قرة العيون في المعارف والحكم448

اكبر همّه والنفاق أعظم مهمه فاذا سئل عن الايمان وهو أعداء أعدائه وأعداء أهله تلجلج لا محالة لسانه فتقطع (فتتعتع خ ل) عن الجواب فيفتح له إلى النار باب .
وإنما لا يلتفت إلى الباقين لأنهم ليسوا بأهل لمثل هذا السؤال ، فانّ من لم يكن اهتم بأمر دينه ما عاش ، بل كان اهتمامه مقصورا في أمر المعاش وغرّته الحياة الدنيا عن الآخرة فهو حريّ بأن تدهشه سكرات الموت وتذهله غمرات الفوت إلى أن يجعل الله له مخرجا .
وممّا يدل على بقاء الروح بعد مفارقتها البدن قوله عز وجل : «ولا تحسبن الذين قتلوا في سبيل الله أمواتا بل أحياء عند ربهم يرزقون فرحين بما أتاهم الله من فضله ويستبشرون بالذين لم يلحقوا بهم من خلفهم ألا خوف عليهم ولا هم يحزنون»(1) .
ونادى النبي (ص) (الأشقياء المقتولين يوم بدر : يا فلان يا فلان قد وجدت ما وعدني ربي حقا فهل وجدتم ما وعد ربّكم حقا ، ثم قال : والذي نفسي بيده إنهم لا سمع لهذا الكلام منكم إلا أنهم لا يقدرون على الجواب)(2) ، ومثله عن أمير المؤمنين (ع) في قتلى وقعة جمل .
عن الصادق (ع) (أن الروح مقيمة مكانها روح المؤمن في ضياء وفسحة ، وروح المسيء في ضيق وظلمة ، والبدن يصير ترابا)(3) ، وروي أنه قال : وبها يؤمر البدن وينهى ، ويشاب ويعاقب ، وقد تفارقه ويلبسها الله تعالى غيره كما تقتضيه حكمته .
عنه (ع) (مثل المؤمن وبدنه كمثل جوهرة في صندوق إذا اخرجت الجوهرة منه طرح الصندوق ولم يعبأ به ، وقال : إن الارواح لا تمازج البدن ولا تداخله وإنما هي كالكلل للبدن محيطة به)(4) .
عنه (ع) (أنه سئل عن الروح قال : هي من قدرته من الملكوت)(5) وفي الحديث النبوي (ص) (الارض لا تأكل محل الايمان)(6) وفي حديث آخر (انكم خلقتم للبقاء لا للفناء)(7) . وفي لفظ آخر (خلقتم للابد وإنما تنقلون من دار إلى دار(8))(9) .

(1) سورة آل عمران : الآية 169 ـ 170 .
(2) سيرة ابن هشام : ج 2 ص 639 .
(3) الاحتجاج : ج 2 ص 98 .
(4) بصائر الدرجات : ص 483 ح 12 .
(5) تفسير العياشي : ج 2 ص 317 .
(6) علم اليقين : ج 2 ص 836 .
(7) عن الاعتقاد ص 75 كما في البحار : ج 6 ص 249 .
(8) قال العلامة المجلسي اعلا الله مقامه في الثالث من البحار : اعلم أن الذي ظهر من الايات الكثيرة والاخبار =
(9) عن الاعتقاد ص 75 كما في البحار : ج 6 ص 249 .
قرة العيون في المعارف والحكم449

مثنوى
‍‍‌‏‎از جمادى مـردم ونامـى شـدم وز نما مردم ز حيوان سـر زدم
‍‍‌‏‎مـردم از حيـوانـى وآدم شـدم پس چه ترسم كى زمردن كم شدم
‍‍‌‏‎حملـه ديگـر بميـرم از بشــر تا بر آرم از ملايـك بـال وپـر
‍‍‌‏‎از ملك هـم بايـدم جستـن زجو كـل شـيء هالــك إلا وجهـه
‍‍‌‏‎بار ديگر از ملـك قـربان شـوم آنچـه اندروهـم نايـد آن شـوم
پس عدم گردم عدم چون از غنون گـويـدم كانـا إليـه راجـعـون

