 | |
قرة العيون في المعارف والحكم | | 385 |
|
 |
الغرض غني عما سواه ، بل انساقت(1) حجته البالغة وحكمته الكاملة إلى تعذيب فريق ، وتنعيم فريق بما ركب في كل واحد من الآلات وخلق لهم من الدواعي والارادات وغيرها من اسباب المعاصي والطاعات والشرور والخيرات فانقسمت افعال الله إلى ما ينساق إلى الغاية المطلوبة بالذات وإلى ما ينساق إلى غاية اخرى مرادة بالعرض ، فاطلق على الأول اسم المحبوب وعلى الثاني اسم المكروه .
وانقسم عباده الذين هم أيضا من فعله واختراعه إلى من سبقت لهم العناية بالحسنى بتسليط الدواعي والبواعث عليه لسياقتهم «لسياقهم خ» إلى غاية الحكمة وإلى المشية الربانية .
عن الصادق (ع) (قال : كان أمير المؤمنين (ع) كثيرا ما يقول : اعلموا علما يقينا أن الله تعالى لم يجعل للعبد وإن اشتد جهده وعظمت حيلته وكثرت مكايدته ان يسبق ما سمي له في الذكر الحكيم ، أيها الناس إنه لن يزداد امرء نقيرا بحذقه(2) ، ولم ينقص امرء نقيرا بحمقه ، فالعالم بهذا العامل به أعظم الناس راحة في منفعة ، والعالم بهذا التارك له أعظم الناس شغلا في مضرة ، ورب منعم عليه مستدرج بالاحسان إليه ، ورب مغرور في الناس مصنوع له)(3) .
وعن النبي (ص) (اعلم أن الامة لو اجتمعت على ان ينفعوك بشيء لم ينفعوك إلا بشيء كتبه الله لك ، ولو اجتمعوا على أن يضرّوك لم يضرّوك إلا بشيء كتبه الله عليك رفعت الأقلام وجفت الصحف ، وفي التنزيل «قل لن يصيبنا إلا ما كتب الله لنا هو مولينا وعلى الله فليتوكل المؤمنون»(4) وقال تعالى : «ما أصاب من مصيبة في الأرض ولا في أنفسكم إلا في كتاب من قبل أن نبرأها(5) إن ذلك على الله يسير لكيلا تأسوا على ما فاتكم ولا تفرحوا بما آتيكم»(6))(7) .
وعن الصادق (ع) (أوحى الله تعالى إلى داود يا داود تريد واريد ولا يكون إلا ما اريد ، وإن لم تسلم لما اريد اتعبتك فيما تريد ثم لا يكون إلا ما اريد)
(8) .
|
(1) انساق مطاوع ساق وانساق الابل : سارت متتابعة . المنجد .
(2) حذق حذقا كان ماهرا فهو حاذق .
(3) الكافي : ج 5 ص 81 ح 9 .
(4) سورة التوبة : الآية 51 .
(5) الضمير في نبرأها للنفس او المصيبة ، والمراد بالمصيبة في الارض مثل القحط ونقص الثمار ؛ وفي الانفس مثل الامراض والثكل بالاولاد ؛ والمراد بالكتاب اللوح المحفوظ . م .
(6) سورة الحديد : الآية 22 ـ 23 .
(7) التوحيد : ص 337 ح 4 ولكن ذكره بسند عن الامام أمير المؤمنين (ع) .
|
 | |
قرة العيون في المعارف والحكم | | 386 |
|
 |
فاذن ظهر أن لا راد لقضاء الله ولا معقب لحكمه ، ما شاء الله كان وما لم يشأ لم يكن لا ملجأ لعباده فيما قضى ، ولا حجة لهم فيما ارتضى لم يقدروا على عمل ولا معالجة فيما احدث في أبدانهم المخلوقة إلا بربّهم هذا .
وقد ثبت أن المواد تحت قهر الطبايع باذن الله ، والطبايع تحت قهر النفوس باذن الله ، والنفوس تحت قهر العقول باذن الله ، والعقول تحت قهر كبرياء الله عز وجل وهو الله الواحد القهّار .
