موسوعة عبدالله بن عباس- الحلقة الاولى - الجزء الثالث 134

قال ابن عباس: فقلت لها: فأنتِ قتلتيه بلسانك، فأين تخرجين، توبي وأنتِ في بيتكِ أو أرضي ولاة دم عثمان ولده.
قالت دعنا من جدالك فلسنا من الباطل في شيء.
(الرابعة) قال الشريف الرضي في نهج البلاغة: «من كلام له (عليه السلام) لابن عباس لمّا أرسله إلى الزبير يستفيئُه إلى طاعته قبل حرب الجمل: (لا تلقينّ طلحة، فإنك إن تلقه تجده كالثور عاقصاً قرنه، يركب الصعبَ ويقول هو الذلول، ولكن ألقَ الزبير، فإنّه ألين عريكة، فقل له يقول لك ابن خالك: عرفتني بالحجاز وأنكرتني بالعراق، فما عَدا ممّا بدا؟).
قال الرضي: أقول: هو أوّل من سُمعت منه هذه الكلمة أعني (فما عدا ممّا بدا).
قال الزبير بن بكار في الموفقيات عن ابن عباس قال: «فأتيت الزبير فوجدته في بيت يتروّح في يوم حار، وعبد الله ابنه عنده فقال: مرحباً بك يا بن لبابة، أجئت زائراً أم سفيراً؟ قلت: كلاً ان ابن خالك يقرأ عليك السلام - (وذكر الرسالة) ويقول لك يا أبا عبد الله كيف عرفتنا بالمدينة وأنكرتنا بالبصرة. فقال:
علقتهم أنّي خلفت عصبة قتادة تعلقت بنشبة

لن أدعهم حتى أولّف بينهم. قال - ابن عباس - فأردت منه جواباً غير ذلك فقال لي ابنه عبد الله قل له بيننا وبينك دم خليفة... قال: فعلمت أنّه ليس وراء هذا الكلام إلاّ الحرب فرجعت إلى عليّ (عليه السلام) فأخبرته»(1).

(1) قال الزبير بن بكار: هذا الحديث كان يرويه عمي مصعب ثمّ تركه وقال: إني رأيت جدي أبا عبد الله الزبير بن العوام في المنام وهو يعتذر من يوم الجمل، فقلت له كيف تعتذر منه وأنت القائل: علقتهم أنّى خلفت عصبة قتادة تعلقت بنشبة، لن أدعهم حتى أولّف بينهم؟ فقال: لم أقله. وهذا من النصوص الضائعة من كتاب الموفقيات المطبوع ولم يستدركه المحقق، وقد بلغ ما استدركته عليه أربعة عشر نصاً، وقد ذكر هذه الرسالة المفضل بن سلمة في الفاخر /301 ط مصر وابن عبد ربه في العقد الفريد 4/314 تح ـ أحمد أمين ورفيقيه.
موسوعة عبدالله بن عباس- الحلقة الاولى - الجزء الثالث 135

أقول: قال السيد عليخان المدني الشيرازي(1): «وروى أنّ أمير المؤمنين (عليه السلام) قال: من كان له ابن عم مثل ابن عباس فقد أقرّ الله عينه».
وكلمة الإمام «فما عدا ممّا بدا» لم يقلها أحد قبله. قال ابن خلكان(2): «وفي وقعة الجمل قبل مباشرة الحرب أرسل عليّ بن أبي طالب (رضي الله عنه) ابن عمه عبد الله بن العباس (رضي الله عنهما) إلى طلحة والزبير (رضي الله عنهما) برسالة يكفّهما عن الشروع في القتال، ثمّ قال له: لا تلقينّ طلحة فإنك إن تلقه تجده كالثور عاقصاً أنفه يركب الصعب ويقول هو الذلول، ولكن القَ الزبير فإنّه ألين عريكة منه، وقل له: يقول ابن خالك: عرفتني بالحجاز وأنكرتني بالعراق فما عدا ممّا بدا؟ قال ابن خلكان: وعليّ (رضي الله عنه) أوّل من نطق بهذه الكلمة فأخذ ابن المعلم المذكور هذا الكلام وقال:
منحوه بالجزع الكلام وأعرضوا بالغور عنه «فما عدا ممّا بدا»

وهذا القول من جملة قصيدة طويلة».
(الخامسة) قال ابن أبي الحديد: «وقد روى المدائني... قال: بعث عليّ (عليه السلام) ابن عباس يوم الجمل إلى الزبير قبل الحرب فقال له: إن أمير المؤمنين يقرأ عليك السلام ويقول لكم: ألم تبايعني طائعاً غير مكرَه فما الّذي رابَك مني فاستحللت به قتالي؟ قال فلم يكن له جواب إلاّ انه قال: إنا مع الخوف الشديد لنطمع، لم يقل غير ذلك.

