قرة العيون في المعارف والحكم439

بحسبه كفر جهالة ، وهو أهون الكفار عذابا بل أكثرهم لا يرون عذابا واليهم الاشارة بقوله سبحانه : «الا المستضعفين من الرجال والنساء والولدان لا يستطيعون حيلة ولا يهتدون سبيلا»(1) .
ومن وصلت إليه الدعوة فلم يسلّم ولم يصدق ولو ببعضها إما لاستكبار وعلوّ أو لتقليد للأسلاف وتعصّب لهم أو غير ذلك فهو كافر بحسبه كفر جحود وعذابه عظيم وإليهم الإشارة بقوله سبحانه : «إن الذين كفروا سواء عليهم ءأنذرتهم أم لم تنذرهم لا يؤمنون ختم الله على قلوبهم وعلى سمعهم وعلى أبصارهم غشاوة ولهم عذاب عظيم»(2) .
ومن وصلت إليه الدعوة فصدقها بلسانه وظاهره لعصمة ماله ودمه أو غير ذلك من الأغراض وأنكرها بقلبه وباطنه لعدم اعتقاده بها فهو كافر كفر نفاق ، وهو أشدهم عذابا وعذابه اليم واليهم الاشارة بقوله سبحانه : «ومن الناس من يقول آمنّا بالله وباليوم الآخر وما هم بمؤمنين يخادعون الله والذين آمنوا وما يخدعون إلا أنفسهم وما يشعرون في قلوبهم مرض فزادهم الله مرضا ولهم عذاب أليم بما كانوا يكذبون»(3) إلى قوله : «إن الله على كل شيء قدير»(4) .
ومن وصلت إليه الدعوة فاعتقدها بقلبه وباطنه لظهور حقيتها لديه وجحدها أو بعضها بلسانه ولم يعترف بها حسدا أو بغيا وعتوا وعلوا أو تقليدا أو تعصّبا أو غير ذلك فهو كافر كفر تهوّد ، وعذابه قريب من عذاب المنافق وإليهم الاشارة بقوله عز وجل : «الذين آتيناهم الكتاب يعرفونه كما يعرفون أبناءهم وإن فريقا منهم ليكتمون الحق وهم يعلمون»(5) وقوله تعالى : «فلما جاءهم ما عرفوا كفروا به فلعنة الله على الكافرين»(6) وقوله : «إن الذين يكتمون ما أنزلنا من البيّنات والهدى من بعدما بيّناه للناس في الكتاب اولئـك يلعنهـم الله ويلعنهـم اللاعنـون»(7) .
ومن وصلت إليه الدعوة فصدّقها بلسانه وقلبه ولكن لا يكون على بصيرة من دينه أو لسوء فهمه مع استبداده بالرأي أو عدم متابعته للامام أو نائبه المقتفى أثره حقا وإما لتقليد وتعصّب للاباء والاسلاف المستبدين بآرائهم مع سوء أفهامهم أو غير ذلك فهو كافر كفر ضلالة ، وعذابه على قدر ضلالته وما يضل فيه من أمر الدين وإليهم الاشارة بقوله عز وجل : «قل يا أهل الكتاب

(1) سورة النساء : الآية 98 .
(2) سورة البقرة : الآية 6 ـ 7 .
(3) سورة البقرة : الآية 8 ـ 10 .
(4) سورة البقرة : الآية 20 .
(5) سورة البقرة : الآية 146 .
(6) سورة البقرة : الآية 89 .
(7) سورة البقرة : الآية 159 .
قرة العيون في المعارف والحكم440

