قرة العيون في المعارف والحكم366

أقول : ويأتي لهذا المعنى مزيد بيان في الثالثة من السابعة إنشاء الله ؛ وورد في الحديث القدسي : (من طلبني وجدني ، ومن وجدني عرفني ،ومن عرفني أحبّني ومن أحبني عشقني ، ومن عشقني عشقته ، ومن عشقته قتلته ، ومن قتلته فعليّ ديته ، ومن عليّ ديته فأنا ديته) .
وروى محمد بن جمهور اللحسائي(1) عن أمير المؤمنين (ع) (أنه قال : إن لله تعالى شرابا لاوليائه إذا شربوا سكروا ، وإذا سكروا طربوا ، وإذا طربوا طابوا ، وإذا طابوا ذابوا ، وإذا ذابوا خلصوا ، وإذا خلصوا طلبوا ، وإذا طلبوا وجدوا ، وإذا وجدوا وصلوا ، وإذا وصلوا اتصلوا ، وإذا اتصلوا لا فرق بينهم وبين حبيبهم) .
عن الصادق (ع) (إن روح المؤمن لأشد اتصالا بروح الله من اتصال شعاع الشمس بها)(2) .
وعن الصادق (ع) : (العارف شخصه مع الخلق وقلبه مع الله لو سهى قلبه عن الله طرفة عين لمات شوقا إليه والعارف أمين ودايع الله وكنز أسراره ومعدن نوره ودليل رحمته على خلقه ومطية علومه وميزان فضله وعدله ، قد غنى عن الخلق والمراد والدنيا ، ولا مونس له سوى الله ولا نطق ولا إشارة ولا نفس الا بالله لله من الله مع الله ، فهو في رياض قدسه متردّد ، ومن لطايف فضله إليه متزود ، والمعرفة أصل لفرعه الايمان)(2) .
كلمة
في علة تنزل الارواح من الملكوت الاعلى

عن عبد الله بن الفضل الهاشمي قال (قلت لأبي عبد الله (ع) لأي علة جعل الله تبارك وتعالى الأرواح في الابدان بعد كونها في الملكوت الأعلى في أرفع محل ؟ فقال (ع) : إن الله تبارك وتعالى علم أن الأرواح في شرفها وعلوّها متى تركت على حالها نزع(3) أكثرها إلى دعوى

(1) هكذا في النسخة والصحيح محمد بن أبي جمهور الاحساوي ، رواه في كتاب «المجلي» ص 536 باسقاط «طربوا واذا طربوا» ولعل هذا الاسقاط من النساخ كما هو الظاهر فرغ من تأليفه سنة خمس وتسعين وثمانمأة ، وقد تقدم منا سابقا في ص 175 نقل كلام بعض الاعلام من ان هذا الحديث لم يعثر له على مصدر في كتب أصحابنا الامامية رضوان الله عليهم .
(2) الكافي : ج 2 ص 166 ح 4 .
(3) مصباح الشريعة : ص 191 .
(4) نزع نزاعا ونزوعا إلى أهله : اشتاق . المنجد .
قرة العيون في المعارف والحكم367

