|
|
 |
| موسوعة عبدالله بن عباس- الحلقة الاولى - الجزء الثالث |
|
118 |
|
 |
وذكر الرفقة ولا مانع من ذلك ما دام الزمن يسع لذلك ذهاباً وإياباً وإقامة في الكوفة، فإنّ الزمن المحدود أوّلاً من خروج الإمام من المدينة وذلك في آخر شهر ربيع الآخر، والمحدود أخيراً بورود البصرة والتقاء العسكرين وذلك في النصف من جمادي الآخرة سنة ست وثلاثين(1) فيمكن أن يقع فيه كلّ ذلك.
وتصوير ذلك فيما أرى: أنّ الإمام (عليه السلام) لمّا وصل إلى الربذة بعث أوّلاً هاشم بن عتبة إلى الكوفة مستنفراً أهلها فلم يتمكن من اقناع أبي موسى الأشعري عامل الإمام على الكوفة بالتعاون معه، بل خذل الناس فأرسل هاشم إلى الإمام كتاباً مع المحل بن خليفة الطائي - كما في رواية أبي مخنف - فبعث الإمام محمّد بن أبي بكر ومحمّد بن جعفر - على رواية الطبري - ورجعا ولم يتمكنّا من أبي موسى، فبعث ابن عباس ومعه محمّد بن أبي بكر وكتب معهما إلى أبي موسى الكتاب الّذي أغلظ له فيه وفيه عزله. وأبطأ خبرهما على الإمام فرحل من الربذة إلى ذي قار ويبدو أنّهما رجعا إلى الإمام قبل أن يصل إلى فيد، وهناك سأل الإمام من ابن عباس: ما الرأي عندك في أهل الكوفة وأبي موسى. وفي هذا مؤشر على أنّ ابن عباس كان قد وصل الكوفة وخُبر أهلها وعرف موقف الأشعري المتصلب العنيد، وإلاّ فلا معنىً لاستشارة رجل مدني لا يعرف عن الكوفة وعن أبي موسى شيئاً. وفي جواب ابن عباس أيضاً مؤشّر آخر على دخوله الكوفة حيث قال: الرأي أن تنفذ عمّاراً فإنّه رجل له سابقة وقد شهد بدراً، فإنّه إن تكلم هناك صرف الناس إليك، وأنا أخرج معه، وابعث معنا ابنك الحسن.
 |
| موسوعة عبدالله بن عباس- الحلقة الاولى - الجزء الثالث |
|
119 |
|
 |
فهذا رأي خبير بالداء وما ينفع من الدواء، فهو يصف للإمام ما ينفع مع أهل الكوفة من تأليف الوفد من عناصر مؤثرةً، فأخذ الإمام برأيه وكتب معهم كتاباً كشف لهم فيه زيف دعوى الطلب بدم عثمان.
إلاّ أنه قد مرّ في رواية ابن قتيبة(1) وأنه أرسلهم من مكان قريب من الكوفة، وهذا المكان هو العذيب - فيما أرى - ويؤيد ذلك ما ورد في كتاب للإمام أرسله إلى جرير بن عبد الله يخبره فيه بما وقع من الأحداث بعد مقتل عثمان فقد جاء فيه: «حتى إذا كنت بالعُذيب بعثت إلى أهل الكوفة الحسن بن عليّ وعبد الله بن عباس وعمّار بن ياسر وقيس بن سعد فاستنفرتهم فأجابوا...»(2).
نعم تبقى النصوص الدالة على ان البعثة الرباعية كانت من ذي قار كما مر في النص الثالث الفقرة (ب)، ولم يذكر فيه سوى ابن عباس وعمّار. فلمّا عادا بعث الإمام ابنه الحسن وكتب إلى أبي موسى: يا بن الحائك...، وفيه ذكر عزله وتولية قرظة بن كعب الأنصاري، وفي هذا أحسب أنّ خلطاً وخبطاً وقع الرواة في ذلك، لأنّ الشيخ محمّد بن هاشم ذكر في مصباح الأنوار: أنّ البعثة الأربعة الحسن وابن عباس وعمّار وقيس كانت من ذي قار ومعهم كان الكتاب بعزل أبي موسى وتولية قرظة(3).
وإلى هنا تيقنا بورود ابن عباس إلى الكوفة مكررا. فلنقرأ ما جرى له هو والوفد بمعيّة الإمام الحسن (عليه السلام) وكيف داوى ودارى أبا موسى الأشعري ذلك الأفن الماكر حتى تغلب عليه.
|
(1) راجع النص الثاني.
(2) وقعة صفين لنصر بن مزاحم /19 تح ـ هارون، وشرح النهج لابن أبي الحديد 1/246 ط مصر الأولى.
