 | |
قرة العيون في المعارف والحكم | | 457 |
|
 |
عن السجاد (ع) (أنه يطرح عن المسلم من سيئاته بقدر ماله على الكافر فيعذب الكافر بها مع عذابه بكفره عذابا بقدر ما للمسلم قبله من مظلمة ، فاذا كانت المظلمة للمسلم عند مسلم يؤخذ للمظلوم من الظالم من حسناته بقدر حق المظلوم فتزاد على حسنات المظلوم ، فان لم يكن للظالم حسنات فان كان للمظلوم سيئات يؤخذ من سيئات المظلوم فيزاد على سيئات الظالم)(1) .
إن قيل : ما معنى طرح السيئات وأخذ الحسنات والنقايص فيها والزيادات ، وهل هي عبارة إلا عن أعمال وحركات قد انقضت وفنيت وغايتها أن تبقى آثارها في النفوس بعدما ترسخت ولزمت فكيف تنقل من نفس إلى اخرى ؟
قلنا : هذا النقل واقع في الدنيا عند جيران الظلم لكنّه ينكشف في القيامة فيرى الانسان طاعات نفسه في ديوان غيره وما لم ينكشف ذلك له بعد فكأنه ليس بموجود له وإن كان موجودا في نفسه ، فاذا انكشف له وعلمه صار موجودا له وكأنه وجد الآن في حقه .
ثم المنقول ليس نفس الحسنات والسيئات بل الأثر الذي يترتب عليهما من تنوير القلب وإظلامه ، وإنما عبّر بهما عن الأثر لأنه المقصود والغاية منهما وبين آثارهما تعاقب وتضاد ، ولذلك قال الله تعالى : «إن الحسنات يذهبن السيئات»(2) وفي الحديث النبوي (ص) : (اتبع السيئة بالحسنة تمحها)(3) (والآلام تمحيـصـات للذنـوب)(4) ، ولذلك قال النبي (ص) : (إن الرجل ليثاب حتى بالشوكة تصيب رجله)(5) ، وقال : (الحدود كفارات لأهلها)(6) .
فالظالم يتبع شهوته بالظلم وفيه ما يقسى قلبه ويسوده فيمحو أثر النور الذي في قلبه من طاعته وكأنه أحبط طاعته والمظلوم يتألم وتكسر شهوته ويتنير به قلبه وتفارقه الظلمة والقسوة التي حصلت له من اتباع الشهوات وقد كان قلب الظالم مستنيرا فكانه انتقل النور من قلب الظالم إلى قلب المظلوم .
وهذا وإن لم يكن نقلا حقيقيا بل هو بطلان أمر من موضع وحدوث مثله في موضع آخر
|
(1) الكافي : ج 8 ص 106 .
(2) سورة هود : الآية 114 .
(3) احياء علوم الدين : ج 4 ص 11 .
(4) كما في البحار : ج 64 ص 236 وفيه : لا يزال البلاء في المؤمن والمؤمنة في جسده وماله وولده ، حتى يلقى الله وما عليه من خطيئته» وانظر ميزان الحكمة : ج 1 ص 490 موضوع «البلاء تمحيصات الذنوب» .
(5) صحيح الترمذي : ج 4 ص 181 .
(6) كما في صحيح مسلم : ج 3 ص 1333 .
|
 | |
قرة العيون في المعارف والحكم | | 458 |
|
 |
إلا أن إطلاق النقل على مثل ذلك استعارة شايعة كما يقال انتقل الظل أو نور الشمس من موضع الى موضع أو ولاية القضاء من فلان إلى فلان .
ويقرب من هذا معنى الشفاعة فانها أيضا إنما تقع في الدنيا وذلك لأن من استحكم نسبته إلى بعض مقربي حضرة الله في الدنيا لشدة محبته له في الله أو كثرة المواظبة على الاقتداء به أوكثرة الذكر له بالصلاة والتسليم عليه ، أو تالمه بفقدانه أو نحو ذلك فان ذلك كله يصير سببا لتنوير قلبه وقربه من الله عز وجل ، وهما بعينهما مغفرة للذنوب وزيادة في الدرجات وإنما حصلتا بوسيلة ذلك الشفيع بل بوسيلة قربه من الله عز وجل وهذا معنى الاذن من الله في الشفاعة فلما لم تكن هذه المناسبة لم يتحقق الاذن فلا تحصل الشفاعة .