لا تغلوا في دينكم ولا تقولوا على الله إلا الحق»(1) حيث قالوا عزير ابن الله والمسيح ابن الله وقوله : «يا أيها الذين آمنوا لا تحرّموا طيبات ما أحل الله لكم ولا تعتدوا إن الله لا يحب المعتدين»(2) وبقول نبيّنا (ص) حيث اخبر عن زمان يأتي بعده اتخذ الناس رؤساء جهّالا فسئلوا فافتوا بغير علم فضلّو وأضلوا(3) .
ومن وصلت إليه الدعوة فصدّقها بلسانه وقلبه على بصيرة واتباع للامام أو نائبه الحق إلا أنه لم يمتثل جميع الأوامر والنواهي بل أتى ببعض دون بعض بعد أن اعترف بقبح ما يفعله ولكن لغلبة نفسه وهواه عليه فهو عاص ، والعصيان لا ينافي أصل الايمان ، ولكن ينافي كماله وقد يطلق عليه الكفر وعدم الايمان إذا أتى بالكبائر كما في قوله عز وجل : «ولله على الناس حج البيت من استطاع إليه سبيلا ومن كفر فان الله غني عن العالمين»(4) وقول النبي (ص) (لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن)(5) .
وذلك لأن ايمان مثل هذا لا يدفع عنه استحقاق أصل العذاب ودخول النار وإن دفع عنه استحقاق الخلود فيها فحيث لا يفيده في جميع الأحوال فكأنه مفقود أو نقول : يسلب عنه الايمان ما دام على بطنها ثم يعود إليه كما في رواية اخرى .
إذا تقرر هذا فاعلم أن كل من جهل أمرا من امور دينه بالجهل البسيط فله عرق من كفر الجهالة ، وكل من أنكر حقا واجب التصديق لاستكبار أو هوى أو تعصّب فله عرق من كفر الجحود ، وكل من أظهر بلسانه ما لم يعتقد بباطنه وقلبه لغير غرض ديني كالتقية في محلّها أو نحوذلك أو عمل عملا اخروية لغرض دنيوي فله عرق من النفاق ، وكل من كتم حقا بعد عرفانه أو أنكر مالم يوافق هواه وقبل ما يوافقه فله عرق من التهود ، وكل من استبدّ برأيه ولم يتبع امام زمانه أو نائبه الحق أو من هو أعلم منه في أمر من امور دينه فله عرق من الضلالة ، وكل من أتى حراما أو شبهة أو توانى في طاعة مصرّا على ذلك فله عرق من الفسوق والعصيان .
ومن أسلم وجهه لله في جميع الامور من غير غرض وهوى واتبع امام زمانه أو نائبه الحق آتيا بجميع اوامر الله ونواهيه في غير تواني ولا مداهنة فان أذنب ذنبا استغفر من قريب وتاب أو زل قدمه استقام وأناب ، فهو المؤمن الكامل الممتحن ، ودينه هو الدين الخالص وهو الشيعي

(1) سورة النساء : الآية 171 .
(2) سورة المائدة : الآية 87 .
(3) احياء علوم الدين : ج 1 ص 15 .
(4) سورة آل عمران : الآية 97 .
(5) العوالي : ج 1 ص 40 ح 42 وص 167 ح 184 .
قرة العيون في المعارف والحكم441

حقّا والخاصي صدقا بل هو من أهل البيت إذا كان عالما بأمرهم متحمّلا لسرّهم كما قالوا : (سلمان منّا أهل البيت)(1) .
المقالة العاشرة

في البرزخ وما يتعلق به «ومن ورائهم برزخ إلى يوم يبعثون» المؤمنون / 100 .

كلمة
فيها اشارة الى معنى البرزخ

البرزخ هي الحالة التي تكون بين الموت والبعث وتكون الروح في هذه المدة في بدنها المثالي الذي يرى الانسان نفسه فيه في النوم وفي الحديث النبوي (ص) : (النوم أخ الموت)(2) كما تنامون تموتون وكما تستيقظون تبعثون ، وقال الله سبحانه : «الله يتوفى الانفس حين موتها والتي لم تمت في منامها»(3) .
روي بإسناده عن الكاظم (ع) انه قال في قصة لمنكري المعاد من الامم الماضية : (فاحدث الله فيهم الأحلام ولم يكن قبل ذلك ، فأتوا نبيّهم فأخبروه بما رأوا وما أنكروا من ذلك فقال (ع) إن الله تعالى أراد ان يحتج عليكم بهذا هكذا تكون أرواحكم إذا متم وإن بليت أبدانك تصير الأرواح إلى عقـاب حتـى يبعـث الله الأبـدان)(4) .
وباسنداه الصحيح عن الصادق (ع) (انه قيل له : يروون ان ارواح المؤمنين في حواصل طيور خضر حول العرش فقال : لا ، المؤمن اكرم على الله من ان يجعل روحه في حوصلة طير ولكن في ابدان كابدانهم)(5) .
وفي رواية اخرى عنه (ع) (فاذا قبضه الله صيّر تلك الروح في قالب كقالبه في الدنيا فيأكلون ويشربون ، فاذا قدم عليهم القادم عرفوه بتلك الصورة التي كانت في الدنيا)(6) .
وفي خبر آخر (ان الأرواح على صفة الاجساد في شجرة في الجنة تتعارف وتتساءل ، فقد قدمت الروح على الأرواح يقول : دعوها فانها قد أفلتت من هول عظيم ثم يسألونها ما فعل