(3) مصباح الأنوار 2/باب 34 مخطوط.
|
 |
| موسوعة عبدالله بن عباس- الحلقة الاولى - الجزء الثالث |
|
120 |
|
 |
|
مع الأشعري في الكوفة:
|
|
|
 |
قال الشيخ المفيد: «فلمّا وصلوا - الحسن وابن عباس وعمّار - الكوفة قال ابن عباس للحسن ولعمّار: انّ أبا موسى عاق فإذا رفقنا به ادركنا حاجتنا منه. فقالا: إفعل ما شئت.
ويبدو أنّ ابن عباس فتح له هذا التفويض والإذن باستعمال الإستدراج والخداع كما يسميه علماء البيان، فعمد إلى مخادعة أبي موسى فقال له:
يا أبا موسى إنّ أمير المؤمنين عليّاً (عليه السلام) أرسلنا إليك لما يطرقه سرعتك إلى طاعة الله (عزّ وجلّ) ومصيرك إلى ما أحبّنا أهل البيت، وقد علمت فضله وسابقته في الإسلام، ويقول لك أن تبايع له الناس، ويقرّك على عملك ويرضى عنك، فانخدع أبو موسى وصعد عمّار وخطب ثمّ صعد الإمام الحسن (عليه السلام) وخطب وأبو موسى بعدُ على مراوغته. فكان دواؤه عند ابن عباس»(1).
وقال الشيخ المفيد أيضاً: «وكان أمير المؤمنين (عليه السلام) كتب مع ابن عباس كتاباً إلى أبي موسى الأشعري وأغلظ فيه، فقال ابن عباس: قلت في نفسي أقدم على رجل وهو أمير بمثل هذا الكتاب أن لا ينظر في كتابي. ونظرت أن أشقّ كتاب أمير المؤمنين وكتبت من عندي كتاباً عنه لأبي موسى:
أمّا بعد فقد عرفت مودتك إيانا أهل البيت، وانقطاعك الينا وإنما نرغب إليك لما نعرف من حسن رأيك فينا، فإذا أتاك كتابي فبايع لنا الناس والسلام...
فدفعته إليه، فلمّا قرأه أبو موسى قال لي: أنا الأمير أو أنت؟ قلت: أنت الأمير، (فانخدع أبو موسى وصعد المنبر)(2)، فدعا الناس إلى بيعة عليّ (فبايع
|
(1) كتاب الجمل /124 ط الحيدرية سنة 1368هـ.
(2) ما بين القوسين من حديث الشيخ المفيد الأوّل.
|
 |
| موسوعة عبدالله بن عباس- الحلقة الاولى - الجزء الثالث |
|
121 |
|
 |
ساعة من النهار)(1)، فلمّا بايع قمت وصعدت المنبر، فرام إنزالي منه فقلت: أنت تنزلني عن المنبر؟ وأخذت بقائم سيفي فقلت: أثبت مكانك، والله لئن نزلتُ إليك هذّبتك به.
فلم يبرح، فبايعت الناس لعليّ، وخلعت أبا موسى في الحال، واستعملت مكانه قرظة بن كعب (عبد الله) الأنصاري. ولم أبرح من الكوفة حتى سيّرت في البر والبحر من أهلها سبعة آلاف رجل ولحقته بذي قار»(2).
رحمك الله أبا العباس، نعمت الخدعة ونعم الإستدراج، وإنّها وقدة ذهن ونفوذ بصيرة تختبر بها الرجال، فلمّا علمت دخيلة الأشعري تقدمت إليه بما استدرجته به حتى تملكت به مشاعره وملكت به قياده، وكشفت للناس حقيقته حين أوقعته في الفخ، فهو بالأمس يقول للناس: «إنّها فتنة صماء وعمياء تطأ في خطاها، النائم فيها خير من القائم، والقائم خير من الماشي...». واليوم يصعد المنبر ويدعو الناس إلى مبايعة الإمام!!
إنّه التناقض الّذي سلب ثقة الناس به وبدأ الناس يتجهزون للمسير، وتهيأ رسُل الإمام للخروج إلى ذي قار، وخفّ معهم كثير من أهل الكوفة فوردوا على الإمام وهو لم يزل بذي قار ينتظرهم، ويبدو أنّ ابن عباس سبقهم بالخروج فوصل إلى الإمام فأخبره بما عليه الناس من الجد والعزم وأنّهم لاحقون به عن قريب، فسرّه ذلك.
|
في ذي قار:
|
|
|
 |
روى أبو مخنف عن الكلبي عن أبي صالح عن زيد بن عليّ عن ابن عباس قال: «لمّا نزلنا مع عليّ (عليه السلام) ذا قار قلت: يا أمير المؤمنين ما أقل من يأتيك من
|
(1) ما بين القوسين من حديث الشيخ المفيد الأوّل.
(2) كتاب الجمل /126.
|
 |
| موسوعة عبدالله بن عباس- الحلقة الاولى - الجزء الثالث |
|
122 |
|
 |
أهل الكوفة فيما أظن فقال: والله ليأتيني منهم ستة آلاف وخمسمائة وستون رجلاً، لا يزيدون ولا ينقصون.