عن الرضا (ع) قال : (قال رسول الله (ص) : من لم يؤمن بحوضي فلا أورده الله حوضي ، ومن لم يؤمن بشفاعتي فلا أناله شفاعتي ثم قال إنما شفاعتي لاهل الكبائر من امتي ، فاما المحسنون فما عليهم من سبيل قيل للرضا (ع) : يا بن رسول الله فما معنى قول الله عز وجل «ولا يشفعون إلا لمن ارتضى»(1) قال : لا يشفعون إلا لمن ارتضى الله دينه)(2) .
وعن النبي (ص) (إن من امتي من يدخل الجنة بشفاعته أكثر من مضر(3))(4) .
|
كلمة فيها اشارة الى الصراط والسياق
|
قد دريت أن لكل انسان من ابتداء حدوثه إلى منتهى عمره انتقالات جبلية وحركات
|
(1) سورة الانبياء : الآية 28 .
(2) آمالي الصدوق : ص 16 ح 4 وعيون اخبار الرضا : ص 112 ح 35 .
(3) قال العلامة المجلسي (قد) في البحار في باب الشفاعة ما ملخصه : قال المحقق الطوسي (قد) والحق صدق الشفاعة فيهما اي لزيادة المنافع واسقاط المضار وثبوت الثاني له (ع) بقوله : ادخرت شفاعتي لاهل الكباير من امتي ، وقال النووي في شرح صحيح مسلم قال القاضي عياض : مذهب اهل السنة جواز الشفاعة عقلا ووجوبها سمعا بصريح الآيات وبخبر الصادق وقد جاءت الآثار التي بلغت بمجموعها التواتر بصحة الشفاعة في الآخرة لمذنبي المؤمنين واجمع السلف الصالح ومن بعدهم من أهل السنة عليها لكن الشفاعة خمسة اقسام «اولها» مختصة بنبيينا «ص» وهو الازاحة من هول الموقف وتعجيل الحساب «الثانية» في إدخال قوم الجنة بغير حساب وهذه أيضا وردت لنبينا (ص) «الثالثة» الشفاعة لقوم استوجبوا النار فيشفع فيهم نبينا (ص) ومن يشاء الله «الرابعة» فيمن دخل النار من المؤمنين وقد جاءت الأحاديث باخراجهم من النار بشفاعة نبينا (ص) والملائكة واخوانهم من المؤمنين ثم يخرج الله تعالى كل من قال لا إله إلا الله كما جاء في الحديث لا يبقى فيها إلا الكافرون «الخامسة» الشفاعة في زيادة الدرجات في الجنة لأهلها .
(4) البحار : ج 8 ص 34 .
|
 | |
قرة العيون في المعارف والحكم | | 459 |
|
 |
طبيعية ، فلا يزال ينتقل من صورة إلى صورة حتى يتصل بالعالم العقلي ويلحق بالملأ الاعلى إن ساعده التوفيق وكان من الكاملين ، أو باصحاب اليمين إن كان من المتوسطين ، أو يحشر مع الشياطين والحشرات في عالم الظلمات إن ولاّه الطبع أو الشيطان وقارنه الخذلان .
وهذا معنى الصراط المستفهم منه ما إذا سلكه أوصله إلى الجنة وهو ما يشتمل عليه الشرع ، وأنك لتهدى إلى صراط مستقيم ، صراط الله ، وهو صراط التوحيد والمعرفة والتوسط بين الأضداد في الأخلاق والتزام صوالح الأعمال ، وبالجملة صورة الهدى الذي أنشأه المؤمن لنفسه ما دام في عالم الطبيعة وهو أدق من الشعر ، وأحد من السيف ، وأظلم من الليل كما ورد في الخبر لا يهتدي إليه إلا من جعل الله له نورا يمشي به في الناس يسعى الناس على أقدار أنوارهم .
وروي عن الصادق (ع) (أنه سئل عن الصراط ، فقال : هو الطريق إلى معرفة الله عز وجل وهما صراطان : صراط في الدنيا وصراط في الآخرة ، وأما الصراط الذي في الدنيا فهو الامام المفترض الطاعة من عرفه في الدنيا واقتدى بهداه مر على الصراط الذي هو جسر جهنم في الآخرة ومن لم يعرفه في الدنيا زلت قدمه على الصراط في الآخرة فتردّى في نار جهنم)(1) .