كلمة
فيها اشارة إلى معنى الصور والنفخ

قد ورد الحديث النبوي (أنه قرن من نور يلتقمه إسرافيل ووصفه بسعة وضيق وورد أن فيه ثقبا بعدد الاروح)(1) .
قال بعض أهل المعرفة إنه كناية عن الحفرة البرزخية التي ينتقل إليها الارواح بعد الموت فان القرن واسع ضيق ولا شيء أوسع من الخيال لحكمه على كل شيء وعلى ما ليس لشيء فانه يتصور العدم المحض ولا شيء أضيق منه إذ ليس في وسعه أن يتخيل أمرا إلا بصورة ولم يسعه ان يجرد المعاني عن المواد اصلا فيرى العلم في صورة لبن ،والشرع في صورة قيد إلى غير ذلك مما يرى في النوم وغيره .
وأما كونه من نور فان النور سبب الكشف والظهور جعل الله هذا الخيال نورا يدرك به تصوير كل شيء فنوره لا يشبه الأنوار وبه يدرك التجليات وهو نور عين الخيال لا نور عين الحس .

= المستفيضة والبراهين القاطعة هو ان النفس باقية بعد الموت اما معذبة ان كان ممن محض الكفر ، أو منعمة ان كان ممن محض الايمان ، او يلهى عنه ان كان من المستضعفين ويرد اليه الحياة في القبر اما كاملا أو الى بعض بدنه كما مر في بعض الاخبار ويسأل بعضهم عن بعض العقايد وبعض الاعمال ويثاب ويعاقب بحسب ذلك ، وتضغط اجساد بعضهم وانما السؤال والضغطة في الاجساد الاصلية «الى ان قال» ثم تتعلق الروح بالأجساد المثالية اللطيفة الشبيهة بأجسام الجن والملائكة المضاهية في الصورة للأبدان الأصلية فينعم ويعذب فيها ولا يبعد أن يصل إليه الآلام ببعض ما يقع على الأبدان الأصلية لسبق تعلقه بها ، وبذلك يستقيم جميع ما ورد في ثواب القبر وعذابه واتّساع القبر وضيقه وحركة الروح وطيرانه في الهواء وزيارته لأهله الخ .
(1) لئالي الأخبار : ج 5 ص 53 .
قرة العيون في المعارف والحكم450

قال : إذا قبض الله الأرواح من هذه الأجسام الطبيعية حيث كانت أودعها صورا جسدية هي مجموع هذا القرن النوري فجميع ما يدركه الانسان بعد الموت في البرزخ من الامور إنما يدركه بعين الصورة التي هو فيها في القرن ، وهو إدراك حقيقي ومن الصور هناك ما هي مقيدة عن التصرف ومنها ما هي مطلقة كارواح الانبياء كلهم وارواح الشهداء ومنها ما يكون لها نظر إلى عالم الدنيا ومنها ما يتجلى للنايم في هذا الدار في حضرة الخيال التي هي فيه وهو الذي يصدق رؤياه .
قال : وأعلاه الضيق وأسفله الواسع وكذلك خلقه الله فانه يتصور الحق فمن دونه من العالم ولا شك أن الحق يتسع ويتكثر بقدر ما تنزل إلى أن يصل إلى الاشخاص .
وقال : والنفخة نفختان نفخة تطفي النار ونفخة تشعلها ونفخ في الصور فصعق من في السماوات ومن في الأرض إلا من شاء الله ثم نفخ فيه اخرى فاذا هم قيام ينظرون ، فبالنفخة الاولى تموت الاجساد وتحيى الأرواح ، وبالنفخة الثانية يقوم قياما بالحق لا بذواتها ، وأشرقت الأرض بنور ربها ، والنفخة من قبل الحق وان كانت واحدة لاحاطته بجميع ما سواه لكنها بالنسبة إلى الخلايق نفخات متعدّدة حسب تعدّد الاشخاص كما أن الازمنة والأوقات المتمادية ههنا إنما هي ساعة واحدة بالقياس إليه وما أمر الساعة إلا واحدة ، ما خلقكم ولا بعثكم إلا كنفس واحدة .
قال : إن الميت يجد في البرزخ اللذات والآلام التي يستصحبها الصور الحاصلة له من العلم والعمل في الخير والشر وتصير فيه محكمة ذاتية ، فحاله في هذه المدة كحال النطفة في الرحم والبذر في الأرض ينبت ويثمر ويختلف عليه أطوار النشأة إلى أن يتولد يوم القيامة بالنفخة الاسرافيلية ويفيق من صعقته ويخرج من هيئته المحيطة به كما يخرج الجنين من القرار المكين «لتركبن طبقا عن طبق»(1) فالموت ابتداء البعث(2) .