قال ابن عباس: فدخلني والله من ذلك شك شديد في قوله، وقلت في نفسي: والله إن قدموا لأعدنّهم».
قال أبو مخنف: فحدّث ابن إسحاق عن عمّه عبد الرحمن بن يسار قال: «نفر إلى عليّ (عليه السلام) إلى ذي قار من الكوفة في البحر والبرستة آلاف وخمسمائة وستون رجلاً، أقام عليّ بذي قار خمسة عشر يوماً، حتى سمع صهيل الخيل وشحيج البغال حوله، قال: فلمّا سار بهم منقلة(1) قال ابن عباس: والله لأعدنّهم فإن كانوا كما قال، وإلاّ أتممتهم من غيرهم، فإنّ الناس قد كانوا سمعوا قوله. قال: فعرضتهم فوالله ما وجدتهم يزيدون رجلاً ولا ينقصون رجلاً، فقلت: الله أكبر! صدق الله ورسوله، ثمّ سرنا».
أقول: هاتان روايتان رواهما لنا أبو مخنف كلٌ بسند غير الآخر، وحكاهما عنه ابن أبي الحديد(2). ويبدو أنّ أبا مخنف لم يكن دقيقاً في نقله في المقام خصوصاً في سند الرواية الأولى الّتي رواها زيد بن عليّ عن ابن عباس! فإنّ ابن عباس مات سنة 68 من الهجرة وزيد بن عليّ ولد في سنة 80 من الهجرة أي بعد موت ابن عباس بما يقرب من اثنتي عشرة سنة فكيف يتصور روايته عنه!!
والصحيح أنّ زيد بن عليّ روى ذلك إلاّ أنّه لم يذكر روايته لها عن ابن عباس، فهي كما رواها الشيخ المفيد نقلاً عن نصر - بن مزاحم - عن عمرو بن سعد عن الأجلح عن زيد بن عليّ قال: «لمّا أبطأ على عليّ (عليه السلام) خبر أهل البصرة وكانوا في فلاة، قال عبد الله بن عباس: فأخبرت عليّاً بذلك، فقال لي: أسكت
|
(1) المنقلة كمرحلة السفر زنة ومعنى (القاموس المحيط).
(2) شرح النهج لابن أبي الحديد 1/176.
|
 |
| موسوعة عبدالله بن عباس- الحلقة الاولى - الجزء الثالث |
|
123 |
|
 |
يابن عباس فوالله ليأتينا في هذين اليومين من الكوفة ستة آلاف وستمائة رجل، وليُغلبنّ أهل البصرة، وليقتلنّ طلحة والزبير، فوالله إنّني استشرف الأخبار واستقبلها، حتى إذا أتى راكب فاستقبلته واستخبرته، فأخبرني بالعدة الّتي سمعتها من عليّ (عليه السلام) لم تنقص برجل واحد»(1).
قال الطبري في تاريخه(2)، وقال ابن الأثير في الكامل بلفظ الثاني إلاّ ما بين القوسين من الأوّل: «وقيل: إنّ عدد من سار من الكوفة اثنا عشر ألف رجل ورجل. قال أبو الطفيل: سمعت عليّاً يقول ذلك قبل وصولهم فقعدت فأحصيتهم فما زادوا رجلاً ولا نقصوا رجلاً.
وكان على كنانة وأسد وتميم والرباب ومزينة معقل بن يسار الرياحي، وكان على سبع قيس سعد بن مسعود الثقفي عم المختار، وعلى بكر وتغلب وعلة بن محدوج الذهلي، وكان على مذحج والاشعريين حجر بن عدي، وعلى بجيلة وأنمار وخثعم والأزد مخنف بن سليم الأزدي، فقدموا على أمير المؤمنين بذي قار، فلقيهم في ناس معه فيهم ابن عباس فرحّب بهم وقال: يا أهل الكوفة أنتم قاتلتم ملوك العجم وفضضتم جموعهم حتى صارت اليكم مواريثهم، فمنعتم حوزتكم وأعنتم الناس على عدوهم، وقد دعوتكم لتشهدوا معنا اخواننا من أهل البصرة فإن يرجعوا فذاك الّذي نريد، وإن يلجّوا داويناهم بالرفق (وباينّاهم) حتى يبدؤنا بظلم، ولم ندع أمراً فيه صلاح إلاّ آثرناه على ما فيه الفساد إن شاء الله، واجتمعوا عنده بذي قار، وعبد القيس بأسرها في الطريق بين عليّ والبصرة ينتظرونه وهم ألوف (وفي الماء ألفان وأربعمائة)»(3).
|
(1) كتاب الجمل /141 ط الحيدرية سنة 1368.
(2) تاريخ الطبري 4/487 ط دار المعارف.
