قرة العيون في المعارف والحكم430

حافظ
غلام همّت آنم كه زير چرخ كبـود

زهر چه رنگ تعلق پذيرد آزاد است

همتشان عالى ودلشان از غير دوست خالى وچون اكثر منسوبان بعلم واتباع ايشان ابناى دنيا وپرستاران جهل وهوا ميباشند خصوصا آنهائى كه پيشوائى عوام در دماغشان جا گرفته با اين قوم كه اهل آخرت واصحاب معرفتند وبا اين علم كه وراى افهام گست وبر تراز ادراك محسوس گر است ايشانست بجهة ضدّ يت وتناكر جنسيت وتباين طريق وتخالف سعت وضيق دشمنى نموده طريقه اين قوم را منكر ميشمارند واين علمرا بكفر وزندقه موسوم ميگردانند ، الناس أعداء لما جهلوا .
شعر
آنكس كه زشهر آشنائيست داند كه متاع ما كجائيست

حافظ
ساقـى بيـار باده وبـا مدعى بگـو

انكار ما مكن كه چنين جام جم نداشت

كلمة
بها يجمع بين الآراء المختلفة في المسائل الدينية

قال الله سبحانه : «هو الذي أنزل عليك الكتاب منه آيات محكمات هن ام الكتاب واخر متشابهات فأما الذين في قلوبهم زيغ(1) فيتبعون ما تشابه منه ابتغاء الفتنة وابتغاء تأويله وما يعلم تأويله إلا الله والراسخون في العلم»(2) .
وهذا نهي صريح عن تأويل المتشابه لغير الراسخين في العلم فيجب علينا أن نؤمن بالمتشابه ونصدقه على مراد قائله حتى يصل الينا تأويله ، وعن الرضا (ع) (من رد متشابه القرآن إلى محكمه هدي إلى صراط مستقيم ثم قال (ع) : وفي اخبارنا متشابه كمتشابه القرآن ومحكما كمحكم القرآن فردوا متشابهها إلى محكمها ولا تتبعوا متشابهها دون محكمها فتضلوا)(3) .
وعن الصادق (ع) (إنما الامور ثلاثة : امر بيّن رشده فيتبع ، وأمر بيّن غيّه فيجتنب ، وأمر

(1) الزيغ : الميل عن الاستقامة كذا في المفردات وقال في مجمع البحرين : الزيغ : الميل عن الحق «الى أن قال» والزيغ الشك والحول والعدول عن الحق .
(2) سورة آل عمران : الآية 7 .
(3) عيون اخبار الرضا : ج 2 ص 226 ح 39 .
قرة العيون في المعارف والحكم431

مشكل يرد علمه إلى الله ورسوله ، قال رسول الله (ص) : حلال بيّن ، وحرام بيّن ، وشبهات بين ذلك فمن ترك الشبهات نجى من المحرمات ومن أخذ بالشبهات ارتكب المحرمات وهلك من حيث لا يعلم)(1) ، وفي رواية اخرى (ومن حام حول الحمى وأوشك أن يقع فيه(2))(3) .
وهذا الحديث النبوي (ص) رواه الصادق (ع) مع استفاضته بين أهل الاسلام ومطابقته للقرآن وموافقته للوجدان نص في تثليث الأحكام وبه يكاد يرتفع الخلاف بين الفقهاء ويحصل الخلاص عما نهينا عنه من القول بالرأي والاجتهاد وما لا يجوز عليه الاعتماد لا بها مناما أبهم الله وسكوتنا عمّا عنه سكت الله ،وكما أن تارك الشبهات ليس كالهالك من حيث لا يعلم فكذلك الهالك من حيث لا يعلم ليس كالهالك من حيث يعلم .
فالناس ثلاث فرق مترتّبين ولما كان ذلك كذلك وارتفع الحاجة إلى القطع في جميع الاحكام فصح القول بلا ادري الذي هو نصف العلم صح النهي عن التدين بما لا يعلم بالبرهان وعن القول بالرأي من غير استيقان كما ورد في اخبار كثيرة سواء تعلق بالاعتقاد او العمل لأن التشابه في المتشابه محكم ما لم يصل إلينا تأويله من أهله وكذا الشبهة في المشتبه ، فالجاهل بما لا سبيل له إلى القطع فيه معذور وباعترافه بالجهل مأمور ليس له أن يجتهد رأيه ويعمل به ولا أن يقلده في غيره ويثق به بل يحتاط فيما لم يرد فيه نص يعتمد عليه ويتخير فيما اختلفت الرواية فيه كما ورد عنهم (ع) فكل ما نضطر إلى العلم به فلنا طريق إلى العلم به ، كل ما لا طريق لنا إلى العلم به فلا نضطر إلى العلم به ولله الحمد على ذلك .
وقال أمير المؤمنين (ع) : (ان الله حد حدودا فلا تعتدوها وفرض فرايض فلا تنقصوها وسكت عن أشياء لم يسكت عنها نسيانا لها فلا تتكلفوها رحمة من الله لكم فاقبلوها )(4) وقال (ع) : في ذم اختلاف العلماء في الفتيا : ترد على أحدهم القضية في حكم من الأحكام فيحكم فيها برايه ثم ترد تلك القضية بعينها على غيره فيحكم فيها بخلاف قوله ، ثم يجتمع القضاء بذلك عند امامهم الذي استقضاهم فيصوب آراءهم جميعا والههم واحد وكتابهم واحد ونبيّهم واحد .
أفأمرهم الله سبحانه بالاختلاف فأطاعوه ؟ أم نهاهم عنه فعصوه ؟ أم أنزل الله سبحانه دينا

