موسوعة عبدالله بن عباس- الحلقة الاولى - الجزء الرابع 56

نقرأ في ترجمته قول ابن معين فيه: «من خيار المسلمين لا يطعن في حديثه»(1)، وقول الجريري فيه: «كان مجاب الدعوة كانت تمرّ به السحابة فيقول: اللّهمّ لا تجوز كذا وكذا حتى تمطر، فلا تجوز ذلك الموضع»(2)؟ إذا كان مثل هذا من خيار المسلمين وهو يبغض عليّاً ويحمل عليه، فما بالك بشرارهم! نعوذ بالله من شرّ هكذا أخيار، كما نستيعذ به من شرّ الأشرار.
اللّهمّ احفظ عقول أمة محمّد من هذا التخبط والتخليط، فرسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) يقول لعليّ (عليه السلام): (لا يحبك إلاّ مؤمن ولا يبغضك إلاّ منافق)(3)، وابن معين يقول: هو من خيار المسلمين!! « إِنَّهَا لَإِحْدَى الْكُبَرِ »(4)، فقد أخرج ابن عساكر بسنده عن محمّد بن منصور الطوسي قال: «سمعت أحمد بن حنبل وقد سأله رجل عن قول النبيّ (صلّى الله عليه وآله وسلّم): (عليّ قسيم النار) فقال: هذا حديث يضطرب طريقه عن الأعمش، ولكن الحديث الّذي ليس عليه لبس قول النبيّ (صلّى الله عليه وآله وسلّم): (يا عليّ لا يحبك إلاّ مؤمن ولا يبغضك إلاّ منافق) وقال الله (عزّ وجلّ): « إِنَّ الْمُنَافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الأَسْفَلِ مِنْ النَّارِ »(5) فمن أبغض عليّاً فهو في الدرك الأسفل من النار»(6).

(1) نفس المصدر.
(2) نفس المصدر.
(3) راجع كتاب (علي إمام البررة 1/93 ط دار الهادي).
(4) سورة المدثر /35.
(5) النساء /145.
(6) تاريخ ابن عساكر ترجمة الإمام 2/253، وهذا أخرجه أيضاً الكنجي الشافعي في كفاية الطالب /72 ط الحيدرية سنة 1390 هـ كما ذكره ابن أبي يعلى الحنبلي في طبقات الحنابلة 1/320.
موسوعة عبدالله بن عباس- الحلقة الاولى - الجزء الرابع 57

2- وفي الزكاة كانوا يجهلون زكاة الفطر.
فقد أخرج أبو داود(1) والنسائي(2) وأحمد(3) والدار قطني(4) والزيلعي واللفظ له عن الحسن عن ابن عباس: «انّه خطب في آخر رمضان على المنبر بالبصرة، فقال: أخرجوا صدقة صومكم، فكأن الناس لم يعلموا، قال: مَن ههنا من أهل المدينة؟ قوموا إلى إخوانكم فعلّموهم فإنّهم لا يعلمون فرض رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) هذه الصدقة، صاعاً من تمر أو شعير، أو نصف صاع من قمح على كلّ حر أو مملوك، ذكر أو أنثى صغير أو كبير»(5).
وفي لفظ أحمد المطول: «فجعل الناس ينظر بعضهم إلى بعض».
لماذا صار الناس ينظر بعضهم إلى بعض؟ لأنّه فاجأهم بحكم شرعي مفروض من الله على لسان نبيّه، وهم يجهلونه، ولو كان الولاة قبل ابن عباس قد ذكروه لهم أو عملوا به لمّا استغربوا خطبة ابن عباس في ذلك. (فظن بالولاة شراً ولا تسأل عن الخبر).
3- وحتى صدقات البقول لم يكن يعطونها حتى أخذها منهم ابن عباس.
روى يحيى بن آدم القرشي في كتابه الخراج بسنده عن أبي رجاء العطاردي قال: «كان ابن عباس بالبصرة يأخذ صدقاتها حتى دساتج الكرّاث»(6).