وعن الزكي (ع)(2) قال : (الصراط المستقيم صراطان صراط في الدنيا وصراط في الآخرة فأما الطريق المستقيم في الدنيا فهو ما قصر عن الغلو وارتفع عن التقصير واستقام فلم يعدل إلى شيء من الباطل ، والطريق الآخر طريق المؤمنين إلى الجنة وهو مستقيم لا يعدلون عن الجنة إلى النار ولا إلى غير النار سوى الجنة)(3) .
وعن الصادق (ع) (الصراط المستقيم أمير المؤمنين (ع)(4) ، وعنه (ع) (إن الصورة الانسانية هي الطريق المستقيم إلى كل خير والجسر الممدود بين النار والجنة) .
أقول فالصراط والمار عليه شيء واحد في كل خطوة يضع قدمه على رأسه أعني يعمل على مقتضى نور معرفته التي هي بمنزلة رأسه بل ويضع رأسه على قدمه أي يبني معرفته على نتيجة
|
(1) معاني الاخبار : ص 32 ح 1 .
(2) المراد منه هو أبو محمد العسكري (ع) والحديث مذكور في تفسيره كما نقله في الوافي .
(3) عن تفسير الامام العسكري (ع) كما عن البحار : ج 8 ص 69 ح 18 وفي معاني الأخبار ص 33 ح 4 .
(4) معاني الاخبار : ص 32 ص 2 .
|
 | |
قرة العيون في المعارف والحكم | | 460 |
|
 |
عمله الذي كان بناؤه على المعرفة السابقة حتى يقطع المنازل ويصل إلى الله وإلى الله المصير .
عن الصادق (ع) (أن الناس يمرون على الصراط طبقات ، والصراط أدق من الشعر وأحدّ من السيف فمنهم من يمر مثل البرق ومنهم من يمر مثل عدو الفرس ، ومنهم من يمر حبوا(1) ، ومنهم من يمر مشيا ، ومنهم من يمر معلّقا قد يأخذ النار منه شيئا ويترك شيئا)(2) ، وروي (أن مرورهم على الصراط على قدر نورهم)(3) .
وفي خبر آخر (ان الصراط يظهر يوم القيامة للابصار على قدر المارين عليه فيكون دقيقا في حق بعض ، وجليلا في حق آخرين ، وأنهم يعطون نورهم على قدر أعمالهم ، فمنهم من يعطى نوره مثل الجبل العظيم يسعى بين يديه ، ومنهم من يعطى نوره أصغر من ذلك ومنهم من يعطى نوره مثل النخلة بيمينه ، ومنهم من يعطى نوره أصغر من ذلك حتى يكون اخرهم رجلا يعطى نوره على ابهام قدمه فيضيء مرّة ويطفئ مرة فاذا أضاء قدام قدمه مشى وإذا طفى قام)(4) .
ولما كان الصراط ممدودا على النار فلا بد لكل أحد من ورود النار كما قال سبحانه : «وان منكم إلا واردها كان على ربّك حتما مقضيا ثم ننجي الذين اتقوا ونذر الظالمين فيها جثيّا(5)»(6) وسئل بعض أئمتنا عن شمول الآية لهم فقال : (جرناها وهي خامدة) .
والسياق عبارة عن تكميل الملائكة النفوس الانسانية باذن الله وقضائه وقدره شيئا فشيئا من ابتداء حدوثها الى أن تبلغ إلى الكمال اللايق بحالها ، فمن يقربها منهم إلى الرحمة والرضوان فهم ملائكة الرحمة ومن يبعد عن ذلك فهم ملائكة العذاب قال الله عز وجل : «وسيق الذين كفروا إلى جهنم زمرا»(7) الآيات وقال عز وجل : «وجاءت كل نفس معها سائق وشهيد»(8) ورد سائق يسوقها إلى محشرها وشهيد يشهد عليها بعملها .
|
(1) من حبا الولد أي زحف على يديه وبطنه .
(2) امالي الصدوق : ص 149 ح 4 .