ومن وجه آخر أن الأرضين تحت تأثير السماوات باذن الله ، والسماوات في ذل تسخير الملكوت باذن الله ، والملكوت في قيد اسر الجبروت باذن الله ، والجبروت مقهور بأمر الجبار جل سلطانه وهو الغالب على أمره والقاهر فوق عباده ، والأرض جميعا قبضته ، والسماوات مطويّات بيمينه ، والشمس والقمر والنجوم مسخّرات بأمره ، وما من دابة إلا هو آخذ بناصيتها .
أيدي الكل مغلولة بيد قدرته ، والله خلقكم وما تعلمون ، وأرجلهم معقولة بعقال(1) مشيته هو الذي يسيّركم في البر والبحر ، وآمالهم منقطعة إلا بحوله وقوته ، وإن يمسسك الله بضر فلا كاشف له إلا هو وان يردك بخير فلا راد لفضله ، إن ينصركم الله فلا غالب لكم وإن يخذلكم فمن ذا الذي ينصركم من بعده ، فسبحان الذي بيده ملكوت كل شيء ، وتبارك الذي بيده الملك .
وفي الحديث النبوي (ص) (اعوذ بعفوك من عقابك وأعوذ بك برضاك من سخطك وأعوذ بك منك)(2) ، وأشار بالأول إلى توحيد الأفعال ، وبالثاني إلى توحيد الصفات ، وبالثالث إلى توحيد الذات ، وفي مناجاة سيد الشهداء (ع) في دعاء عرفة ، (أنت الذي أزلت الأغيار عن قلوب احبائك حتى لم يحبّوا سواك)(3) .
حافظ
| نيست بر لوح دلم جز الف قامت يار |
|
چكنم حرف دگر ياد نداد استادم |
|
(1) العقال : حبل يشد به البعير في وسط ذراعه ومنه العقال الذي يشد على الرأس . المنجد .
(2) صحيح مسلم : ج 1 ص 352 ح 486 .
(3) الاقبال : ص 349 س 20 .
|
 | |
قرة العيون في المعارف والحكم | | 387 |
|
 |
|
كلمة بها يجمع بين مدخلية الاسباب الخارجة في الأفعال وبين الفراغ من الامر وبها يتبين ما يتبع ذلك
|
كما أن الأشياء الداخلة في وجود الانسان كالعلم والقدرة والارادة من جملة أسباب الفعل ، فكذلك الامور الخارجة من الدعوات والطاعات والسعي والجد والتدبير والحذر والالتماس والتكليف والوعد والوعيد والارشاد والتهذيب والترغيب والترهيب وأمثال ذلك ، فان ذلك كله أسباب ووسايط ووسايل وروابط لوجود الأفعال ، ودواعي إلى الخير ومهيجات للأشواق مهيئة للمطالب موصلة إلى الارزاق مخرجة للكمالات من القوة إلى الفعل .
وكل ذلك مما يقاوم القضاء لا من حيث إنه فعل العبد فانه من هذه الحيثية مما يتحكم به القضاء لانه لو لم يقض لم يوجد بل من حيث إن الله سبحانه جعله من الأسباب على حسب ما قدر وقضى لربط ومواخاة بينه وبين الفعل كما جعل شرب الدواء سببا لحصول الصحة في هذا المريض ؛ فالسبب والمسبّب كلاهما ينبعثان من القضاء ويستندان إلى الله سبحانه وإلى أمره إراديا ايجاديا أو تكليفيا .
(سئل النبي (ص) أنحن في أمر فرغ منه أو أمر مستانف ؟ قال (ص) : في أمر فرغ منه وفي أمر مستانف)(1) (وسئل هل يغني الدواء والرقية من قدر الله ؟ قال : الدواء والرقية أيضا من قدر الله)(2) .
