قرة العيون في المعارف والحكم466

الأحديّة ولم يبق لأنوار الكواكب عنده ظهور فهي مطموسة الأنوار مطوية السماوات بيمين الحق «يوم نطوي السماء كطيّ السجل للكتب كما بدأنا أول خلق نعيده»(1) فالتحق كل فرع إلى أصله وكل مستفيض مع مفيضه وكل مستنير مع المنير وجمع الشمس والقمر واتحدت النفوس بالارواح وزالت المبانية بين الارواح والاشباح ورجعت السماوات والارض إلى ما كانتا عليه قبل انفتاقهما من الرتق فعادتا إلى مقام الجمعية المعنوية من هذه التفرقة الطبيعية .
وكذا العناصر كلها تنقلب نارا واحدة غير هذه النار الاسطقسيّة وتصير الهيولى كلها بحرا مسجورا ويتصل البر بالبحر ويتحد الفوق والتحت وانشقت السماء وانتشرت النجوم وتزول الابعاد والاحجام ويرتفع الحواجز والحوايل ويتحد ذو النور مع النور والفعل بالفاعل فلم يبق من القوى والحواس تأثر ولا للمحسوس بما هو محسوس عين ولا أثر .
«لا يرون فيها شمسا ولا زمهريرا»(2) «وحملت الأرض والجبال فدكتا دكة واحدة»(3) وتشاهد الجبال كالعهن المنفوش لضعف وجودها ، ثم تنسف نسفا «فيذرها قاعا صفصفا لا ترى فيها عوجا ولا أمتا»(4) (5) وتبدّل الأرض غير الارض فتمد مدّ الاديم وتبسط على قدر تسع الخلايق كلها وبرزوا لله الواحد القهار والمتخلصون عند ذلك عن البرازخ يتوجهون إلى الحضرة الربوبية «فاذا هم من الاجداث إلى ربهم ينسلون»(6) فعدمت عند ذلك الآجال وزالت السنون والساعات ، ولا يبقى إلا الواحد القهار الذي إليه مصير جميع الامور بلا وقت ولا زمان ولا حيّز ولا مكان .
فلا قبل يومئذ ولا بعد ولا هنا ولا هنالك ولا ستر ولا حجاب لان ذلك من لوازم الزمان المقتضي للتغير والمكان الموجب للتكثر فاذا ارتفعا ارتفع الحجاب وجمع الخلايق دفعة واحدة كلمح البصر أو هو اقرب في أوسع مكان ذلك يوم مجموع له الناس وذلك يوم مشهود ، مع أنه يوم الفصل لامتياز الحق من الباطل فيه بخلاف الدنيا لتشابههما فيها يوم تقوم الساعة يومئذ يتفرقون ، ليميز الله الخبيث من الطيب ، وهذا الفصل يقتضي ذلك الجمع ، هذا يوم الفصل جمعناكم والاولين .

(1) سورة الانبياء : الآية 104 .
(2) سورة الانسان : الآية 13 .
(3) سورة الحاقة : الآية 14 .
(4) سورة طه : الآية 106 ـ 107 .
(5) قال الطبرسي (قد) في تفسر آية : « ويسألونك عن الجبال فقل ينسفها ربي نسفا » «الخ» أي ويسألك منكر والبعث عند ذكر القيامة «عن الجبال» ما حالها «فقل» يا محمد «ينسفها ربي نسفا» أي يجعلها بمنزلة الرمل ثم يرسل عليها الرياح فيذريها كتذرية الطعام من القشور والتراب فلا يبقى على وجه الارض منها شيء «فيذرها» أي فيدع أماكنها من الارض اذا نسفها «قاعا» أي أرضا ملساء «صفصفا» أي أرضا مستوية ليس للجبل فيها أثر «لا ترى فيها عوجا ولا أمتا» أي ليس فيها منخفض ولا مرتفع ، قال الحسن : العوج ما انخفض من الأرض والامت ما ارتفع من الروابي وقيل : لا ترى فيها واديا ولا رابية .
(6) سورة يس : الآية 51 .
قرة العيون في المعارف والحكم467

