قرة العيون في المعارف والحكم376

الاصفر فيخرج أحدهما اصفر والآخر أخضر ، وليس فعل الصفرة فيهما إلا واحد وإنما اختلفا بسبب اختلاف القابلية ، واختلاف القابلية في الأشياء إنما هو مقتضى ذواتها التي بها يتميز كل من الآخر ، وبها صار هو هو دون غيره .
حافظ

حسن روى تو بيك جلوه كه در آينه كرد‍‍‌‏‎

اينهمه نقش در آئينه اوهام افتاد

اينهمه رنگ مى نقش مخالف كه نمود

يك فروغ رخ ساقى است كه در جام افتاد


المقالة السادسة

في القضاء والقدر «إنا كل شيء خلقناه بقدر» القمر / 49 .

كلمة
في معنى القضاء والقدر وسر القدر

القضاء عبارة عن الحكم الالهي في أعيان الموجودات على ما هي عليه من الاحوال الجارية من الازل إلى الابد ، والقدر هو تفصيل ذلك الحكم بايجادها في أوقاتها وأزمانها التي تقتضي الاشياء وقوعها فيها باستعداداتها الجزئية ، فتعلق كل حال من أحوال الاعيان بزمان معين وسبب معين عبارة عن القدر ، وسر القدر أنه لا يمكن لعين من الاعيان الخلقية أن يظهر في الوجود ذاتا وصفة وفعلا إلا بقدر خصوصية قابليته واستعداده الذاتي الذي لا يقبل التغير والتبديل والمزيد والنقصان .
وذلك لأن الخلق هم المعلومون لله سبحانه وهو العالم بهم على ما هم عليه في أنفسهم ولا أثر للعلم في المعلوم بأن يحدث فيه ما لا يكون له في حد ذاته ، بل هو تابع للمعلوم ، والحكم على المعلوم تابع له فلا حكم من العالم على المعلوم إلا بالمعلوم وبما يقتضيه ذاته بحسب استعداده الكلي والجزئي .
إن قيل : فالمعلومات اعطت العلم من أنفسها ثم العلم حكم عليه فلا يصح له الغنى عن العالمين ، وأيضا فان العلم له وصف ذاتي فكيف يحصل له من المعلومات وكذا الارادة والقدرة .
قلنا : المعلومات إنما تعينت في العلم الالهي الكلي الاصلي الذاتي قبل خلقها وايجادها بما علمها عليه لا بما اقتضته ذواتها ، ثم اقتضت بعد ذلك من أنفسها امورا هي عين ما علمها عليها أولا ، فحكم لها ثانيا بما اقتضته ، وما حكم إلا بما علمها عليه فما قدر الله سبحانه على

قرة العيون في المعارف والحكم377

الخلق الكفر والعصيان من نفسه بل باقتضاء أعيانهم وطلبهم بألسنة استعدادهم أن يجعلهم كافرا أو عاصيا .
فما كانوا في علم الله ظهروا في وجوداتهم العينية فليس للحق إلا افاضة الوجود عليهم وأما الحكم فلهم عليهم فلا يحمدوا إلا أنفسهم ولا يذموا إلا أنفسهم ، وما يبقى للحق إلا حمد إفاضته الوجود ، لأن ذلك له لا لهم .
ولذلك قال : «ما يبدّل القول لديّ وما أنا بظلام(1) للعبيد»(2) ، أي ما قدّرت عليهم الكفر الذي يشقيهم ثم طلبتهم بما ليس في وسعهم أن يأتوا به ، بل ما عاملناهم إلا بما علمناهم وما علمناهم إلا بما اعطوا في نفسوهم مما هم عليه فان كان ظلما فهم الظالمون ، ولذلك قال : «ولكن كانوا انفسهم يظلمون»(3) وفي الحديث (من وجد خيرا فليحمد الله ومن وجد غير ذلك فلا يلومن إلا نفسه) .
شعر
بسر من جفا زبخت من آمد وگر نه يار حاشا كه رسم لطف وطريق كرم نداشت