(وسئل أمير المؤمنين (ع) عند انحرافه عن جدار يريد أن ينقض(3) أتفر من قضاء الله ؟ قال أفر من قضائه إلى قدره)(4) ، ولما كانت الحكمة الالهية تقتضي أن يكون العبد معلقا بين الرجاء والخوف الذين بهما يتم العبودية ، جعل الله كيفية علمه وقضائه وقدره وساير الأسباب غايبه عن العقول ، وجعل الدعوات والطاعات وما يجري مجرى ذلك مناط التكليف وملاك العبودية ليتم المقصود ، وهذا إحدى الطرق في تصحيح القول بالتكاليف مطلقا مع الاعتراف باحاطة علم الله وكون الأقدار جارية والأقضية سابقة في الكل .
وأما الابتلاء من الله سبحانه فهو إظهار ما كتب لنا أو علينا في القدر وإبراز ما اودع فينا
|
(1) علم اليقين ج 1 ص 207 .
(2) احياء علوم الدين : ج 4 ص 261 .
(3) انقض الحائط اذا سقط وقيل : اذا تصدع ولم يسقط فاذا سقط قيل : انهار . م .
(4) التوحيد : ص 369 ح 3 .
|
 | |
قرة العيون في المعارف والحكم | | 388 |
|
 |
وغرز(1) في طباعنا بالقوة بحيث يترتب عليه الثواب والعقاب فانه ما لم يخرج من القوة إلى الفعل لم يوجد بعد وإن كان معلوما لله تعالى فلا يحصل ثمرته وتبعته اللازمتان ، ولهذا قال سبحانه تعالى : «ولنبلونكم حتى نعلم المجاهدين منكم الصابرين ونبلو أخباركم»(2) .
وأما الثواب والعقاب فهما من لوازم الأعمال الواقعة منا وثمراتها ولواحق الامور الموجودة فينا وتبعاتها ليسا يردان علينا من خارج ، فالمجازاة أيضا هو إظهار ما كتب لنا أو علينا في القدر وإبراز ما اودع فينا وغرز في طباعنا بالقوة كما قال سبحانه : «سيجزيهم وصفهم»(3) .
وأما تفاوت النفوس في ذلك وعدم تساويها في الخيرات والشرور واختلافها في السعادة والشقاوة فلاختلاف استعداداتها المادية في اللطافة والكثافة والقرب من الاعتدال الحقيقي والبعد عنه وتفاوت الأرواح التي بازائها في الصفاء والكدرة والقوة والضعف بحسب الفطرة لمناسبة تلك المواد وغير ذلك من الاسباب قال الله تعالى : «قل كل يعمل على شاكلته»(4) اي ما يوافق استعداده ، وفي الحديث النبوي (ص) (اعملوا فكل ميسّر لما خلق له)(5) . حافظ
| كرجه وصالش نه بكوشش دهند |
|
آنقدر ايدل كه تواني بكوش |
والسر فيه إنما هو تقابل الاسماء الالهية الكمالية الطالبة لمظاهرها المختلفة ، فان من الواجب أن يكون من جملة صفات الملك وخصوصا ملك الملوك صفة لطف وقهر لأنهما من أوصاف الكمال ونعوت الجلال ولا بد لكل من الوصفين من مظهر ولكل منهما فروع وشعب غير متناهية كل منهما يوجب تعلق ارادته سبحانه وقدرته إلى ايجاد مخلوق يدل عليه كما مر الاشارة إليه فكل من الموجودات مظهر لاسم خاص إلهي فلذلك اقتضت رحمة الباري ايجاد المخلوقات كلها لتكون مظاهر لأسمائه الحسنى ومجالي(6) لصفاته العليا .
مثلا لما كان منتقما قهارا أوجد المظاهر القهرية من الجحيم وساكنيها والزقوم ومتناوليها ، ولما كان عفوّا غفارا أوجد مجالي للعفو والغفران كالجنة واهليها والتسنيم(7) وشاربيها ومنها
|
(1) غرزت الشيء غرزا من باب ضرب : اثبته في الارض واغرزته بالالف لغة ومنه حديث لف الخرقة للميت : واغرزها في الموضع الذي لففت فيه الخرقة . م .
(2) سورة محمد : الآية 31 .
(3) سورة الانعام : الآية 139 .