(1) الكافي : ج 1 ص 67 ح 10 .
(2) أي من قارب المعاصي ودنا منها قرب وقوعه فيها . م .
(3) احياء علوم الدين : ج 3 ص 31 .
(4) نهج البلاغة : ص 487 حكمة 105 (باختلاف بسيط) .
قرة العيون في المعارف والحكم432

ناقصا فاستعان بهم على إتمامه ؟ أم كانوا شركاء له فلهم أن يقولوا وعليه أن يرضى أم أنزل الله دينا تامّا فقصّر الرسول عن تبليغه وأدائه والله سبحانه يقول : «ما فرطنا في الكتاب من شيء»(1) ، «وفيه تبيانا لكل شيء»(2) وذكر أن الكتاب يصدّق بعضه بعضا وأنه لا اختلاف فيه فقال سبحانه : «ولو كان من عند غير الله لوجدوا فيه اختلافا كثيرا»(3) وأن القرآن ظاهره انيق(4) وباطنه عميق(5) لا تفنى عجايبه ولا تنقضي غرايبه ولا تنكشف الظلمات إلا به)(6) .
وقال (ع) : (اعلموا عباد الله أن المؤمن يستحل العام ما استحل عاما أول ويحرّم العام ما حرّم عام أول وان ما احدث الناس لا يحل لكم شيئا ممّا حُرّم عليكم ، ولكن الحلال ما أحل الله والحرام ما حرم الله)(7) .
وقال (ع) (يا معشر شيعتنا والمنتحلين ولايتنا إياكم وأصحاب الرأي فانهم أعداء السنن تفلتت منهم الأحاديث ان يحفظوها ، واعيتهم(8) السنة ان يعوها(9) ، فاتخذوا عباد الله حولا وماله دولا فذلت لهم الرقاب واطاعهم الخلق أشباه الكلاب ونازعوا الحق وأهله وتمثلوا بالأئمة الصادقين وهم من الجهال الملاعين ، فسئلوا عمّا لا يعلمون ، فانفوا أن يعترفوا بأنّهم لا يعلمون ، فعارضوا الدين بآرائهم فضلوا وأضلوا اما لو كان الدين بالقياس لكان باطن الرجلين أولى بالمسح من ظاهرهما)(10) .
وعن الباقر (ع) (من افتى الناس برأيه فقد دان الله بما لا يعلم ، ومن دان الله بما لا يعلم فقد ضاد الله حيث أحد وحرّم فيما لا يعلم)(11) .
وعن الصادق (ع) (أنه سئل ما حق الله على خلقه ؟ فقال : أن يقولوا ما يعلمون ويكفّوا