الربوبية دونه عز وجل ، فجعلها بقدرته في الأبدان التي قدرها لها في ابتداء التقدير نظرا لها ورحمة بها ، وأحوج بعضها إلى بعض علا بعضها على بعض ورفع بعضها فوق بعض درجات وكفى بعضها ببعض .
وبعث إليهم رسله واتخذ عليهم حججه مبشرين ومنذرين يأمرونهم بتعاطي العبودية والتواضع لمعبودهم بالأنواع التي تعبّدهم بها ونصب لهم عقوبات في العاجل وعقوبات في الآجل ، ومثوبات في العاجل ومثوبات في الآجل ليرغبهم بذلك في الخير ، ويزهدهم في الشر ، وليذلهم بطلب المعايش والمكاسب فيعلموا بذلك أنهم مربوبون وعباد مخلوقون ، ويقبلوا على عبادته فيستحقوا بذلك نعيم الأبد وجنة الخلد ويأمنوا من النزوع إلى ما ليس لهم بحق .
ثم قال (ع) : يابن الفضل إن الله تعالى أحسن نظرا لعباده منهم لأنفسهم ، ألا ترى أنك لا ترى فيهم إلا محبا للعلو على غيره حتى أن منهم لمن قد نزع إلى دعوى الربوبية . ومنهم من قد نزع إلى دعوى النبوة بغير حقها ومنهم من قد نزع إلى دعوى الامامة بغير حقها ، مع ما يرون في أنفسهم من النقص والعجز والضعف والمهانة والحاجة والفقر والآلام المتناوبة عليهم ، والموت الغالب لهم والقاهر لجميعهم يا ابن الفضل ان الله لا يفعل لعباده إلا الأصلح لهم ولا يظلم الناس شيئا ولكن الناس أنفسهم يظلمون)(1) .

المقالة الخامسة

في حدوث العالم «ان ربكم الله الذي خلق السموات والارض في ستة أيام ثم استوى على العرش» الاعراف / 54 .

كلمة
بها يتبين معنى الحدوث ومعنى ثبوته للعالم

أما الحدوث بمعنى أن له صانعا يفتقر إليه فلسنا نحن بصدد بيانه ، لأن كلامنا مع الخواص وهو عندهم بديهي ولهم ولغيرهم فطري كما مر بيانه «أفي الله شك فاطر السموات والأرض»(2) . «ولئن سئلتهم من خلق السموات والارض ليقولن الله»(3) فهو ثابت بالفطر والنظر والعبر .

(1) التوحيد : ص 402 ح 9 .
(2) سورة ابراهيم : الآية 10 .
(3) سورة لقمان : الآية 25 وسورة الزمر : الآية 38 .
قرة العيون في المعارف والحكم368

وأما الحدوث بمعنى المسبوقية بالمحدث فله معنيان : أحدهما الحدوث الذاتي وهو أن يكون ذات الحادث مسبوقا بذات المحدث والآخر الحدوث الزماني وهو أن يكون زمان وجود الحادث مسبوقا بزمان عدمه ، والمعنى الأول يجري في كل ما سوى الله وهو ثابت في كل ما يجري فيه ، والمعنى الثاني إنما يجري فيما يدخل تحت الزمان دون ما تقدم على الزمان ، وهو أيضا ثابت في كل ما يجري فيه لا يشذ عنه شاذ .
وبيان المعنى الأول أن المصنوع يمتنع أن يكون في مرتبة ذات الصانع ، لأن معنى الصانعية والمصنوعية ليس إلا تقدم ذات على ذات توجد الثانية من الاولى ، ولو كانتا معا لكان الصنع تحميلا للحاصل ، فكان الصانع في أزل قدمه والمصنوع بعد في حيز عدمه ، فكان الصانع ولا مصنوع ثم حدث المصنوع باحداث الصانع إياه .
وبعبارة اخرى الايجاد لا يتعلق إلا بالمعدوم فلا يكون العالم أزليّا(1) ، وأيضا فكل ما وجوده من الغير فله مبدأ والابتداء ينافي الازلية ، وأيضا يلزم أن يكون مستفيد الوجود من الغير لا يكون مستفيد الوجود من الغير .
وهذا معنى حديث كان الله ولم يكن معه شيء ، ومعنى قول من قال الان كما عليه كان ، ومعنى كان هنا معناها في قوله عز وجل : «وكان الله عليما حكيما»(2) فهو منسلخ عن معنى الماضي بل عن مطلق الزمان وهذا التقدم لصانع العالم على مصنوعاته هو التقدم الحقيقي الذاتي الذي لا تقدم أشرف منه ولا في مرتبته في الشرف إذ لا ملاك لهذا التقدم سوى ذات الصانع بذاته ولا يفتقر المتقدم في تقدمه إلى واسطة تكون علة لتقدمه .
وكذا التأخر الذي بازائه هو التأخر الحقيقي الذي لا تأخّر أحسن منه ولا في مرتبته في الخسّة إذ لا ملاك لتأخره سوى ذاته بذاته من دون واسطة ، وأما المعنى الثاني فيتبين مما يأتي .