(4) سورة الاسراء : الآية 84 .
(5) التوحيد : ص 356 ح 3 .
(6) من جلا جلاء على معنى ظهر ووضح .
(7) قال الراغب في المفردات : قيل هو عين في الجنة رفيعة القدر وفسر بقوله : « عينا يشرب بها المقربون » وقال الطريحي في مجمع البحرين : وعن ابن عباس وقد سئل عن تسنيم فقال : هذا مما يقول الله تعالى : « فلا تعلم نفس ما اخفى لهم من قرة اعين » .
|
 | |
قرة العيون في المعارف والحكم | | 389 |
|
 |
يظهر السعادة والشقاوة فمنهم شقي وسعيد فظهر أن لا وجه لاسناد الظلم والقبايح إلى الله سبحانه لأن هذا الترتيب والتميز من وقوع فريق في طريق اللطف وآخر في طريق القهر من ضروريات الوجود والايجاد ومن مقتضيات الحكمة والعدالة .
ومن هنا قال بعض العلماء ليت شعري لم لا ينسب الظلم إلى الملك المجازي حيث يجعل بعض من تحت تصرفه وزيرا قريبا وبعضهم كنّاسا بعيدا ؛ لأن كلا منهما من ضروريات مملكته ، وينسب الظلم إلى الله تعالى في تخصيص كل من عبيده بما خصّص مع أنّ كل منهما ضروري في مقامه وكما أن لكل من المخلوقات استعدادا كليا لقبول الوجود كذلك لكل منها استعداد جزئي لظهور اسم خاص فيه وأسماء خاصة واحدا بعد واحد حتى يصل إلى كماله اللايق به والحق سبحانه منزّه عن التقييد بالأسماء والحصر فيها .
وهذا هو السبب في اختلافات الاضافات المتكررة من طرفي الحق والخلق كما أشار إليه الحسين بن علي (ع) في دعاء عرفة بقوله : (إلهي ما أقربك مني وابعدني عنك الهي ما أرأفك بي فما يحجبني عنك)(1) .
فان طريقه وقربه سبحانه بالنسبة إلى الخلق خلاف طريقهم وقربهم بالنسبة إليه ، لأن طريقه وقربه من حيث الوجود والاحاطة والمعية التي لا تفاوت فيها بالنسبة إلى الجميع أصلا كقرب المداد مثلا بالنسبة إلى حروف الكتاب وطريقهم وقربهم من حيث الظهورات الأسمائية والاستعدادات الذاتية التي هم فيها مختلفون وإن كان مصير الكل إليه سبحانه لعدم تقيده عز وجل باسم دون اسم كما قال سبحانه : «وإنك لتهدي إلى صراط مستقيم ، صراط الله الذي له ما في السماوات وما في الأرض وإلى الله المصير»(2) .
فهو سبحانه قريب منهم جميعا غاية القرب دائما ، «وإذا سألك عبادي عنّي فاني قريب»(3) ، وهو معهم أين ما كانوا ، على صراط مستقيم أبدا ، «ما من دابة إلا هو آخذ بناصيتها إن ربي على صراط مستقيم»(4) ، ومع هذا فبعضهم بعيد عنه وبعضهم أبعد وأبعد إلى غاية البعد ، وعلى طرق يفضى بها إلى الشقاوة ، وذلك لأن قرب كل واحد منهم إليه سبحانه من جهة اسم معيّن هو مقيّد به وهو بعيد عنه من جهة الأسماء الآخر لعدم تحققه بها وشعوره لها .
|
(1) الاقبال : ص348 ص 15 .
(2) سورة الشورى : الآية 52 ـ 53 .
(3) سورة البقرة : الآية 186 .
