر شعره يسمّي قاتلي عثمان والمحرّضين عليه، وقال في الإمام:
فأمّا عليّ فاستغاث ببيته
فلا آمر فيها ولم يك ناهيا
... إلى آخر أبياته.
فسأله جرير من أنت؟ قال من قريش واصلي من ثقيف، أنا ابن المغيرة بن الأخنس بن شريق قتل أبي مع عثمان يوم الدار، فعجب جرير من قوله وكتب بشعره إلى عليّ. فقال عليّ: والله ما اخطأ الغلام شيئاً»(2).
وقال أيضاً: «أبطأ جرير عند معاوية حتى أتّهمه الناس. وقال عليّ: وقّتُ لرسولي وقتاً لا يقيم بعده إلاّ مخدوعاً أو عاصياً، وأبطأ على عليّ حتى أيس منه»(3).
(1) نفس المصدر /58.
(2) نفس المصدر /60.
(3) نفس المصدر /61، وفي شرح النهج لابن أبي الحديد 1/219 كلام له (عليه السلام) في ذلك.
موسوعة عبدالله بن عباس- الحلقة الاولى - الجزء الرابع
83
وقال أيضاً: «وكتب عليّ إلى جرير بعد ذلك: أمّا بعد فإذا أتاك كتابي هذا فاحمل معاوية على الفصل، وخذه بالأمر الجزم، ثمّ خيّره بين حرب مُجلية، أو سلم مُحظية. فإن اختار الحرب فانبذ له وان اختار السلم فخذ بيعته.
فلمّا انتهى الكتاب إلى جرير أتى معاوية فأقرأه الكتاب فقال له يا معاوية، إنّه لا يطبع على قلب إلاّ بذنب، ولا يُشرح صدر إلاّ بتوبة، ولا أظن قلبك إلاّ مطبوعاً، أراك قد وقفت بين الحقّ والباطل كأنّك تنتظر شيئاً في يدي غيرك.
فقال معاوية: ألقاك بالفيصل أوّل مجلسي إن شاء الله.
فلمّا بايع معاوية أهل الشام وذاقهم قال: يا جرير الحقّ بصاحبك وكتب إليه بالحرب»(1)، ولم يذكر نص الكتاب إلاّ أنّ المبرّد ذكره في الكامل وعنه ابن أبي الحديد في شرح النهج(2).
وقال نصر: «لمّا رجع جرير إلى عليّ كثر قول الناس في التهمة لجرير في أمر معاوية...»(3).
ثمّ ذكر ما جرى بين الأشتر وجرير من كلام وتبادل التهم وحتى الشتم ممّا أغضب جريراً فخرج مغاضباً إلى قرقيسيا ولحق به أناس من قسر من قومه، ولم يشهد صفين من قسر غير تسعة عشر، ولكن أحمس شهدها منهم سبعمائة رجل.
(1) وقعة صفين /62.
(2) شرح النهج لابن أبي الحديد 1/252.
(3) وقعة صفين /66 ـ 67.
موسوعة عبدالله بن عباس- الحلقة الاولى - الجزء الرابع
84
وقال أيضاً: «وخرج عليّ إلى دار جرير فشعث منها وحرّق مجلسه، وخرج أبو زرعة بن عمر بن جرير فقال: أصلحك الله إن فيها أرضاً لغير جرير، فخرج عليّ منها إلى دار ثوير بن عامر فحرّقها وهدم منها. وكان لحق بجرير»(1).
وفي رواية ابن سعد في طبقاته في ترجمة جرير بسنده عنه قال: «بعث إليَّ عليّ ابن عباس والأشعث بن قيس قال: فأتياني وأنا بقرقيسيا فقالا: انّ أمير المؤمنين (عليه السلام) يقرئك السلام يخبرك أنّه نعم ما آراك الله من مفارقتك معاوية، وإنّي أنزلك منزلة نبيّ الله صلّى الله عليه وآله وسلّم الذي أنزلكها، فقال لهما جرير: إنّ نبيّ الله صلّى الله عليه وآله بعثني إلى اليمن أُقاتلهم وأدعوهم إلى الإسلام، فإذا قالوا لا إله إلاّ الله حرمت أموالهم ودماؤهم، ولا أُقاتل رجلاً يقول لا إله إلاّ الله أبداَ فرجعا على ذلك»(2).