(1) عيون اخبار الرضا (ع) : ج 2 ص 64 ح 282 .
(2) العوالي : ج 4 ص 73 ح 47 .
(3) سورة الزمر : الآية 42 .
(4) الكافي : ج 8 ص 90 ح 57 .
(5) الكافي : ج 3 ص 244 ح 1 .
(6) الكافي : ج 3 ص 245 ذيل ح 6 .
قرة العيون في المعارف والحكم442

فلان وما فعل فلان فان قالت لهم : تركته حيّا ارتجوه ، وإن قالت لهم : قد هلك قالوا : قد هوى هوى(1))(2) وزاد في بعضها يقولون : (ربّنا أقم لنا الساعة وانجز لنا ما وعدتنا والحق آخرنا بأولنا)(3) .
وسئل عن أرواح المشركين فقال : (في النار يعذبون يقولون : ربنا لا تقم لنا الساعة ولا تنجز لنا ما وعدتنا ولا تلحق آخرنا بأولنا)(4) .
وباسناده (ان الميت يزور أهله(5) في كل يوم أو يومين أو ثلاثة أو جمعة أو شهر أو سنة على قدر منزلته وعمله ، فينظر إليهم ويسمع كلامهم ، ويرى المؤمن ما يحب ويستر عنه ما يكره ، ويرى الكافر ما يكره ويستر عنه ما يحب)(6) .

كلمة
فيها اشارة الى ان الصورة البرزخية هي الطينة التي خلق منها الانسان

يشبه أن يكون الكناية عن هذه الصورة البرزخية الباقية بعد الموت ما عبر عنه بالطينة أو بعجز الذنب في الأخبار فعن الصادق (ع) (أنه سئل عن الميت هل يبلى جسده قال : نعم حتى لا يبقى له لحم ولا عظم إلا طينته التي خلق منها فانها لا تبلى تبقى في القبر مستديرة حتى يخلق منها كما خلق أول مرّة(7))(8) .

(1) قال في مجمع البحرين : وقولهم هوى هوى أي هلك هلك ومنه كم من دنف نجا وصحيح قد هوي أي مات وهلك وقال في الوافي : هوى : سقط الى اسفل .
(2) الكافي : ج 3 ص 244 ح 3 .
(3) الكافي : ج 3 ص 244 ح 4 .
(4) الكافي : ج 3 ص 245 ح 1 .
(5) قال بعض الاعلام من المعاصرين ايده الله : جمع بعض علماء السنة في عصرنا وهو فريد وجدي مما ذكره حكما الافرنج قصصا كثيرة في زيارة ارواح الموتى لاهله مع قرائن كثيرة تدل على صحة تلك القصص ودلالتها على بقاء الروح بعد فناء الجسد وعنوان هذا الكتاب «على اطلال المذهب المادي» وهو كتاب ممتع خدم به مصنفه اهل الدين .
(6) كما في الكافي : ج 3 ص 230 و231 باب أن الميت يزور اهله :
قال في الوافي : لعل المراد بطينته التي خلق منها بدنها المثالي البرزخي اللطيف الذي يرى الانسان نفسه فيه في النوم ، وقال العلامة المجلسي (قد) في الجزء الثالث من البحار : مستديرة أي بهيئة الاستدارة أو متبدلة متغيرة في أحوال مختلفة ككونها رميما وترابا وغير ذلك فهي محفوظة في كل الاحوال وهذا يؤيد ما ذكره المتكلمون من ان تشخص الانسان انما هو بالاجزاء الاصلية ولا مدخل لساير الاجزاء والعوارض فيه .
(7) الكافي : ج 3 ص 251 ح 7 .
قرة العيون في المعارف والحكم443