فان قلت : فما فائدة قوله سبحانه : «ولو شاء لهديكم أجمعين»(4) .
قلنا : لو حرف امتناع لامتناع فما شاء إلا ما هو الامر عليه ولكن عين الممكن قابل للشيء ونقيضه في حكم دليل العقل وأي الحكمين المعقولين وقع فهو الذي عليه الممكن في حالة ثبوته في العلم ، فمشيّته إحدى التعلق وهي نسبة تابعة للعلم ، والعلم نسبة تابعة للمعلوم فعدم المشية معلل بعدم إعطاء أعيانهم وهداية الجميع لتفاوت استعداداتهم وعدم قبول بعضها الهداية .
وذلك لأن الاختيار في حق الحق تعارضه وحدانية المشية فنسبته إلى الحق من حيث ما هو الممكن عليه لا من حيث ما هو الحق عليه قال الله تعالى : «ولكن حق القول منّي»(5)

(1) قال في مجمع البيان : أي لست بظالم احدا في عقابي لمن استحقه ، بل هو الظالم لنفسه بارتكابه المعاصي التي استحق بها ذلك ، وانما قال بظلام على وجه المبالغة ردا على من أضاف الظلم اليه ، تعالى وتقدس عن ذلك . وقال في تفسير قوله تعالى : « وان الله ليس بظلام للعبيد » : وانما ذكر لفظ الظلام وهو للتكثير تأكيدا لنفي الظلم عنه .
(2) سورة ق: الآية 29 .
(3) سورة البقرة : الآية 57 .
(4) سورة النحل : الآية 9 .
(5) سورة السجدة : الآية 13 .
قرة العيون في المعارف والحكم378

وقال : «أفمن حق عليه كلمة العذاب»(1) وقال : «ما يبدّل القول لديّ»(2) فهذا هو الذي يليق بجناب الحق والذي يرجع إلى الكون ولو شئنا لاتينا كل نفس هديها ، فما شاء فان الممكن قابل للهداية والضلال من حيث هو قابل فهو موضع الأنقسام وفي نفس الأمر ليس للحق فيه إلا أمر واحد .
فان قيل : حقايق المخلوقات واستعداداتها فايضة من الحق سبحانه فهو جعلها كذلك .
قلنا : الحقايق غير مجعولة بل هو صور علميّة للاسماء الإلهية وإنما المجعول وجوداتها في الاعيان ، والوجودات تابعة للحقايق .
فان قيل : أليس الاختيار حكم من أحكام العزة والعظمة ووصف من أوصاف الالهية والخالقية ليس لعلة ولا ضرورة ولا بد ، بل شأن الهي ووصف ذاتي كما قال : «وربك يخلق ما يشاء ويختار»(3) .
قلنا : بلى لكن لا بد بعده من وقوع المختار دون غيره ، والمختار لا بد أن يكون أحسن ما يمكن أن يكون ، وهو ما هو الأمر عليه وهو معنى شاء ما شاء ، ولهذا (قال الله تعالى في جواب داود حين سأله لماذا خلقت الخلق ؟ قال : لما هم عليه)(4) ، فليس في الامكان أكمل من هذا العالم إذ ليس أكمل من الحق سبحانه ، فلو كان في الامكان اكمل من هذا العالم لكان ثمة من هو أكمل من موجده وما ثمة إلا الله فليس في الامكان إلا مثل ما ظهر لا أكمل منه .
رباعى
جز حق حكمي كه ملك را شايد نيست‏‎ حكمى كه زحكم حق فزون آيد نيست
هر چيز كه هسـت آنچنـان ميبـايد آن چيز كـه آنچنان نمي بـايد نيست

كلمة
في نفي الجبر والتفويض واثبات امر بين الامرين

قد ثبت ان الله عز وجل قادر على جميع الممكنات ولم يخرج شيء من الاشياء عن مصلحته وعلمه وقدرته وايجاده بواسطة أو غير واسطة ، وإلا لم يصلح لمبدئيه الكل ، فالهداية والضلال والايمان والكفر والخير والشر والنفع والضر وساير المتقابلات كلها منتهية إلى قدرته وتأثيره وعلمه وإرادته ومشيته إما بالذات أو بالعرض .

(1) سورة الزمر : الآية 19 .
(2) سورة ق : الآية 29 .
(3) سورة القصص : الآية 68 .
(4) العوالي : ج 4 ص 117 ح 185 .
قرة العيون في المعارف والحكم379