(1) سنن أبي داود 2/114 بتحقيق محمّد محي الدين عبد الحميد باب من روى نصف صاع من قمح.
(2) سنن النسائي في باب الحنطة وفي الجمعة في باب حث الإمام على الصدقة في الخطبة.
(3) مسند أحمد برقم 2018 مختصر 3291 مطولة بتحقيق أحمد محمّد شاكر ط مكتبة التراث الإسلامي.
(4) سنن الدارقطني /225.
(5) نصب الراية 2/418 ط الأولى 1357.
(6) الخراج لأبي يوسف /144ط السلفية.
موسوعة عبدالله بن عباس- الحلقة الاولى - الجزء الرابع 58

4- وفيما يخرج من البحر من حلية وعنبر ففيه الخمس.
وذلك فيما رواه طاووس عن ابن عباس: «أنّ عمر بن الخطاب (رضي الله عنه) استعمل يعلى بن أمية على البحر فكتب إليه في عنبرة وجدها رجل على الساحل يسأله عنها وعمّا فيها فكتب إليه عمر: أنّه سيب من سيب، فيها وفيما أخرج الله جل ثناؤه من البحر الخمس. قال: وقال عبد الله بن عباس: وذلك رأيي»(1). والبصرة يحدّها البحر من جهة الشرق.
5- وفي التعريف خارج عرفة لا يعلمون جواز ذلك لولا ما أعلمهم به ابن عباس عملياً.
فقد أخرج ابن سعد في ترجمة ابن عباس: «انّ الحكم بن أيوب المرسل إلى الحسن ـ البصري ـ يسأله: من أوّل من جمع بالناس في هذا المسجد يوم عرفة؟
فقال: أوّل من جمع ابن عباس قال: وكان مثجّة ـ أحسب في الحديث ـ يثير العلم.
قال: وكان يصعد المنبر فيقرأ سورة البقرة فيفسّرها آية آية»(2).
وهذا رواه عبد الرزاق في المصنف(3)، والبيهقي في السنن الكبرى(4)، والذهبي في سير أعلام النبلاء(5).

(1) نفس المصدر /70.
(2) طبقات ابن سعد /157 تح ـ السُلمي ط الطائف.
(3) المصنف 4/376.
(4) السنن الكبرى 5/118.
(5) سير أعلام النبلاء 3/35.
موسوعة عبدالله بن عباس- الحلقة الاولى - الجزء الرابع 59

وفي رواية الجاحظ في البيان والتبيين: «وقال الحسن: كان عبد الله بن عباس أوّل من عرّف بالبصرة، صعد المنبر فقرأ البقرة وآل عمران ففسّرهما حرفاً حرفاً، وكان والله مثجّاً يسيل غَرباً»(1). والخبر في لسان العرب (ثجج، غِرب).
ومن الغريب تفسير عبد السلام محمّد هارون لكلمة (أوّل من عرّفَ بالبصرة) فقال: «كذا ضبطت هذه الكلمة في ل، ب. والتعريف هنا بمعنى التعليم»(2)، ولم يتنبّه إلى معنى التعريف في الخبر وأنّ المراد به جمع الناس في يوم عرفة كما مرّ في تفسير الحسن البصري حسب رواية طبقات ابن سعد.
6- وفي مسألة إحرام من أرسل الهدي إلى الحرم وواعد بتقليد الهدي.
فقد روى مالك في الموطأ بسنده عن ربيعة بن عبد الله بن الهُدير: «أنّه رأى رجلاً متجرّداً بالعراق فسأل الناس عنه فقالوا: انّه أمر بهديه أن يُقلّد فلذلك تجرّد، قال ربيعة: فلقيت عبد الله بن الزبير فذكرت له ذلك فقال: بدعة وربّ الكعبة»(3).
وهذا الخبر بما أحاطه من الضبابية على جهالة اسم المتجرّد ولعل مالكاً لم يذكره رعاية للعباسيين الذين أحاطوه بإفضالهم فكتب لهم الموطأ، لكن الراوي نمّ على أن ذلك الشخص المتجرّد ممّن له شأن يذكر فسأل عنه، وفي جواب ابن الزبير أيضاً ما يدلّ على التعريض به. وإذا بحثنا لمعرفة تلك الشخصية الّتي لفّها

(1) البيان والتبيين 1/331 تح ـ هارون.
(2) هامش المصدر السابق.
(3) الموطأ 1/249.
موسوعة عبدالله بن عباس- الحلقة الاولى - الجزء الرابع 60