(1) سورة الانعام : الآية 38 .
(2) سورة النحل : الآية 89 .
(3) سورة النساء : الآية 82 .
(4) اي حسن معجب بأنواع البيان وأصنافه ، وغرابة الاسلوب وحسنه ؛ وايتلاف النظم وانساقه .
(5) شرح الخوئي لاشتماله على أنواع الحكم من أمر بحسن ونهي عن قبيح وخبر عن مخبر صدق ودعاء إلى مكارم الأخلاق وحث على الخير والزهد واشتماله على تبيان كل شيء وعلى ما كان وما يكون وما هو كاين .
(6) نهج البلاغة : ص 60 خطبة 18 .
(7) نهج البلاغة : ص 254 خطبة 176 .
(8) قوله تعالى أفعيينا بالخلق الاول اي أفأعجز بالخلق الاول حين أنشأناكم يقال : عيا من باب تعب عجز عنه ولم يهتد لوجه مراده وفي حديث الأئمة (ع) فان اعيانا شيء تلقانا به روح القدس وفي المفردات الاعياء عجز يلحق البدن من المشي ، والعي عجز يلحق من تولى الامر والكلام .
(9) الوعي حفظ الحديث ونحوه قال تعالى : وتعيها اذن واعية وفي الحديث عن النبي (ص) هي اذنك يا علي .
(10) البحار : ج 2 ص 84 .
(11) الكافي : ج 1 ص 57 ح 17 .
قرة العيون في المعارف والحكم433

عمّا لا يعلمون)(1) وعنه (ع) (أنه قيل له ترد علينا أشياء لا نعرفها في كتاب ولا سنة فننظر فيها ؟ قال : لا أما أنك لو أصبت لم توجر ، وإن أخطأت كذبت على الله)(2) .
والاخبار في هذا المعنى عنهم (ع) أكثر من أن تحصى فما اشتهر بين أهل الاجتهاد ان من اجتهد فاصاب فله أجران ومن اجتهد فاخطأ فله أجر واحد ، فهو خبر عامي لا يفيد ظنّا ، وإن صح فهو محمول على الاجتهاد في متعلقات الأحكام مثل الاجتهاد في القبلة ودخول الوقت وفقر آخذ الزكاة إلى غير ذلك إذا لم يتيسّر العلم به دون نفس الحكم الشرعي ، فان ذلك تشريع لا يصح إلا بالوحي قال الله تعالى : «فسئلوا أهل الذكر ان كنتم لا تعلمون»(3) وأهل الذكر هم الأئمة المعصومون من أهل بيت النبوة والوحي المنصوبون لنجاة الخلق .
وقال الصادق (ع) : (أما أنه شر عليكم ان تقولوا بشيء ما لم تسمعوه منا)(4) ، وقال (ع) : (اذا أردت العلم الصحيح فخذ عن أهل البيت فانا رويناه واوتينا شرح الحكمة وفصل الخطاب ان الله اصطفانا واتانا ما لم يؤت أحدا من العالمين)(5) ، وقال (ع) (احتفظوا بكتبكم فانكم سوف تحتاجون إليها)(6) ، وقال (ع) : لمفضل بن عمر : (اكتب وبث علمك في اخوانك فان مت فاورث كتبك بنيك فانه يأتي على الناس زمان حرج لا يأنسون فيه إلا بكتبهم)(7) .
شعر
ان آثارنـا تـدل علينـا فانظروا بعدنا إلى الآثار

كلمة
في معنى المحكم والمتشابه والتاويل

المحكم ما اتفق عليه الافهام ، والمتشابه ما اختلف فيه ، وقد يكون المتشابه عند قوم محكما عند آخرين ولهذا قال الصادق (ع) : (المتشابه ما اشتبه على جاهله والتأويل تعميم المعنى المتبادر من اللفظ بحيث يشمل معاني آخر تشترك معه في المفهوم فيحمل على غير المتبادر من تلك المعاني وبه يرتفع التناقض فيما خص من الالفاظ تارة بهذا المعنى واخرى بذلك)(8) .
وتحقيق القول في التأويل يقتضي الاتيان بكلام مبسوط من جنس اللباب ، وفتح باب من
(1) الكافي : ج 1 ص 50 ح 12 .
(2) الكافي : ج 1 ص 56 ح 11 .
(3) سورة النحل : الآية 43 .
(4) الكافي : ج 2 ص 402 ذيل ح 1 .
(5) المحجة : ج 1 ص 201 راجع البصائر الباب الثامن عشر من الجزء العاشر .
(6) الكافي : ج 1 ص 52 ح 10 .
(7) الكافي : ج 1 ص 52 ح 11 .
(8) انظر الوسائل : ج 18 ص 148 نقله عن رسالة المحكم والمتشابه .
قرة العيون في المعارف والحكم434