فاعمالنا وأفعالنا كساير الموجودات وافاعيلها بقضاته وقدره وهي واجبة الصدور منا بذلك ولكن بتوسط اسباب وعلل من إدراكاتنا وإراداتنا وحركاتنا وسكناتنا وغير ذلك من الأسباب العالية الغايبة عن علمنا وتدبيرنا الخارجة عن قدرتنا وتأثيرنا فاجتماع تلك الأمور التي هي الأسباب والشرايط مع ارتفاع الموانع علة تامة يجب عندها وجود ذلك الأمر المدبر المقضي المقدّر ، وعند تخلف شيء منها أو حصول مانع بقي وجوده في حيز الامتناع ويكون ممكنا وقوعيّا بالقياس إلى كل واحد من الأسباب الكونية .
ولما كان من جملة الأسباب وخصوصا القريبة منها إرادتنا وتفكرنا وتخيّلنا وبالجملة ما نختار به أحد طرفي الفعل والترك ، فالفعل اختياري لنا فان الله تعالى أعطانا القوة والقدرة والاستطاعة ليبلونا أيّنا أحسن عملا مع إحاطة علمه فوجوبه لا ينافي إمكانه واضطراريّته لا ندافع كونه اختياريّا ، كيف وأنه ما وجب إلا بالاختيار .
ولا شك أن القدرة والاختيار كساير الأسباب من الادراك والعلم والارادة والتفكر والتخيل وقواها وآلاتها كلها بفعل الله تعالى لا بفعلنا واختيارنا ، وإلا لتسلسلت القدر والارادات إلى غير النهاية .
وذلك لأنا وإن كنا بحيث إن شئنا فعلنا وإن لم نشأ لم نفعل لكنا لسنا بحيث إن شئنا شئنا وإن لم نشأ لم نشأ بل إذا شئنا ولم يتعلق مشيّتنا بمشيّتنا بل بغير مشيتنا فليست المشية إلينا إذ لو كانت المشية إلينا لاحتجنا إلى مشية اخرى سابقة وتسلسل الامر إلى غير النهاية .
ومع قطع النظر عن استحالة التسلسل نقول جملة مشيتنا الغير المتناهية بحيث لا يشذّ عنها مشية لا يخلوا إما وقوعها بسبب أمر خارج عن مشيتنا أو بسبب مشيتنا والثاني باطل لعدم امكان مشية اخرى خارجة عن تلك الجملة ، والأول هو المطلوب فقد ظهر أن مشيتنا ليست تحت قدرتنا كما قال الله تعالى : «وما تشاؤن إلا أن يشاء الله»(1) رباعي .
خواهم بكنم گنه نخواهم نكنم‏‎ خواهم بكنم توبه نخواهم شكنم
ليكن چه نخواهم نتوانم خواهم خواهم نتوانم كه نخواهم چكنم

فاذن نحن في مشيتنا مضطرّون وإنما تحدث المشية عقيب الداعي وهو تصور الامر الملايم تصورا ظنيا أو تخييليا أو علميا ، فانا إذا أدركنا شيئا فان وجدنا ملاءمته أو منافرته لنا دفعة

(1) سورة الانسان : الآية 30 .
(2) سورة التكوير : الآية 29 .
قرة العيون في المعارف والحكم380

بالوهم أو ببديهة العقل انبعث منا شوق الى جذبه أو دفعه وتأكد هذا الشوق هو العزم الجازم المسمى بالارادة .
وإذا انضمت إلى القدرة التي هي هيئة للقوة الفاعلية انبعث تلك القوة لتحريك الاعضاء الادوية من العضلات وغيرها فيحصل الفعل ، فاذن إذا تحقق الداعي للفعل الذي تنبعث منه المشية تحققت المشية ، وإذا تحققت المشية التي تصرف القدرة إلى مقدورها انصرفت القدرة لا محالة ولم يكن لها سبيل إلى المخالفة .
فالحركة لازمة ضرورة بالقدرة ، والقدرة محركة ضرورة عند انجزام المشية ، والمشية تحدث ضرورة في القلب عقيب الداعي ، فهذه ضروريات يترتب بعضها على بعض وليس لنا أن ندفع وجود شيء منها عند تحقق سابقه فليس يمكن لنا أن ندفع المشية عند تحقق الداعي للفعل ولا انصراف القدرة إلى المقدور بعدها ، فنحن مضطرون في الجميع فنحن في عين الاختيار مجبورون فنحن اذن مجبورون على الاختيار .
هذه طريقة أهل العقل والنظر القريبة من الافهام ، ونرتقي إلى طريقة اخرى أعلى وأتم هي طريقة أهل المعرفة والشهود ، وهي أقرب إلى التحقيق وإن كان أبعد من الافهام فنقول :
إن المخلوقات مع تباينها في الذوات والصفات والأفعال وترتبها في القرب والبعد من الحق الأول والذات الأحدية تجمعها حقيقة واحدة إلهية جامعة لجميع حقايقها وطبقاتها ، لا بمعنى أن المركب من المجموع شيء واحد هو الحق سبحانه حاشا للجناب الالهي عن وصمة(1) الكثرة والتركب ، بل هو هو ، والاشياء أشياء .
بل بمعنى أن تلك الحقيقة الالهية مع أنها في غاية البساطة والاحدية تنفذ نورها في أقطار السماوات والأرضين ، فما من ذرة إلا وهو محيط بها قاهر عليها ظاهر فيها ، كما قال إمام الموحدين أمير المؤمنين (ع) : (مع كل شيء لا بمقارنة ، وغير كل شيء لا بمزايلة(2))(3) .
وكذلك لصفات المخلوقات جهة وحدة إلهية جامعة للجميع ، فان السمع والبصر وغيرهما من الصفات في اي موصوف كان هو لله سبحانه حقيقة ، ولذلك قال : «وهو السميع