الضباب عند مالك سنجد ابن أبي شيبة في المصنف يفصح عنه حين يذكر نفس الخبر عن ربيعة أنّه رأى ابن عباس وهو أمير على البصرة في زمان عليّ بن أبي طالب متجرّداً على منبر البصرة فسأل الناس عنه، فقالوا: إنّه أمر بهديه أن يُقلّد فلذلك تجرّد ـ قال ربيعة ـ فلقيتُ ابن الزبير فذكرت ذلك له فقال: بدعة ورب الكعبة(1). قال ابن حجر: «فعرف بهذا اسم المبهم في رواية مالك»(2).
أقول: لقد مرّ الحديث عن هذا في حديث واحد خير شاهد فراجع.
7- وفي مسألة تحريم تصوير ذوات الأرواح لم يكن المصورون يعلمون الحكم فيه. حتى إذا صار عبد الله بن العباس والياً عليهم وفقّههم، أتاه من المصوّرين مَن يسأله عن عمله.
فقد روى أحمد في مسنده بسنده عن سعيد بن أبي الحسن ـ وهو أخ الحسن البصري ـ قال: «جاء رجل إلى ابن عباس فقال: يا بن عباس إني رجل أصوّر هذه الصور وأصنع هذه الصور فأفتني فيها؟ قال: أدن مني، فدنا منه حتى وضع يده على رأسه، قال: أنبئك بما سمعت من رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم)، سمعت رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) يقول: (كلّ مصوّر في النار يُجعل له بكل صورة صوّرها نفس تعذبه في جهنم)، فإن كنت لابدّ فاعلاً فاجعل الشجر وما لا نَفسَ له»(3). وهذا الحديث رواه البخاري في صحيحه.
وكان يتبع في تهذيب أهل البصرة دينياً مختلف الأساليب التربوية قولاً وعملاً، فربّما رغّبهم وربّما رهبّهم، فهو لا يصعد المنبر حتى يؤدي حقّ ذلك

(1) المصنف 4ق1/88 ط باكستان.
(2) فتح الباري 4/294 ط مصطفى البابي الحلبي وأولاده بمصر سنة 1378 هـ.
(3) مسند أحمد 4/290 برقم 2811.
موسوعة عبدالله بن عباس- الحلقة الاولى - الجزء الرابع 61

الصعود، إمّا بتفسير آيٍ من الذكر الحكيم، أو حديث عن النبيّ الكريم، وللتدليل على ذلك بشاهد فلنقرأ:
8- ما رواه ابن سعد في ترجمة ابن عباس بسنده عن الحسن البصري قال: «أوّل من عرّف بالبصرة عبد الله بن عباس. قال: وكان مثجة كثير العلم، قال: فقرأ سورة البقرة ففسّرها آية آية.
فمن غيره من الولاة الذين كانوا قبله صنع مثل ذلك؟»(1).
وكان يعلّمهم الدعاء كما يعلّمهم السورة من القرآن ـ كما يقول طاووس ـ: «يقول ابن عباس قولوا: اللّهمّ إنّي أعوذ بك من عذاب جهنم وأعوذ بك من عذاب القبر وأعوذ بك من فتنة المسيح الدجال وأعوذ بك من فتنة المحيا والممات»(2). وعلى نمط هذا.
9- ما رواه أحمد في مسنده بسنده عن أبي نضرة قال: «كان ابن عباس على منبر أهل البصرة فسمعته يقول: إنّ نبيّ الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) كان يتعوّذ في دُبر صلاته من أربع يقول: أعوذ بالله من عذاب القبر، وأعوذ بالله من عذاب النار، وأعوذ بالله من الفتن ما ظهر منها وما بطن، وأعوذ بالله من فتنة الأعور الكذاب»(3).
10- ومن خطبه في ولايته بالبصرة الّتي أمات فيها باطلاً وأحيى بها حقاً كما أمره الإمام في كتابه إليه كما تقدم، ما أخرجه الشيخ الطوسي في أماليه بسنده عن عبد الوارث قال: «بينا ابن عباس (رحمه الله) يخطب عندنا على منبر البصرة

(1) طبقات ابن سعد /158 تح ـ السُلمي ط الطائف.
(2) مسند أحمد 4/27 برقم 2168 تح ـ أحمد محمّد شاكر.
(3) نفس المصدر 4/231 وأخرجه ثانيه في /275 برقم 2779 واسناده في المرتين صحيح.
موسوعة عبدالله بن عباس- الحلقة الاولى - الجزء الرابع 62