ومن اطلق الله حقيقته عن قيد الزمان والمكان يعرف أن مجموع الزمان ما يطابقه كساعة واحدة هي شأن واحد من شؤون الله مشتمل على شؤون التجليات الواقعة كل يوم وساعة إذ كل يوم هو في شأن ، ولا يشغله شأن عن شأن مع أنه من جهة المخلوقات واختلاف قوابلها واستعداداتها مقداره خمسون ألف سنة .
وكذا مجموع الامكنة الواقعة في كل وقت وآن كنقطة يشتمل على الجميع فكما اتصلت الانات في نظر شهوده واتصلت الامكنة التي في كل آن فعلى هذا القياس اتصلت الأرض الموجودة له الآن مع الأراضي الموجودة في الازال والاباد وهكذا تصير الاراضي كلها ارضا واحدة فيها الخلايق كلها ووضع الكتاب وجيء بالنبيين والشهداء وقضي بينهم بالحق ويثابون ويعاقبون .
والذين اتخذت آخرتهم بدنياهم في دار الدنيا كما أخبر عنه أمير المؤمنين (ع) بقوله : (لو كشف الغطاء ما ازددت يقينا)(1) فثوابهم عين عملهم أعبد الله لا لرغبة ولا لرهبة بل لأنه أهل لأن يعبد وإني أهل لأن أعبد فلا انتظار لهم للقيامة والبعث والثواب ، بل هم عين القيامة والبعث والثواب ههنا ، (بعثت أنا والساعة كهاتين)(2) ، وجمع بين سبّابتيه بل هم في الجنة من حيث المحل وإن لم يكونوا فيها من حيث الصورة عالمين بها وذلك لقيامهم بذواتهم الفانية عن أنفسهم الباقية بالحق تعالى شأنه .
مثنوى
زاده ثانيسـت أحمـد در جهـان‌‏‎ صـد قيامـت بـود او انـدر عيـان
‍‍‌‏‎زو قيامت را همى پرسيـده انـد كـى قيامـت تـا قيامـت راه چـنـد
‍‍‌‏‎با زبـان حـال ميگفتـى بسـى كه زمحشر حشـر رال پرسيـد كسـى
‍‍‌‏‎بهر آن گفت آن رسول خوش پيام رمـز موتـوا قبـل مـوت يـا كـرام
‍‍‌‏‎همچنانكه مرده ام من قبل مـوت زان طرف آورده ام اين صيت وصوت
پس قيامت شو قيامـت را ببيـن ديدن هـر چيـز را شـرطسـت ايـن

وأما أهل الحجاب والارتياب فلا يمكنهم الجمع بين المعرفة بطي السماوات وما يتبعها من الازمنة والحركات يوم القيامة وبين المعرفة بنشرها ههنا والعجب أنهم كما لم يؤمنوا بذلك الطي في هذه الدنيا لاشتغالهم بأحوال الدنيا فكذلك إذا بعثوا في الآخرة أنكروا زمان مكثهم في الدنيا ونشر الحركات فيها لاشتغالهم بأهوال القيامة كما قال الله عز وجل : «ويوم تقوم الساعة

(1) غرر الحكم : ص 391 ح 7650 (ط . الوفاء) .
(2) صحيح مسلم : ج 4 ص 2269 ح 135 ونوادر الراوندي : ص 36 ح 3 ث . البلاغ . (ط . البلاغ) .
قرة العيون في المعارف والحكم468

يقسم المجرمون ما لبثوا غير ساعة كذلك كانوا يؤفكون ، وقال الذين اوتوا العلم والايمان لقد لبثتم في كتاب الله إلى يوم البعث فهذا يوم البعث ولكنكم كنتم لا تعلمون»(1) .
ومما ينبّه على بعض ما ذكر ما في تفسير علي بن إبراهيم (عن أبي الحسن الرضا (ع) قال : إن الشمس والقمر آيتان من آيات الله تجريان بامره مطيعان له ضوؤهما من نور عرشه وحرّهما من جهنم وإذا كانت القيامة عاد الى العرش نورهما وعاد إلى النار حرّهما فلا يكون شمس ولا قمر)(2) .
كلمة
فيها اشارة الى ميراث الدرجات والدركات وتبديل السيئات والحسنات