(1) سورة الانشقاق : الآية 19 .
(2) قال الطبرسي (ره) في مجمع البيان في تفسير سورة الكهف : واختلف في الصور فقيل : هو قرن ينفخ فيه ، وقيل : هو جمع صورة فان الله سبحانه يصور الخلق في القبور كما صورهم في أرحام الامهات ثم ينفخ فيهم كم نفخ وهم في ارحام امهاتهم ؛ وقيل أنه ينفخ اسرافيل الصور ثلاث نفخات : فالنفخة الاولى نفخة الفزع ، والثانية نفخة الصعق التي يصعق من في السماوات والأرض بها فيموتون ، والثالثة نفخة القيام لرب العالمين فيحشر الناس بها من قبورهم .
وقال العلامة المجلسي (قد) في الجزء الثالث من البحار : وأما الصور فيجب الايمان به على ما ورد في النصوص الصريحة وتأويله بأنه جمع للصورة كما مر من الطبرسي وقد سبقه الشيخ المفيد فهو خروج عن ظواهر =
قرة العيون في المعارف والحكم451

المقالة الحادية عشرة

في نشؤ الآخرة من الاولى «ولقد علمتم النشأة الاولى فلو لا تذكرون» الواقعة / 62 .

كلمة
بها يتبين كيفية هذا الانتشاء

قال أهل المعرفة إن الانسان إنما يتكون وينمو ويتم خلقته باستحالات وانقلابات نظرا على مادته ولا يمكن ذلك إلا بحرارة غريزية محلله وتلك الحرارة مستفادة من حركات الأجرام الفلكية المسخرة بأمر ربّها واشعتها كما ثبت في مقامه ثم إن استكمال نفس الانسان بحسب كلتي قوتيه النظرية والعملية إنما يتم بالحركات البدنية والفكرية والحركة تحتاج إلى الحرارة فهما متصاحبتان لا ينفك إحداهما عن الاخرى ، وكما أن جميع الحركات في هذا العالم ينتهي إلى حركات الأفلاك سيّما الفلك الأقصى ، فكذلك جميع الحرارات الغريزية والاسطقسيّة ينتهي إلى أضواء الكواكب سيّما ضوء الشمس كما يظهر عند التفتيش والاعتبار والاستقراء .
ثم ان كل مادة متصوّرة بصورة أدنى إذا انتقلت إلى أن تلبس صورة أعلى فذلك إنما يكون بان يحصل لها بصورتها الاولى شبه التعفن والهضم والانكسار كالحبة المدفونة في الأرض ، فما لم تضعف صورتها الجمادية ولم تتعفّن باستيلاء الحرارة عليها لم تقبل صورة نباتية ، وكذا القياس في انتقالات النطفة في أطوارها النباتية والحيوانية ، وهكذا الحكم في الترقيات الواقعة في النفس فانها مسبوقة بانكسارات وانهضامات نفسانية ومنشؤها الحركات البدنية والنسك الدينية والحركات الفكرية في النسك العقلية والكل منوط بحركات الأفلاك والكواكب بأضوائها .
فالكمالات العلمية والعملية للنفوس التي بها تحصل حياتها الاخروية وبها يتم نعيمها وغذاؤها وطعامها وشرابها في الجنة إنما تحصل بحرارة الطبيعة الدنيوية ، وكذلك النقصانات والانحرافات التي تحصل لنفوس أهل النار بالعرض ، فهذا العالم بمنزلة مطبخ تنضج فيه أطعمة اهل الجنة وأهل النار وتصلح ماكولاتهم بحرارة الحركات السماوية وأشعة الكواكب ، فان أعمال بني آدم هي مواد أغذيتهم التي بها نشؤ نفوسهم وأبدانهم الاخروية .