العلم ينفتح منه لأهله ألف باب فنقول وبالله التوفيق .
إن لكل معنى من المعاني حقيقة وروحا وله صورة وقالب وقد يتعدّد الصور والقوالب لحقيقة واحدة ، وانما وضعت الالفاظ للحقايق والأرواح ولوجودهما في القوالب يستعمل الالفاظ فيها على الحقيقة لاتحاد ما بينهما .
مثلا لفظ القلم إنما وضع لآلة نقش الصور في الألواح من دون ان يعتبر فيها كونها من قصب أو حديد أو غير ذلك ، بل ولا أن يكون جسما ، ولا كون النقش محسوسا أو معقولا ، ولا كون اللوح من قرطاس أو خشب ، بل مجرد كونه منقوشا فيه ، وهذا حقيقة اللوح وحده وروحه فان كان في الوجود شيء يتسطر بواسطته نقش العلوم في ألواح القلوب فاخلق «كذا» به أن يكون هو القلم فان الله علم بالقلم علم الإنسان ما لم يعلم بل هو القلم الحقيقي حيث وجد فيه روح القلم وحقيقته وحدّه من دون ان يكون معه ما هو خارج عنه .
وكذلك الميزان مثلا فانه موضوع لمعيار يعرف بها المقادير وهذا معنى واحد هو حقيقته وروحه وله قوالب مختلفة وصور شتى بعضها جسماني وبعضها روحاني كما يوزن به الأجرام والأثقال ، مثل ذي الكفتين والقيان وما يجري مجراهما ، وما يوزن به المواقيت والارتفاعات كالاسطر لاب ، وما يوزن به الدواير والقسّى كالفرجار وما يوزن به الأعمدة كالشاقول ، وما يوزن به الخطوط كالمسطر ، وما يوزن به الشعر كالعروض ، وما يوزن به الفلسفة كالمنطق ، وما يوزن به بعض المدركات كالحس والخيال ، وما يوزن به العلوم والأعمال كما يوضع ليوم القيامة ، وما يوزن به الكل كالعقل الكامل إلى غير ذلك من الموازين .
وبالجملة ميزان كل شيء يكون من جنسه ولفظة الميزان حقيقة في كل منها باعتبار حده وحقيقته الموجودة فيه ، وعلى هذا القياس كل لفظ ومعنى وأنت إذا اهتديت إلى الأرواح صرت روحانيا وفتحت لك أبواب الملكوت وأهلت لمرافقة الملأ الأعلى وحسن اولئك رفيقا .
فما من شيء في عالم الحس والشهادة إلا وهو مثال وصورة لأمر روحاني في عالم الملكوت هو روحه المجرد وحقيقته الصرفة وعقول جمهور الناس في الحقيقة أمثلة لعقول الأنبياء والأولياء فليس للأنبياء والأولياء أن يتكلموا معهم إلا بضرب الأمثال لانهم امروا أن يكلموا الناس على قدر عقولهم وقدر عقولهم أنهم في النوم بالنسبة إلى تلك النشأة والنايم لا ينكشف له شيء في الأغلب إلا بمثل .
ولهذا من كان يعلم الحكمة غير أهلها رأى في المنام أنه يعلق الدر في أعناق الخنازير ،

