قرة العيون في المعارف والحكم394

في الخلق والتركيب في شيء من أحوالهم ، مؤيّدين من عند الحكيم العليم بالحكمة .
ثم ثبت ذلك في كل دهر وزمان ممّا أتت به الرسل والأنبياء من الدلايل والبراهين كيلا تخلو أرض الله من حجة يكون معه علم يدل على صدق مقالته وجواز عدالته)(1) ، وقد نبّه الله سبحانه في قصة آدم على نبيّنا وعليه السلام على وجوب الحجة واصطفائه على الملائكة إذ قال تعالى :
«وإذ قال ربك للملائكة إني جاعل في الأرض خليفة قالوا أتجعل فيها من يفسد فيها ويسفك الدماء ونحن نسبح بحمدك ونقدّس لك قال إني أعلم ما لا تعلمون ، وعلم آدم الأسماء كلها ثم عرضهم على الملائكة فقال انبئوني باسماء هؤلاء إن كنتم صادقين ، قالوا سبحانك لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم قال يا آدم انبئهم باسمائهم فلمّا أنبأهم بأسمائهم قال الم اقل لكم إني أعلم غيب السموات والأرض وأعلم ما تبدون وما كنتم تكتمون»(2) وقال عز وجل : «فاذا سويته ونفخت فيه من روحي فقعوا له ساجدين»(3) .
وذلك لأنه مظهر الأسماء كلها بخلاف الملائكة وأنه المفيض للكمالات من اسم الله إلى ما سواه بل هو بعينه الاسم الجامع للاسماء كلها ، لأنه يدل على الله بظهوره في المظاهر كلها دلالة الاسم على المسمى ، فان الدلالة كما تكون في الألفاظ كذلك تكون بالذوات من غير فرق بينهما فيما يؤول إلى المعنى .
قال الصادق (ع) (نحن والله الاسماء الحسنى التي لا يقبل الله من العباد عملا إلا بمعرفتنا)(4) وذلك لإنهم (عليهم السلام) وسايل معرفة ذاته تعالى ووسايط ظهور صفاته سبحانه ، وإنما لا يقبل الله عملا إلا بمعرفتهم لأن العلم بكيفية العمل وبمن يعمل له إنما يؤخذ منهم فالحجة كما أنه لا بد منه كذلك معرفته أيضا لا بد منها .
قال النبي (ص) (من مات ولم يعرف إمام زمانه مات ميتة جاهلة)(5) ، ثم المستفاد من الأخبار المعصومية أن الحجة إما نبي رسول يسمع الصوت ويعاين الملك وقد ارسل إلى قوم ، وإما نبي يسمع الصوت ويرى في النوم ولا يعاين في اليقظة ولم يبعث إلى أحد ، وربما يكون عليهما إمام كما كان إبراهيم على لوط فان الامامة فوق النبوة والرسالة وإما وصي نبي يحدثه

(1) الكافي : ج 1 ص 168 ح 1 .
(2) سورة البقرة : الآية 30 ـ 33 .
(3) سورة ص : الآية 72 .
(4) الكافي : ج 1 ص 143 ح 4 .
(5) الدعائم : ج 1 ص 27 وفيه «من مات لا يعرف امام دهره مات ميتة جاهلية» .
قرة العيون في المعارف والحكم395