(1) الدرجات الرفيعة /108.
(2) وفيات الأعيان في ترجمة أبي الغنائم الواسطي المعروف بابن المعلم المتوفى سنة 592.
موسوعة عبدالله بن عباس- الحلقة الاولى - الجزء الثالث 136

قال أبو إسحاق - الراوي للخبر - فسألت محمّد بن عليّ بن الحسين (عليه السلام) ما تراه يعني بقوله هذا؟ فقال: والله ما تركت ابن عباس حتى سألته عن هذا؟ فقال يقول: إنّا مع الخوف الشديد ممّا نحن عليه نطمع أن نلي مثل الّذي ولّيتم»(1).
وقد روى هذه السفارة كلّ من الجاحظ في البيان والتبيين عن عبد الله بن مصعب(2)، ورواها أبو الفرج الاصبهاني في الأغاني بأسانيد متعددة، ولعل روايته أوسع ممّا مرّ، وإليك نصها قال: «حدّثني أحمد بن عيسى بن أبي موسى العجلي الكوفي، وجعفر بن محمّد بن الحسن العلوي الحسني، والعباس بن عليّ بن العباس، وأبو عبيد الصيرفي قالوا: حدثنا محمّد بن عليّ بن خلف العطار قال حدثنا عمرو بن عبد الغفار عن سليمان النوري عن جعفر بن محمّد عن أبيه عن عليّ بن الحسين (عليه السلام) قال: حدّثني ابن عباس قال قال لي عليّ صلوات الله عليه: إئت الزبير فقل له يقول لك عليّ بن أبي طالب نشدتك الله ألستَ قد بايعتني طائعاً غير مكره فما الّذي أحدثت فاستحللتَ به قتالي.
وقال أحمد بن يحيى في حديثه: قل لهما: إنّ أخاكما يقرأ عليكما السلام ويقول: هل نقمتما عليّ جوراً في حكم أو استئثاراً بفيء؟ فقالا: لا ولا واحدة منهما، ولكن الخوف وشدة الطمع.
وقال محمّد بن خلف في خبره: فقال الزبير: مع الخوف شدة المطامع(3). فأتيت عليّاً (عليه السلام) فأخبرته بما قال الزبير، فدعا بالبغلة فركبها وركبت معه فدنوا حتى اختلفت أعناق دابتيهما، فسمعت عليّاً صلوات الله عليه يقول: نشدتك الله يا زبير، أتعلم أنّي كنت أنا وأنت في سقيفة بني فلان تعالجني وأعالجك فمر بي ـ

(1) شرح النهج لابن أبي الحديد 2/499.
(2) البيان والتبيين 3/221 تح ـ عبد السلام محمّد هارون ط الأولى.
(3) المصنف لابن أبي شيبة 15/267 ط باكستان.
موسوعة عبدالله بن عباس- الحلقة الاولى - الجزء الثالث 137

يعني النبيّ (صلّى الله عليه وآله وسلّم) فقال: كأنّك تحبّه، فقلتُ: وما يمنعني قال: أما انّه ليقاتلنك وهو لك ظالم؟
فقال الزبير: اللّهمّ نعم ذكرتني ما نسيت، وولّى راجعاً»(1).
وروى البلاذري، والذهبي، وابن عساكر في تاريخه واللفظ له: «انّ ابن عباس قال للزبير يوم الجمل: يا بن صفية هذه عائشة تمتلك الملك لطلحة وأنت على ماذا تقاتل قريبك؟ فرجع»(2).
(السادسة) وهي آخر مرة لإتمام الحجة، وللإعذار قبل الإنذار وقبل أن يسبق السيف العَذل، فقد أرسله الإمام إلى الناكثين وهو يحمل مصحفاً منشوراً يدعوهم إلى ما فيه.
قال محمّد بن إسحاق: «حدّثني جعفر بن محمّد - الصادق - عن أبيه - الباقر (عليهما السلام) عن ابن عباس (رضي الله عنه) قال: بعثني عليّ (عليه السلام) يوم الجمل إلى طلحة والزبير وبعث معي بمصحف منشور، وان الريح لتصفق ورقه. فقال لي: قل لهما: هذا كتاب الله بيننا وبينكم فما تريدان. فلم يكن لهما جواب إلاّ أن قالا: نريد ما أراد، كأنّهما يقولان الملك، فرجعت إلى عليّ فأخبرته»(3).
ولهذه السفارة حديث أوفى فيما رواه الشيخ المفيد في كتاب الجمل قال: «ثمّ إنّ أمير المؤمنين (عليه السلام) رحل بالناس إلى القوم غداة الخميس لعشر مضين