(1) الوصم : العيب والعار يقال : ما في فلان وصمة اي ليس فيه عيب ونقص . م .
(2) المزايلة المفارقة يقال : زايله مزايلة وزيالا ومنه قوله (ع) خالطوا الناس وزايلوهم اي فارقوهم في أفعال لا ترضي الله ورسوله . م .
(3) نهج البلاغة : ص 40 خطبة 1 .
قرة العيون في المعارف والحكم381

البصير»(1) اي لا غيره يعني هو السميع بعين سمع كل سميع والبصير بعين بصر كل بصير وقال : «هو الحي لا إله إلا هو»(2) اي بعين كل حياة وفي الحديث القدسي : (فبي يسمع وبي يبصر)(3) .
مثنوي
خلق را چون آب دان صاف وزلال ‍‍‌‏‎ واندر آن تابان صفات ذو الجلال
‍‍‌‏‎پادشـاهـان مظهـر شاهـي حـق عالمـان مـرآت آگـاهـى حق
‍‍‌‏‎خـوب رويـان آينـه خـوبـي او عشق ايشان عكس مطلـوبـي او
‍‍‌‏‎قرنها بر قرنهـا رفـت اي همـام ويـن معانـي برقرار وبر دوام
آب مبدل شـد در ايـن جوچند بار عكس ماه وعكس اختـر برقـرار

وكذلك الأفعال فانها منسوبة إلى الموجودات من ذلك الوجه الذي ينسب إلى الحق بعينه ، فكما أن وجود زيد بعينه أمر متحقق في الواقع وهو شأن من شؤون الحق سبحانه ، ولمعة من لمعاته ومظهر من مظاهره ، فكذلك هو فاعل لما يصدر عنه بالحقيقة لا بالمجاز ، ومع ذلك ففعله أحد أفاعيل الحق تعالى بلا شوب قصور وتشبيه تعالى عن ذلك كما قال تعالى : «وما رميت اذ رميت ولكن الله رمى»(4) .
حافظ
بارهـا گفتـه ام وبـار دکر ميگويـم ‍‍‌‏‎

كه من دل شده اين اين ره نه بخود ميپويم

‍‍‌‏‎در پس آينه طوطي صفتم داشنـه انـد

آنچه استـاد ازل گفـت بگـو ميگويـم

من اگر خارم اگر گل چمن آرائي هست

كه از آن دست كـه ميپر وردم ميرويـم


فاخمد ضرام(5) أوهامك أيها الجبري فالفعل ثابت لك بمباشرتك إياه وقيامه بك وسكن جاشك(6) أيها القدري فان الفعل مسلوب منك من حيث أنت انت لان وجودك إذا قطع النظر عن ارتباطه بوجود الحق فهو باطل ، وكذا فعلت إذ كل فعل متقوّم بوجود فاعله ، وانظرا جميعا بعين الاعتبار في فعل الحواس كيف انمحى وانطوى في فعل النفس وتصورها في تصور

(1) سورة الشورى : الآية 11 .
(2) سورة غافر : الآية 65 .
(3) كما في الكافي : ج 2 ص 352 ذيل ح 8 .
(4) سورة الانفال : الآية 17 .
(5) الضرام بالكسر اشتعال النار في الحلفاء ونحوها .
(6) جاشت القدر أي غلت ، وجاشت نفسي اي ارتاعت وخافت وفي الحديث اياك ان تقذف بما جاش صدرك اي بما فار وارتفع به صدرك والجاش جاش القلب ، وهو رواغه اذا اضطرب عند الفزع . م .
قرة العيون في المعارف والحكم382