كلمة
بها يتبين انتفاء الزمان عن الله وعن ابتداء العالم

ليس بين الله وبين العالم بعد مقدر ، لأنه إن كان أمرا موجودا يكون من العالم ، وإلا لم

(1) الازل بالتحريك : القدم ومنه يقال ازلي اي قديم وقيل : ان اصله ياء من قولهم للقديم لم يزل ثم نسب اليه فقيل يزلي فابدلت الياء همزة . م .
(2) سورة النساء : الآية 17 .
قرة العيون في المعارف والحكم369

يكن شيئا ولا ينسب أحدهما إلى الآخر من حيث الزمان بقبلية ولا بعديّة ولا معيّة ، لانتفاء الزمان عن الله وعن ابتداء العالم ، وذلك لأن سبب افتقار العالم إلى الصانع إنما هو هلاكه الذاتي وفقره الجبلي واتصافه بالامكان ، لا كون زمانه متناهيا وليس الزمان إلا عدد حركة الفلك كما أن المكان ليس إلا ما أحاط بالفلك أو ما ملأ به الفلك ، فاذا لم يكن فلك فلا زمان ولا مكان .
فلما أبدع الله عز وجل الفلك وما فيه من الاجسام وأداره وجد المكان والزمان ، وذلك بعد ما ابدع جل ذكره كثيرا من الأرواح والأملاك وما عمر به الفلك فالزمان إنما حدث بعد أصول كرائم الموجودات وعظائمها ، وبعد حدوث أركان المخلوقات ودعائمها(1) ، وقد ثبت ذلك بقواطع البراهين وقوائمها فالتقدم الزماني منتف في حق الله سبحانه وفي حق ابتداء العالم ، فسقط السؤال بمتى عن بدو العالم كما هو ساقط عن وجود الحق لأن متى سؤال عن الزمان ولا زمان قبل العالم .
وليس قدم الحق ، بتطاول مرور الزمان تعالى عن ذلك ، بل بالوجوب الذاتي والفرق بين الازل والقدم أن الأزل عبارة عن معقول القبلية لله تعالى ، والقدم عبارة عن انتفاء المسبوقية بالعدم في نفس قبليته على الاشياء فليس إلا وجوب بحت(2) خالص ليس من العدم ، وهو وجود الحق ، ووجود من العدم وهو وجود العالم ، فالعالم حادث في غير زمان ، فالعالم وإن كان موجودا في علم الله أزلا فهو محدث في نفس ذلك الوجود ، لأنه فيه مفتقر إلى موجد يوجده في العين ، فوجوده مرتّب على وجود الحق وهذا معنى الحدوث فلا يصح عليه اسم القديم .
وفي كلام أمير المؤمنين (ع) : (عالم إذا لا معلوم ، ورب إذ لا مربوب ، وقادر إذ لا مقدور)(3) وفي لفظ آخر (له حقيقة الربوبية إذ لا مربوب ، ومعنى الالهية إذ لا مألوه ، ومعنى العالمية إذ لا معلوم ، ومعنى الخالقية إذ لا مخلوق ، وتأويل السمع ولا مسموع ، ليس منذ خلق استحق معنى الخالق ، ومن حيث احدث استفاد معنى المحدث)(4) .