الملك يسمع صوته ولا يراه ، وقد يكون اماما من دون ان يكون نبيّا كأوصياء نبينا صلوات الله عليه وعليهم ، وبالجملة فهم متفاوتون في الفضل .
قال الله تعالى : «تلك الرسل فضّلنا بعضهم على بعض منهم من كلم الله ورفع بعضهم درجات»(3) والكل حجة الله على عباده وامناؤه في بلاده وداعيهم الى الله بمقاله وفعاله ومشاهدة أحواله ومن هو منهم إمام يأتمون به في أقواله وأفعاله ، وهو أولى بهم من أنفسهم لأنه وليّهم ومولاهم والشهيد عليهم في عقباهم حاكم بينهم يحكم بالحق فيما اختلفوا فيه وأمير عليهم يكونون تحت أوامره ونواهيه ويتيقنون بالرجوع إليه ما شكوا فيه كما جعل الله تعالى لحواس الانسان قلبا لتكون مسخرة تحت أمره ونهيه وترد إليه ما شكت فيه .
والحجة بمنزلة روح العالم والعالم جسده فكما أن الروح إنما يدبر الجسد ويتصرّف فيه بما يكون له القوى الروحانية والجسمانية كذلك الحجة يدبّر العالم ويتصرف فيه باذن الله بواسطة الأسماء الإلهية التي أودعها فيه وعلمها إياه وركبها في فطرته ، فانها منه بمنزلة القوى من الروح ، ولهذا تخرب الدار الدنيا بانتقال الحجة عنها كما أن الجسد يبلى ويفنى بمفارقة الروح عنه .
قال النبي (ص) (النجوم أمان لأهل السماء فاذا ذهبت النجوم ذهب أهل السماء ، وأهل بيتي أمان لأهل الأرض فاذا ذهب أهل بيتي ذهب أهل الأرض)(1) . وقال أمير المؤمنين (ع) : (لا تخلو الأرض من قائم لله بحجة إما ظاهر مشهور وإما خائف مغمور)(2) . وقال السجاد (ع) : (لولا ما في الأرض منا لساخت(3) بأهلها)(4) ، وقال الباقر (ع) (لو أن الأمام رفع من الارض ساعة لماجت(5) بأهلها كما يموج البحر بأهله)(6) ، ومثله عن الصادق والكاظم والرضا (ع) ، فالحجة هي الغاية القصوى من وجود العالم والمقصد الأقصى عن خلقة بني آدم
غرض توتي ز وجود همه جهان ورنه لما تكوّن في الكون كائن لولاك

(3) سورة البقرة : اآية 253 .
(1) امالي الطوسي : ص 388 والاكمال : ص 199 ونور الثقلين : ج 3 ص 46 .
(2) نهج البلاغة : ص 497 حكمة 147.
(3) ساخت الارض بهم سوخا أي خسفت . ق .
(4) الاحتجاج : ج 2 ص 48 .
(5) ماج البحر يوج موجا اضطربت أمواجه . م .
(6) الكافي : ج 1 ص 179ح 12 .
قرة العيون في المعارف والحكم396

ولهذا تواصلت الحجج نبيّين ووصيّين من زمان أبينا آدم على نبيّنا وعليه السلام إلى زمان قائمنا (ع) من دون فترة وانقطاع بنص كل سابق على لاحقه باخبار من الله سبحانه منهم من ظهر ومنهم من استخفى كما ورد عنهم (ع) في أخبار كثيرة .
كلمة
فيها اشارة الى كيفية حصول الوحي وغيره من انواع العلم في قلوب اهليهما

إن حقايق الاشياء كلها مسطورة في اللوح المحفوظ ، وإنما تفيض على قلوبنا من ذلك العالم بواسطة القلم العقلي الكاتب في ألواح نفوسنا كما قال عز وجل «اولئك كتب في قلوبهم الايمان»(1) وقال سبحانه : «علم بالقلم علم الانسان ما لم يعلم»(2) .
وقلب الانسان صالح لأن ينتقش فيه العلوم كلها وهو كمرآة مستعدة لأن يتجلى فيه حقيقة الحق في الامور كلها من اللوح المحفوظ ، وإنما خلى عمّا خلى عنه من العلوم إما لنقصان ذاته كقلب الصبي وهو يشبه نقصان صورة المرآة كجوهر الحديد قبل أن يصيقل ، أو لكثرة المعاصي والخبث الذي تراكم عليه من كثرة الشهوات المانعة من صفائه وجلائه ، وهذا يشبه خبث(3) المرآة وصداها .
أو لعدوله عن جهة الحقيقة المطلوبة لاستيعاب همّته بتهيئة أسباب المعيشة وتفضيل الاعمال البدنية المانعة من التأمل في الحضرة الربويّة والحقايق الحقّة الالهية ، فلا ينكشف له إلا ما هو متفكر فيه وهذا يشبه كون المرآة معدولا بها عن جهة الصورة .
أو لحجاب بينه وبين المطلوب من اعتقاد سبق إليه منذ الصبا على سبيل التقليد والقبول بحسن الظن ، فان ذلك يحول بينه وبين حقايق الحق ويمنع أن ينكشف في قلبه خلاف ما تلقفه من ظاهر التقليد ، وهذا يشبه الحجاب المرسل بين المرآة وبين الصورة المطلوب رؤيتها .
او لجهل بالجهة التي يقع فيها العثور على المطلوب فان طالب العلم ليس يمكنه أن يحصل العلم المطلوب إلا بالتذكر للعلوم التي تناسب مطلوبه حتى إذا ذكرها ورتبها في نفسه ترتيبا مخصوصا حصل له المطلوب فاذا لم يكن عنده العلوم المناسبة لذلك لم يحصل له