(1) الأغاني 16/127 ط الساسي. وفي تاريخ الطبري 5/204 حوادث سنة 36 ط الحسينية: (قال له: كنا نعدّك من بني عبد المطلب حتى بلغ ابنك ابن السوء ففرّق بيننا وبينك وعظم عليه أشياء فذكر ان النبيّ (ص) مرّ عليهما فقال لعلي: ما يقول ابن عمّك ليقاتلنك وهو لك ظالم).
(2) تهذيب تاريخ ابن عساكر 5/367 ط دار المسيرة بيروت، أنساب الأشراف (ترجمة الإمام)/ 252 تح ـ المحمودي، تاريخ الإسلام 2/151 ط القدسي.
(3) شرح النهج لابن أبي الحديد 2/499 ط مصر الأولى.
موسوعة عبدالله بن عباس- الحلقة الاولى - الجزء الثالث 138

من جمادي الأولى، وعلى ميمنته الأشتر وعلى ميسرته عمّار بن ياسر، وأعطى الراية محمّد بن الحنفية ابنه، وسار حتى وقف موقفاً ثمّ نادى في الناس: (لا تعجلوا حتى أعذر إلى القوم). ودعا عبد الله بن العباس فاعطاه المصحف وقال: (امض بهذا المصحف إلى طلحة والزبير وعائشة، وادعهم إلى ما فيه، وقل لطلحة والزبير: ألم تبايعاني مختارَين فما الّذي دعاكما إلى نكث بيعتي، وهذا كتاب الله بيني وبينكما).
قال عبد الله بن العباس: فبدأت بالزبير وكان عندي أبقاهما علينا، وكلّمته في الرجوع، وقلت له: إنّ أمير المؤمنين يقول لك: ألم تبايعني طائعاً فبم تستحل قتالي، وهذا المصحف وما فيه بيني وبينك فإن شئت تحاكمنا إليه.
قال: ارجع إلى صاحبك فإنّا بايعنا كارهَين وما لي حاجة في محاكمته.
فانصرفت عنه إلى طلحة، والناس يشتدون والمصحف في يدي، فوجدته قد لبس الدرع وهو محتب بحمائل سيفه ودابته واقفة. فقلت له: إنّ أمير المؤمنين يقول لك ما حملك على الخروج وبما استحللت نقض بيعتي والعهد عليك؟
قال: خرجت أطلب بدم عثمان، أيظن أبن عمك انه قد حوى على الأمر حين حوى على الكوفة وقد والله كتبت إلى المدينة يؤخذ لي بمكة.
فقلت له: أتق الله يا طلحة فإنّه ليس لك أن تطلب بدم عثمان وولده أولى بدمه منك، هذا أبان بن عثمان ما ينهض في طلب دم أبيه.
قال طلحة: نحن أقوى على ذلك منه، قتله ابن عمك وابتزّ أمرنا.
فقلت له: اذكرك الله في المسلمين وفي دمائهم، وهذا المصحف بيننا وبينكم، والله ما أنصفتم رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) إذ حبستم نساءكم في بيوتكم، وأخرجتم حبيسة رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم)، فأعرض عني، ونادى أصحابه ناجزوا القوم فإنكم لا تقومون لحجاج ابن أبي طالب.