فهذا الخبر يضيف أبعاداً زمانية أُخرى مضافاً إلى ما تقدم.
ولنقف هنا وقفة تأمل وحساب لأبعاد الزمان والمكان لجميع ما مرّ بنا منذ كتاب الإمام إلى جرير وهو بهمدان وحتى نهاية مفارقة جرير الكوفة إلى قرقيسيا، فذلك كلّه جرى والإمام بعدُ في الكوفة لم يخرج إلى حرب صفين، فياترى كم يستغرق جميع ما جرى من زمان؟
ولا يفاجأ القارئ إذا ما أتيناه بنص عند ابن اعثم جاء فيه: «فأمر جرير فقُدّمت أثقاله ثمّ استوى على فرسه وسار حتى قدم على عليّ (رضي الله عنه) بعد عشرين ومائة ليلة فأخبره بأخبار معاوية»(3)!
(1) نفس المصدر /68.
(2) طبقات ابن سعد 6/294 ط 1 تح ـ الدكتور عليّ محمّد عمر نشر مكتبة الخانجي بالقاهرة.
(3) كتاب الفتوح لابن أعثم 2/404 ط دار الندوة الجديدة بيروت.
موسوعة عبدالله بن عباس- الحلقة الاولى - الجزء الرابع
85
فإذا كانت مدة مكث جرير بالشام وحدها كانت أربعة أشهر، وهي تزيد على ما ذكروه من مدة دخول الإمام الكوفة 12 رجب إلى خروجه منها إلى صفين في 5 شوال سنة 36هـ، إذن فالصحيح أن لا نبهر بأسماء المؤرخين، كما أنا لا نبخسهم حقّهم، ولكن الحقّ أحق أن يتّبع، ونذهب إلى أن حرب صفين كانت سنة 37هـ إلى سنة 38هـ، ويؤكد صحة ما ذهبنا إليه قول الشعبي في فترة المكث كانت سبعة عشر شهراً يجري الكتب فيها فيما بينه وبين معاوية وعمرو بن العاص .
ويزيدنا إيماناً بصحة ذلك، أنّ ابن عباس أقام الحج سنة 36هـ(1) فحج الناس بأمر من الإمام، ولو كان الإمام قد خرج في شوال أو ذي القعدة إلى حرب معاوية وكان ابن عباس معه، لا يمكن أن يحج بالناس في تلك السنة، لأنّ الحرب بدأت في ذي الحجة وكان قد ولاّه الإمام على الميسرة، ولم يرد في شيء من التواريخ أنّه ترك الحرب وتوجه إلى الحج.
وأحسب أنّي بصّرت القارئ بعرض المشكلة وحلّها بما يتفق ومنطق العقل وحساب الزمان والمكان. فإنّ الناس يومئذ كانوا يستعملون في مراكبهم الخيل والإبل ـ والبغال على ندرة ـ وتلك وسائطهم لنقل رسائلهم، ولابدّ لرسلهم من قطع المسافات، كما لابدّ من ملاحظة حال الرسول وحال المرسل وحال المرسل إليه، فكلّ ذلك يستدعي منا فرض مدة زمنية على أقل تقدير. ومهما افترضناها من قلة فهي تبلغ أضعاف ممّا ذكره المؤرخون ومنهم المسعودي ـ كما قدمنا ـ فلم يكن لدى الناس يومئذ وسائل الإتصالات كما هي اليوم فلا طائرات ولا فاكس ولا أنترنيت ولا موبايل، ولا هم يحزنون.
(1) تاريخ الطبري 5/244 ط الحسينية، وتاريخ اليعقوبي 2/190 ط الغَر، ومروج الذهب 2/567 ط العامرة البهية سنة 1346 هـ.
موسوعة عبدالله بن عباس- الحلقة الاولى - الجزء الرابع
86
معاوية والمخاتلة:
قال صاحب الحدائق الوردية: «ولمّا انقضى ـ كذا ـ حرب الجمل بالفتح المبين لأمير المؤمنين، وبلغ إلى معاوية ذلك كتب إلى عليّ (عليه السلام).