إذ أقبل على الناس بوجهه ثمّ قال: أيتها الأمة المتحيّرة في دينها أم والله لو قدّمتم من قدّم الله، وأخّرتم من أخّر الله، وجعلتم الوراثة والولاية حيث جعلها الله ما عال سهم من فرائض الله، ولا عال ولي الله، ولا اختلف اثنان في حكم الله، فذوقوا وبال ما فرّطتم فيه بما قدّمت أيديكم: « وَسَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَيَّ مُنْقَلَبٍ يَنْقَلِبُون »(1).
11- ومن تكريمه لأهل العلم، صنيعه مع أبي العالية رُفيع بن مهران، قال: «دخلت على ابن عباس وهو أمير البصرة فناولني يده حتى استويت معه على السرير، فقال رجل من بني تميم انّه مولى، قال: وعليَّ قميص ورداء وعمامة بخمسة عشر درهماً»(2).
وعند الذهبي: «فتغامزت بي قريش، فقال ابن عباس: هكذا العلم يزيد الشريف شرفاً، ويجلس المملوك على الأسرّة»(3). وستأتي ترجمة أبي العالية وفيها شواهد عن ولائه لأهل البيت (عليهم السلام) في الحلقة الثالثة إن شاء الله.
12- أتاه رجل بسعاية فقال له: «يا هذا إن كنت صادقاً مقتناك، وإن كنت كاذباً عاقبناك وإن شئت أقلناك. فقال: أقلني»(4).
وهذا مأخوذ من الإمام أمير المؤمنين (عليه السلام) قولاً وفعلاً، فقد أتاه رجل يسعى إليه برجل فقال: «يا هذا نحن نسأل عمّا قلت، فإن كنت صادقاَ مقتناك، وإن كنت كاذباً عاقبناك، وإن شئت أن نقيلك. فقال: أقلني يا أمير المؤمنين»(5).

(1) أمالي الطوسي 1/62 و 97 مط النعمان والآية من سورة الشعراء /227.
(2) انظر طبقات ابن سعد 7/80 ـ 85.
(3) سير أعلام النبلاء 5/208.
(4) إحياء العلوم للغزالي بشرح اتحاف السادة المتقين 9/352.
(5) نفس المصدر.
موسوعة عبدالله بن عباس- الحلقة الاولى - الجزء الرابع 63

13- ومن خطبه الترغيبية في البصرة ما أخرجه أحمد أيضاً في روايتين واللفظ بينهما وكلاهما بسند ـ صحيح ـ عن أبي نضرة قال: «خطبنا ابن عباس على هذا المنبر منبر البصرة فقال: قال رسول الله صلّى الله عليه (وآله) وسلّم: إنّه لم يكن نبيّ إلاّ له دعوة قد تنجزّها في الدنيا، وإنّي قد اختبأت دعوتي شفاعةً لأمتي، وأنا سيّد ولد آدم يوم القيامة ولا فخر، وأنا أوّل من تنشقّ عنه الأرض ولا فخر، وبيدي لواء الحمد ولا فخر، آدمُ فمن دونه تحت لوائي ولا فخر، قال ويطول يوم القيامة على الناس، فيقول بعضهم لبعض: انطلقوا بنا إلى آدم أبي البشر، فليشفع لنا إلى ربّنا (عزّ وجلّ) فليقض بيننا، فيأتون آدم صلّى الله عليه (وآله) وسلّم، فيقولون: يا آدم أنت الّذي خلقك الله بيده، وأسكنك جنته، وأسجد لك ملائكته، اشفع لنا إلى ربنا فليقض بيننا، فيقول: إنّي لست هُناكمُ، إنّي قد أخرجت من الجنة بخطيئتي، وانّه لا يهمّني اليوم إلاّ نفسي، ولكن ائتوا نوحاً رأس النبيين، فيأتون نوحاً فيقولون يا نوح اشفع لنا إلى ربّنا فليقض بيننا فيقول: إنّي لست هُناكم، إنّي دعوت بدعوة أغرقت أهل الأرض، وإنّه لا يهمني اليوم إلاّ نفسي، ولكن إئتوا إبراهيم خليل الله (عليه السلام)، فيأتون إبراهيم (عليه السلام) فيقولون يا إبراهيم اشفع لنا إلى ربّنا فليقض بيننا، فيقول: إنّي لست هُناكمُ، إنّي كذبت في الإسلام ثلاث كذبات (!؟) فإنّه لا يهمني اليوم إلاّ نفسي ـ فقال رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم): إن حاوَلَ بهن إلاّ عن دين الله، قوله: « إِنِّي سَقِيمٌ »(1) وقوله: « بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هَذَا »(2) وقوله لامرأته: إنّها أختي، ولكن ائتوا موسى (عليه السلام) الّذي اصطفاه برسالته

(1) الصافات /89.
(2) الأنبياء /63.
موسوعة عبدالله بن عباس- الحلقة الاولى - الجزء الرابع 64