موسوعة عبدالله بن عباس- الحلقة الاولى - الجزء الثالث 139

فقلت: يا أبا محمّد أبالسيف تخوّف ابن أبي طالب، أما والله ليعاجلنك للسيف.
فقال: ذلك بيننا وبينكَ.
قال: فانصرفت عنهما إلى عائشة وهي في هودج مدقق بالدفوف(1) على جملها عسكر، وكعب بن سور القاضي آخذ بخطامه، وحولها ألازد وضبّة، فلمّا رأتني قالت: ما الّذي جاء بك يا بن عباس؟ والله لا سمعت منك شيئاً، ارجع إلى صاحبك فقل له: ما بيننا وبينك إلاّ السيف، وصاح مَن حولها: ارجع يا بن عباس لا يسفك دمك.
فرجعت إلى أمير المؤمنين (عليه السلام) فأخبرته الخبر وقلت: ما تنتظر والله ما يعطيك القوم إلاّ السيف فاحمل إليهم قبل أن يحملوا عليك. فقال: (لنستظهر بالله عليهم)، قال ابن عباس: فوالله ما رمت من مكاني حتى طلع عليَّ نشّابهم كأنّه جراد منتشر، فقلت: ما ترى يا أمير المؤمنين إلى ما يصنع القوم، مرنا ندفعهم، فقال: (حتى أعذر إليهم ثانية)، ثمّ قال: (من يأخذ هذا المصحف فيدعوهم إليه وهو مقتول وأنا ضامن له على الله الجنة)، فلم يقم أحد إلاّ غلام عليه قباء أبيض حدث السنّ من عبد القيس، يقال له مسلم كأنّي أراه، فقال: أنا أعرضه يا أمير المؤمنين عليهم وقد احتسبت نفسي عند الله تعالى.
فأعرض عنه (عليه السلام) إشفاقاً عليه، ونادى ثانية: (من يأخذ هذا المصحف ويعرضه على القوم، وليعلم أنه مقتول وله الجنة)، فقام مسلم بعينه وقال: أنا أعرضه، ونادى ثالثة فلم يقم غير الفتى.
فدفع المصحف إليه وقال: امضِ إليهم واعرضه عليهم، وادعهم إلى ما فيه.

(1) أي مثبت بالسرج.
موسوعة عبدالله بن عباس- الحلقة الاولى - الجزء الثالث 140

فأقبل الغلام حتى وقف بأزاء الصفوف ونشر المصحف وقال: هذا كتاب الله (عزّ وجلّ) وأمير المؤمنين يدعوكم إلى ما فيه. فقالت عائشة: اشجروه بالرماح قبّحه الله، فتبادروا إليه بالرماح فطعنوه من كلّ جانب، وكانت أمه حاضرة فصاحت وطرحت نفسها عليه وجرّته من موضعه، ولحقها جماعة من عسكر أمير المؤمنين (عليه السلام) أعانوها على حمله، حتى طرحته بين يدي أمير المؤمنين (عليه السلام) وهي تبكي وتقول:
يا ربّ إنّ مسلماً دعاهم يتلو كتاب الله لا يخشاهم
يأمر بالمعروف من مولاهم فخضّبوا من دمه قناهم
وأمهم قائمة تراهم تأمرهم بالقتل لا تنهاهم(1)

ولم يبرح إذ جاء من الميمنة عبد الله بن عباس ومعه عبد الله بن بديل، يحملان ابناً لابن بديل - أو أخاً له - قد قتل بسهام القوم الطائشة، فقال ابن بديل: حتى متى يا أمير المؤمنين ندلي نحورنا للقوم يقتلونا رجلاً رجلاً، قد والله أعذرتَ إن كنت تريد الإعذار.
وعندها تهيأ للحرب ورفع يديه إلى السماء وقال: (اللّهمّ إليك شخصت الأبصار، وأفضت القلوب وأتقرب إليك بالأعمال، ربّنا افتح بيننا وبين قومنا بالحقّ وأنت خير الفاتحين)، وأعطى الراية ولده محمّد ابن الحنفية، ثمّ نادى: (أيّها الناس لا تقتلوا مدبراً، ولا تجهزوا على جريح، ولا تكشفوا عورة، ولا تهيجوا امرأة، ولا تمثلوا بقتيل)، فبينما يوصي أصحابه إذ أظلّتهم نبال القوم فقتل رجل من أصحابه فقال: اللّهمّ اشهد.

(1) قارن الطبري 4/511 ـ 512 ط دار المعارف، وشرح النهج لابن أبي الحديد 2/431، والفتوح لابن أعثم 2/313، وأنساب الأشراف (ترجمة الإمام) 2/240 ـ 241 تح ـ المحمودي.
موسوعة عبدالله بن عباس- الحلقة الاولى - الجزء الثالث 141