= الآيات بل صريحها واطراح للنصوص الصحيحة الصريحة من غير حاجة ، وقد قال سيد الساجدين صلوات الله عليه في الدعاء الثالث من الصحيفة الكاملة : واسرافيل صاحب الصور الشاخص الذي ينتظر منك الاذن وحلول الامر ، فيتبه بالنفخة صرعي رهائن القبور .
قرة العيون في المعارف والحكم452

فكلما كانت أعمال أهل الجنة في هذه الدنيا أتم اعتدالا وأكثر نضجا من جهة الرياضات الدنيوية والمتاعب البدنية في سبيل الله كانت أغذيتهم وفواكههم وأشربتهم النفسانية الاخروية أوفق وأتم صلوحا وأشد تقوية للحياة الباقية وكلما كانت أعمال أهل النار هنا أشد انحرافا عن العدالة ومنهج الشريعة كانت أغذيتهم وفواكههم وأشربتهم النفسانية الاخروية أشد ايلاما وأكثر تعذيبا .
وكما أن انحراف المزاج عن الاعتدال في الطبيعة يورث حرارة الحمى الشديدة كذلك الانحراف عن العدل في الأخلاق والأعمال والعلوم يورث حرارة نار جهنم وليس لنار جهنم هذا الاشراق والتلألؤ الذي نراه في هذه النار الدنيوية ، لأن هذه ليست نارا محضة بل هي نار ونور وأما النار المحضة فتمامها أنها محرقة موذية نزاعة .
وقد تبين ممّا ذكرنا أن الجنة والنار انما تنشئآن من النفس الانسانية ، وهما حالتان في موضوعها وحالتان لها وتحدثان لكل نفس بحدوثها وبلوغها سن التميز وتعمران بأعمالها ومدركاتها وأخلاقها وملكانها التي تحصل لها من أول العمر إلى آخره .
روي (ان النبي (ص) كان قاعدا في المسجد فسمعوا هدّة عظيمة فارتاعوا ، فقال النبي (ص) : أتعرفون ما هذه الهدة ؟ قالوا : الله ورسوله اعلم ، قال : حجر القي من أعلى جهنم منذ سبعين سنة الآن وصل إلى قعرها فكان وصوله إلى قعرها وسقوطه فيها هذه الهدة فما فرغ من كلامه إلا والصراخ في دار منافق من المنافقين قد مات وكان عمره سبعين سنة فقال (ص) : الله أكبر فعلمت علماء الصحابة أن هذا الحجر هو ذلك المنافق وأنه منذ خلقه الله يهوي في جهنم وبلغ عمره سبعين سنة ، فلما مات حصل في قعرها)(1) ، قال الله تعالى : «إن المنافقين في الدرك الأسفل من النار»(2) .
وممّا ذكرنا ظهر أيضا أن الجنة والنار مشهودتان لنا اليوم من حيث المحل لا من حيث الصورة فنحن في احداهما نتقلب على الحال التي نحن عليها ولا نعلم أننا فيها ، لأن الصورة الدنيوية تحجبنا عن الاخروية التي تجلّت لنا فيها قال الله سبحانه : «كلا لو تعلمون علم اليقن لترونّ الجحيم ثم لترونّها عين اليقين»(3) وقال عز وجل : «ويستعجلونك بالعذاب وإن جهنم لمحيطة بالكافرين»(4) وقال جل ذكره «ان الابرار لفي نعيم وإن الفجار لفي جحيم يصلونها

(1) الترغيب والترهيب : ج 4 ص 476 ح 44 (قريب منه) . وعلم اليقين : ج 2 ص 1002 .
(2) سورة النساء : الآية 145 .
(3) سورة التكاثر : الآية 5 ـ 7 .
(4) سورة العنكبوت : الآية 54 .
قرة العيون في المعارف والحكم453