وكلامه، فيأتون موسى، فيقولون: يا موسى أنت الّذي اصطفاك الله برسالته وكلّمك، فاشفع لنا إلى ربّك فليقض بيننا، فيقول: إنّي لست هُناكم، إنّي قتلت نفساً بغير نفس، وإنّه لا يهمني اليوم إلاّ نفسي، ولكن إئتوا عيسى روح الله وكلمته، فيأتون عيسى، فيقولون: يا عيسى أنت روح الله وكلمته، فاشفع لنا إلى ربّك فليقض بيننا، فيقول: إنّي لست هُناكم قد أُتخِذّت إلهاً من دون الله، وإنّه لا يهمني اليوم إلاّ نفسي ثمّ قال: أرأيتم لو كان متاع في وعاء قد ختم عليه، أكان يُقدَر على ما في الوعاء حتى يفضّ الخاتم؟ فيقولون: لا فيقولون انّ محمّداً صلّى الله عليه (وآله) وسلّم خاتم النبيين قد حضر اليوم، وقد غُفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخّر. قال رسول الله صلّى الله عليه (وآله) وسلّم: فيأتوني فيقولون: يا محمّد اشفع لنا إلى ربّك فليقض بيننا، فأقول: نعم، أنا لها حتى يأذن الله لمن يشاء ويرضى، فإذا أراد الله (عزّ وجلّ) أن يصدع بين خلقه نادى منادٍ: أين أحمد وأمتُه؟ فنحن الآخرون الأولون، فنحن آخر الأمم وأوّل من يحاسَب، فتفرج لنا الأمم عن طريقنا فنمضي غرّاً محجلّين من أثر الطهور، وتقول الأمم: كادت هذه الأمة أن تكون أنبياءً كلّها.
قال: ثمّ آتي باب الجنة فأخذ بحلقة باب الجنة فأقرع الباب، فيقال: من أنت؟ فأقول: محمّد، فيُفتح لي، فأرى (نور) ربّي (عزّ وجلّ) وهو على كرسّيه أو سريره، فأخرّ له ساجداً، وأحمده بمحامد لم يحمده

موسوعة عبدالله بن عباس- الحلقة الاولى - الجزء الرابع 65

بها أحد كان قبلي، ولا يحمده بها أحد بعدي، فيقال: إرفع رأسك، وقل تُسمع، وسل تُعطه، واشفع تشفّع، قال: فارفع رأسي فأقول: أي ربّ أمتي أمتي، فيقال لي: أخرِج من النار مَن كان في قلبه مثقال كذا وكذا، فأخرجهم، ثمّ أعود فأخرّ ساجداً، وأحمده بمحامد لم يحمده بها أحد كان قبلي، ولا يحمده بها أحد بعدي، فيقال لي: ارفع رأسك، وقل يُسمع لك، وسل تُعطه، واشفع تُشفّع، فأرفع رأسي فأقول: أي ربّ أمتي أمتي، فيقال: أخرج من النار من كان في قلبه مثقال كذا وكذا، فأخرجهم قال: وقال في الثالثة مثل هذا أيضاً»(1).
وختاماً لحديثنا عن جهود ابن عباس في حقل التوجيه الديني والعلمي نختم بما جاء في أخبار الدولة العباسية بالسند عن أبي عرابة الهجيمي قال: «كان ابن عباس يفطّر الناس في شهر رمضان بالبصرة، فكانوا لا ينقلبون في كلّ ليلة أن يسمعوا فائدة في دين أو دنيا، فكانوا إذا فرغوا من العشاء تكلّم فأقل وأوجز، فقال لهم ليلة: ملاك أمركم الدين، وزينكم العلم، وحصون أعراضكم الأدب، وعزّكم الحلم، وصلتكم الوفاء، وطَولكم في الدنيا والآخرة المعروف، فاتقوا الله يجعل لكم من أمركم يُسرا.
فقال رجل: يا أبا العباس من أشعر الناس؟ فإنا قد تمارينا في ذلك منذ اليوم فكان كلّ قوم يقول شاعرنا. وأقبل عبد الله على أبي الأسود فقال: يا أبا الأسود من أشعر الناس؟ فقال أبو الأسود الّذي يقول:
ولقد اغتدى يدافع ركني أجوليٌ ذو ميعة إضريجُ
مخلطٌ مزيلٌ مِعَنٌ مِغَنٌ مِنفحٌ مِطرَحٌ سبوحٌ خَروجُ
سَلهبٌ شرجَبٌ كأنّ رَماحاً حملته وفي السراة دُموجُ
تتعادى به قوائم لأمٍ وحوامٍ صُمّ الحوافر عُوجُ