- قال المفيد: - ودعا بدرعه البتراء ولم يلبسها بعد النبيّ (صلّى الله عليه وآله وسلّم) إلاّ يومئذ، فكان بين كتفيه منها متوهّياً فجاء وفي يده شسع نعل، فقال له ابن عباس (رضي الله عنه): ما تريد بهذا الشسع يا أمير المؤمنين؟
فقال: (اربط بها ما قد توهى من هذه الدرع من خلفي).
فقال ابن عباس: أفي مثل هذا اليوم تلبس مثل هذا.
فقال (عليه السلام): (ولم؟) قال: أخاف عليك. قال (عليه السلام): (لا تخف أن أوتى من ورائي، والله يا بن عباس ما وليت في زحفٍ قط). ثمّ قال. (إلبَس يا بن عباس)، فلبس درعاً سعدية... اهـ»(1).
وكان ابن عباس يلبس في الحرب من القلانس ما يكون من السيجان(2).
وقد رأى الإمام ابن عمه وهو يمشي بين الصفين فقال: (أقرّ الله عين من له ابن عم مثل هذا)، وهذه كلمة تنبيء عن صورة انطباع معبّر ومؤثر في نفس الإمام لذلك المشهد الّذي رأى فيه ابن عمه، فابن عمه لم يكن يمشي بين الصفين تمشي نزهة، وإنّما كان مشي في ساحة حرب وقتال سوف تتطاير فيه رؤوس وتتقطع فيه الأيدي وهذه الكلمة رواها لنا شاهد عيان - وأي شاهد ذلك؟! - هو الإمام الحسين (عليه السلام) ونقلها عنه ولده الإمام عليّ بن الحسين، وعنه الزهري(3)،وما أكثر ما كان يمشي ابن عباس بين الصفين، في ذهابه وايابه إلى كلّ من طلحة والزبير وعائشة حين يبعثه الإمام عسى أن يفيئوا إلى الطاعة ولكن فيما يبدو أن جميع تلك المساعي لم تجد نفعاً، حتى تولى الإمام بنفسه بذل النصيحة في دعوته لحقن الدماء.

(1) كتاب الجمل /163 ط الحيدرية.
(2) المخصص لابن سيده 4/79، ولسان الميزان 3/127.
(3) أنظر البداية والنهاية لابن كثير 8/299.
موسوعة عبدالله بن عباس- الحلقة الاولى - الجزء الثالث 142

فقد روى الطبري في تاريخه: من حديث قتادة قال: فلمّا تراءى الجمعان خرج الزبير على فرس عليه سلاح، فقيل لعليّ هذا الزبير، قال: أما إنه احرى إن ذكّر بالله أن يذكره، وخرج طلحة، فخرج إليهما عليّ فدنا منهما حتى اختلفت أعناق دوابّهم، فقال عليّ: لعمري لقد أعددتما سلاحاً وخيلاً ورجالاً، إن كنتما أعددتما عند الله عذراً، فاتقيا الله سبحانه، ولا تكونا كالتي نقضت غزلها من بعد قوة أنكاثاً. ألم أكن أخاكما في دينكما؟ تحرّمان دمي وأحرّم دماءكما، فهل من حدثٍ أحلّ لكما دمي؟.
قال طلحة: ألّبت الناس على عثمان (رضي الله عنه).
قال عليّ: « يَوْمَئِذٍ يُوَفِّيهِمْ اللَّهُ دِينَهُمْ الْحَقَّ وَيَعْلَمُونَ أَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ الْمُبِينُ »(1) يا طلحة تطلب بدم عثمان! فلعن الله قتلة عثمان. يا زبير أتذكر يوم مررت برسول الله صلّى الله عليه (وآله) وسلّم في بني غنم، فنظر إليّ فضحك وضحكتُ إليه فقلتّ: لا يدع ابن أبى طالب زهوه، فقال لك رسول الله صلّى الله عليه (وآله) وسلّم: (صه(2) إنّه ليس به زهو، ولتقاتلنّه وأنتَ له ظالم)؟ فقال: اللّهمّ نعم، ولو ذكرت ما سرتُ مسيري هذا، والله لا أقاتلك أبداً.
فانصرف عليّ إلى أصحابه فقال: أمّا الزبير فقد أعطى الله عهداً ألاّ يقاتلكم.
ورجع الزبير إلى عائشة فقال لها: ما كنتُ في موطن منذ عقلت إلاّ وأنا أعرف فيه أمري غير موطني هذا فقالت: فما تريد أن تصنع؟ قال: أريد أن أدعهم وأذهب. فقال له ابنه عبد الله: جمعتَ بين هذين الغارين(3) حتى إذا حددّ بعضهم لبعض أردت أن تتركهم وتذهب! أحسست رايات ابن أبي طالب، وعلمتَ أنّها

(1) النور /25.
(2) اسم فعل بمعنى: أسكت وهو بلفظ واحد للجميع في المذكر والمؤنث.
(3) الغاران هنا بمعنى: الجيشان.
موسوعة عبدالله بن عباس- الحلقة الاولى - الجزء الثالث 143