يوم الدين وما هم عنها بغائبين»(1) يعني في الدنيا ، فان الامر بالعكس وانها هي الغائبة عنهم وهم فيها من حيث المحل لا من حيث الصورة .
وقال تعالى : «الذين يأكلون أموال اليتامى ظلما إنما يأكلون في بطونهم نارا وسيصلون سعيرا»(2) وفي الحديث النبوي (ص) (الذين يشربون في آنية الذهب والفضة إنما يجرجر في بطونهم نار جهنم)(3) .
وفي كلام السجاد (ع) (اعلموا أن من خالف أولياء الله ودان بغير دين الله واستبدّ بامره دون أمر ولي الله كان في نار تلتهب تأكل أبدانا قد غابت عنها أرواحها وغلبت عليها شقوتها ، فهم موتى لا يجدون حر النار ولو كانوا أحياء لوجدوا مضض حر النار فاعتبروا يا اولى الابصار واحمدوا الله على ما هداكم)(4) .
عن الصادق (ع) (قال إن رسول الله (ص) صلى بالناس الصبح فنظر إلى شاب في المسجد وهو يخفق ويهوي برأسه مصفرا لونه وقد نحف جسمه وغارت عيناه في رأسه فقال له رسول الله (ص) كيف أصبحت يا فلان ؟ قال : أصبحت يا رسول الله موقنا ، فعجب رسول الله (ص) من قوله ، وقال : إن لكل يقين حقيقة فما حقيقة يقينك ؟ فقال : إن يقيني يا رسول الله هو الذي أحزنني وأسهر ليلي وأظمأ هواجري فعزفت نفسي عن الدنيا وما فيها حتى كأنّي أنظر إلى عرش ربي وقد نصب للحساب وحشر الخلايق لذلك وأنا فيهم وكأني أنظر إلى أهل الجنة يتنعّمون في الجنة ويتعارفون على الأرائك متكئون ، وكأني انظر إلى أهل النار وهم فيها معذّبون مصطرخون ، وكأني الآن أسمع زفير النار يدور في مسامعي .
فقال رسول (ص) لأصحابه : هذا عبد نور الله قلبه بالايمان ، ثم قال له : الزم ما أنت عليه فقال الشاب ادع الله لي يا رسول الله أن ارزق الشهادة معك ، فدعا رسول الله (ص) فلم يلبث أن خرج في بعض غزوات النبي (ص) فاستشهد بعد تسعة نفر وكان هو العاشر(5) (6)

(1) سورة الانفطار : الآية 13 ـ 16 .
(2) سورة النساء : الآية 10 .
(3) الغوالي : ج 2 ص 211 ح 139 .
(4) تحف العقول : ص 183 .
(5) قال المصنف (قد) في الوافي في شرح الحديث : «الخفقة» بالخاء المعجمة والفاء والقاف تحريك الرأس بسبب النعاس «والهاجرة» اشتداد الحر نصف النهار «والعزوف» عن الشيء الزهد فيه «والاصطراخ» الاستغاثة وهذا التنوير الذي اشير به في الحديث انما يحصل بزيادة الايمان وشدة اليقين فانهما ينتهيان بصاحبهما الى ان يطلع على حقايق الاشياء محسوساتها ومعقولاتها فينكشف له حجبها واستارها فيعرفها بعين =
قرة العيون في المعارف والحكم454

وفي رواية (انه كان حارثة بن مالك بن النعمان الانصاري)(1) .
وقد تبين من هذه الكلمة أن لبدن الانسان وروحه حركة طبيعية ذاتية من لدن نشؤه ووجوده ومبدئه إلى آخر بعثه ولقاء بارئه ومعاده ، واليه الاشارة بقوله تعالى : «يا أيها الانسان إنك كادح إلى ربك كدحاً فملاقيه»(2) وبقوله عز وجل : «يا ايها الناس إن كنتم في ريب من البعث فانا خلقناكم من تراب ثم من نطفة ثم من علقة ثم من مضغة»(3) إلى قوله : «وانبتت من كل زوج بهيج ذلك بان الله هو الحق وأنه يحيي الموتى وأنه على كل شيء قدير وأن الساعة آتية لا ريب فيها وأن الله يبعث من في القبور»(4) إلى غير ذلك من نظايره من الآيات .

كلمة
فيها اشارة إلى صحايف الاعمال والميزان

كل ما يدركه الانسان بحواسه يرتفع منه اثر إلى روحه ويجتمع في صحيفة ذاته وخزانة مدركاته ، وكذلك كل مثقال ذرة من خير أو شر يعمله يرى أثره مكتوبا ثمة سيّما ما رسخت بسببه الهيئات وتأكدت به الصفات وصار خلقا وملكة ، فان ذلك مما يوجب خلود الثواب والعقاب ، فكل انسان نفسه صحيفة أعماله وهو كتاب منطو اليوم عن مشاهدة الابصار ، وإنما ينكشف بالموت ورفع ما تورده الشواغل الحسية المعبّر عنه بقوله تعالى : «وإذا الصحف نشرت»(5) .
فاذا حان حين ذلك وهو يوم تبلى السرائر صار الغيب شهادة والسر علانية والخبر عيانا فيقال : «لقد كنت في غفلة من هذا فكشفنا عنك غطاءك فبصرك اليوم الحديد»(6) ، «هذا كتابنا ينطق عليكم بالحق إنا كنا نستنسـخ مـا كنتـم تعملـون»(7) .