قال بعض أهل المعرفة : إن درجات الجنة على عدد دركات النار فما من درج في الجنة إلا يقابله درك من النار ، وذلك ان الانسان لا يخلو إلا أن يعمل بأمر أو لا يعمل ، فان عمل كان له في الجنة درجة معينة لذلك العمل الخاص وفي موازنة هذه الدرجة المخصوصة لهذا العمل الخاص إذا تركه الانسان درك في النار لو سقطت حصاة من تلك الدرجة لوقعت على خط استواء على ذلك الدرك ، فاذا سقط الانسان من العمل بما امر فلم يعمل كان ذلك الترك لذلك العمل عين سقوطه إلى ذلك الدرك .
قال الله تعالى : «فاطلع فرآه في سواء الجحيم»(1) فان الاطلاع على الشيء إنما يكون من أعلى إلى أسفل والسواء حد الموازنة على الاعتدال فما رآه إلا في ذلك الدرك الذي في موازنة درجته ، فان العمل الذي نال به هذا الرجل تلك الدرجة تركه هذا الرجل الآخر الذي كان قرينه في الدنيا بعينه ، فانظر هذا العدل الالهي ما أحسنه .
ولما كان الموحّد منعه التوحيد أن يكون من أهل النار ، والمشرك قطع به الشرك من دار الكرامة ، فان الجنة خير لا شر فيها ، فجميع جزاء علم المشرك وعمله وقوله الذي لو كان موحّدا جوزي عليه في الجنة بحسبه يعطي للموحّد الجاهل بذلك العلم المفرط في ذلك العمل التارك لذلك القول .
وجميع جزاء جهل الموحّد وتفريطه وتركه لذلك القول الذي لو كان مشركا لحصل له في النار يعطي لذلك المشرك الذي لا حظ له في الجنة .

(1) سورة الروم : الآية 55 ـ 56 .
(2) تفسر القمي : ج 2 ص 343 .
(3) سورة الصافات : الآية 55 .
قرة العيون في المعارف والحكم469

فاذا رأى المشرك ما كان يستحقه لو كان سعيدا يقول : يا رب هذا لي وهو جزاء عملي فيقول الله تعالى قد جازيتك على ذلك كله بما أنعمت به عليك من كذا وكذا فيقرر عليه جميع ما أنعمه عليه في الدنيا جزاء لمكارم أخلاقه والقول بها والتحريص عليها والعلم بمواقعها دون نعمه الممتنة عليه في خلقه المبتدأة التي ليست بجزاء فيزنها المشرك هنالك بما كشف الله له من علم الموازنة فيقول : صدقت فيقول الله تعالى له فما نقضت لك من جزائك شيئا والشرك قطع بك من دخول دار الكرامة فتزل «فتنزل خ» فيها على موازنة هذه الأعمال ولكن انزل من النار على دركات من نزل على درجات تلك الأعمال فان صاحبها منعه التوحيد أن يكون من أهل هذه الدار فهذا هو من الميراث الذي بين أهل الجنة والنار .
أقول : أشار بالميراث الذي بين الفريقين إلى ما ورد في الآيات والأخبار فقد روي عن النبي (ص) (في قوله سبحانه : «اولئك هم الوارثون الذين يرثون الفردوس(1)»(2) قال : ما منكم إلا وله منزلان منزل في الجنة ومنزل في النار فان مات ودخل النار ورث أهل الجنة منزله)(3) .
إن قيل : كيف يعطى المشرك جزاء معصية الموحّد ويعطى الموحّد جزاء طاعة المشرك ؟ وكيف هذا يليق بالعدل ؟
قلنا : ذلك لأن المشرك بحسب مقتضى طينته الخبيثة إنما يحن وينزع إلى المعاصي بطبعه وسجيّته وضميره معقود على فعلها دائما إن تيسّر له لأنه من أهلها كما قال الله تعالى فيهم : ولو ردّوا لعادوا لما نهوا عنه ، والاعمال الحسنة غريبة منه ليس صدورها من طينته الأصلية .
وهذا بخلاف المؤمن فانه بحسب مقتضى طينته الطيبة إنما يرتكب القبيح بكره من عقله ووجل من قلبه وخوف من ربه لأن صدوره منه غريب من سجيته وطبعه الاصلي إذ ليس هو من أهله ولهذا لا يعاقب عليه بل يثاب بما لم يفعل من الخيرات لحنينه إليها وحرصه عليها وعقد ضميره على فعلها دائما إن تيسّر له فان الأعمال بالنيات وإنما لكل امرء ما نوى وإنما ينوي كلما