(1) سورةالمجادلة : الآية 22 .
(2) سورة العلق : الآية 4 ـ 5 .
(3) الخبث من الحديد ونحوه وسخه وصدى الحديد صدءا اذا علاه الجرب .
قرة العيون في المعارف والحكم397

المطلوب ، وهذا يشبه الجهل بالجهة التي فيها الصورة المطلوبة ، فهذه هي الاسباب المانعة لادراك الحقايق .
ثم إن العلوم التي ليست ضرورية إنما تحصل في القلب تارة بالاكتساب بطريق الاستدلال والتعلم ، ويسمى اعتبارا واستبصارا ويختص بالعلماء والحكماء ، وتارة بهجومه على القلب كانّه القي فيه من حيث لا يدري سواء كان عقيب طلب وشوق اولا وسواء كان مع الاطلاع على السبب الذي استفيد ذلك العلم اولا .
فانه قد يكون بمشاهدة الملك الملقى في القلب وسماع حديثه ، وقد يكون بمجرّد السماع من غير مشاهدة ، وقد يكون بنفثه في الروع من غير سماع ينكت(1) في القلب نكتا أو يلهم الهاما ، وقد يكون ذلك الهجوم في النوم كما يكون في اليقظة والمشاهدة تختص بالانبياء والرسل وخص باسم الوحي عرفا ، وقد يكون لغيرهم .
وكما أن الحجاب بين المرآة والصورة يزال تارة بتعمل اليد المتصرّفة ، وتارة لهبوب ريح تحركه فكذلك استفادة العلوم بالقلم الالهي للانسان قد تكون بقوة فكرته المتصرفة في تجريد الصور عن الغواشي(2) والانتقال من بعضها إلى بعض ، وقد تهب رياح الالطاف الالهية فيكشف الحجب والغواشي عن عين بصيرته فيتجلى فيها بعض ما هو مثبت في اللوح الاعلى .
فيكون تارة عند المنام ، فيظهر ما سيكون في المستقبل وتارة بتقشع الحجاب بلطف خفي من الله فيلمع في القلب من وراء ستر الغيب شيء من غرايب أسرار الملكوت في اليقظة فربما يدوم وربما يكون كالبرق الخاطف ودوامه في غاية الندور فلم يفارق الالهام وحديث الملك الاكتساب في العلم ولا في محله ولا في سببه ولكن يفارقه في طريقة زوال الحجاب وجهته ولم يفارق الوحي الالهام والحديث في شيء من ذلك بل في شدة الوضوح والتورية ومشاهدة الملك المفيد للعلم .
والكل مشتركة في أنها بواسطة الملك الذي هو القلم كما قال عز وجل : «علم بالقلم»(3) ولعلّه اشير إلى هذه المراتب الثلاث في قوله سبحانه : «وما كان لبشر أن يكلمه الله إلا وحيا أو من وراء حجاب أو يرسل رسولا»(4) .