وكأن استدارتها كناية عن انتقالها من حال إلى حال من الدوران بمعنى الحركة وإنما لا تبلى لأنها لا تقبل البلى .
وفيه عن السجاد (ع) (وإن الله خلق النبيين من طينة عليين قلوبهم وأبدانهم وخلق قلوب المؤمنين من تلك الطينة وجعل خلق أبدان المؤمنين من دون ذلك ، وخلق الكفار من طينة سجّين قلوبهم وأبدانهم فخلط بين الطينتين فمن ذلك يلد المؤمن الكافر ويلد الكافر المؤمن ، ومن هنا تصيب المؤمن السيئة ومن هنا تصيب الكافر الحسنة وقلوب المؤمنين تحنّ الى ما خلقوا منه وقلوب الكافرين تحن إلى ما خلقوا منه)(1) .
أراد بعليين ما يعم الملكوتين ، فان قلوب النبيّين من الملكوت الاعلى أعني عالم العقول والأرواح ، وأبدانهم من الملكوت الأسفل أعني عالم النفوس والأشباح وأراد بسيجّن عالم الملك وإنما لم يتعرض لذكر الأبدان العنصرية للنبيين لأنه لا علاقة لهم بها فكأنهم وهم في جلابيب من هذه الأبدان قد نقضوها وتجرّدوا عنها لعدم ركونهم إليها وشدة شوقهم إلى النشأة الاخرى .
وإنما نسب خلق أبدان المؤمنين إلى ما دون ذلك لانها مركبة من هذه ومن هذه لتعلّقهم بهذه الابدان العنصرية ما داموا فيها ، وإنما نسب خلق قلوب الكفار إلى سجّين لأنهم لشدة ركونهم إلى العالم الادنى الذي هو بمنزلة السجن واخلادهم إلى الارض بشراشرهم ، كأنهم ليس لهم من الملكوت نصيب لاستغراقهم في الملك .
والخلط بين الطينتين إشارة إلى تعلق الارواح البرزخية بالابدان العنصرية بل نشؤها منها شيئا فشيئا فكل من النشأتين غلبت عليه صار من أهلها فيصير مؤمنا حقيقيا أو كافرا حقيقيا أو بين الامرين على حسب مراتب الايمان والكفر .
وفي الحديث النبوي (ص) (ينشؤ الله النشأة الآخرة على عجز الذنب الذي يبقى من هذه النشأة الدنيا) ، فعليه تركب النشأة الاخرة .
ولعل الوجه في هذه الكناية أن الصورة البرزخية بكمالاتها آخر ما يكتسب من البدن العنصري فيصح التعبير عنها بعجز الذنب الذي هو مؤخّر البدن وعليه يقوم البدن .
وفي رواية اخرى (كل ابن آدم يبلى إلا عجب الذنب)(2) ، وفي تفسير أبي محمد

(1) بصائر الدرجات : ص 35 ح 5 والكافي : ج 2 ص 2 ح 1 .
(2) صحيح مسلم : ج 4 ص 2271 .
قرة العيون في المعارف والحكم444

العسكري (ع) (عند قوله تعالى : «فقلنا اضربوه ببعضها»(1) ، قال أخذوا قطعة وهي عجز الذنب الذي خلق منه ابن آدم وعليه يركب إذا اعيد خلقا جديدا)(2) .
وإلى هذا نظر من أول عجز الذنب بالنفس ومن كنيّ عن الباقي بعد الموت بالجوهر الفرد الذي لا يتجزى نظر إلى تجرّد هذه الصورة عن المادة .