= اليقين على ما هي عليه من غير وصمة ريب أو شائبة شك فيطمئن لها قلبه ويستريح بها روحه ، وهذه هي الحكمة الحقيقية التي من اوتيها فقد اوتي خيرا كثيرا الخ .
قال العلامة المجلسي اعلى الله مقامه في البحار على ما في البحار على ما في السفينة : «فعجب رسول الله (ص)» اي تعجب منه لندرة مثل ذلك أو اعجبه وسر به «أسهر ليلي» لحزن الآخرة أو للاستعداد لها أو لحب عبادة الله ومناجاته «عجبا للمحب كيف ينام» والاستناد مجازي اي أسهرني في ليلي وكذا «اظمأ هواجري» أي أظمأني عند المهاجرة وشدة الحر للصوم في الصيف .
(1) الكافي : ج 2 ص 53 ح 2 .
(2) كما في الكافي : ج 2 ص 54 ح 3 .
(3) سورة الانشقاق : الآية 6 .
(4) سورة الحج : الآية 5 .
(5) سورة الحج : الآية 5 ـ 7 .
(6) سورة التكوير : الآية 10 .
(7) سورة ق : الآية 22 .
(8) سورة الجاثية : الآية 29 .
قرة العيون في المعارف والحكم455

فمن كان في غفلة من حساب سرّه فاذا وقع بصره على ذلك والتفت إلى صفحة باطنة وصحيفة قلبه يقول : «ما لهذا الكتاب لا يغادر صغيرة ولا كبيرة إلا أحصاها»(1) .
ثم من كان من أهل السعادة وأصحاب اليمين وكانت معلوماته امورا قدسية واعماله صالحة واخلاقه حسنة فقد اوتي كتابه بيمينه من جهة عليّين ، «إن كتاب الأبرار لفي عليين وما أدريك ما عليّون كتاب مرقوم يشهده المقربون»(2) ، وذلك لأن كتابه من جنس الألواح العالية والصحف المكرّمة المرفوعة المطهرة بأيدي سفرة كرام بررة ، فليس عليه سوى العرض كما قال سبحانه : «فاما من اوتي كتابه بيمينه فيقول هاؤم اقرؤا كتابيه»(3) إلى قوله : «في الأيام الخالية»(4) .
ومن كان من الأشقياء المردودين وكانت معلوماته مقصورة على الجرميّات وأعماله خبيثة وأخلاقه سيئة فقد اوتي كتابه بشماله من جهة سجّين ، «كلا إن كتاب الفجار لفي سجين وما أدريك ما سجين كتاب مرقوم ويل يومئذ للمكذبين»(5) ، وذلك لأن كتابه من جنس الأوراق السفلية والصحايف الحسية القابلة للاحراق ، فلا جرم يعذب بالنار كما قال سبحانه : «وأما من اوتي كتابه بشماله فيقول يا ليتني لم أوت كتابيه ولم أدر ما حسابيه»(6) إلى قوله : «لا ياكله إلا الخاطؤن»(7) .
وامّا من اوتي كتابه وراء ظهره فهم الذين اوتوا الكتاب فنبذوه وراء ظهورهم واشتروا به ثمنا قليلا فقيل لهم ارجعوا وراءكم فالتمسوا نورا ؛ فانه حين نبذه وراء ظهره ظن أن لن يحور فسوف يدعو ثبورا ويصلى سعيرا ، وميزان كل شيء هو المعيار الذي يعرف به قدر ذلك الشيء(8) فميزان يوم القيامة ما يوزن به قدر كل انسان وقيمته على حسب عقيدته وخلقه وعمله ، «لتجزى كل نفس بما كسبت»(9) .
وليس ذلك إلا الامام المعصوم ، إذ به وباقتفاء آثاره وترك ذلك والقرب عن طريقته والبعد عنها يعرف مقدار الناس وقدر حسناتهم وسيئاتهم ، فميزان كل امة نبي تلك الامة ووصي نبيّها والشريعة التي أتى بها «فمن ثقلت موازينه فاولئك هم المفلحون ومن خفت موازينه فاولئك