(1) في الحديث : اذا أراد الله بعبد خيرا نكت في قلبه نكتة من نور . النكتة في الشيء كالنقطة . م .
(2) جمع الغاشية : والغاشية كل ما يغطي الشيء .
(3) سورة العلق : الآية 4 .
(4) سورة الشورى : الآية 51 .
قرة العيون في المعارف والحكم398

قال بعض العلماء السر في اطلاع النبي على الملك الموحي دون غيره أنه لمّا صقل روحه بصقالة العقل للعبودية التامة زالت عنه غشاوة الطبيعة ورين(1) المعصية بالكلية وكانت نفسه قدسية شديدة القوى قوية الانارة لما تحتها لم يشغلها جهة فوقها عن جهة تحتها فتضبط الطرفين وتسع الجانبين ولا يستغرقها حسّها الباطن عن حسّها الظاهر .
فاذا توجهت إلى الافق الاعلى وتلقّت أنوار المعلومات بلا تعليم بشريّ من الله يتعدى تأثيرها إلى قويها ويتمثل صورة ما يشاهده لروحها البشري ومنها إلى ظاهر الكون فتمثل للحواس الظاهرة سيّما السمع والبصر لكونهما أشرف الحواس الظاهرة والطفها فيرى شخصا محسوسا ويسمع كلاما منظوما في غاية الجودة والفصاحة أو يرى صحيفة مكتوبة .
فالشخص هو الملك النازل الحامل للوحي الالهي ، والكلام هو كلام الله والكتاب كتابه وقد نزل كل منها من عالم الامر القولي القضائي وذاته الحقيقيّة وصورته الأصلية إلى عالم الخلق الكتابي القدري في أحسن صورته وأجمل كسوة كتمثل جبرئيل (ع) لنبيّنا (ص) في صورة دحية بن الخليفة الكلبي الذي كان أجمل أهل زمانه .
ويقال ما رآه في صورته الحقيقية الا مرتين وذلك أنه (ص) سأله ان يريه نفسه على صورته فواعده ذلك بحراء(2) فطلع له جبرئيل (ع) فسد الأفق من المشرق إلى المغرب ، وفي رواية كان له ستمأة جناح ، ورآه مرة اخرى عى صورته ليلة المعراج عند سدرة المنتهى .

كلمة
فيها اشارة الى سادة الانبياء والاوصياء واصول الشرايع

عن الصادق (ع) (سادة النبيين والمرسلين خمسة : وهم اولو العزم من الرسل وعليهم دارت الرحى : نوح ، وإبراهيم ، وموسى ، وعيسى ، ومحمد صلوات الله عليه وآله وعلى جميع الأنبياء)(3) .
وفي رواية (قيل : كيف صاروا اولو العزم ؟ قال : لأن نوحا بعث بكتاب وشريعة وكل من جاء بعد نوح أخذ بكتاب نوح وشريعته ومنهاجه حتى جاء إبراهيم بالصحف وبعزيمة ترك كتاب

(1) الرين صدا يعلو الشيء الجليل قال : بل ران على قلوبهم ، اي صار ذلك كصداء على جلاء قلوبهم فعمى عليهم معرفة الخير من الشر ، المفردا ت.
(2) حراء بالكسر والمد : جبل بمكة . م .
(3) الكافي : ج 1 ص 175 ح 3 .
قرة العيون في المعارف والحكم399