(3) الكامل 3/98 ط بولاق.
|
 |
| موسوعة عبدالله بن عباس- الحلقة الاولى - الجزء الثالث |
|
124 |
|
 |
وفي ذي قار كان خبر الصحيفة الّتي رآها ابن عباس عند الإمام، والّتي حدّث عنها بعد أكثر من ربع قرن وذلك في سنة 61 من الهجرة لمّا بلغه الخبر بمقتل الحسين (عليه السلام) وأهل بيته.
والخبر كما رواه المجلسي نقلاً عن فضائل ابن شاذان بالإسناد عن سليم بن قيس أنّه قال: «لمّا قتل الحسين بن عليّ بن أبي طالب (عليهم السلام) بكى ابن عباس بكاءً شديداً ثمّ قال: ما لقيت هذه الأمة بعد نبيّها، اللّهمّ إنّي أشهدك أنّي لعليّ بن أبي طالب ولولده ولي، ولعدوه عدو، ومن عدوّ ولده بريء، وأنّي سلم لأمرهم، ولقد دخلت على ابن عم رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) بذي قار فأخرج لي صحيفة وقال لي: يا بن عباس هذه صحيفة أملاها رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) وخطي بيدي، فقلت: يا أمير المؤمنين إقرأها عليّ، فقرأها وإذا فيها كلّ شيء منذ قبض رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم). وكيف يقتل الحسين (عليه السلام) ومَن يقتله ومَن ينصره ومَن يستشهد معه، وبكى بكاءً شديداً وأبكاني، وكان فيما قرأه كيف يصنع به، وكيف تستشهد فاطمة (عليها السلام)، وكيف يستشهد الحسن (عليه السلام)، وكيف تغدر به الأمة، فلمّا قرأ مقتل الحسين (عليه السلام) ومَن يقتله أكثر البكاء، ثمّ أدرج الصحيفة وفيها ما كان وما يكون إلى يوم القيامة.
وكان فيما قرأ أمر أبي بكر وعمر وعثمان، وكيف يملك كلّ إنسان منهم، وكيف يقع على عليّ بن أبي طالب (عليه السلام)، ووقعة الجمل ومسير عائشة والزبير. ووقعة صفين ومَن يقتل بها. ووقعة النهروان وأمر الحكمين وملك معاوية، ومَن يقتل من الشيعة، وما تصنع الناس بالحسن (عليه السلام)، وأمر يزيد بن معاوية، حتى أنتهى إلى قتل الحسين (عليه السلام)، فسمعت ذلك، فكان كما قرأ لم يزد ولم ينقص. ورأيت خطه في الصحيفة لم يتغير ولم يعفّر، فلمّا أدرج الصحيفة، قلت: يا أمير المؤمنين لو كنت قرأت على بقية الصحيفة؟ قال: لا، ولكن أحدّثك بما فيها من أمر بنيك وولدك،
 |
| موسوعة عبدالله بن عباس- الحلقة الاولى - الجزء الثالث |
|
125 |
|
 |
وهو أمر فظيع من قتلهم لنا وعداوتهم لنا وسوء ملكهم وشؤم قدرتهم، فأكره أن تسمعه فتغتّم، ولكني أحدّثك: أخذ رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) عند موته بيدي ففتح لي ألف باب من العلم يفتح لي من كلّ باب ألف باب، وأبو بكر وعمر ينظران إليَّ وهو يشير إليَّ بذلك، فلمّا خرجت، قالا لي: ما قال لك رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم)؟ فحدثتهما بما قال لي، فحرّكا أيديهما ثمّ حكيا قولي، ثمّ ولّيا. يا بن عباس إنّ ملك بني أمية إذا زال أوّل من يملك ولدك من بني هاشم فيفعلون الأفاعيل.
قال ابن عباس: لأن نسخت ذلك الكتاب فلهو أحب إليَّ ممّا طلعت عليه الشمس»(1).
وقال ابن أعثم: «فاجتمع الناس بذي قار مع عليّ بن أبي طالب ستة آلاف من أهل المدينة وأهل مصر وأهل الحجاز، وتسعة آلاف من أهل الكوفة، وجعل الناس يجتمعون حتى صاروا في تسعة عشر ألف رجل من فارس وراجل. وسار عليّ (رضي الله عنه) من ذي قار يريد البصرة في جميع أصحابه، والناس يتلاحقون به من كلّ أوب»(2).
وأخرج الطبراني عن الأجلح بن عبد الله عن زيد بن عليّ عن أبيه عن ابن عباس قال: «لمّا بلغ أصحاب عليّ حين ساروا إلى البصرة قد أجتمعوا لطلحة والزبير شقّ عليهم ووقع في قلوبهم. فقال عليّ: والّذي لا إله غيره ليظهرنّ على أهل البصرة، وليقتلنّ طلحة والزبير، وليخرجنّ اليكم من الكوفة ستة آلاف وخمسمائة وخمسون رجلاً - أو خمسة آلاف وخمسمائة وخمسون رجلاً - شك الأجلح.
|
(1) البحار 8/باب إخبار الله تعالى نبيّه، وإخبار النبيّ بما جرى على أهل بيته من الظلم والعدوان، نقلاً عن فضائل ابن شاذان /131 ط حجرية، والروضة ملحقاً بعلل الشرائع /141.