قرة العيون في المعارف والحكم435

ومن كان يؤذن في شهر رمضان قبل الفجر رأى أنه يختم على أفواه الناس وفروجهم وعلى هذا القياس .
وذلك لعلامة خفية بين النشئات ، فالناس نيام فاذا ماتوا انتبهوا وعلموا حقايق ما سمعوه بالمثال وعرفوا أرواح ذلك وعقلوا أن تلكم الأمثلة كانت قشورا قال الله سبحانه : «انزل من السماء ماء فسالت أودية بقدرها فاحتمـل السيـل زبـدا رابيـا(1)»(2) .
فمثل العلم بالماء والقلوب بالأودية والضلال بالزبد ثم نبّه في آخرها فقال «كذلك يضرب الله الامثال»(3) ، فكل ما لا يحتمل فهمك فان القرآن يلقيه اليك على الوجه الذي كنت في النوم مطالعا بروحك للّوح المحفوظ ليمثل لك بمثال مناسب ، وذلك يحتاج إلى التعبير .
فالتأويل يجري مجرى التعبير ، فالمفسّر يدور على القشر ، ولما كان الناس انما يكلمون على قدر عقولهم ومقاماتهم فما يخاطب به الكل يجب أن يكون للكل فيه نصيب ، فالقشرية من الظاهر بين لا يدركون إلا المعاني القشرية كما أن القشر من الانسان وهو ما في الاهاب(4) والبشرة من البدن لا ينال إلا قشر تلك المعاني وهو ما في الجلد والغلاف من السواد والصور .
وأما روحها وسرّها وحقيقتها فلا يدركها إلا اولو الألباب ، وهم الراسخون في العلم وإلى ذلك اشار النبي (ص) في دعائه لبعض أصحابه حيث قال (اللهم فقهه في الدين وعلمه التأويل)(5) ولكل منهم حظ قلّ ام كثر ، وذوق نقص أو كمل ، ولهم درجات في الترقي إلى اطوارها وأغوارها وأسرارها وأنوارها .
وأما البلوغ للاستيفاء والوصول إلى الأقصى فلا مطمع لأحد فيه ولو كان البحر مدادا

(1) الوادي سفح الجبل العظيم المنخفض الذي يجتمع فيه ماء المطر ، والقدر اقتران الشيء بغيره من غير زيادة ولا نقصان والوزن يزيد وينقص فاذا كان مساويا فهو القدر ؛ والاحتمال رفع الشيء على الظهر بقوة الحامل له ويقال علا صوته على فلان فاحتمله ولم يعصه ، والزبد قذر الغليان وهو خبث الغليان ومنه زبد القدر وزبد السيل ، ورابيا أي طافيا عاليا فوق الماء .
شبه سبحانه الحق والاسلام بالماء الصافي النافق للخلق ، والباطل بالزبد الذاهب باطلا وقيل : انه مثل للقرآن النازل من السماء ثم تحتمل القلوب حظها من اليقين والشك على قدرها فالماء مثل اليقين والزبد مثل الشك كذا في مجمع البيان .
(2) سورة الرعد : الآية 17 .
(3) سورة الرعد : الآية 17 .
(4) الاهاب ككتاب : الجلد ويقال ما لم يدبغ وربما استعير لجلد الانسان . م .
(5) احياء علوم الدين : ج 1 ص 38 .
قرة العيون في المعارف والحكم436

لشرحه والاشجار أقلاما «قل لو كان البحر مدادا لكلمات ربّي لنفد البحر قبل أن تنفد كلمات ربي ولو جئنا بمثله مددا»(1) .
ومما ذكر يظهر سبب اختلاف ظواهر الآيات والاخبار الواردة في اصول الدين وذلك لأنه ممّا خوطب به طوايف شتى وعقول مختلفة ، فيجب أن يكلم كل على قدر فهمه ومقامه ومع هذا فالكل صحيح غير مختلف من حيث الحقيقة ولا مجاز فيه أصلا ، واعتبر ذلك بمثال العميان والفيل وهو مشهور .
وعلى هذا فكل من لم يفهم شيئا من المتشابهات من جهة أن حمله على الظاهر كان مناقضا بحسب الظاهر لاصول صحيحة دينيّة وعقايد حقة يقينية عنده فينبغي أن يقتصر على صورة اللفظ ولا يبدلها ويحيل العلم به إلى الله والراسخين في العلم ، ثم يترصّد لهبوب رياح الرحمة من عند الله ويتعرض لنفخات أيام دهره الآتية من قبل الله ، لعل الله يأتي له بالفتح أو امر من عنده ، ويقضي الله أمرا كان مفعولا ، فان الله سبحانه ذمّ قوما على تأويلهم المتشابهات بغير علم إذ قال : «فأما الذين في قلوبهم زيغ فيتبعون ما تشابه منه ابتغاء الفتنة وابتغاء تأويله وما يعلم تأويله إلا الله والراسخون في العلم»(2) .