(1) سورة الكهف : الآية 49 .
(2) سورة المطففين : الآية 18 ـ 21 .
(3) سورة الحاقة : الآية 19 .
(4) سورة الحاقة : الآية 24 .
(5) سورة المطففين : الآية 7 ـ 10 .
(6) سورة الحاقة : الآية 25 ـ 26 .
(7) سورة الحاقة : الآية 37 .
(8) قد تقدم من المصنف (قد) في الرابعة من التاسعة تفصيل ذلك فراجع .
(9) سورة الجاثية : الآية 22 .
قرة العيون في المعارف والحكم456

الذين خسروا انفسهم(1)»(2) .
روي عن هشام بن سالم قال : (سألت أبا عبد الله (ع) عن قول الله عز وجل : «ونضع الموازين القسط ليوم القيامة فلا تظلم نفس شيئا»(3) قال : هم الأنبياء والأوصياء)(4) ، وفي رواية اخرى عنهم (ع) (نحن الموازين القسط ليوم القيامة)(5) ، وما ورد انه يوزن به الصحف فالمراد بالصحف النفوس الانسانية كما دريت ، وما ورد أن له لسانا وكفتين فتمثيل للمعنى بالصورة كما ورد في ساير نظائره .
عن الصادق (ع) انه قيل له : (أوليس توزن الأعمال ؟ قال : لا ، لأن الاعمال ليست أجساما وإنما هي صفة ما عملوا وإنما يحتاج إلى وزن الشيء من جهل عدد الاشياء ولا يعرف ثقلها أو خفتها ، وان الله لا يخفى عليه شيء ، قيل : فما معنى الميزان ؟ قال : العدل قال : فما معناه في كتابه فمن ثقلت موازينه ؟ قال : فمن رجّح عمله)(6) .
عن أمير المؤمنين (ع) (في قوله تعالى : «فأما من ثقلت موازينه ... ومن خفت موازينه»(7) قال : الحسنات ثقل الميزان والسيئات خفة الميزان)(8) .

(1) قال الطبرسي أعلى الله مقامه في تفسير قوله تعالى : «والوزن يومئذ الحق» من سورة الاعراف ما ملخصه : ذكر فيه اقوال : «احدها» ان الوزن عبارة عن العدل في الآخرة وانه لا ظلم فيها على أحد «وثانيها» ان الله ينصب ميزانا له لسان وكفتان يوم القيامة فتوزن به اعمال العباد «ثالثها» ان المراد بالوزن ظهور مقدار المؤمن في العظم ومقدار الكافر في الذلة فمن اتي بالعمل الصالح الذي يثقل وزنه اي يعظم قدره فقد أفلح ومن اتي بالعمل السيء الذي لا وزن له ولا قيمة فقد خسر .
وقال في كيفية الوزن : واختلفوا في كيفية الوزن لان الاعمال اعراض لا تجوز عليها الاعادة ولا يكون لها وزن فقيل : توزن صحايف الاعمال وقيل : تظهر علامات للحسنات وعلامات للسيئات في الكفتين فتراها الناس وقيل : تظهر للحسنات صورة حسنة وللسيئات صورة سيئة وقيل : توزن نفس المؤمن والكافر قال : يؤتى بالرجل العظيم جثة فلا يزن جناح بعوضة .
وقال العلامة المجلسي أعلى الله مقامه في آخركلامه في باب الميزان من البحار : فنحن نؤمن بالميزان ونرد علمه إلى محلة القرآن ولا نتكلف علم ما لم يوضح لنا بصريح البيان والله الموفق وعليه التكلان .
(2) سورة الاعراف : الآية 8 ـ 9 وسورة المؤمنون : الآية 102 ـ 103 .
(3) سورة الانبياء : الآية 47 .
(4) معاني الاخبار : ص 31 ح 1 .
(5) علم اليقين : ج 2 ص 944 .
(6) الاحتجاج : ج 2 ص 98 .
(7) سورة الاعراف : الآية 8 ـ 9 وسورة المؤمنون : الآية 120 ـ 103 .
(8) التوحيد : ص 268 في الرد على الثنوية .

السابق السابق الفهرس التالي التالي