(3) مستدرك الحاكم : ج 4 ص 590 .
(4) مستدرك الحاكم : ج 4 ص 590 .
(5) اي على الركب لا يستطيعون القيام بما هم فيه وتلك جلسة المخاصم والمجادل وفي حديث علي (ع) أنا أول من يجثو على الخصومة ، اي يجلس على الركب وأطراف الاصابع عند الحساب ؛ كذا في مجمع البحرين ، وقال في المفردات : جثى على ركبتيه يجثو جثوا وجثيا فهو جاث وجمعه جثي نحو بـاك وبكـي ، وقولـه عـز وجـل : « ونذر الظالمين فيها جثيا » يصح أن يكون جميعا نحو بكي وأن يكون مصدرا موصوفا به .
(6) سورة مريم : الآية 71 ـ 72 .
(7) سورة الزمر : الآية 71 .
(8) سورة ق : الآية 21 .
|
 | |
قرة العيون في المعارف والحكم | | 461 |
|
 |
|
كلمة فيها اشارة الى ابواب الجنة والنار
|
قال المحقق نصير الملة والدين الطوسي قدس سره : مشاعر حيواني كه بدان اجزاى عالم ملك ادراك كننه هفت است پنج ظاهر وآن حواس خمس است ودو باطن وآن خيال ووهم است كه يكى مدرك صورتست وديگر مدرك معاني ، چه مفكره وحافظه وذاكره از مشاعر نيستند بلكه اعوان ايشانند وهر نفس كه متابعت هوا كند وعقل را در متابعت هوا مسخر گرداند ، أفرأيت من اتخذ الهه هواه ، هر يكى از اين مشاعر حيواني سببي باشد از اسباب هلاك او ، وأضله الله على علم تا حالش اين بود كه «فأما من طغى وآثر الحياة الدنيا فان الجحيم هي المأوى» .
پس هر يكى از اين مشاعر بمثابه دريند از درهاى دوزخ ، لها سبعة أبواب لكل باب منهم جزؤ مقسوم ، واگر عقل كه مدرك عالم ملكوتست ورئيس آن مشاعر رئيس مطاع باشد ونفس را از هواى او منع كند تا بهر يكى از مشاعر مطالعه آيتى از كتاب الهي در عالم خلقى كه ادراكش بآن مشعر خاص باشد بتقديم رساند ، وبعقل نيز استماع آيات كلام الهى را از عالم امرى تلقى كند بخلاف آن قوم كه ، لو كنا نسمع او نعقل ما كنا في أصحاب السعير ، آن مشاعر هشت گانه بمثابه در بهشات باشد «واما من خاف مقام ربه ونهى النفس عن الهوى فان الجنة هي المأوى»(1) .
وقال بعض أهل المعرفة : وللنار أمثلة جزئية هي طبيعة كل احد وهواه في اولاه واخراه ، وبها أبواب ومشاعر وهي سبعة وهي عين أبواب الجنة ، فانها على شكل الباب الذي إذا فتح إلى موضع انسد به موضع آخر ، فعين غلقه لموضع عين فتحه لمنزل آخر .
وهذه الأبواب مفتوحة على الفريقين أهل النار والجنة إلا باب القلب فانه مطبوع على أهل النار لا تفتح لهم أبواب السماء ولا يدخلون الجنة حتى يلج الجمل في سم الخياط ، لأن صراط الله أدق من الشعر فيحتاج من يسلكه إلى كمال التلطيف والتدقيق وأنى يتيسر للحمقاء الجاهلين خصوصا مع الاغترار والاستبداد برأيهم من غير تسليم وانقياد ، فابواب الجحيم سبعة وأبواب الجنة ثمانية ، والباب الذي لا يفتح لهم هو في سور باطنه فيه الرحمة وظاهره من قبله العذاب .
| |
(1) سورة النازعات : الآية 40 .
|
 | |
قرة العيون في المعارف والحكم | | 462 |
|
 |
في البعث والحشر «ثم انكم يوم القيمة تبعثون» المؤمنون / 16 .
|
كلمة فيها اشارة الى البعث والحشر وفنون الحشر
|
في تفسر الامام أبي محمد العسكري (ع) (ان الله ينزل بين نفختي الصور بعد ما ينفخ النفخة الاولى من دوين السماء من البحر المسجور الذي قال الله : «والبحر المسجور»(1) وهي منيّ كمنيّ الرجال فيمطر ذلك على الأرض فيلتقي الماء المني مع الأموات البالية فينبتون من الأرض ويحيون)(2) .