نوح لا كفرا به وكل نبي جاء بعد إبراهيم أخذ بشريعة إبراهيم ومنهاجه وبالصحف حتى جاء موسى بالتوراة وشريعته ومنهاجه وبعزيمة ترك الصحف ، وكل نبي جاء بعد موسى (ع) أخذ بالتوراة وشريعته ومنهاجه حتى جاء المسيح (ع) بالانجيل وبعزيمة ترك شريعة موسى (ع) ومنهاجه ، فكل نبي جاء بعد المسيح (ع) أخذ بشريعته ومنهاجه حتى جاء محمد (ص) بالقرآن وبشريعته ومنهاجه فحلاله حلال إلى يوم القيامة وحرامه حرام إلى يوم القيامة فهؤلاء اولو العزم من الرسل (ع))(1) .
وفيه عنه (ع) قال : (إن الله أعطى محمدا (ص) شرايع نوح وإبراهيم وموسى وعيسى التوحيد والاخلاص وخلع الانداد(2) والفطرة الحنفيّة السمحة ولا رهبانية ولا سياحة ، احل فيها الطيبات وحرّم فيها الخبائث ووضع عنهم إصرهم(3) والاغلال التي كانت عليهم ثم افترض عليه فيها الصلاة والزكاة والصيام والحج والامر بالمعروف والنهي عن المنكر والحلال والحرام والمواريث والحدود والفرايض والجهاد في سبيل الله وزيادة الوضوء ، وفضله بفاتحة الكتاب وبخواتيم سورة البقرة ، والمفصل وأحل له المغنم والفيء ونصره بالرعب وجعل له الأرض مسجدا وطهورا وأرسله كافة إلى الابيض والاسود والجن والانس وأعطاه الجزية واسر المشركين وفداهم ، ثم كلف ما لم يكلف أحد من الأنبياء وانزل عليه سيف من السماء من غير غمد ، وقيل له قاتل في سبيل الله لا تكلف إلا نفسك)(4) .
وفيه عنه (ع) (قال : ان الله أدّب نبيه فاحسن أدبه فلما أكمل له الأدب قال : «إنك لعلى

(1) الكافي : ج 2 ص 17 ح 2 .
(2) نديد الشيء مشاركه في جوهره وذلك ضرب من المماثلة فان المثل يقال في اي مشاركه كانت فكل ند مثل وليس كل مثل ندا ويقال نده ونديده ونديدته قال : فلا تجعلوا لله أندادا . المفردات .
(3) الاصر عقد الشيء وحبسه بقدره قال تعالى : ويضع عنهم اصرهم اي الامور التي تثبطهم وتقيدهم عن الخيرات ، وعن الوصول الى الثوابات كذا في المفردات وقال في مجمع البحرين : هو مثل لثقل تكليفهم نحو قتل الانفس في التوبة وكذلك الاغلال وقال في مجمع البيان : اصرهم اي ثقلهم شبه ما كان على بني اسرائيل من التكليف الشديد بالثقل وذلك ان الله سبحانه جعل توبتهم ان يقتل بعضهم بعضا وجعل توبة هذه الامة الندم بالقلب حرمة لنبي (ص) عن الحسن وقال في تفسير الاغلال : معناه ويضع عنهم العهود التي كانت في ذمتهم وجعل تلك العهد بمنزلة الاغلال التي تكون في الاعناق للزومها كما يقال : هذا طوق في عنقك وقيل : يريد بالاغلال التي تكون في ما امتحنوا به من قتل نفوسهم في التوبة وقرض ما يصيبه البول من اجسادهم وما اشبه ذلك «الخ» .
(4) الكافي : ج 2 ص 17 ح 1 .
قرة العيون في المعارف والحكم400

خلق عظيم»(1) ثم فوّض إليه أمر الدين والأمة ليسوس(2) عباده فقال تعالى : «ما آتيكم الرسول فخذوه وما نهيكم عنه فانتهوا»(3) وأن رسول الله (ص) كان مسدّدا موفّقا مؤيدا بروح القدس لا يزل ولا يخطئ في شيء مما يسوس به الخلق ، فتأدّب بآداب الله(4) .
ثم ذكر (ع) (ما سن رسول الله (ص) وأضاف إلى الشرايع وما حرم الله وما عاف وكره ثم رخّص فيه قال فأجازه الله ذلك كله فوافق أمر رسول الله (ص) أمر الله ، ونهيه نهي الله ووجب على العباد التسليم له كالتسليم لله)(5) ، وزاد في رواية (فما فوض إلى رسول الله فقد فوّضه الينا)(6) .
ستاره بـدرخشـيد ومـاه مجلس شـد‍‍‌‏‎ دل رميده ما را أنيس ومونس شد
نگار من كه بمكتب نرفت وخط ننوشت بغمزه مسئله آموز صد مدرس شد