(1) الفردوس اسم من أسماء الجنة ؛ وقيل هو اسم لرياض الجنة ، وقيل هو جنة مخصوصة ، وقال الجبائي معنى الوراثة هنا ان الجنة ونعيمها يؤول اليهم من غير اكتساب كما يؤول المال الى الوارث من غير اكتساب . مجمع البيان «اقول» وأورد «ره» قبل هذا بقليل ما رواه المصنف (قد) في المتن عن النبي (ص) .
(2) سورة المؤمنون : الآية 10 ـ 11 .
(3) سنده ابن ماجة : ج 2 ص 1453 ح 4341 .
قرة العيون في المعارف والحكم470

يناسب طينته الأصلية ويقتضيه جبلّته التي خلق عليها قال الله تعالى : «قل كل يعمل على شاكلته فربكم أعلم بمن هو اهدى سبيلا»(1) .
وفي الحديث المعصومي (إنما يجمع الناس الرضا والسخط)(2) فمن رضي شيئا فكأنما أتى به وإن لم يفعله ، ومن سخط شيئا فكأنما لم يأت به وإن فعله ، وكما يجازى المشرك بحسناته في الدنيا بالنعم الدنيوية كذلك الموحّد يجازى بسيّئاته في الدنيا بما يصيبه من الآلام فيها ، ثم بتشديد الموت عليه ، ثم بعذاب البرزخ إن بقي من الجزاء بقية حتى يلقى الله طاهرا مطهّرا كما ورد في الآيات والاخبار .
حافظ
هست اميدم كه على رغم عـدو روز جزاء

فيض عفـوش ننهـد بـار گنه بـر دوشـم


ويدل على ما ذكرناه كله ما رويناه عن أبي اسحاق الليثي عن الباقر (ع) في حديث طويل أخذنا منه موضع الحاجة قال «اعلم خ» : (ان الله عز وجل خلق أرضا طيبة طاهرة وفجّر فيها ماء عذبا زلالا فراتا سائغا ، فعرض عليها ولايتنا أهل البيت فقبلها فاجرى عليها ذلك الماء سبعة ايام ثم نضب(3) عنها ذلك الماء بعد السابع فأخذ من صفوة ذلك الطين طينا فجعله طين الائمة (ع) ، ثم أخذ جل جلاله ثقل ذلك الطين فخلق منه شيعتنا ومحبّونا من فضل طينتنا ، فلو ترك طينتكم يا إبراهيم كما ترك طينتنا لكنتم أنتم ونحن وسواء .
قلت : يابن رسول الله ما صنع بطينتنا ؟ قال : مزج طينتكم ولم يمزج طينتنا .
قلت : يابن رسول الله وبما مزج طينتنا ؟ قال (ع) : خلق الله عز وجل أيضا أرضا سبخة خبيثة منتنة وفجر فيها ماء اجاجا مالحا آسنا(4) ثم عرض عليها جلت عظمته ولاية أمير المؤمنين صلوات الله عليه فلم يقبلها ، وأجرى ذلك الماء عليها سبعة أيام ثم نضب ذلك الماء عنها ثم أخذ من كدورة ذلك الطين المنتن الخبيث وخلق منه أئمة الكفر والطغاة والفجرة ، ثم عمد إلى بقية ذلك الطين فمزجه بطينتكم ولو ترك طينتهم على حاله ولم يمزج بطينتكم ما عملوا أبدا عملا صالحا ولا أدوا أمانة إلى أحد ولا شهدوا الشهادتين ولا صاموا ولا صلوا ولا زكوا ولا حجّوا ولا شبهوكم في الصورة أيضا .

(1) سورة الاسراء : الآية 84 .
(2) نهج البلاغة : ص 319 خطبة 201 .
(3) اي نزح ماؤها ونشف .
(4) يقال : اسن الماء يأسن اذا تغير ريحه تغيرا منكرا . المفردات .
قرة العيون في المعارف والحكم471