(1) مسند أحمد 4/187 برقم 2546 و 4/241 برقم 2692 تح ـ أحمد محمّد شاكر.
موسوعة عبدالله بن عباس- الحلقة الاولى - الجزء الرابع 66

مقبلاتٌ في الجري أو مدبراتٌ بهوى طائعٍ بهن يهيج(1)

هذا الشعر لأبي داود الأيادي وكان أبو الأسود يفضله.
فقال ابن عباس: إنّ شعراءكم قد قالوا فبلغ كلّ رجل منهم بعض ما أراد، ولو كانت لهم غاية يستبقون إليها يجمعهم فيها طريق واحد، لعلمنا أيهم أسبق إلى تلك الغاية، فإن يك قال ولم يقل عن رغبة ولا رهبة فامرؤ القيس بن حجر»(2).
وقد روي هذا الخبر برواية راو آخر في نفس المصدر قال: «كان ابن عباس مثجاً ينحدر غَرَبا، وكان أمير البصرة يعشّي الناس في شهر رمضان، فلا ينقضي الشهر حتى يفقههم، وكان إذا كانت آخر ليلة من شهر رمضان يعظهم، ويتكلم بكلام يردعهم ويقول: ملاك أمركم الدين، وصلتكم الوفاء، وزينتكم العلم، وسلامتكم الحلم، وطَولكم المعروف، إن الله كلّفكم الوسعَ فاتقوا الله ما استطعتم.
قال: فقام أعرابي فقال: من أشعر الناس أيها الأمير؟
قال: أفي أثر العظة؟ قل يا أبا الأسود، قال فقال أبو الأسود الدؤلي: أشعر الناس الّذي يقول:
فإنك كالليل الّذي هو مدركي وإن خلتُ أن المنتأى عنك واسع

قال: نابغة بني ذبيان»(3).

(1) الأبيات في الأغاني 16/376 بتفاوت في اللفظ.
(2) أخبار الدولة العباسية /29.
(3) نفس المصدر /33 ـ 34.
موسوعة عبدالله بن عباس- الحلقة الاولى - الجزء الرابع 67

والّذي أراه في إحالة ابن عباس على أبي الأسود والسؤال منه من أشعر الناس؟ لأنّه لم يستسغ لنفسه الخوض في ذلك على أثر العظة وقد استنكر سؤال الأعرابي لذلك السبب، وإلاّ فابن عباس أعلم الناس بذلك كما في محاورة له مرت في أيام عمر وقد سأله نفس السؤال فأجابه بأنّ ذلك زهير بن أبي سُلمى المزني لقوله يمدح قوماً من غطفان يقال لهم بنو سنان واستنشده من شعره فيهم فأنشده:
لو كان يخلد أقوام بمجدهم أو ما تقدّم من أيامهم خلدوا
أو كان يقعد فوق الشمس من كَرَمٍ قومٌ بأولهم أو مجدهم قعدوا
قوم أبوهم سنان حين تنسبهم طابوا وطاب من الأولاد ما ولدوا

إلى آخر ما أنشده.
فجثا عمر على ركبتيه ثمّ قال: ما لهذا الشاعر قاتله الله، لقد قال كلاماً حسناً ما كان ينبغي أن يقال إلاّ في أهل رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) لما خصّهم الله به من النبوة والكرامة. إلى آخر ما جرى بين ابن عباس وعمر حول صرف قريش الخلافة عن أهل البيت، وأنتهت المحاورة بقول عمر لجلسائه: «لله در ابن عباس، واهاً لابن عباس والله ما رأيته لاحى أحداً قط إلاّ خصمه».
وهذه المحاورة مع أمثالها ستأتي في الحلقة الثانية من الموسوعة إن شاء الله تعالى.
وحسبنا ما ذكرنا من شواهد دلّت على جهوده وجهاده في نشر الوعي الديني في المجتمع البصري الّذي كان متخلّفاً كثيراً في هذا الجانب، ولا شك في أنّ الولاة قبل ابن عباس يتحملون نصيباً كبيراً من وزر ذلك التخلّف، ومن