(2) الفتوح 2/293.
|
 |
| موسوعة عبدالله بن عباس- الحلقة الاولى - الجزء الثالث |
|
126 |
|
 |
قال ابن عباس: فوقع ذلك في نفسي، فلمّا أتى أهل الكوفة خرجت فقلت لأنظرنّ، فإن كان كما تقوّل فهو أمر سمعه، وإلاّ فهي خديعة حرب، فلقيت رجلاً من الجيش فسألته، فوالله ما عتم أن قال ما قال عليّ. قال ابن عباس: وهو ممّا كان رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) يخبره»(1).
وأخرج المفيد والطوسي عن المنهال بن عمرو قال: «أخبرني رجل من تميم قال: كنا مع عليّ بن أبي طالب (عليه السلام) بذي قار ونحن نرى أنّا سنتخطّف في يومنا فسمعته يقول: والله لنظهرنّ على هذه الفرقة، ولنقتلن هذين الرجلين - يعني طلحة والزبير - ولنستبيحنّ عسكرهما، قال التميمي: فأتيت إلى عبد الله بن عباس فقلت: أما ترى إلى ابن عمك وما يقول؟ فقال: لا تعجل حتى تنظر ما يكون. فلمّا كان من أمر البصرة ما كان أتيته فقلت: لا أرى ابن عمك إلاّ قد صدق فقال: ويحك إنّا كنّا نتحدّث اصحاب محمّد أنّ النبيّ (صلّى الله عليه وآله وسلّم) عهد إليه ثمانين عهداً لم يعهد شيئاً منها إلى أحد غيره، فلعل هذا ممّا عهد إليه»(2).
|
إلى البصرة:
|
|
|
 |
قال الشيخ المفيد: «وروى إسماعيل بن عبد الملك بن يحيى بن شبل عن أبي جعفر محمّد بن عليّ (عليه السلام) قال: لمّا سار عليّ من ذي قار قاصداً البصرة حتى نزل الخريبة في أثني عشر ألف. وعلى الميمنة عمّار بن ياسر في ألف رجل وعلى الميسرة مالك الأشتر في ألف رجل، ومعه في نفسه عشرة آلاف رجل،
|
(1) المعجم الكبير 10/305.
(2) آمالي المفيد /335 ط دار المفيد، آمالي الطوسي 1/112 ط النعمان وقارن بشارة المصطفى /247، وكشف الغمة للإربلي 1/368 ط منشورات الشريف الرضي بقم، وينابيع المودة /78 ط اسلامبول.
|
 |
| موسوعة عبدالله بن عباس- الحلقة الاولى - الجزء الثالث |
|
127 |
|
 |
وخرج إليه من البصرة ألفا رجل، وخرجت إليه ربيعة كلّها إلاّ مالك بن مسمع منها، وجاءته عبد القيس بأجمعها سوى رجل واحد تخلف عنها، وجاءته بنو بكر يرأسهم شقيق بن ثور السدوسي، ورأس عبد القيس عمر بن جرموس العبدي، وأتاه المهلب بن أبي صفرة فيمن تبعه من الأزد... اهـ»(1).
وقد روى المسعودي: بسنده عن المنذر بن الجارود العبدي قال: «لمّا قدم عليّ (رضي الله عنه) البصرة، دخل ممّا يلي الطف فأتى الزاوية، فخرجت أنظر إليه، فورد موكب في نحو ألف فارس... - ثمّ ذكر أصحاب الألوية إلى أن قال -: ثمّ مرّ بنا فارس آخر على فرس أشهل، ما رأينا أحسن منه عليه ثياب بيض وعمامة سوداء، قد سدلها من بين يديه بلواء، قلت: من هذا؟ قيل هو عبد الله بن العباس في عدة من أصحاب رسول الله صلّى الله عليه (وآله) وسلّم...»(2).
ويقرب من هذا الوصف ما رواه محمّد بن زكريا الغلابي المتوفي سنة 298هـ في كتابه الجمل بسنده عن معن بن عيسى أبي عيسى بن معن العبدي قال: «حدثني أبي قال: حدثني شيخاننا وعجائزنا قالوا: لمّا قدم عليّ بن أبي طالب - (عليه السلام) - البصرة دخل من الزاوية، فجلسنا على سطوح لنا وفي طرقنا ننظر إليهم فمر راكب... - إلى أن قال -: فمر بنا فارس آخر ما رأينا أحسن منه وجهاً، عليه عمامة سوداء متقلداً سيفاً، متنكّبا قوساً، وبيده لواء أبيض، فقلنا من هذا؟ فقيل: عبد الله بن العباس بن عبد المطلب، وهذا معه لواء رسول الله صلّى الله عليه (وآله) وسلّم»(3).
|
(1) كتاب الجمل /142 ط الحيدرية سنة 1368هـ.