النفس ، واتلوا جميعا قوله تعالى : «قاتلوهم يعذبهم الله بأيديكم»(1) ، وتصالحا بقول الامام (ع) بالحق : (لا جبر ولا تفويض بل أمر بين الأمرين)(2) .
قال الله تعالى : «وما تشاؤن إلا أن يشاء الله»(3) أثبت المشية للعبد فنفى به الجبر وجعلها بعد مشيّة الله للعبد فنفى به التفويض وقال : «ذلك بما قدمت يداك»(4) ، وما كسبت يداك إلا بالله لا من دون الله فيكون وهنا في سلطانه ، ولا مع الله فيكون شركا بالله ، فبيد العباد طاعة الله ومعصية الله إلا أنه لا حول عن المعصية ولا قوة على الطاعة إلا بالله ، ولا مشية إلا بعد مشية الله .
والتنزيه والحسنات والمحامد ترجع إلى مقام الوحدة والتشبيه ، والسيئات والمذام ترجع إلى محال الكثرة فسبحان من تنزه عن الفحشاء(5) ، وسبحان من لا يجري في ملكه إلا ما يشاء .
وعن النبي (ص) (من زعم أنه يأمر بالفحشاء ، فقد كذب على الله ومن زعم أن الخير والشر بغير مشية الله فقد اخرج الله من سلطانه ، ومن زعم أن المعاصي بغير قوة الله فقد كذب على الله ، ومن كذب على الله ادخله الله النار)(6) .
وعن الصادق (ع) قال : (الله أكرم من أن يكلف الناس ما لا يطيقونه ، والله أعز من أن يكون في سلطانه ما لا يريد)(7) .
وفيه قيل للرضا (ع) : (الله فوض الأمر إلى العباد ؟ قال : الله أعز من ذلك ، قيل : فجبرهم على المعاصي ؟ قال : الله أعدل وأحكم من ذلك ، ثم قال : قال الله تعالى يا ابن آدم أنا أولى بحسناتك منك وأنت أولى بسيئاتك مني عملت المعاصي بقوتي التي جعلتها فيك)(8) .
اقول : أما أولويّته سبحانه بالحسنات فلأنه تعالى أمر بها ووعد الثواب عليها ووهب القوة عليها ، ووفق لها ولأن الكمالات والخيرات راجعة إلى الوجود وهو منه سبحانه .

(1) سورة التوبة : الآية 14 .
(2) التوحيد : ص 362 ح 8 والكافي : ج 1 ص 160 ح 13 .
(3) سورة الانسان : الآية 30 .
(4) سورة الحج : الآية 10 .
(5) الفحش والفحشاء والفاحشة ما عظم قبحه من الافعال والاقوال ، المفردات .
(6) التوحيد : ص 359 ح 2 والكافي : ج 1 ص 158 ح 6 .
(7) التوحيد : ص 360 ح 4 والكافي : ج 1 ص 160 ح 14 .
(8) التوحيد : ص 362 ح 10 والكافي : ج 1 ص 157 ح 3 .
قرة العيون في المعارف والحكم383

وأما أولوية العبد بالسيئات فلأن الله عز وجل نهى عنها وأوعد العقاب عليها ووهب القوة ليصرفها في الطاعات فصرفها في المعاصي ، ولأن النقايص والشرور راجعة إلى العدم ، وهو من سوء الاستعدادات ولوازم الماهيات المتنزّلة في عالم التضاد . حافظ
هر چه هست از قامت ناساز بي اندام ماست

ورنه تشريف تو در بالاى كس كوتاه نيست


كلمة
في الفرق بين الامر الارادي والامر التكليفي وان ما شاء الله كان وما لم يشأ لم يكن