موسوعة عبدالله بن عباس- الحلقة الاولى - الجزء الرابع 68

شك في ذلك فليقرأ تاريخ ولايتهم فهل يجد فيهم من كان مشابهاً لابن عباس، ولولا الاطناب لعرضت نماذج من سير أولئك للمقارنة.
ومع ما كان عليه ابن عباس من فهم وعلم، إذا استعصى عليه أمر كتب إلى الإمام فيه فيكتب الإمام إليه بالجواب كما في مسألة ميراث الجد مع ستة أخوة، فكتب إليه: «إجعله كأحدهم وامح كتابي» كما في المصنف(1)، ويبدو لي وقوع تصحيف في آخره، وأنّ الصواب كما في كتاب ذكر أخبار اصبهان، فقد ذكر أبو نعيم الاصبهاني في ترجمة محمّد بن الحارث الصيداوي الأسدي حديثاً رواه عن قيس بن الربيع عن سليمان وفراس المكتب: «كتب ابن عباس إلى عليّ في سبعة أخوة وجدة فكتب إليه أقسم المال بينهم، وانسخ كتابي ولا تجلّده»(2)، وهذا النصّ يدلنا على أنّ ابن عباس كان ينسخ كتاب الإمام وأنّه كان يجلّد الكتب الّتي ترده من الإمام (عليه السلام)، وعليه فيمكن عدّ ابن عباس من الأوائل الذين جمعوا كلام الإمام في مجلد. وإن لم يشر إلى ذلك دارسو نهج البلاغة، وهذا نص له دلالته الإيجابية.
ثمّ إنّه قد وردت عن ابن عباس مرويات في شتى فنون المعرفة رواها عنه رواة بصريون يعدّون بالعشرات، ستأتي تراجمهم في الحلقة الثالثة من الموسوعة إن شاء الله تعالى، وهؤلاء كانوا امتداداً لمدرسته في البصرة.

3- السلوك الشخصي:

أمّا عن سلوكه الشخصي في البصرة، فهو جزء متشابك مع النشاط الإداري والسياسي والتوجيه الديني والعلمي ولما كانت البصرة مهبط إبليس - كما مر

(1) مصنف أبي شيبة 11/293 ط باكستان.
(2) أخبار اصبهان 2/113ط أفست إسماعيليان عن ط ليدن.
موسوعة عبدالله بن عباس- الحلقة الاولى - الجزء الرابع 69

وصفها عن الإمام - فإنّ جند الشيطان بها كثير، ولا ريب أنّهم يطمعون في التسلل إلى مراكز القوة لنيل أمانيهم، وهل مطمع فوق مركز رأس السلطة، فمتى نفذوا إليه واستحوذوا عليه، تمّ لهم ما أرادوا ونالوا مبتغاهم، ولا يضيق السبيل على ابليس وجنده، ولهم في النميمة خير وسيلة لاختداع الوالي والتقرب منه، وتلك سيرتهم مع الولاة والحاكمين في كلّ زمان ومكان، فإن وجدوا أذناً صاغية لقد نجحوا في مسعاهم ونالوا مبتغاهم، وإن لم يجدوا وكان الوالي له أذن عن الفحشاء صمّاء مثل ابن عباس، فليس أبور من سلعتهم، إذ لا نَفَاق للنِفَاق، وقد ابتلي ابن عباس في ولايته بنماذج من يريدون أن يأكلوا المال بالباطل، فمنهم النمامّون، ومنهم الشعراء الهجّاؤن الذين يثلبون أعراض الناس، وأضراب أو لا وأولئك كثيرون.
غير أنّه بما أتاه الله من قوة الشخصية مع حدّة الفهم وبُعد النظر ما ينفذ به إلى بواطن الأمور، وكان على حدّ قول الإمام فيه، وهو مربّيه ومولّيه: (كأنّما ينظر إلى الغيب من وراء ستر رقيق)(1)، ثمّ هو على حدّ وصفه له في خطبة ولايته بالفقه والتقوى والورع، فلمّا كان كذلك كان من الطبيعي أن لا يفسح المجال أمام الإنتهازيين، فكان شديداً بلا عُنف، وليّناً بلا ضعف.
وإلى القارئ نموذجَين من مواقفه: أحدهما مع نمّام، وآخر مع هجّاء.
فقد روي أنّ رجلاً أتاه بنميمة، فقال له: يا هذا إن شئت سألنا عما جئت به، فإن كنت صادقاً مقتناك، وإن كنت كاذباً عاقبناك، وإن شئت أقلناك، فاستعفى الرجل، ومن الطبيعي أن يعرف ذلك المتزلّفون إلى الحكّام بالنميمة، فقد