(2) مروج الذهب 2/368 تح ـ محمّد محي الدين عبد الحميد.
(3) وقعة الجمل /30.
|
 |
| موسوعة عبدالله بن عباس- الحلقة الاولى - الجزء الثالث |
|
128 |
|
 |
ولحديث المنذر بن الجارود العبدي عند المسعودي، وحديث معن بن عيسى العبدي عند الغلاّبي. دلالة على ان الطريق السالك لجيش الإمام كان يمرّ ببني عبد القيس، كما لهما دلالة على التنظيم في تصنيف القادة والمتبوعين من حيث ألوان اللباس وألوان الألوية وألوان الخيل بأوصاف رائعة.
وقد روى ذلك الوصف من المتأخرين شارح شافية أبي فراس(1) ومحمّد تقي خان حكيم(2) والسيد الأمين(3).
وقال المسعودي: «فساروا حتى نزل الموضع المعروف بالزاوية، فصلى - يعني الإمام - أربع ركعات وعفّر خديه على التراب، وقد خالط ذلك دموعه، ثمّ رفع يديه يدعو: اللّهمّ ربّ السموات وما أظلّت، والأرضين وما أقلّت، وربّ العرش العظيم، هذه البصرة أسألك من خيرها وأعوذ بك من شرّها، اللّهمّ أنزلنا فيها خير منزل وأنت خير المنزلين، اللّهمّ ان هؤلاء القوم قد خلعوا طاعتي، وبغوا عليَّ ونكثوا بيعتي، اللّهمّ احقن دماء المسلمين.
وبعث إليهم من يناشدهم الله في الدماء، وقال: علام تقاتلونني؟ فأبوا إلاّ الحرب»(4).
وروى الطبري بسنده عن قتادة قال: «سار عليّ من الزاوية يريد طلحة والزبير وعائشة، وساروا من الفُرضة يريدون عليّاً، فالتقوا عند موضع قصر عبيد الله بن زياد في النصف من جمادي الآخرة سنة ست وثلاثين يوم الخميس»(5).
|
(1) شرح الشافية /79 ط حجرية.
(2) كنج دانش /117 ط ايران.
(3) أعيان الشيعة 1/39.
(4) مروج الذهب 2/370 تح ـ محمّد محي الدين عبد الحميد.
(5) تاريخ الطبري 4/501 ط المعارف.
|
 |
| موسوعة عبدالله بن عباس- الحلقة الاولى - الجزء الثالث |
|
129 |
|
 |
|
سفارات إبن عباس لحقن الدماء:
|
|
|
 |
(الأولى) قال ابن أعثم: «فلمّا كان من الغد دعا عليّ (رضي الله عنه) بزيد بن صوحان وعبد الله بن عباس فقال لهما: امضيا إلى عائشة فقولا لها: ألم يأمركِ الله تبارك وتعالى أن تقرّي في بيتك؟ فخُدعتِ وانخدعتِ، واستُنفرتِ فنفرتِ، فاتقي الله الّذي إليه مرجعكِ ومعادكِ، وتوبي إليه فإنّه يقبل التوبة عن عباده، ولا يحملنّكِ قرابة طلحة وحبّ عبد الله بن الزبير على الأعمال الّتي تسعى بكِ إلى النارِ.
قال ابن أعثم: فانطلقا اليها وبلّغاها رسالة عليّ (رضي الله عنه) فقالت عائشة: ما أنا برادّة عليكم شيئاً، فإنّي أعلم أنّي لا طاقة لي بحجج عليّ بن أبي طالب»(1).
وجاء أيضاً في المناقب لابن شهر اشوب فقال ابن عباس: «لا طاقة لك بحجج المخلوق فكيف طاقتك بحجج الخالق؟
فرجعا إلى الإمام وأخبراه فقال (عليه السلام): الله المستعان»(2).
(الثانية) قال المفيد في كتاب الجمل: «ثمّ دعا عبد الله بن عباس فقال: انطلق إليهم فناشدهم وذكّرهم العهد الّذي لي في رقابهم»(3).
|
مع طلحة:
|
|
|
 |
قال ابن عباس: «جئتهم فبدأت بطلحة فذكّرته العهد. فقال لي: يا بن عباس والله لقد بايعت عليّاً واللج(4) على رقبتي، فقلت له إنّي رأيتك بايعت طائعاً، أو لم يقل لك عليّ قبل بيعتك له إن أحببتَ أبايعك؟ فقلت: لا بل نحن نبايعك.
|
(1) الفتوح 2/306.
(2) مناقب ابن شهر اشوب 3/339.
(3) الجمل /150.