وروي عن الصادق (ع) (أنه قال إذا أراد الله أن يبعث الخلق أمطر السماء على الأرض أربعين صباحا فاجتمعت الاوصال ونبتت اللحوم)(3) .
كانهما (ع) اشارا إلى الاطوار البرزخية التي يتم بها البعث والاعادة المشار إليه بقوله عز وجل : «لتركبن طبقا عن طبق»(4) كالاطوار الحمليّة التي للجنين في بطن امه التي بها يتم الخلق أول مرة ، ولهذا شبّه بالمني في الحديث الأول ، فقس الآخرة بالاولى فما خلقكم ولا بعثكم إلا كنفس واحدة قال الله تعالى : «يا ايها الناس ان كنتم في ريب من البعث فانا خلقناكم من تراب ثم من نطفة»(5) إلى قوله : «وأن الله يبعث من في القبور(6)»(7) .
|
(1) سورة الطور : الآية 6 .
(2) عن تفسير الامام العسكري كما في البحار : ج 6 ص 329 ح 13 .
(3) امالي الصدوق : ص 149 ح 5 .
(4) سورة الانشقاق : الآية 19 .
(5) سورة الحج : الآية 5 .
(6) لا يخفى ان المعاد الجسماني مما يجب الاعتقاد به ويكفره منكره ، قال العلامة المجلسي (قد) في الجزء الثالث من البحار : اعلم ان القول بالمعاد الجسماني مما اتفق عليه جميع المليين وهو من ضروريات الدين ، ومنكره خارج عن عداد المسلمين ، والآيات الكريمة في ذلك ناصة لا يعقل تأويلها والاخبار فيه متواترة لا يمكن ردها ولا الطعن فيها .
وقال في كيفيته ولنعم ما قال : الاحوط والاولى التصديق بما تواتر في النصوص وعلم ضرورة من ثبوت الحشر الجسماني وساير ما ورد فيها من خصوصياته ، وعدم الخوض في امثال ذلك اذ لم نكلف بذلك وربما افضى التفكر فيها الى القول بشيء لم يطابق ولم نكن معذورين في ذلك ؛ والله الموفق للحق والسداد ، في المبدأ والمعاد .
(8) سورة الحج : الآية 7 .
|
 | |
قرة العيون في المعارف والحكم | | 463 |
|
 |
قال بعض اهل المعرفة : النفخة نفختان نفخة تطفئ النار ونفخة تشعلها فاذا تهيّأت صور الخلايق كانت قبيلة استعدادها كالحشيش المحترق وهو الاستعداد لقبول الأرواح كاستعداد الحشيش النار التي كمنت فيه لقبول الاشتعال والصور البرزخية كالسرج مشتعلة بالأرواح التي فيها فينفخ إسرافيل نفخة واحدة فتمر على تلك الصور فتطفئ وتمر النفخة التي تليها وهي الاخرى على الصور المستعدة للاشتعال وهي النشأة الاخرى فتشتعل بأرواحها فاذا هم قيام ينظرون .
فتقوم تلك الصور احياء ناطقة بما ينطقها الله ، فمن ناطق بالحمد لله ، ومن ناطق يقول : من بعثنا من مرقدنا ، ومن ناطق بالحمد لله الذي أحيانا بعدما أماتنا وإليه النشور ، وكل ينطق بحسب علمه وحاله وما كان عليه ونسي حاله في البرزخ ويتخيّل أن ذلك منام كما يتخيّله المستيقظ وقد كان عند موته وانتقاله إلى البرزخ كالمستيقظ هناك وأن الحياة الدنيا كانت له كالمنام ، وفي الآخرة يعتقد أمر الدنيا والبرزخ أنه منام في منام .
وليعلم أن الروح الانساني إنما أوجده الله مدبرا لصورة طبيعية متبدلة سواء كان في الدنيا أو في البرزخ أو في الدار الاخرى ، وحيث كان فالصورة الاولى هي التي اخذ فيها عليه الميثاق ، ثم حشر إلى هذه الصورة الحسية الدنياوية فاذا مات يحشر في صورة اخرى ثم يحشر في الصورة التي يسأل فيها ، ثم بعد السؤال إلى صورة اخرى في البرزخ ينتقل من طور إلى طور ثم يحشر في الصورة التي يدخل بها الجنة والنار .