(1) الدعامة بالكسر عماد البيت الذي يقوم عليه واستعير لغير ذلك كما في الحديث : لكل شيء دعامة ودعامة الاسلام الشيعة . والجمع دعائم . ومنه في وصف أهل البيت عليهم السلام أشهد أنكم دعائم الدين . م .
(2) البحث : الصرف الخالص مسك بحت : خالص من الاختلاط بغيره . المنجد .
(3) نهج البلاغة : ص 212 خطبة 152 والتوحيد : ص 56 ح 14 .
(4) التوحيد : ص 38 .
قرة العيون في المعارف والحكم370

وقال (حمته قدمته مطاولة الزمان ، ومنعته عزّته مداخلة المكان)(1) ، وقال : (لا يقال له : متى ، ولا يضرب له أمد بحتى)(2) .
وليعلم ان نسبة ذاته تعالى إلى مخلوقاته يمتنع أن يختلف بالمعيّة واللامعيّة وإلا فيكون بالفعل مع بعض وبالقوة مع آخرين ، فيتركب ذاته سبحانه من جهتي فعل وقوة ويتغير صفاته بحسب تغير المتجددات المتعاقبات ، تعالى عن ذلك .
بل نسبة ذاته التي هي فعلية صرفة وغناء محض من جميع الوجوه إلى الجميع وإن كان من الحوادث الزمانية نسبة واحدة ومعية قيومية ثابتة غير زمانية ولا متغيرة أصلا . والكل بفنائه بعد استعداداتها مستغنيات كل في وقته ومحلّه على حسب طاقته ، وإنما فقرها وفقدها ونقصها بالقياس إلى ذواتها وقوابل ذواتها ، وليس هناك إمكان وقوة البتة .
فالمكان والمكانيات بأسرها بالنسبة إلى الله تعالى كنقطة واحدة في معية الوجود ، والسموات مطويّات بيمينه ، والزمان والزمانيات بازالها وابادها كان واحد عنده في ذلك جف القلم بما هو كائن ، والموجودات كلها شاهدياتها وغيبيّاتها كموجود واحد في الفيضان عنه ، ما خلقكم ولا بعثكم إلا كنفس واحدة .
وإنما التقدم والتأخر والتجدد والتصرّم(3) والحضور والغيبة في هذه كلها بقياس بعضها إلى بعض ، وفي مدارك المحبوسين في مطمورة الزمان المسجونين في سجن المكان لا غير وإن كان هذا ممّا تستغربه الأوهام ، ويشمئز عنه قاصر الافهام وأما قوله عز وجل : «كل يوم هو في شأن»(2) فهو كما قال بعض أهل العلم أنها شؤون يبديها لا شؤون يبتديها .

كلمة
فيها تمثيل لكيفية صدور العالم من الله عز وجل

كل موجود تام فانه يفيض على ما دونه ممّا في جوهريّته وصورته المقوّمة لذاته ما لو أمسك عنه لبطل ذلك الفيض ، مثال ذلك النار ، فانها تفيض على ما حولها من الاجسام

(1) نهج البلاغة : ص 232 خطبة 163 .
(2) تصرمت وانصرمت السنة : انقضت وتصرم الرجل وانصرم : تقطع وانقطع . المنجد .
(3) سورة الرحمن : الآية 29 .
قرة العيون في المعارف والحكم371