(4) اللج: السيف تشبيهاً بلجّ الماء (المنجد).
|
 |
| موسوعة عبدالله بن عباس- الحلقة الاولى - الجزء الثالث |
|
130 |
|
 |
فقال طلحة: إنّما قال لي ذلك وقد بايعه قوم فلم استطع خلافهم، والله يا بن عباس انّ القوم الّذين معه يغرّونه إن لقيناه فسيسلمونه، أما علمت يا بن عباس اني جئت إليه والزبير ولنا من الصحبة ما لنا مع رسول الله والقِدم في الإسلام، وقد أحاط به الناس قياماً على رأسه بالسيوف، فقال لنا: ـ بهزل ـ إن أحببتما بايعت لكما، فلو قلنا نعم، أفتراه يفعل وقد بايع الناس له؟ فيخلع نفسه ويبايعنا لا والله ما كان يفعل، وحتى يغري بنا مَن لا يرى لنا حرمة، فبايعناه كارهين. وقد جئنا نطلب بدم عثمان، فقل لابن عمك إن كان يريد حقن الدماء وإصلاح أمر الأمة، فليمكننا من قتلة عثمان فهم معه، ويخلع نفسه ويردّ الأمر ليكون شورى بين المسلمين، فيولّوا من شاؤا، فإنّما عليّ رجل كاحدنا، وإن أبى أعطيناه السيف، فما له عندنا غير هذا.
قال ابن عباس: يا أبا محمّد لست تنصف (ألست تتعسف؟) ألم تعلم أنّك حصرت عثمان حتى مكث عشرة أيام يشرب ماء بئره وتمنعه من شرب الفرات ـ القراح ـ حتى كلّمك عليّ في أن تخلّي الماء له وأنت تأبى ذلك، ولمّا رأى أهل مصر فعلك وأنت صاحب رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) دخلوا عليه بسلاحهم فقتلوه.
ثمّ بايع الناس رجلاً له من السابقة والفضل والقرابة برسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) والبلاء العظيم ما لا يُدفع، وجئت أنت وصاحبك طائعَين غير مكرهين حتى بايعتما ثمّ نكثتما.
فعجبٌ والله اقرارك لأبي بكر وعمر وعثمان بالبيعة، ووثوبك على عليّ بن أبي طالب، فوالله ما عليّ دون أحدٍ منهم، وأمّا قولك: يمكنني من قتلة عثمان، فما يخفى عليك مَن قتل عثمان، وأمّا قولك: ان أبى عليّ فالسيف، فوالله إنّك تعلم أنّ عليّاً لا يخوّف.
فقال طلحة: إيهاً الآن عنا من جدالك.
 |
| موسوعة عبدالله بن عباس- الحلقة الاولى - الجزء الثالث |
|
131 |
|
 |
قال - ابن عباس - فخرجت إلى عليّ وقد دخل البيوت بالبصرة، فقال: ماوراء؟ فأخبرته الخبر، فقال: اللّهمّ افتح بيننا بالحقّ وأنت خير الفاتحين.
|
مع عائشة:
|
|
|
 |
ثمّ قال: ارجع إلى عائشة، واذكر لها خروجها من بيت رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم)، وخوّفها من الخلاف على الله (عزّ وجلّ) ونبذها عهد النبيّ (صلّى الله عليه وآله وسلّم)، وقل لها: إنّ هذه الأمور لا تصلحها النساء، وأنّك لم تؤمري بذلك، فلم يرض بالخروج عن أمر الله في تبرّجك ببيتك الّذي أمرك النبيّ (صلّى الله عليه وآله وسلّم) بالمقام فيه، حتى أخرجت إلى البصرة فقتلتِ المسلمين، وعمدتِ إلى عمّالي فأخرجتهم، وفتحتِ بيت المال، وأمرتِ بالتنكيل بالمسلمين، وأمرتِ بدماء الصالحين فأريقت فراقبي الله (عزّ وجلّ) فقد تعلمين أنّك كنتِ أشد الناس على عثمان فما هذا ممّا وقع؟
قال ابن عباس: فلمّا جئتها وأدّيت الرسالة وقرأت كتاب عليّ (عليه السلام) عليها.
قالت: يا بن عباس ابن عمك يرى أنّه قد تملّك البلاد، لا والله ما بيده منها شيء إلاّ وبيدنا أكثر منه.
فقلت: يا أماه إنّ أمير المؤمنين (عليه السلام) له فضل وسابقة في الإسلام وعظم وعناء.
قالت: ألا تذكر طلحة وعناه يوم أحد؟
قال: فقلت لها والله ما نعلم أحداً أعظم عناءً من عليّ (عليه السلام).
قالت: أنت تقول هذا ومع عليّ أشباه كثيرة.
قلت لها: الله الله في دماء المسلمين.
قالت: وأي دم يكون للمسلمين إلاّ أن يكون عليّ يقتل نفسه ومن معه.