بسم الله الرحمن الرحيم، لعليّ بن أبي طالب من معاوية بن أبي سفيان سلام عليك فإنّي أحمد إليك الله الّذي لا إله إلاّ هو، أمّا بعد: فوالله ما بقي أحد أحبّ أن يكون هذا الأمر إليه منك، ولقد عرفتَ رأي أبي قبل، لقد جاءك يوم توفى رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) يدعوك إلى البيعة، فأنا على ذلك اليوم أسرع إن أعطيتني النَصَفَ، وتحاملتَ على نفسك لقرابتي إن استعملتني على الشام، وأعطيتني ما أثلج به لا تنزلني عنه، بايعتُ لك ومَن قِبَلي، وكنا اعوانك، فقد رأيت عمر قد ولاّني فلم يجد عليّ، وإن لم تفعل فوالله لأجلبنّ عليك خمسين ألف حصان قارح في غير ذلك من الخيل.
فلمّا قرأ عليّ (عليه السلام) الكتاب استشار فيه عبد الله بن عباس والحسن بن عليّ وعمّار بن ياسر رجلاً رجلاً.
فقال عمّار: والله ما أرى أن تستعمله على الزرقاء، وإنّما فيها خمسة أنفس.
فقال عليّ: أطو ذلك.
ثمّ دعا الحسن وابن عباس، فقالا: قد كنّا أشرنا عليك أن تقرّه على عمله، ولا تحرّكه، حتى إذا بايع الناس أخذت ما أردت وأقررته إن رأيته أهلاً لذلك»(1).
(1) الحدائق الوردية /35 نسخة مخطوطة بمكتبة الإمام كاشف الغطاء. وقد طبع الكتاب أخيراً في صنعاء بتحقيق د. المرتضى بن زيد المحطوري الحسني سنة 1423 والخبر في 1/66 وأشار في الهامش إلى أنّه في المصابيح /308.
موسوعة عبدالله بن عباس- الحلقة الاولى - الجزء الرابع
87
قال صاحب الحدائق: وروينا عن السيّد أبي العباس بإسناده أنّ عليّاً (عليه السلام) قال: كان المغيرة بن شعبة قد أشار عليّ ان استعمل معاوية على الشام وأنا بالمدينة فأبيت عليه، ولم يكن الله ليراني أن اتخذ المضلين عضدا.
قال: قال الواقدي في حديثه: فلمّا علم معاوية ذلك من عليّ، قال: والله ما كتبت إليه وأنا أريد أن أليَ له شيئاً ولا أبايعه، ولكن أردت أن أخدعه وأقول لأهل الشام انظروا إلى عليّ وإلى ما عرض عليّ فيزيدهم بصيرة ويختلف أهل العراق عليه.
وروى غير واحد: أنّ معاوية أرسل أبا هريرة وأبا الدرداء إلى الإمام يدعوانه ليعيد الأمر شورى بين المسلمين، وقد مرّا في رجوعهما من الإمام بحمص فعاتبهما عبد الرحمن بن غنم بن كريب الأشعري صاحب معإذ بن جبل وكان أفقه أهل الشام، فكان ممّا قال لهما: عجبت منكما كيف جاز عليكما ما جئتما به تدعوان عليّاً إلى أن يجعلها شورى، وقد علمتُما أنّه قد بايعه المهاجرون والأنصار وأهل الحجاز والعراق، وأنّ من رضيَه خيرٌ ممّن كرهه، ومن تبعه خير ممّن لم يتابعه، وأيّ مدخلٍ في الشورى لمعاوية، وهو من الطلقاء الذين لا تجوز لهم الخلافة، وهو وأبوه رؤوس الأحزاب(1).
إلى جهاد القاسطين:
لمّا عزم الإمام على المسير بنفسه إلى حرب معاوية، وكان ذلك قصده الأوّل منذ كان في المدينة، لولا أنّ الناكثينَ ـ طلحة والزبير ـ ومن لفّ لفهما من بني أمية واستغوائهم عائشة خرجوا معلنين الخلاف على الإمام، صرفه عن قصده
(1) أنظر المقفّى الكبير للمقريزي 4/47 دار الغرب الإسلامي.