فاذا دخل الجنة ورأى فيها من الصور فأيّ صورة رآها واستحسنها يحشر فيها لا يستحسن منها إلا ما يناسب صورة التجلي الذي يكون له في المستقبل لأن تلك الصورة هي كالاستعداد الخاص لذلك التجلي ، ومن هنا يمكنك أن تعرف أنك الآن كذلك تحشر في كل نفس إلى صورة الحال التي أنت عليها ، ولكن يحجبك عن ذلك رؤيتك المعهودة وإن كنت تحس بانتقالك في أحوالك ولكن لا تعلم أنها صور لروحك تدخل فيها في كل آن وتحشر فيها .
والسر فيه أن إدراك الشيء إنما يكون بتصور المدرك بصورة المدرك حين إدراكه له سواء كان بطريق الاحساس أو التخيل أو التعقل ، وذلك لأن الادراك لا بد فيه من نيل المدرك لذات المدرك ، فلو لم يتحدا فينله إما بخروجه من ذاته إلى أن يصل إليه او بادخاله ايّاه في ذاته وكلاهما محال .
مثنوى
اي بـرادر تـو هميـن انديشـه
ما بقـى تـو استخـوان وريشـه
 | |
قرة العيون في المعارف والحكم | | 464 |
|
 |
گـر بـود انديشـه ات گـل گلشنـى
وربـود خـارى تـو هيمـه گـلخنـى
پس تو آن هوشـى و باقى هوش بوش
خويشتـن را كـم مكـن يـاوه مكـوش
ولله در القائل حافظ
هر دم از روى تو نقشى زندم راه خيال
با كه گويم كه در اين پرده چه ها مى بينم
ثم ان حشر الخلايق في الآخرة على أنحاء مختلفة حسب أعمالهم وأخلاقهم ، فلقوم على سبيل الوفد «يوم نحشر المتقين إلى الرحمن وفدا»(1) ولقوم على سبيل التعذيب «ويوم يحشر أعداء الله الى النار فهم يوزعون»(2) ولقوم «نحشر المجرمين يومئذ زرقا»(3) ولقوم «ونحشره يوم القيمة أعمى»(4) .
وبالجملة لكل أحد إلى غاية سعيه وعمله وما يحبه حتى أنه لو احب حجرا لحشر معه «إنكم وما تعبدون من دون الله حصب جهنم»(5) فان تكرر الأفاعيل يوجب الملكات ، فكل ملكة يغلب على الانسان في الدنيا يتصور في الآخرة بصورة يناسبها «قل كل يعمل على شاكلته»(6) ولا شك أن أفاعيل الاشقياء المدبرين إنما هي بحسب هممهم القاصرة النازلة في مراتب البرازخ الحيوانية وتصوراتهم مقصورة على أغراض بهيمية أو سبعيّة أو شيطانية تغلب على نفوسهم ، فلا جرم يحشرون على صور تلك الحيوانات «وإذا الوحوش حشرت»(7) .
وفي الحديث النبوي (ص) (يحشر بعض الناس على صور يحسن عندها القردة والخنازير)(8) (وفيه أيضا يحشر الناس يوم القيامة ثلاثة أصناف ركبانا ، ومشاتا ، وعلى وجوههم)(9) .
والسر في ذلك أن لكل خلق من الأخلاق المذمومة والهيئات الردية المتمكنة في النفس صورة نوع من أنواع الحيوانات وبدن يختص بذلك كصور ابدان الاسود ونحوها لخلق التكبر والتهور مثلا ، وأبدان الثعالب وأمثالها للخبث والروغان(10) ، وأبدان القرد ونحوها للمحاكات والسخرية ، والخنازير للحرص والشهوة إلى غير ذلك .
وربما كان لشخص واحد من الانسان عدد كثير من الأخلاق الردية على مراتب متفاوتة فبحسب ذلك تخلف الصور الحيوانية في الآخرة قال الله عز وجل : «شهد عليهم سمعهم وأبصارهم وجلودهم بما كانوا يعملون»(11) .
|
(1) سورة مريم : الآية 85 .