وفيه عنه (ع) (قال : ما جاء به علي (ع) اخذ به وما نهى عنه انتهى عنه جرى له من الفضل مثل ما جرى لمحمد (ص) ، ولمحمد (ص) الفضل على جميع ما خلق الله المتعقب عليه في شيء من احكامه كالمتعقب على الله وعلى رسوله ، والراد عليه في صغيرة أو كبيرة على حد الشرك بالله .
كان أمير المؤمنين (ع) باب الله الذي لا يؤتى إلا منه ، وسبيله الذي من سلك بغيره يهلك ، وكذلك يجري لأئمة الهدى واحدا بعد واحد جعلهم الله أركان الارض أن تميد بأهلها وحجته البالغة على من فوق الأرض ومن تحت الثرى .
وكان أمير المؤمنين (ع) كثيرا ما يقول : أنا قسيم الله بين الجنة والنار وأنا الفاروق الأكبر وأنا صاحب العصا والميسم ولقد اقرّت لي جميع الملائكة والروح والرسل بمثل ما أقرّوا به لمحمد (ص) ، ولقد حملت مثل حمولته وهي حمولة الرب وأن رسول الله (ص) يدعى فيكسى وادعى فاكسى ، ويستنطق فينطق واستنطق فانطق على حد منطقه ، ولقد اعطيت خصالا ما سبقني إليها أحد قبلي ، علمت المنايا والبلايا والانساب وفصل الخطاب ، فلم يفتني ما سبقني ولم يعزب عني ما غاب عني ابشر باذن الله واؤدي عنه كل ذلك من الله ، مكنني فيه بعلمه)(7)

.
(1) سورة القلم : الآية 4 .
(2) ساس يسوس سياسة القوم : دبرهم وتولى أمرهم وسست الرعية سياسة أمرتها ونهيتها .
(3) سورة الحشر : الآية 7 .
(4) الكافي : ج 1 ص 266 ح 4 .
(5) الكافي : ج 1 ص 266 ذيل ح 4 «بالمعنى» .
(6) الكافي : ج 1 ص 265 ذيل ح 2 .
(7) الكافي : ج 1 ص 196 ح 1 .
قرة العيون في المعارف والحكم401

أقول : «المتعقب» الطاعن والمعترض وإنما كان علي (ع) قسيم الله بين الجنة والنار لأن حبّه موجب للجنة وبغضه موجب للنار ، وفيه ينقسم الفريقان وبه يتفرقان كذا ورد عنهم (ع)(1) .
وإنما كان الفاروق الأكبر لانه به يفرق بين الحق والباطل وأهليهما «والعصا» عصا موسى (ع) التي صارت إليه من شعيب (ع) وإلى شعيب من آدم (ع) يعني هي عندي اقدر بها على ما قدر عليه موسى (ع) «والميسم» بالكسر المكواة(2) لما كان بحبه وبغضه (ع) يتميز المؤمن عن المنافق فكأنه كان يسم على جبين المنافق بكيّ النفاق .
«والحمولة» بالضم الاحمال يعني كلفني الله ربي مثل ما كلّف محمد (ص) من أعباء التبليغ والهداية ، «وهي حمولة الرب» اي الاحمال التي وردت من الله سبحانه لتربية الناس وتكميلهم .
والدعوة(3) يشبه أن يكون كناية عن الأمر بالاقبال الذي مر بيانه في حديث العقل والجهل ، وهو السير إلى الله في سلسلة العود ، والكسوة(4) كناية عن تغشيهما بنور الجبار وغفران انيّتهما في الجليل الغفار ، واضمحلال وجدهما في الواحد القهّار كما ورد في الحديث النبوي (ص) (علي ممسوس في ذات الله) .
شعر

زبس بستم خيال تو تو كشتم پاى تا سر من

تو آمد رفته رفته رفت من آهسته آهسته


قال بعض العارفين إذا تجلى الله سبحانه بذاته لاحد يرى كل الذوات والصفات والافعال متلاشية في أشعة ذاته وصفاته وأفعاله يجد نفسه مع جميع المخلوقات كأنها مدبّرة لها وهي