كلمة
بها يتبين مراتب الايمان والكفر

قال الله سبحانه : «يا أيها الذين آمنوا آمنوا بالله ورسوله والكتاب الذي نزل على رسوله والكتاب الذي انزل من قبل ومن يكفر بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر فقد ضل ضلالا بعيدا»(3) ومرجع الايمان إلى العلم ، وذلك لأن الايمان هو التصديق بالشيء على ما هو عليه ولا محالة هو مستلزم لتصوّر ذلك الشيء كذلك وهما معنى العلم ، والكفر ما يقابله وهو بمعنى الستر والغطاء ، ومرجعه إلى الجهل ، وللعلم والايمان درجات مترتبة في القوة والضعف والزيادة والنقصان بعضها فوق بعض .
عن الصادق (ع) (للايمان حالات ودرجات وطبقات ومنازل ، فمنه التام المنتهي تمامه ، ومنه الناقص البيّن نقصانه ، ومنه الراجح الزايد رجحانه)(4) .

(1) سورة الكهف : الآية 109 .
(2) سورة آل عمران : الآية 7 .
(3) سورة النساء : الآية 136 .
(4) الكافي : ج 1 ص 38 ح 7 .
قرة العيون في المعارف والحكم437

وعن الباقر (ع) (إن المؤمنين على منازل ، منهم على واحدة ، ومنهم على اثنين ومنهم على ثلاث ، ومنهم على أربع ، ومنهم على خمس ؛ ومنهم على ست ، ومنهم على سبع ، فلو ذهبت تحمل على صاحب الواحدة ثنتين لم يقو ، وعلى صاحب الثنتين ثلاثا لم يقو ـ وساق الحديث ، ثم قال : ـ وعلى هذه الدرجات)(1) ، وزاد في رواية (ولو علم الناس أن الله خلق هذا الخلق على هذا لم يلم أحد احدا)(2) .
أقول : وذلك لأن الايمان إنما يكون بقدر العلم الذي به حياة القلب ، وهو نور يحصل في القلب بسبب ارتفاع الحجاب بينه وبين الله جل جلاله «الله ولي الذين آمنوا يخرجهم من الظلمات إلى النور»(3) ، «أو من كان ميتا فأحييناه وجعلنا له نورا يمشي به في الناس كمن مثله في الظلمات ليس بخارج منها»(4) .
وهذا النور قابل للقوة والضعف والازدياد والنقص كساير الانوار «وإذا تليت عليهم آياته زادتهم ايمانا»(5) ، «وقل رب زدني علما»(6) كلما ارتفع حجاب ازداد نور فيقوى الايمان ويتكامل إلى أن ينبسط نوره ، فينشرح صدره ، ويطلع على حقايق الاشياء ويتجلى له الغيوب ويعرف كل شيء في موضعه .
فيظهر له صدق الأنبياء في جميع ما اخبروا عنه اجمالا وتفصيلا على حسب نوره بمقدار انشراح صدره ، وينبعث من قلبه داعية العمل بكل مأمور ، والاجتناب عن كل محذور «محظور» ، فيصاب إلى نور معرفة أنوار الأخلاق الفاضلة والملكات الحميدة ، يسعى نورهم بين أيديهم وبأيمانهم ، نور على نور ، وكل عبادة تقع على وجهها تورث في القلب صفاء تجعله مستعدا لحصول نور فيه وانشراح ومعرفة ويقين ، ثم ذلك النور والمعرفة واليقين تحمله على عبادة اخرى واخلاص آخر فيها يوجب نورا آخر وانشراحا أتم ومعرفة اخرى ويقينا أقوى ، وهكذا إلى ما شاء الله .
ومثل ذلك مثل من يمشي بسراج في ظلمة فكلما أضاء له من الطريق قطعة مشى فيها فيصير ذلك المشي سببا لاضاءة قطعة اخرى منه وهكذا في الحديث النبوي (ص) (من علم وعمل بما علم ورّثه الله علم ما لم يعلم)(7) .