كلمة
فيها اشارة إلى سؤال القبر ونعيمه وعذابه

روي عن أمير المؤمنين (ع) (أن ابن آدم إذا كان في آخر يوم من ايام الدنيا وأول يوم من أيام الآخرة مثل له ما له وولده وعمله ، فيلتفت إلى ماله فيقول : والله إني كنت عليك حريصا شحيحا فمالي عندك ! فيقول : خذ مني كفنك قال : فيلتفت إلى ولده فيقول : والله إني كنت لكم محبّا وإني كنت عليكم محاميا فما لي عندكم ؟ فيقولون : نودّيك إلى حفرتك فنواريك فيها ، قال : فيلتفت إلى عمله فيقول : والله إني كنت فيك لزاهدا وإن كنت عليّ لثقيلا فما لي عندك ؟ فيقول : أنا قرينك في قبرك ويوم نشرك حتى اعرض أنا وأنت على ربك .
قال : فان كان لله وليا أتاه أطيب الناس ريحا واحسنهم «احبّهم خ ل» منظرا واحسنهم رياشا(3) فقال : ابشر بروح وريحان وجنة نعيم ومقدمك خير مقدم فيقول له : من أنت ؟ فيقول : أنا عملك الصالح ارتحل من الدنيا إلى الجنة ، وإنه ليعرف غاسله ويناشد حامله أن يعجّله .
فاذا ادخل قبره أتاه ملكا القبر يجرّان أشعارهما ويخدّان الارض بأقدامهما وأصواتهما كالرعد القاصف(4) وأبصارهما كالبرق الخاطف(5) فيقولان له : من ربك وما دينك ومن نبيّك ؟ فيقول : الله ربي وديني الاسلام ونبيّي محمد (ص) فيقولان له : ثبّتك الله فيما يحب ويرضى وهو قول الله تعالى : «يثبت الله الذين آمنوا بالقول الثابت في الحياة الدنيا وفي الآخرة»(6) ثم يفسحان له في قبره(7) مد بصره ، ثم يفتحان له بابا إلى الجنة ، ثم يقولان له : نم قرير العين

(1) سورة البقرة : الآية 73 .
(2) البرهان : ج 1 ص 109 .
(3) الريش والرياش واحد وهو ما ظهر من اللباس الفاخر . م .
(4) رعد قاصف في صوته تكسر المفردات .
(5) خطف الشيء : استلبه بسرعة البرق البصر : ذهب به . السمع : استرقه . المنجد .
(6) سورة ابراهيم : الآية 27 .
(7) وعن المجلسي اعلى الله درجته في مرآت العقول : لعل المراد بالقبر عالم البرزخ كما مر ، ويقال فسح له يفسح بالفتح فيهما اي وسع له ،والفسحة بالضم : السعة : والمراد بمد البصر مداه وغايته التي ينتهي اليها .
قرة العيون في المعارف والحكم445

نوم الشاب الناعم فان الله تعالى يقول : «أصحاب الجنة يومئذ خير مستقرا وأحسن مقيلا»(1) .
قال واذا كان لربه عدوا فانه يأتيه أقبح من خلق الله زيا وريا وانته ريحا فيقول : ابشر بنزل من حميم وتصلية جحيم ، وانه ليعرف غاسله ويناشد حملته أن يحبسوه ، فاذا ادخل القبر أتاه ممتحنا القبر فالقيا عنه اكفانه ثم يقولان له : من ربك وما دينك ومن نبيّك ؟ فيقول لا أدري فيقولان : لا دريت ولا هديت فيضربـان يافوخـه بمرزبـة(2) معهما ضربة فما خلق الله تعالى من دابة إلا وتذعر(3) لها ما خلا الثقلين ثم يفتحان له بابا إلى النار ثم يقولان له نم بشر حال فيه من الضيق مثل ما فيه القنا من الزج(4) حتى أن دماغه ليخرج من بين ظفره ولحمه ويسلط الله عليه حيّات الأرض وعقاربها(5) وهوامها فتنهشه حتى يبعثه الله من قبره ، وأنه ليتمنى قيام الساعة مما هو فيه من الشر)(6) وفي كثير من الاخبار أنه يسأل عن امامه أيضا .
وعنه (ع) (والله لا يبغضني عبد أبدا يموت إلا رآني عند موته حيث يكره ، ولا يحبني عبد أبدا فيموت على حبّي إلا رآني عند موته حيث يحب)(7) .
وفي رواية عن الباقر (ع) (ورسول الله (باليمين)(8) وعن الصادق (ع) (في الميت تدمع عيناه عند الموت قال : ذلك عند معاينة رسول الله فيرى ما يسرّه (ثم قال : اما ترى الرجل يرى ما يسرّه وما يحبّه فتدمع عينه لذلك ويحضك)(9) (وفي خبر آخر فيقول له رسول الله (ص) : أمّا ما كنت ترجو فهو ذا امامك وأما ما كنت تخاف فقد امنت منه)(10) .
حافظ
شب رحلت هم از بستر روم تا قصر حور العين