(1) روى الشيخ الصدوق باسناده المتصل عن المفضل بن عمر قال : قلت لابي عبد الله جعفر بن محمد الصادق (ع) : بما صار علي بن أبي طالب قسيم الجنة والنار ؟ قال (ع) لان حبه ايمان وبغضه كفر وانما خلقت الجنة لاهل الايمان وخلقت النار لاهل الكفر فهو عليه السلام قسيم الجنة والنار لهذه العلة ، والجنة لا يدخلها الا اهل محبته ، والنار لا يدخلها الا اهل بغضه (الخ) رواه المصنف في علم اليقين عن كتاب علل الشرايع ؛ قال ابن أبي الحديد :
‍‍‌‏‎والله لولا حيدر ما كانت الد نيا ولا جمع البرية مجمع
واليه في يوم المعاد حسابنا وهو الملاذ لنا غدا والمفزع
(2) المكواة : حديدة يكوى بها : ميسم توسم به الغنم . المنجد .
(3) في قوله «ع» في الرواية المذكورة .
(4) وان رسول الله (ص) يدعى فيكسى وادعى فاكسى .
قرة العيون في المعارف والحكم402

أعضائها لا يلم(1) بواحد منها شيء الا ويراه ملما به ويرى ذاته الذات الواحدة وصفته صفتها وفعله فعلها لاستهلاكه بالكلية في عين التوحيد وليس للانسان وراء هذه الرتبة مقام في التوحيد .
ولما انجذب بصيرة الروح إلى مشاهدة جمال الذات استتر نور العقل الفارق بين الأشياء في غلبة نور الذات القديمة ، وارتفع التميز بين القدم والحدوث لزهق الباطل عند مجيء الحق .
شعر

عشق بگرفت مرا از من وبنشست بجاى

سيئآتم ستدند وحسناتم دادند

وقد مضى كلام آخر في هذا المعنى في الرابعة من الرابعة ، ولعل هذا هو السر في صدور بعض الكلمات الغريبة من مولانا أمير المؤمنين (ع) في خطبة البيان وفي خطبته الموسومة بالطتنجيّة وغيرهما من نظايرهما .
كقوله (ع) : (أنا آدم الأول أنا نوح الأول أنا آية الجبار أنا حقيقة الأسرار أنا مورق الأشجار أنا مونع(2) الثمار أنا مجري الانهار «إلى أن قال» أنا ذلك النور الذي اقتبس موسى منه الهدى أنا صاحب الصور أنا مخرج من القبور أنا صاحب يوم النشور أنا صاحب نوح ومنجيه أنا صاحب أيوب المبتلى وشافيه أنا اقمت السموات بامر ربي) إلى آخر ما قال من امثال ذلك صلوات الله وسلامه عليه
حافظ
‍‍‌‏‎الا اي طـوطـى گـوياي اسرار مبـادا خـاليت شكّـر ز منقـار
‍‍‌‏‎سرت سبز ودلت خوش باد وجاويد كه خوش نقشى نمودى از رخ يار
‍‍‌‏‎سخن سربسته گفتى با حـريقـان خـدا رازيـن معمـا نكتـه بردار
‍‍‌‏‎بروى مـازن از ساغـر گـلابى كه خواب آلوده ايم اي بخت بيدار
‍‍‌‏‎خـرد هــر چند نقـد كاينانست چـه سنجد پيش عشق كيميا كـار
‍‍‌‏‎سكـنـدر را نـمى بخشنـد آبـى بـزور وزر ميسـر نيست اين كار
بيـا و حـال أهـل دود بـشنـو بـلفـظ انـدك ومـعنـى بسيـار

(1) لم لماً الشيء : جمعه وضمه .
(2) اينع الثمر يونع وينع الثمر كمنع وضرب اذا أدرك ونضج وحان قطافه . م .

السابق السابق الفهرس التالي التالي