يا ابراهيم ليس شيء أعظم على المؤمن أن يرى صورة حسنة في عدو من أعداء الله عز وجل ، والمؤمن لا يعلم أن تلك الصورة من طين المؤمن ومزاجه .
يا إبراهيم ثم مزج الطينتان بالماء الاول والماء الثاني فما تراه من شيعتنا ومحبّينا من ربا وزنا ولواطة وخيانة وشرب خمر وترك صلاة وصيام وزكاة وحج وجهاد فهي كلها من عدوّنا الناصب وسنخه ومزاجه الذي مزج بطينته ، وما رأيته من هذا العدو الناصب من الزهد والعبادة والمواظبة على الصلاة وأداء الزكاة والصوم والحج والجهاد وأعمال البر والخير فذلك كله من طين المؤمن وسنخه ومزاجه ، فاذا عرض أعمال المؤمن وأعمال الناصب على الله يقول الله عز وجل أنا عدل لا أجور ومنصف لا أظلم ، وعزتي وجلالي وارتفاع مكاني ما اظلم مؤمنا بذنب مرتكب من سنخ الناصب وطينته ومزاجه ، هذه الأعمال الصالحة كلها من طين المؤمن ومزاجه والأعمال الرديّة التي كانت من المؤمن من طين العدو الناصب ويلزم الله تعالى كل واحد منهم ما هو من أصله وجوهره وطينته ، وهو أعلم بعباده من الخلايق كلهم أفترى ههنا يا إبراهيم ظلما وجورا وعدوانا ثم قرأ (ع) : «معاذ الله أن نأخذ إلا من وجدنا متاعنا عنده إنا إذا لظالمون»(1) .
يا إبراهيم إن الشمس إذا طلعت وبدا شعاعها في البلدان كلها أهو باين من القرصة أم هو متصل بها شعاعها يبلغ في الدنيا في المشرق والمغرب حتى إذا غابت يعود الشعاع ويرجع إليها أليس ذلك كذلك ؟ قلت : بلى يابن رسول الله ، قال : فكذلك كل يرجع إلى اصله وجوهره وعنصره .
فإذا كان يوم القيامة ينزع الله تعالى من العدو الناصب سنخ المؤمن ومزاجه وطينته وجوهره وعنصره مع جميع أعماله الصالحة ويردّه إلى المؤمن ، وينزع الله تعالى من المؤمن من سنخ الناصب ومزاجه وطينته وعنصره مع جميع أعماله السيئة الردية ويردّه إلى الناصب عدلا منه جل جلاله وتقدست أسماؤه ويقول للناصب لا ظلم عليك هذه الأعمال الخبيثة من طينتك ومزاجك وأنت اولى بها ، وهذه الأعمال الصالحة من طين المؤمن ومزاجه وهو اولى بها اليوم تجزى كل نفس بما كسبت لا ظلم اليوم ان الله سريع الحساب أفترى ههنا ظلما وجورا ؟ قلت : لا يابن رسول الله بل أرى حكمة بالغة فاضلة وعدلا بيّنا واضحا .
ثم قال (ع) : أزيدك بيانا في هذا المعنى من القرآن ؟ قلت : بلى يابن رسول الله ، قال (ع) : أليس الله عز وجل يقول : «الخبيثات للخبيثين والخبيثون للخبيثات والطيبات للطيبين

(1) سورة يوسف : الآية 79 .
قرة العيون في المعارف والحكم472

والطيبون للطيبات اولئك مبرؤن ممّا يقولون لهم مغفرة ورزق كريم»(1) وقال عز وجل : «والذين كفروا إلى جهنم يحشرون ليميز الله الخبيث من الطيب ويجعل الخبيث بعضه على بعض فيركمه جميعا فيجعله في جهنم اولئك هم الخاسرون»(2) قلت : سبحان الله العظيم ما أوضح ذلك لمن فهمه وما أعمى قلوب هذا الخلق المنكوس عن معرفته .
ثم قال (ع) بعد كلام من هذا القبيل : يا إبراهيم أزيدك في هذا المعنى من القرآن ؟ قلت بلى يابن رسول الله قال (ع) : قال الله تعالى : «يبدل الله سيئاتهم حسنات وكان الله غفورا رحيما»(3) يبدل الله سيئات شيعتنا حسنات وحسنات أعدائنا سيئات يفعل الله يشاء ويحكم ما يريد لا معقب لحكمه ولا راد لقضائه لا يُسأل عمّا يفعل وهم يسألوني ، هذا يا ابراهيم من باطن علم الله المكنون ومن سرّه المخزون)(4) .
وفي تفسير أبي محمد العسكري عن الصادق (ع) في حديث طويل (إن المؤمن يوقف بازائه ما بين مأة وأكثر من ذلك إلى مأة ألف من النصاب فيقال له : هؤلاء فداؤك من النار فيدخل هؤلاء المؤمنون إلى الجنة واولئك النصاب إلى النار)(5) .