اگر در وقت جان دادن تو باشى شمع بالينم


(1) سورة الفرقان : الآية 24 .
(2) الارزبة والمرزبة مشددتان أو الاولى فقط عصية من حديد واليافوخ هو حيث التقى عظم مقدم الرأس ومؤخره كذا في القاموس . وفي «المنجد» اليافوخ الموضع الذي يتحرك من رأس الطفل وهو فراغ بين عظام جمجمته في مقدمتها وأعلاها لا يلبث ان تلتقي فيه العظام .
(3) الذعر بالضم الخوف ذعر كعنى فهو مذعور وبالفتح التخويف كالاذعار والفعل كجعل وبالتحريك الدهش وكصدر الامر المخوف . ق .
(4) الزج بالضم : الحديدة التي في اسفل الرمح ويقابله السنان . والقنا : الرمح جمع قناء كجبل وجبال . المنجد .
(5) وعن العلامة المجلسي في مرآة العقول : الحيات والعقارب اما مثالية تلدغ الاجساد المثالية أو هي المتولدة من القبر تلدغ الجسد الاصلي وتتألم الروح بذلك ونقل بعد ذلك عن الشيخ البهائي «ره» : فلعل عدد هذه الحيات بقدر عدد الصفات المذمومة من الكبر والرياء والحسد وساير الاخلاق والملكات الردية فانها تتشعب وتتنوع أنواعا كثيرة وهي بعينها تنقلب حيات في تلك النشأة .
(6) الكافي : ج 3 ص 231 ح 1 .
(7) الكافي : ج 3 ص 132 ح 5 .
(8) الكافي : ج 3 ص 132 ذيل ح 5 .
(9) الكافي : ج 3 ص 133 ح 6 .
(10) الكافي : ج 3 ص 133 ح .
قرة العيون في المعارف والحكم446

وفي كثير من الروايات عبّر عن الملكين بالمنكر والنكير ، ويخطر بالبال أن المنكر عبارة عن جملة الأعمال المنكرة التي فعلها الانسان في الدنيا فتمثلتا في الآخرة بصورة مناسبة لها مأخوذ ممّا هو وصف الافعال في الشرع أعني المذكور في مقابلة المعروف .
والنكير هو الانكار لغة ولا يبعد أن يكون الانسان إذا رأى فعله المنكر في تلك الحال أنكره ووبخ نفسه عليه فتمثل تلك الهيئة الانكارية او مبدؤها من النفس بمثال مناسب لتلك النشأة فان قوى النفس ومبادي آثارها كالحواس ومبادي اللمم تسمى في الشرع بالملائكة .
ثم إن هذا الانكار من النفس لذلك المنكر يحملها على أن تلتفت إلى اعتقاداتها وتفتش عنها أهي صحيحة حسنة حقة أم فاسدة خبيثة باطلة ؟ ليظهر نجاتها وهلاكها ويطمئن قلبها .
وذلك لأن قبول الاعمال موقوف على صحة الاعتقاد بل المدار في النجاة على ذلك كما هو مقرّر ضروري من الدين ، وإليه اشير بقوله (ص) : (حب علي حسنة لا تضر معها سيئة وبغض عليّ سيئة لا تنفع معها حسنة)(1) .
ثم قد ثبت أن صور تلك النشأة وموجوداتها كلها حيّة مدركة ولاميّة فيها وكل حي مدرك يحب نفسه ويحب أن يكون مقبولا غير مردود فكان المفتش عن الاعتقاد إنما هوالملكان حيث صار ذلك غرضا لهما بهذا الاعتبار .
وأيضا فان النفس أقرب إلى الاعتقاد من العمل إليه فكأنها عالمة به فينبغي أن يكون مسؤولة عنه لما بينه وبينها من الاتحاد ، والملكان سائلين لما بينهما وبينه من المباينة ويؤيّد هذا سكوته (ع) عن العمل المنكر واقتصاره على ذكر العمل الصالح وتسميته الملكين في الاخبار بقعيدي القبر حيث يشعر بالمصاحبة وعدم السؤال إلا عن المؤمن المحض والكافر المحض ، فان من لا يهتم بالدين فهو بمعزل عن ذلك إلى غير ذلك من الاشارات .
وأمّا أشعارهما التي أحاطت بهما ، وجرّا بها الأرض فيشبه أن يكون كناية عن ظلمة المنكر التي تعلوه وتلازمه ، وخدّهما الأرض باقدامهما كأنه كناية عن انتزاعهما من أرض البدن بهيبة وسطوة ، والرعد القاصف كناية عن الصوت العايل (الهايل خ ل) الذي يعتري الانسان حين يفجأه هول عظيم ويهجم عليه داهية غير مامولة ، والبرق الخاطف كناية عن النور الذي به يبصران ما يبصران من ذلك ويميزان الحق من الباطل فيما هنالك .