(2) سورة فصلت : الآية 19 .
(3) سورة طه : الآية 102 .
(4) سورة طه : الآية 124 .
(5) سورة الانبياء : الآية 98 .
(6) سورة الاسراء : الآية 84 .
(7) سورة التكوير : الآية 5 .
(8) لئالي الاخبار : ج 5 ص 106 .
(9) احياء علوم الدين : ج 4 ص 467 .
(10) راغ روغانا الصيد : ذهب ههنا وههنا . الرجل عن الطريق ؛ حاد عنه وذهب هكذا وهكذا مكرا وخديعة ، راوغه صارعه وخادعه . المنجد .
(11) سورة فصلت : الآية 20 .
|
 | |
قرة العيون في المعارف والحكم | | 465 |
|
 |
|
كلمة فيها اشارة الى القيامة ومواقفها وشأن اهلها
|
عن الصادق (ع) قال في حديث (فحاسبوا أنفسكم قبل أن تحاسبوا عليها ، فان للقيامة خمسين موقفا كل موقف مقام ألف سنة ثم تلا : «في يوم كان مقداره خمسين ألف سنة»(1))(2) وسئل رسول الله (ص) عن طول ذلك اليوم فقال : (والذي نفسي بيده إنه ليخفّ على المؤمن حتى يكون أهون عليه من الصلاة المكتوبة يصليها في الدنيا)(3) .
عن أمير المؤمنين (ع) (إذا كان يوم القيامة بعث الله تعالى الناس من حفرهم عزلا بهما جردا مردا(4) في صعيد واحد يسوقهم النور وتجمعهم الظلمة حتى يقفوا على عقبة في المحشر فيركب بعضهم بعضا ويزدحمون دونها فيمنعون من المضي فيشتد أنفاسهم ويكثر عرقهم ويضيق بهم امورهـم ويشتد ضجيجهـم ويرتفـع أصواتهـم)(5) الحديث .
وعن الصادق (ع) (مثل الناس يوم القيامة إذا قاموا لرب العالمين مثل السهم في القرب ليس له من الأرض إلا موضع قدمه كالسهم في الكنانة(6) لا يقدر أن يزول ههنا ولا ههنا)(7) .
وفي كتاب الحسين بن سعيد الأهوازي عن الباقر (ع) (إذا كان يوم القيامة وحاسب الله عبده المؤمن أوقفه على ذنوبه ذنبا ذنبا ثم غفرها له لا يطلع على ذلك ملكا مقربا ولا نبيّا مرسلا)(8) .
قال بعض أهل المعرفة إذا مات الخلايق كلهم على اختلاف أنواع موتهم وفنون فنائهم وأصناف هلاكهم على حسب مراتبهم وتوجّهاتهم إلى ما فوقهم وحركاتهم إلى غاياتهم ووصولاتهم إلى نهاياتهم ورجوع كل إلى أصله من الاملاك والافلاك والأرواح والنفوس ، واجتمعوا جميعا على صعيد واحد دفعة واحدة بالنفخة الاسرافيلية كما قال سبحانه : «ان كانت إلا صيحة واحدة فاذا هم جميع لدينا محضرون»(9) .
فعند ذلك قامت القيامة الكبرى وظهر نور الأنوار وانكشف ضوؤه الحقيقي وتجلى جمال
|
(1) سورة المعارج : الآية 4 .
(2) الكافي : ج 8 ص 143 ح 108 .
(3) مجمع الزوائد : ج 10 ص 337 .
(4) قال المصنف (قد) في الشافي : «عزلا» لاسلاح لهم «بهما» ليس معهم شيء «جردا» لاثياب معهم «مردا» ليس لهم لحية ، وهذه كلها كناية عن تجردهم عما يباينهم ويغطيهم ويخفى حقايقهم مما كان معهم في الدنيا .
(5) الكافي : ج 8 ص 104 ح 79 .
(6) كنانة السهام بالكسر جعبة من جلد لا خشب فيها أو بالعكس . ق .
(7) الكافي : ج 8 ص 143 ح 110 .
(8) روضة الواعظين : ص 502 .
(9) سورة يس : الآية 53 .
|
|