(1) جاء في فيض القدير للمناوي 1/60 قال فيه - ابن عباس - عليّ كرّم الله وجهه (كأنّما ينظر إلى الغيب من وراء ستر رقيق).
موسوعة عبدالله بن عباس- الحلقة الاولى - الجزء الرابع 70

قطع عليهم الطريق، فلا يعرَضوا أنفسهم إلى حساب ابن عباس وربّما أدّى إلى العقاب.
أمّا عن شريحة الشعراء الهجّائين فيكفي ما صنعه ابن عباس مع عيينة بن مرداس ـ وحديثه: «قالوا: أتى عيينة بن مرداس ـ وهو ابن فسوة ـ عبد الله بن العباس (عليهما السلام)، وهو عامل لعليّ بن أبي طالب صلوات الله عليه على البصرة ـ وتحته يومئذ شميلة بنت جنادة ابن بنت أبي أزهر الزهرانية، وكانت قبله تحت مجاشع بن مسعود السُلمي ـ فاستأذن عليه فأذن له ـ وكان لا يزال يأتي أمراء البصرة فيمدحهم فيعطونه ويخافون لسانه ـ فلمّا دخل على ابن عباس قال له ما جاء بك إليَّ يا بن فسوة؟ فقال له: وهل عنك مقصراً، ووراءك معدَى، جئتك لتعينني على مرؤتي وتصل قرابتي.
فقال له ابن عباس: وما مرؤة من يعصي الرحمن ويقول البهتان، ويقطع ما أمر الله به أن يوصل، والله لئن أعطيتك لأعيننك على الكفر والعصيان، انطلق فأنا أقسم بالله لئن بلغني أنّك هجوت أحداً من العرب لأقطعنّ لسانك.
فأراد الكلام فمنعه مَن حضر، وحبسه يومه ذلك، ثمّ أخرجه من البصرة، فوفد إلى المدينة بعد مقتل عليّ (عليه السلام)، فلقي الحسن بن عليّ (عليه السلام) وعبد الله بن جعفر (عليهما السلام) فسألاه عن خبره مع ابن عباس (عليه السلام) فأخبرهما، فاشتريا عِرضه بما أرضاه، فقال يمدح الحسن وابن جعفر (عليهما السلام) ويلوم ابن عباس (رضي الله عنهما):
أتيت ابن عباس فلم يقض حاجتي ولم يرج معروفي ولم يخش منكري
حبست فلم أنطق بعذر لحاجة وشُدّ خِصاص البيت من كلّ منظر
وجئت وأصوات الخصوم وراءه كصوت الحمام في القليب المغوّر

موسوعة عبدالله بن عباس- الحلقة الاولى - الجزء الرابع 71

وما أنا إذ زاحمت مصراع بابه بذي صولة باقٍ ولا بحزوّر
فلو كنت من زهران لم ينس حاجتي ولكنني مولى جميل بن معمر(1)
وباتت لعبد الله من دون حاجتي شميلة تلهو بالحديث المقتّر
ولم يقترب من ضور نار تحتَها سُميلة إلاّ أن تصلي بمجمر
تطالع أهل السوق والباب دونها بمستفلك الذفرى أسيل المدثّر
إذا هي همت بالخروج يردّها عن الباب مصراعاً منيف محبّر(2)
فليت قلوصي عريت أو رحلتها إلى حسن في داره وابن جعفر
إلى ابن رسول الله يأمر بالتقى وللدين يدعو والكتاب المطهّر
إلى معشر لا يخصفون نعالهم ولا يلبسون السَبت ما لم يخصّر
فلما عرفت اليأس منه وقد بدت أيادي سبا الحاجات للمتذكر
تسنّمت حرجوجاً كأن بغامها أحيح ابن ماء في يراع مفجّر
فما زلت في التسيار حتى أنختها إلى ابن رسول الأمة المتخيّر
فلا تدعني إذ رحلتُ اليكم بني هاشم أن تصدروني لمصدر

وهي قصيدة طويلة هذا ذكر في الخبر منها... اهـ.»(3).
فهذا الّذي رواه صاحب الأغاني رواه أيضاً غيره، فالبلاذري روى ذلك بأخصر ممّا رواه الاصفهاني، وجاء عنده: «فقال له ابن جعفر: أنا أعطيك ما

(1) وكان حليفاً لجميل بن معمر القرشي.
(2) وجدت بخط إسحاق الموصلي: محيّر.
(3) الأغاني 19/143.

السابق السابق الفهرس التالي التالي