ان لله سبحانه بالنسبة إلى عباده امرين ، أمرا إراديا ايجاديا ، وأمرا تكليفيا ايجابيا ، والأول بلا واسطة الأنبياء (عليهم السلام) ولا يحتمل العصيان ، والمطلوب منه وقوع المأمور به ويوافق مشيته تعالى طردا وعكسا ، ولا يتخلّف عنها البتة فيقع المأمور به لا محالة ، وإليه اشير بقوله عز وجل : «انّما قولنا لشيء إذا أردناه أن نقول له كن فيكون»(1) .
والثاني يكون بواسطة الأنبياء (عليهم السلام) والمطلوب منه قد يكون وقوع المأمور به فيوافق مشية الله تعالى ويقع المأمور به من غير معصيته فيه كالأوامر التي كلف بها الطائعين ، وقد يكون نفس الأمر من دون وقوع المأمور به لحكم ومصالح ، فهذا الأمر الذي لا يوافق المشية ولا الارادة ، يعني لم يشأ الله به وقوع المأمور به ولا أراد وإن أراد الأمر به وشاء وأمر ولذلك لم يقع المأمور به .
روي عن الصادق (ع) : (أمر الله ولم يشأ وشاء ولم يأمر ، أمر إبليس أن يسجد لآدم ، وشاء أن لا يسجد ، ولو شاء أن يسجد لسجد ، ونهى آدم عن أكل الشجرة وشاء أن يأكل منها ولو شاء أن لا يأكل لما أكل)(2) .
وفيه عنه (ع) : (حكم الله أن لا يقوم أحد من خلقه بحقه ، فلما حكم بذلك وهب لأهل محبّته القوة على معرفته ، ووضع عنهم ثقل العمل بحقيقة ما هم أهله ، ووهب لأهل المعصية القوة على معصيتهم لسبق علمه فيهم ، ومنعهم إطاقة القبول منه فواقعوا ما سبق لهم في علمه ولم يقدروا أن يأتوا حالا تنجيهم من عذابه ، لأن علمه أولى بحقيقة التصديق ، وهو معنى شاء ما شاء وهو سرّه)(3) .

(1) سورة النحل : الآية 40 .
(2) الكافي : ج 1 ص 150 ح 3 .
(3) الكافي : ج 1 ص 153 ح 2 .
قرة العيون في المعارف والحكم384

وفيه عنه (ع) (أنه قال : ممّا اوحى الله إلى موسى وأنزل عليه في التوراة : إنّي أنا الله لا إله إلا أنا خلقت الخلق وخلقت الخير واجريته على يدي من احب فطوبى لمن اجريته على يديه وانا الله لا إله إلا انا خلقت الخلق وخلقت الشر وأجريته على يدي من اريده فويل لمن اجريته على يديه)(1) .
وفيه عن الباقر (ع) قال : (لو علم الناس كيف خلق الله هذا الخلق لم يلم أحد أحدا)(2) .
وفي مناجاة سيد الشهداء الحسين بن علي (ع) (الهي كيف أعزم وأنت القاهر ، وكيف لا أعزم وأنت الآمر)(3) ، وفيها ، (الهي حكمك النافذ ومشيتك القاهرة لم يتركا لذي مقال مقالا ولا لذي حال حالا)(4) ، ولي في هذا المعنى . فيض
منم كه ساخته دست ابتلاى توام ‍‍‌‏‎ منم كه سوخته قهر كبرياى توام
مرا چه ساخته آنچنان كه ساخته بمدعاى خود ارنه بمدعاه تـوام
حافظ
مكن در اين جمنم سرزنش بخود روئى چنانكه يرورشم ميدهند ميرويم

والسر في ذلك أن المشية والارادة والتقدير والقضاء كلها من فعل الله سبحانه ، وهي حكم الله في الأشياء على حد علمه بها ، وأما المشييء المراد المقدر المقضي الذي يقع في الوجود ، فانه ربما يكون من فعل العبد الذي يطلبه من الله باستعداده ، وهو قد يكون محبوبا مرضيا كالايمان والطاعات ، وقد يكون مبغوضا مسخوطا كالكفر والمعاصي .
ولا شك أن الحكم غير المحكوم به والمحكوم عليه لكونه نسبة قائمة بهما ، فلا يلزم من كون الحكم الذي من طرف الحق خيرا أن يكون المحكوم به الذي من جهة العبد خيرا ومحبوبا .
وهذا هو التحقيق في التقصّي عن شبهة مشهورة هي أنه قد ثبت وجوب الرضا بالقضاء وعدم جواز الرضا بالكفر والمعاصي فاذا كان الكفر والمعاصي بالقضاء فكيف التوفيق .
وليعلم أن تعذيب الله سبحانه لعباده ليس من جهة غرض له فيه سبحانه لانه بريء من

(1) الكافي : ج 1 ص 154 ح 1 .
(2) الاقبال : ص 348 س 24 .
(3) الكافي : ج 2 ص 44 ح 1 ولكن ذكره عن الامام الصادق (ع) .
(4) الاقبال : ص 348 س 20 .

السابق السابق الفهرس التالي التالي