(1) العوالي : ج 4 ص 86 ح 103 .
قرة العيون في المعارف والحكم447

كلمة
فيها اشارة الى معنى الروح الباقية بعد البدن وانها تُسأل

قد تبيّن من تضاعيف ما ذكر أن الروح الباقية بعد موت البدن العنصري هي التي تكون في قالبة البرزخي أو هي عين القالب البرزخي ذلك لتخصص السابقين بروح القدس التي هي فوق البرزخ كما مر في الثالثة من الرابعة .
وهذا القالب البرزخي هو الذي يتصرف فيه الروح في هذه النشأة العنصرية أيضا وبتوسطه في هذا البدن المحسوس أو هو الروح بعينه ، وعلى التقديرين فحياته ذاتية وهو متولد من هذه الأجسام الترابية ، وهذا البدن العنصري بمنزلة قشر وغلاف له ، فاذا نزل الانسان من مركبه الكثيف المحلول الفاني ركب البدن المكتسب اللطيف الباقي عريّا عن لباس هذه النشأة منتبها عن نومه فيسأل فيجيب .
فان كان من السعداء سار في بساتين الملكوت قائلا ربنا أتمم لنا نورنا واغفر لنا ، وإن كان من الأشقياء وقع في الهاوية والبرهوت قائلا : ربّنا سمعنا وأبصرنا فارجعنا نعمل صالحا غير الذي كنا نعمل ، ومن لم يكن من السعداء ولا من الاشقياء ترك في سكراته حتى يبعث من غير سؤال .
فعن الصادق (ع) قال : (لا يسأل إلا من محض الايمان محضا أو محض الكفر محضا)(1) وفي رواية اخرى (والآخرون يلهون عنهم(2))(3) وفي لفظ آخر (لا يعبؤ بهم)(4) .
محض الايمان أي اخلصه عن شوائب الشرك باكماله واتقانه والاهتمام بشرايطه وأركانه والسعي في تربيته وتقويته طول عمره ، واستكشاف أسراره وتنميته أيام دهره فان من هذا شأنه لا يموت إلا والايمان أكبر همّه والدين أجلّ شأنه فاذا سئل عنهما أجاب بالصواب فيفتح له إلى الجنة باب .
وكذلك من محض الكفر وأخلصه عن شوايب الايمان واهتم به وسعى في تربيته وتقويته يجداله أهل الحق طول عمره ونصبه العداوة لأئمة الدين أيام دهره ، فانه لا يموت إلا والكفر

(1) الكافي : ج 3 ص 236 ح 4 .
(2) أي لا يلتفت اليهم يقال : لهى عن الشيء إذا سلى عنه وترك ذكره وأضرب عنه ، الوافي .
(3) الكافي : ج 3 ص 235 ح 1 .
(4) الكافي : ج 3 ص 237ح 8 .

السابق السابق الفهرس التالي التالي