كلمة
فيها اشارة الى الجنة والنار

الجنة جنتان جنة روحانية للمقرّبين ، وهي إنما تنشأ من العلوم الحقّة والمعارف اليقينية

(1) سورة النور : الآية 26 .
(2) سورة الانفال : الآية 36 ـ 37 .
(3) سورة الفرقان : الآية 70 .
(4) هذا الحديث بطوله نقله العلامة المجلسي أعلا الله مقامه في الجزء الثالث من البحار في باب الطينة والميثاق عن كتاب علل الشرايع وقال في آخره : ثم اعلم ان هذا الخبر وامثاله مما يصعب على القلوب فهمه وعلى العقول ادراكه ويمكن أن يكون كناية عما علم الله تعالى وقدره من اختلاط المؤمن والكافر واستيلاء أئمة الجور واتباعهم على أئمة الحق وأتباعهم ، وعلم ان المؤمنين انما يرتكبون الآثام لاستيلاء أهل الباطل عليهم وعدم تولي أئمة الحق بسياستهم فيعذرهم بذلك ويعفو عنهم ويعذب أئمة الجور وأتباعهم بتسبيبهم لجرائم من خالطهم مع ما يستحقون من جرائم أنفسهم .
«اقول» وكم من اختلاف في ألفاظ الحديث بين ما نقله المصنف (قد) هنا وما نقله المجلسي (ره) في البحار وقال المصنف في الوافي في باب طينة المؤمن والكافر : وقد اطلعت على حديث مبسوط في الطينات وبدء الخلايق جامع لاكثر مقاصدهما تأبى نفسي الا ايراده في هذا المقام لتضمنه فوايد جمة ولا يضاحه لمهمات هذا الباب ، ثم يورد الحديث بطوله ويقول في آخره : وهذا الحديث رواه الصدوق طيب الله ثراه أيضا في علل الشرايع على اختلاف ألفاظه ، فعلم من ذلك أن مصدر المصنف غير مصدرالبحار والاختلاف نشأ من هذا وفي تفسير نور الثقلين : ج 4 ص 38 .
(5) عن تفسير الامام العسكري (ع) كما عن البحار : ج 8 ص 44 ح 45 .
قرة العيون في المعارف والحكم473

الحاصلة للانسان ههنا ، فان المعرفة في هذه الدنيا بذر المشاهدة في الآخرة واللذة الكاملة موقوفة على المشاهدة فان الوجود لذيذ وكماله ألذ فالمعارف التي هي مقتضى طباع القوة العاقلة من العلم بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر إذا صارت مشاهدة للنفس كانت لها لذة لا يدرك الوصف كنهها ، ولذا ورد في الحديث (لا عيش إلا عيش الآخرة)(1) .
عن الصادق (ع) (لو يعلم الناس ما في فضل معرفة الله تعالى ما مدوا أعينهم إلى ما متع به الأعداء من زهرة(2) الحياة الدنيا ونعيمها ، وكانت دنياهم أقل عندهم ممّا يطأونه بأرجلهم ولنعموا بمعرفة الله وتلذذوا بها تلذذ من لم يزل في روضات الجنان مع أولياء الله)(3) .
عن نصر بن قابوس (قال : سألت أبا عبد الله (ع) عن قول الله عز وجل : «وظل ممدود وماء مسكوب وفاكهة كثيرة لا مقطوعة ولا ممنوعة»(4) قال : يا نصر والله ليس حيث ما يذهب الناس إنما هو العالم وما يخرج منه)(5) .
وجنة جسمانية لهم أيضا ولأصحاب اليمين وهي إنما تنشأ من الأخلاق الفاضلة والأقوال الصادقة والأعمال الصالحة بابداع النفس الانسانية المتصفة بها الصور الملذة من الحور والقصور والغلمان واللؤلؤ والياقوت والمرجان في عالمها وصقعها .
فان للنفس اقتدارا على ذلك باذن الله تعالى ولكنها ما دامت في هذه النشأة لا يترتب عليها آثارها لضعفها واشتغالها بالمحسوسات فاذا قويت وصفت وزالت الشواغل وانحصرت القوى كلها في قوة واحدة ذات تخيّل حتى صارت عينا باصرة للنفس ، وقدرة فعّالة لها وانقلب العالم مشاهدة فلا يخطر بالبال شيء تميل إليه النفس إلا ويوجد بالحال باذن الله تعالى أي يوجد بحيث يراه رؤية عيان ويحس به إحساسا قويا لا أقوى منه .
وإليه الاشارة بقوله (ص) : (إن في الجنة سوقا يباع فيه الصور)(6) ، والسوق عبارة عن اللطف الالهي هو منبع القدرة على اختلاف الصور بحسب المشية ونيلها بالحسن .
وفي الحديث القدسي (يابن آدم خلقتك للبقاء وأنا حي لا أموت أطعني فيما أمرتك به