(1) الكافي : ج 1 ص 45 ح 3 .
(2) الكافي : ج 1 ص 44 ح 1 .
(3) سورة البقرة : الآية 257 .
(4) سورة الانعام : الآية 122 .
(5) سورة الانفال : الآية 2 .
(6) سورة طه : الآية 14 .
(7) البحار : ج 40 ص 128 والحياة : ج 1 ص 99 ح 1 .
قرة العيون في المعارف والحكم438

فأوائل درجات الايمان تصديقات مشوبة بالشكوك والشبهة على اختلاف مراتبها ويمكن معه الشرك وما يؤمن أكثرهم بالله إلا وهم مشركون ، وعنها تعبّر بالاسلام في الأكثر «قالت الأعراب آمنا قل لم تؤمنوا ولكن قولوا أسلمنا ولما يدخل الايمان في قلوبكم»(1) .
وأواسطها تصديقات لا يشوبها شك ولا شبهة ، «الذين آمنوا بالله ورسوله ثم لم يرتابوا»(2) ، واكثر اطلاق الايمان عليها خاصّة «إنما المؤمنون الذين إذا ذكر الله وجلت قلوبهم وإذا تليت عليهم آياته زادتهم ايمانا وعلى ربّهم يتوكلون»(3) .
وأواخرها تصديقات كذلك مع كشف وشهود وذوق وعيان ومحبة كاملة لله سبحانه وشوق تام إلى حضرته المقدسة «يحبهم ويحبونه أذلة على المؤمنين أعزة على الكافرين يجاهدون في سبيل الله ولا يخافون لومة لائم ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء»(4) وعنها العبارة تارة بالاحسان الاجسان أن تعبد الله كانك تراه ، والاخرى بالايقان ، «وبالآخرة هم يوقنون»(5) .
وإلى المراتب الثلاث الاشارة بقوله عز وجل : «ليس على الذين آمنوا وعملوا الصالحات جناح فيما طعموا إذا ما اتقوا وآمنوا وعملوا الصالحات ثم اتقوا وآمنوا ثم اتقوا وأحسنوا والله يحب المحسنين(6)»(7) .
ولما كان الكفر في مقابلة الايمان فله أيضا درجات ومراتب لا يمكن الخروج منها جميعا إلا بعد طي مراتب الايمان جميعا ولما كان الايمان الكامل الخالص هو التسليم لله تعالى والتصديق بما جاء به النبي (ص) لسانا وقلبا على بصيرة مع امتثال جميع الأوامر والنواهي كما هي .
فمن لم تصل إليه الدعوة النبويّة ولو في بعض الأمور لعدم سماعه أو عدم فهمه فهو كافر

(1) سورة الحجرات : الآية 14 .
(2) سورة الحجرات : الآية 15 .
(3) سورة الانفال : الآية 2 .
(4) سورة المائدة : الآية 54 .
(5) سورة البقرة : الآية 4 .
(6) قال الطبرسي (قد) في مجمع البيان : « ليس على الذين آمنوا وعملوا الصالحات جناح » اي اثم وحرج «فيما طعموا» من الخمر والميسر قبل نزول التحريم ، وفي تفسير أهل البيت (ع) فيما طعموا من الحلال ، وهذه اللفظة صالحة للاكل والشرب جميعا «اذا ما اتقوا» شربها بعد التحريم «وآمنوا» بالله «وعملوا الصالحات» أي الطاعات «ثم اتقوا» أي داموا على الاتقاء «وآمنوا» أي داموا على الايمان ؛ «ثم اتقوا» بفعل الفرايض «وأحسنوا» بفعل النوافل وذكره (ره) فيه وجوها اخر فراجع «والله يحب المحسنين» أي يريد ثوابه واجلالهم واكرامهم وتبجيلهم .
(7) سورة المائدة : الآية 93 .

السابق السابق الفهرس التالي التالي