(4) سورة هود : الآية 56 .
|
 | |
قرة العيون في المعارف والحكم | | 390 |
|
 |
حافظ
| اگر بزلف دراز تو دست ما نرسد |
|
گناه بخت پريشان ودست كوته ماست |
ومثل ذلك كمثل الأعمى والأصم يكون مطلوبه حاضرا لديه وهو لا يشعر به ، ويكون في طلبه فهو بعيد من مطلوبه وإن كان مطلوبه في غاية القرب . حافظ
با رب بكه شايد گفت اين نكته كه در عالم
رخساره بكس ننمود آن شاهد هر جائى
ديشب گلـه زلفـش با بـاد همـى گفتـم
گفتا غلطي بگذر زين فكرت سودائـى
صد باد صبـا اينجا با سلسلـة ميرقصند
اينست حريف ايدل تا باده نه پيمائـي
واستقامة صراط كل احد عبارة عن رجوعه إلى الاسم الذي بدأ منه وذلك الاسم هو الذي يربيه ويهديه وصراطه مستقيم بالنظر إلى كماله الذي هو منتهى سيره واللايق بحاله وإن لم يكن مستقيما بالنظر إلى الوصول وإلى سعادته التي هي الفوز بالنجاة والظفر بالدرجات .
اكر از ناهمواري زمين در سايه كجي بيني آن كجي را عين استقامة سايه دان ، وهمچنين راستي ابرو وكمان دركجي است .
(مصراع) ابروي تو كر راست بود كج باشد
ازكجي راستي كمان آيد چرا كه راستي ابرو وكمان عبارت از هيئتي است كه ميبايد بر آن باشند تا ابرو وكمان باشد وشك نيست كه ايمنعني در كجي ايشان راست ميآيد وهمچنين است استقامت وراستي حقيقت وبودن آن بر طريق مستقيم آنستكه ظهور آن در قوابل بحسب اقتضاى قابليت ايشان باشد پس اكر چنانكه قابل تقاضاى آن كند كه حقيقت در آن باسم مضل ظاهر شود ظهور وى بطريق استقامت خواهد بود كه اكر بفرض محال باسم هادى ظاهر شود آن حقيقت در آن مظهر بر طريق مستقيم نخواهد بود .
قال مولينا الباقر (ع) : (إن الله الحليم العليم إنما غضبه على من لم يقبل منه رضاه ، وإنما يمنع من لم يقبل منه عطاه ، وإنما يضل من لم يقبل منه هداه)(1) .
حافظ
| طبيب عشق مسيحا دمست ومشفق ليك |
|
چو درد در تو نبيند كه را دوا بكند |
 | |
قرة العيون في المعارف والحكم | | 391 |
|
 |
|
كلمة بها ينكشف سر المحو والاثبات واسناد التردد والبداء إلى الله تعالى في الروايات
|
قد عرفت معنى القضاء والقدر فاعلم أن محل القضاء عالم العقول والأرواح ويسمى باللوح المحفوظ ، لأنه محفوظ عن التغير ، وام الكتاب لاحاطته بالاشياء اجمالا ، ومحل القدر عالم النفوس والاشباح ويسمى النفس الكلية الفلكية بالكتاب المبين لظهور الاشياء فيها تفصيلا ، والنفس المنطبعة في الجسم الفلكي بكتاب المحو والاثبات لوقوعهما فيها .
قال الله تعالى : «يمحو الله ما يشاء ويثبت وعنده ام الكتاب»(1) وقال عز وجل : «وان من شيء إلا عندنا خزائنه»(2) اي ما في العقول والأرواح وما ننزله إلا بقدر معلوم أي الى النفوس والأشباح ، وذلك لأن النفوس المنطبعة الفلكية وقواها التي هي بمنزلة الخيال فينا لم تحط بتفاصيل ما سيقع من الامور دفعة واحدة ، لعدم تناهيها بل انما ينتقش فيها الحوادث شيئا فشيئا وجملة فجملة مع أسبابها وعللها على نهج مستمر ونظام مستقر .