تحملها فتية أنجاد. قال: إني قد حلفت ألاّ أقاتله، وأحفظه ما قال له، فقال: كفّرَ عن يمينك وقاتله، فدعا بغلام له يقال له مكحول فأعتقه، فقال عبد الرحمن بن سليمان التميمي:
لم أر كاليوم أخا إخوان أعجَبُ من مكفّر الأيمان
بالعتق في معصية الرحمن

وقال رجل من شعرائهم:
يعتق مكحولاً لصون دينه كفـارة لله عن يمينه
والنـكـث قد لاح علـى جـبـيـنه(1)

ويبدو من حديث البلاذري في أنساب الأشراف(2) أن العتق لم يكن لذلك بل لأنّه عزم أن يلحق بمعاوية فقد روى بسنده عن يحيى بن سعيد قال: كتب معاوية إلى الزبير: أن أقبل إليّ أبايعك ومن يحضرني، فكتم الزبير ذلك عن طلحة وعائشة، ثمّ بلغها فكبر ذلك عليها، وأخبرت عائشة به ابن الزبير، فقال لأبيه: أتريد أن تلحق بمعاوية؟ فقال: نعم ولم لا أفعل وابن الحضرمية ينازعني في الأمر! ثمّ بدا له في ذلك. وأحسبه كان حلف ليفعلنّ فدعا غلاماً له فأعتقه وعاد إلى الحرب.
ومهما كان السبب فهو قد أوقد الحرب ثمّ ولّى عنها راجعاً حتى لحقه ابن جرموز بوادي السباع فقتله، كما سيأتي حديث مقتله(3).

(1) تاريخ الطبري 4/501.
(2) في أنساب الأشراف (ترجمة الإمام) 2/257 ـ 258 تح ـ المحمودي.
(3) رحم الله أبا سعيد بن عقيل بن أبي طالب فقد قال لابن الزبير في كلام جرى بينهما في مجلس معاوية: دع عنك عليّاً والزبير، إنّ عليّاً دعا إلى أمر فاتبع وكان فيه رأساً، ودعا الزبير إلى أمر كان فيه الرأس امرأة، فلمّا تراءت الفئتان والتقى الجمعان نكص الزبير على عقبيه، وأدبر منهزماً قبل أن يظهر الحقُ فيأخذه أو يدحض الباطلُ فيتركه، فأدركه رجل لو قيس ببعض أعضائه لكان أصغر، فضرب عنقه وأخذ سلبه وجاء برأسه. ومضى عليّ قُدماً كعادته مع ابن عمه ونبيّه صلّى الله عليه (وآله) وسلّم، فرحم الله عليّاً ولا رحم الزبير.
فقال ابن الزبير: أمّا والله لو أن غيرك تكلّم بهذا يا أبا سعيد لعلم، قال: إنّ الّذي تعرّض به يرغب عنك. وأخبرت عائشة بمقالتهما، فمرّ أبو سعيد بفنائها فنادته: يا أحول يا خبيث أنت القائل لابن أختي كذا وكذا؟ فالتفت أبو سعيد فلم ير شيئاً فقال: ان الشيطان ليراك من حيث لا تراه، فضحكت عائشة وقالت: لله أبوك ما أخبث (ما أذلق) لسانك.
شرح النهج لابن أبي الحديد 3/7، عقد الفريد 4/14 ط لجنة التأليف والترجمة والنشر تح ـ أحمد أمين، أحمد الزين، إبراهيم الأبياري.
موسوعة عبدالله بن عباس- الحلقة الاولى - الجزء الثالث 144

وقامت الحرب على ساق:

ليس اعتباطاً اخترت هذا العنوان، فقد قال أبو مخنف: «أمر عليّ (عليه السلام) ولده محمّداً أن يحمل الراية، فحمل وحمل معه الناس، واستحر القتل بين الفريقين، وقامت الحرب على ساق»(1).
وقد كانت العرب تقول ذلك كناية عن منتهى الشدّة، وبذلك فسّر ابن عباس ترجمان القـرآن قوله تعالى: « يَوْمَ يُكْشَفُ عَنْ سَاقٍ »(2) كمـا في أجوبة نافع ابن الأزرق وقد سأله عن ذلك فقال: شدّة الآخرة، واستشهد له بقول الشاعر:
إصبر عناق إنه شرّ باق قد سنّ لي قومك ضرب الأعناق
وقامت الحرب بنا على ساق

كما فسر له أيضاً قوله تعالى: « وَالْتَفَّتْ السَّاقُ بِالسَّاقِ »(3) فقال: الشدّة بالشدّة وأنشده شاهداً قول الشاعر:

(1) شرح النهج لابن أبي الحديد 2/431 ط مصر الأولى.
(2) القلم /42.
(3) القيامة /29.
موسوعة عبدالله بن عباس- الحلقة الاولى - الجزء الثالث 145

أخو الحرب إن عضّت به الحرب عضّها وإن شمّرت عن ساقها الحرب شمّرا(1)

إذن فليس اعتباطاً اخترت لك هذا العنوان ما دامت الشدّة في حرب الجمل قد بلغت أقصاها بشهادة المتحاربين.
فلنقرأ بعض الشهادات من الفريقين:
1- قال محمّد بن الحنفية: دفع إلي أبي الراية يوم الجمل وقال: تقدّم، فتقدمت حتى لم أجد متقدّماً إلاّ على رمح، قال: تقدّم لا أم لك فتكأكأتُ وقلت: لا أجد متقدماً إلاّ على سنان رمح، فتناول الراية من يدي متناوِل لا أدري مَن هو؟ فنظرت فإذا أبي بين يدي وهو يقول:
أنتِ الّتي غرّك مني الحسنى يا عيشَ إنّ القوم قوم أعدا
الخفض خير من قتال الأبنا(2)

2- وقال عبد خير في حديث له عن حرب الجمل: فمشى بعضنا إلى بعض، وشجرنا بالرماح حتى لو شاء الرجل أن يمشي عليها مشى، ثمّ أخذتنا السيوف فما شبهتها إلاّ دار الوليد(3).
3- وقال عبد الله بن سنان الكاهلي: لمّا كان يوم الجمل ترامينا بالنبل حتى فنيت، وتطاعنّا بالرماح حتى تشبكّت في صدورنا وصدورهم، حتى لو سيّرت

(1) روى البلاذري في أنسابه /51 ط بولس آبل سنة 1884 عن أبي مخنف: ان ابن الزبير كان يقاتل لما أتاه الحجاج يقاتله في المسجد الحرام:
قد قامت بنا الحرب على ساق قبلك سنّ الناس ضرب الأعناق
صبـراً عِفـاق إنه شرٌ باق
(2) تاريخ الطبري 4/514 ـ 515 ط دار المعارف.
(3) المصنف لابن أبي شيبة 15/277 ط باكستان.
موسوعة عبدالله بن عباس- الحلقة الاولى - الجزء الثالث 146

عَليها الخيل لسارت. ثمّ قال عليّ: السيوف يا أبناء المهاجرين، قال الشيخ: فما دخلت دار الوليد إلاّ ذكرت ذلك اليوم(1).
4- وقال أبو بشير: كنت مع مولاي زمن الجمل، فما مررت بدار الوليد قط فسمعت أصوات القصّارين يضربون إلاّ ذكرت قتالهم(2).
5- وقال عيسى بن حطّان: حاص الناس حيصة(3)، ثمّ رجعنا وعائشة على جمل أحمر في هودج أحمر ما شبهته إلاّ بالقنفذ من النبل(4).
6- قال حريث بن فحش: ما شهدت يوماً أشد من يوم ابن عليس إلاّ يوم الجمل(5).
وهلمّ فاقرأ ما رواه ابن عبد ربّه الأندلسي(6) عن غندر قال حدثنا شعبة عن عمرو بن مرة قال: سمعت عبد الله بن سلمة - وكان مع عليّ بن أبي طالب - والحارث بن سويد - وكان مع طلحة والزبير - وتذاكرا وقعة الجمل، فقال الحارث بن سويد: والله ما رأيت مثل يوم الجمل، لقد أشرعوا رماحهم في صدورنا، وأشرعنا رماحنا في صدورهم، ولو شاءت الرجال أن تمشي عليها لمشت، يقول هؤلاء: لا إله إلاّ الله والله أكبر، ويقول هؤلاء: لا إله إلاّ الله والله أكبر، فوالله لوددت أنّي لم أشهد ذلك اليوم، وأنّي أعمى مقطوع اليدين والرجلين. وهذا أخرجه ابن أبي شيبة(7).