قال ابن عباس: فتبسمت، فقالت: ممّا تضحك يا بن عباس؟
فقلت: والله معه قوم على بصيرة من أمرهم يبذلون مهجهم دونه.
 |
| موسوعة عبدالله بن عباس- الحلقة الاولى - الجزء الثالث |
|
132 |
|
 |
قالت: حسبنا الله ونعم الوكيل.
|
مع الزبير وابنه:
|
|
|
 |
قال - ابن عباس -: وقد كان أمير المؤمنين (عليه السلام) أوصاني أن ألقى الزبير، وإن قدرت أن أكلّمه وابنه ليس بحاضر، فجئت مرة أو مرتين كلّ ذلك أجده عنده، ثمّ جئت مرة أخرى فلم أجده عنده، فدخلت عليه، وأمر الزبير مولاه سرجس أن يجلس على الباب، ويحبس عنا الناس. فجعلت أكلّمه فقال: عصيتم إن خولفتم، والله لتعلمنّ عاقبة ابن عمك، فعلمت أنّ الرجل مغضّب فجعلت ألاينه فيلين مرة ويشتد أخرى، فلمّا سمع سرجس ذلك أنفذ إلى عبد الله بن الزبير، وكان عند طلحة، فدعاه فأقبل سريعاً حتى دخل علينا فقال: يا بن عباس دع بيّنات الطريق، بيننا وبينكم عهد خليفة، ودم خليفة، وانفراد واحد واجتماع ثلاثة، وأم مبرورة، ومشاورة العامة.
قال - ابن عباس -: فأمسكت ساعة لا أكلّمه ثمّ قلت: لو أردت أن أقول لقلت.
فقال ابن الزبير: ولم تؤخر ذلك وقد لحم الأمر وبلغ السيل الزبى.
قال ابن عباس: فقلت أمّا قولك: عهد خليفة، فإنّ عمر جعل المشورة إلى ستة نفر، فجعل النفر أمرهم إلى رجل منهم يختار لهم منهم ويخرج نفسه منها، فعرض الأمر على عليّ (وعلى عثمان) فحلف عثمان وأبى عليّ أن يحلف، فبايع عثمان، فهذا عهد خليفة.
وأمّا دم خليفة: فدمه عند أبيك، لا يخرج أبوك من خصلتين: إمّا قتل أو خذل.
وأمّا انفراد واحد واجتماع ثلاثة، فإنّ الناس لمّا قتلوا عثمان فزعوا إلى عليّ (عليه السلام) فبايعوه طوعاً وتركوا أباك وصاحبَه ولم يرضوا بواحد منهما.
 |
| موسوعة عبدالله بن عباس- الحلقة الاولى - الجزء الثالث |
|
133 |
|
 |
وأمّا قولك: إنّ معكم أماً مبرورة، فإنّ هذه الأم أنتما أخرجتماها من بيتها، وقد أمرها الله أن تقرّ فيه. فأبيت أن تدعها، وقد علمتَ أنت وأبوك أنّ النبيّ (صلّى الله عليه وآله وسلّم) حذّرها من الخروج وقال: يا حميراء إياك أن تنبحك كلاب الحوأب، وكان منه ما قد رأيت.
وأمّا دعواك مشاورة العامة، فكيف يشاور فيمن قد أُجمع عليه، وأنت تعلم أنّ أباك وطلحة بايعاه طائعَينَ غير كارهَين.
فقال ابن الزبير: الباطل والله ما تقول يا بن عباس، وقد سُئل عبد الرحمن بن عوف عن أصحاب الشورى فكان صاحبكم أخسّهم عنده، وما أدخله عمر في الشورى إلاّ وهو يعرفه، ولكنه خاف فتنة في الإسلام.
وأمّا قتل خليفة فصاحبك كتب إلى الآفاق حتى قدموا عليه ثمّ قتلوه وهو في داره بلسانه ويده وأنا معه أقاتل دونه حتى جُرحتُ بضعة عشر جُرحاً.
وأمّا قولك إنّ عليّاً بايعه الناس طائعين، فوالله ما بايعوه إلاّ كارهَين والسيف على رقابهم، غصبهم أمرهم. فقال الزبير: دع عنك ما ترى يا بن عباس، جئتنا لتوفينا؟
فقال له ابن عباس: أنتم طلبتم هذا، والله ما عددناكم قط إلاّ منّا بني هاشم في برّك لأخوالك ومحبّتك لهم، حتى أدرك ابنك هذا فقطع أرحامهم.
فقال الزبير: دع عنك هذا. فرجع ابن عباس وأخبر الإمام بإصرار القوم على الخلاف، فلم يبرح الإمام يبعث مَن يعظهم ويحذرهم مغبّة العواقب، وكان أكثر رُسله سفارة هو ابن عمه عبد الله بن عباس.
(الثالثة) فقد دخل على عائشة بالبصرة قال: فذكّرتها هذا الحديث - يعني به حديثها معه يوم الصلصل وقد مرّ في الجزء الأوّل - فقالت: ذاك المنطق الّذي تكلمت به يومئذ هو الّذي أخرجني، لم أر لي توبة إلاّ الطلب بدم عثمان، ورأيت أنّه قتل مظلوماً.
| |