فما يحدث في عالم الكون والفساد إنما هو من لوازم حركات الأفلاك ونتايج بركاتها باذن الله عز سلطانه فهي تعلم أنه كلما كان كذا كان كذا فمهما حصل لها العلم باسباب حدوث أمر ما في هذا العالم حكمت بوقوعه فيه فينتقش فيها ذلك الحكم وربّما تأخر بعض الأسباب الموجب لوقوع الحادث على خلاف ما توجبه بقية الاسباب لولا ذلك السبب ولم يحصل لها العلم بذلك السبب بعد لعدم اطلاعها على سبب ذلك السبب ثم لما جاء اوانه واطلعت عليه حكمت بخلاف الحكم الأول فيمحى عنها نقش الحكم السابق ويثبت حكم الآخر .
مثلا لما حصل لها العلم بموت زيد بمرض كذا في ليلة كذا لأسباب يقتضي ذلك ولم يحصل لها العلم بتصدقه الذي يأتي به قبيل ذلك الوقت لعدم اطلاعها على أسباب التصدّق بعد ثم علمت به وكان موته بتلك الاسباب مشروطا بان لا يتصدّق فيحكم أولا بالموت وثانيا بالبرء ، وذلك لأن شأن النفوس أن يكون توجهها إلى بعض المعلومات واشتغالها به يذهلها عن البعض الآخر .
ثم إذا كانت الأسباب لوقوع الأمر ولا وقوعه متكافية ولم يحصل لها العلم برجحان أحدهما بعد لعدم مجيء أوان سبب ذلك الرجحان بعد كان لها التردد في وقوع ذلك الأمر ولا
|
(1) سورة الرعد : الآية 39 .
(2) سورة الحجر : الآية 21 .
|
 | |
قرة العيون في المعارف والحكم | | 392 |
|
 |
وقوعه فيتنقش فيها الوقوع تارة واللاوقوع اخرى فهذا هو السبب في المحو والاثبات والتردد والحكمة فيها .
ثم لما كانت أفعال الملائكة المسخّرين وإرادتهم مستهلكة في فعله سبحانه وإرادته إذ يعصون الله ما أمرهم ويفعلون ما يؤملون ، ومكتوبهم مكتوب الله عز وجل بعد قضائه السابق المكتوب بقلمه الأول ، جاز أن يوصف الله سبحانه بالبداء وكل ما يشعر بالتغير والسنوخ(1) مع تقدّسه سبحانه وتنزهه عن ذلك وقد مر نظيره في وصفه عز وجل بالأسف والمحاربة ونحوهما .
وقد ورد في الحديث القدسي : (ما ترددت في شيء أنا فاعله كترددي في قبض روح عبدي المؤمن ، يكره الموت واكره مساءته له)(2) مع ان الله عز وجل قد قضى عليه الموت قضاء حتما كما قال عز وجل : «ثم قضى أجلا ، وأجل مسمى عنده»(3) وقال : «ولكل امة أجل فاذا جاء أجلهم لا يستأخرون ساعة ولا يستقدمون»(4) .
قال بعض أهل المعرفة ومن هذه الحقيقة الالهية التي كني عنها بالتردد انبعث الترددات الكونية والتحير في النفوس وذلك إنا قد نتردّد في فعل أمر ما هل نفعل أم لا وما زلنا نتردّد حتى يكون أحد الأمور المتردد فيها فذلك الامر الواقع هو الثابت في اللوح من تلك الأمور .
وذلك أن القلم الكاتب في اللوح القدري يكتب أمرا ما وزمان الخاطر ثم يمحوه فيزول ذلك الخاطر لأن من هذا اللوح إلى النفوس دقايق ممتدّة إليها تحدث بحدوث الكتابة وتنقطع بمحوها فإذا صار الامر ممحوّا كتب غيره فيمتد منه رقيقة إلى نفس هذا الشخص الذي كتب هذا من أجله فيخطر له نقيض الخاطر الأول وهكذا إلى أن أراد الحق اثباته فلم يمحه فيفعله الشخص أو يتركه حسب ما تثبت في اللوح والموكل بالمحو ملك كريم والاملاء عليه من الصفة الالهية ، ولو لم يكن الامر كذلك لكانت الامور كلها حتما مقضيّا وهذا شان الأقلام القدرية .