(1) تاريخ الطبري /532.
(2) نفس المصدر.
(3) جالوا جولة يطلبون الفرار (لسان العرب حاص).
(4) تاريخ الطبري 4/532.
(5) المصنف لابن أبي شيبة 15/277 ط باكستان.
(6) في العقد الفريد 4/327 تح ـ أحمد أمين ورفيقيه.
(7) في مصنفه ـ كتاب الجمل ـ 15/258.
موسوعة عبدالله بن عباس- الحلقة الاولى - الجزء الثالث 147

وقال عبد الله بن سلمة: والله ما يُسرّني أنّي غبتُ عن ذلك اليوم ولا عن مشهد شهده عليّ بن أبي طالب بحُمر النَعم.
ولم يكن الرجال أبلغ من النساء اللائي حضرن يوم الجمل في التصوير إن لم يكنّ أشجى في التعبير، فقد روى المسعودي فقال: خرجت امرأة من عبد القيس تطوف القتلى، فوجدت ابنين لها قد قتلا، وقد كان قتل زوجها وأخوان لها فيمن قتل قبل مجيء عليّ البصرة، فأنشأت تقول:
شهدت الحروب فشيّبني فلم أرَ يوماً كيوم الجمل
أضرّ على مؤمن فتنة وأقتله لشجاع بطل
فليت الظغينة في بيتها وليتك عسكر لم ترتحل(1)

وثمة امرأة ثكلى من المعسكر الآخر فقدت أبناءها أربعة أو خمسة وهم كعب بن سور الأزدي القاضي وأخوته فقتلوا جميعاً يوم الجمل، فجاءت أمهم حتى وقفت عليهم فقالت:
يا عينُ جودي بدمع سَرِب على فتية من خيار العرب
وما لهمُ غير حَين النفو س أيُّ أميري قريش غلب(2)

وحسبنا حديث المدائني وقد رواه البلاذري(3) وغيره، قال: «المدائني عن أبي خيران الحِمّاني عن عوف الأعرابي عن أبي رجاء العطاردي قال: رأيت

(1) مروج الذهب 2/369 ط بيروت، وقارن العقد الفريد 4/325 ونسب الأبيات لرجل شهد الجمل، وفي أنساب البلاذري (ترجمة الإمام) 2/370 نسبها لشاعر ثمّ قال: ويقال هو عثمان بن حنيف.
(2) الكامل للمبرد 4/22 تح ـ محمّد أبو الفضل إبراهيم.
(3) في أنسابه (ترجمة الإمام) 2/266 تح ـ المحمودي.
موسوعة عبدالله بن عباس- الحلقة الاولى - الجزء الثالث 148

رجلاً(1) مصطلم الأذن فقلت له: أخلقة أم حادث؟ قال: بل حادث، بينا أنا يوم الجمل أجول في القتلى إذ مررت برجل فيهم صريع يخفض رأسه ويرفعه، وهو يفحص برجليه ويقول:
لقد أوردتنا حومة الموت أمّنا فما صدرت إلاّ ونحن رواء
أطعنا قريشاً ضلة من حلومنا ونصرتنا أهل الحجاز عناء
لقد كان عن نصر ابن ضبّة أمّه وشيّعتها مندوحة ومباء
أطعنا بني تيم بن مرة شقوةً وما تيم إلاّ أعبد وإماء

فقلت: سبحان الله أتقول هذا عند الموت، قل: لا إله إلاّ الله، فقال: يا بن اللخناء إياي تأمر بالجزع عند الموت؟ قال: فولّيت عنه متعجباً منه، فصاح بي أدن مني لقنّي الشهادة، فصرت إليه، فلمّا قربت منه استدناني وقال: ادن مني ولقنّي فإنّ في أذني وَقراً، فدنوت منه فقال لي من أنت؟ قلت: رجل من أهل الكوفة، فوثب عليّ فاصطلم أذني كما ترى، فجعلت ألعنه وأدعو عليه، فقال: إذا صرت إلى أمك فأخبرها أن عُمير بن الأهلب الضبي فعل بك هذا، مخدوع المرأة الّتي أرادت أن تكون أمير المؤمنين»(2).
قال ابن أعثم: «وانقلب الهمداني بغير اذن، ثمّ أن كرّ عليه بسيفه حتى قطعه إرباً إربا.

(1) سمّاه ابن اعثم في الفتوح 2/335 بـ (مسعود بن عمرو الهمداني).
(2) مروج الذهب 2/379 تح ـ محمّد محي الدين عبد الحميد، وقارن الطبري 4/523 ـ 524 ط دار المعارف، وابن الأثير 3/108 ط بولاق، ومروج الذهب 2/370 ط بيروت وسمط النجوم العوالي وتاريخ ابن عساكر في ترجمة سعيد بن شمر وفي تهذيبه 6/130، والفتوح لابن أعثم 2/335 وغيرها.

السابق السابق الفهرس التالي التالي