(1) احياء علوم الدين : ج 4 ص 97 .
(2) الزهرة : البهجة والنضارة «الوافي» وفيه بعد قوله : (ع) اولياء الله هكذا ان معرفة الله انس من كل وحشة ، وصاحب من كل وحدة ؛ ونور من كل ظلمة ، وقوة من كل ضعف ، وشفاء من كل سقم «الخ» .
(3) الكافي : ج 8 ص 247 ح 347 .
(4) سورة الواقعة : الآية 31 .
(5) بصائر الدرجات : ص 525 ح 3 .
(6) جامع الاخبار : ص 170 .
قرة العيون في المعارف والحكم474

وانته عما نهيتك عنه أجعلك مثلي حيّا لا تموت ، أنا الذي أقول لشيء كن فيكون أطعني فيما أمرتك به أجعلك مثلي إذا قلت لشيء كن فيكون)(1) ، فلا يقول أحد من أهل الجنة لشيء كن إلا ويكون ، وفيه (أعددت لعبادي الصالحين ما لا عين رأت ولا اذن سمعت ولا خطر على قلب بشر)(2) ، وفي القرآن : «فلا تعلم نفس ما اخفي لهم من قرة أعين جزاء بما كانوا يعملون»(3) .
والنار ناران : نار روحانية تطلع على الأفئدة للمنافقين والمتكبرين والمكذبين وهي إنما تنشأ بوسيلة عالم العقل بسبب فقدان المعارف والكمالات العقلية إما بانكارها وجحودها أو بالحرمان عنها بعد إدراكها والشوق إليها بحسب حصول أضدادها بالجهل المركب وفقدان القوة الهيولانية وحصول فعليّة الشيطنة والاعوجاج ورسوخ العقايد الباطلة في الوهم وفي مؤلفة جدا واما النقص بحسب الغريزة فلا الم بسببه بل هي بمنزلة الموت والزمانة في الأعضاء من غير شعور بمولم وكلاهما مشتركان في عدم الانجبار في الآخرة إلا أن البلاهة أدنى إلى الخلاص من فطانة تبرّء ، «بتراء خ» فالعذاب لهؤلاء عظيم ولاولئك أليم .
ونار محسوسة لهم ولأهل الكباير على قدر أعمالهم وهي إنما تنشأ بتبعيّة هذه النشأة الدنياوية بسبب فقدان متاعها بعد حصول الالف له والتعلق به والاخلاد إليه وارتكاب الأعمال السيئة والاقوال الكاذبة والاخلاق الردية فان النفس بسبب ذلك تنشئ في عالمها صور مؤذية مناسبة لها من الحيات والعقارب والسموم واليحموم وغيرها فتأذى بها ولا تقدر على عدم إنشائها .
كما أنها إذا أصابتها في الدنيا مصيبة فكلما يخطر ببالها اغتمت بها وتأذّت ولا يمكنها أن تخطرها ولكنها في الدنيا تغفل عنها احيانا بسبب الشواغل بخلاف الآخرة فانها لا تغفل عنها لعدم الشاغل وصفاء المحل وقوته وصيرورة القوى كلها قوة واحدة ذات تخيّل فلا يزال يريد مالا يجده ويشتهي ما يضرّه ويفعل ما يكره ويختار ما يعذبه ويهرب عمّا يصحبه قائلا : يا ليت بيني وبينك بعد المشرقين فبئس القرين .
إلا أن هذه الهيئات لما كانت غريبة عن جوهر النفس وكذا ما يلزمها فلا يبعد أن تزول في مدة من الدهر متفاوتة حسب تفاوت العلايق في رسوخها وضعفها وكثرتها وقلتها إنشاء الله فيخرج من النار في قلبه مثقال ذرة من الايمان ، «فمن يعمل مثقال ذرة خيرا يره ومن يعمل مثقال

(1) عدة الداعي : ص 310 .
(2) العوالي : ج 4 ص 101 ح 148 .
(3) سورة السجدة : الآية 17 .

السابق السابق الفهرس التالي التالي