وأما القلم الأعلى فاثبت في اللوح المحفوظ صورة كل شيء يجري من هذه الأقلام من محو واثبات ففيه اثبات المحو ومحو المحو ومحو الاثبات على وجه أرفع فصورته مقدسة عن المحو والتغير ، لأن نسبة القلم الاعلى الى هذه الأقلام كنسبة قوانا العقلية إلى مشاعرنا الخيالية والحسية ، ونسبة اللوح المحفوظ إلى هذه الأرواح كنسبة الارادة الكلية لمطلوب نوعي إلى ارادة جزئية وقعت في طريق تحصيله في ضمن واحد منه .
|
(1) سنح سنوحا الامر أو الرأي : عرض . المنجد .
(2) الكافي : ج 2 ص 352 ح 7 .
(3) سورة الانعام : الآية 2 .
(4) سورة الاعراف : الآية 34 .
|
 | |
قرة العيون في المعارف والحكم | | 393 |
|
 |
وعن الباقر (ع) أنه قال : (العلم علمان : فعلم عند الله مخزون لم يطلع عليه أحدا من خلقه ، وعلم علمه ملائكته ورسله فما علمه ملائكته ورسله فانه سيكون لا يكذب نفسه ولا ملائكته ولا رسله ، وعلم عنده مخزون يقدم منه ما يشاء ويؤخر منه ما يشاء ويثبت ما يشاء)(1) .
وقال (ع) : (ما عبد الله بشيء مثل البداء)(2) ، وفي رواية (ما عظم الله بمثل البدا)(3) ، وإنما لم يعبد الله ولم يعظم بمثل البدا لأن مدار استجابة الدعاء والرغبة إليه سبحانه والرهبة منه وتفويض الأمور إليه والتعلق بين الخوف والرجاء وأمثال ذلك من اركان العبودية عليه(4) .
في حجة الله على خلقه «لقد أرسلنا رسلنا بالبينات وأنزلنا معهم الكتاب والميزان ليقوم الناس بالقسط» الحديد 25 .
|
كلمة في بيان اضطرار الخلق الى الحجة وتفاوت درجات الحجج
|
عن الصادق (ع) (انه قال للزنديق الذي سأله من اين اثبت الأنبياء والرسل قال : لما أثبتنا أن لنا خالقا صانعا متعاليا عنّا وعن جميع ما خلق وكان ذلك الصانع حكيما متعاليا لم يجز أن يشاهده خلقه ولا يلامسوه فيباشرهم ويباشروه ويحاجهم ويحاجّوه ثبت أن له سفراء في خلقه يعبّرون عنه إلى خلقه وعباده ويدلونهم على مصالحهم ومنافعهم وما به بقائهم وفي تركه فنائهم .
فثبت الآمرون والناهون عن الحكيم العليم في خلقه والمعبّرون عنه جل وعز وهم الأنبياء وصفوته من خلقه ، حكماء مؤدّبين بالحكمة مبعوثين بها غير مشاركين للناس على مشاركتهم لهم
|
(1) الكافي : ج 1 ص 147 ح 6 .
(2) التوحيد : ص 331 ح 1 والكافي : ج 1 ص 146 ح 1 .
(3) التوحيد : ص 333 ح 2 والكافي : ج 1 ص 146 ح 1 .
(4) الظاهر ان مسألة البداء كما قيل مما انفردت به الامامية (رض) وقد شنع عليهم بذلك كثير من المخالفين حتى ان الفخر الرازي في خاتمة المحصل نقلا عن سليمان بن جرير نسب الى الائمة صلوات الله وسلامه عليهم اجمعين في ذلك منكرا من القول وزورا مع اتفاق الكل على عصمتهم وقداستهم سلام الله عليهم . ولعلمائنا الامامية رضوان الله عليهم كالصدوق في التوحيد ، والعقايد ، والشيخ في العدة والشيخ المفيد في تصحيح الاعتقاد ، والسيد الداماد في نبراس الضياء ، والسيد المرتضى في جواب مسائل اهل الرأي ، وغيرهم في غيرها حول مسألة البداء مقالات لا يسع المقام لذكرها من أراد التفصيل فليرجع اليها .
|
|