التسخين والحرارة ، وهي جوهريتها والصورة المقومة لها ، ومتى لم تتواتر منها الحرارة متصلا عدمت وبطلت ، إذ يضمحل الأولى منها فالاولى .
وهكذا يفيض من الماء الرطوبة والبلل على الاجسام المجاورة له ، والرطوبة هي جوهرية الماء والصورة المقومة لذاته ، فما لم تكن متصلة إلى المحل بطلت عنه واضمحلت .
وهكذا يفيض من الشمس النور والضياء على الارض والهواء ، وهو جوهري لها فاذا حجر(1) بينهما حاجز اضمحل الضوء وبطل ، وهكذا تفيض من الروح الحياة على البدن وهي جوهرية لها فاذا فارقت الروح البدن بطلت حياة الجسد من ساعته واضمحلّت .
وذلك لأن الفيض ما دام متواترا متصلا دائما دام المفاض فان انقطع انقطع ، فهكذا حكم وجود العالم من الباري سبحانه الذي هو وجود بحت ووجوب صرف ، على أن وجود هذه الأفعال ليس من هذه المخلوقات بل هي أيضا من الله عز وجل وإنما هي معدّات للقابلات والافاضة من خالقها ، جل صنعه عن المثال كما جل ذاته عن الوهم والخيال .
وقد ظهر من هذا البيان أن وجود العالم من الباري عز ذكره ليس كوجود الدار من البناء المستقلة بذاتها المستغنية عن البنّاء بعد فراغه ، وحاشا أن يكون الأمر كذلك ، لأن البناء مركب للدار ومؤلف لها عن أشياء هي موجودة أعيانها قائمة ذواتها وليس الابداع والاختراع تركيبا ولا تأليفا ، بل إحداث وإخراج من العدم .
ولكن كوجود الكلام عن المتكلم إن سكت بطل الكلام ، بل كوجود ضوء الشمس في جو المظلم الذات ما دامت الشمس طالعة فان غابت الشمس بطل الضوء من الجو لكن شمس الوجود يمتنع عليه العدم لذاته .
وكما أن الكلام ليس جزء المتكلم بل فعله وعمله أظهره بعدما لم يكن ، وكذا النور الذي يرى في الجو ليس بجزء الشمس بل هو انبجاس وفيض .
فهكذا الحكم في وجود العالم عن الباري جل ثناؤه ليس بجزء من ذاته بل فضل وفيض يتفضّل به ويفيض إلا أن الشمس لم تقدر أن تمتنع نورها وفيضها ، لأنها مطبوعة على ذلك بخلافه سبحانه فانه مختار في أفعاله بنحو من الاختيار أجل وأرفع مما يتصوّره العوام ، وأشد

(1) الحجر : المنع بين الشيئين بفاصل بينهما يقال : حجز بينهما قال عز وجل : وجعل بين البحرين حاجزا . والحجاز سمي بذلك لكونه حاجزا بين الشام والبادية . المفردات .
قرة العيون في المعارف والحكم372

وأقوى من اختيار المتكلم القادر على الكلام ، إن شاء تكلم وإن شاء سكت .
فهو سبحانه إن شاء أفاض فيضه وجوده وفضله وأظهر حكمته ، وإن شاء أمسك ولو أمسك طرفة عين عن الافاضة والتوجه لتهافتت(1) السماوات وبادت(2) الافلاك وتساقطت الكواكب وعدمت الاركان ، وهلكت الخلايق ودثر(3) العالم دفعة واحدة بلا زمان كما قال عز وجل : «ان الله يمسك السموات والأرض أن تزولا ولئن زالتا إن أمسكهما من أحد من بعده»(4) .

كلمة
فيها إشارة إلى تجدد الخلق مع الانات

العالم بمجموعه متغير أبدا وكل متغير يتبدل تعيّنه مع الآنات ، فيوجد في كل آن متعين غير المتعين الي هو في الآن الآخر مع أن العين الواحدة التي تطرأ عليها هذه التغييرات بحالها ، فالعين الواحدة هي الجوهر المعقول الذي قبل هذه الصور المسمّات عالما ، ومجموع الصور أعراض متبدّلة في كل آن .
وذلك لأن الله سبحانه يتجلى في كل نفس بالاسماء الجمالية والجلالية معا ، وكل تجلي يعطي خلقا جديدا ويذهب بخلق ، وهو أحد معنى قوله تعالى عز وجل «يمحو الله ما يشاء ويثبت»(5) وأحد معاني قوله عز وجل : «كل يوم هو في شأن»(6) أي كل وقت واريد به الآن وهو أصغر الايام وأحد معاني قوله تعالى عز وجل : «خلق الأرض في يومين»(7) .
ففي تفسير علي بن إبراهيم المنسوب إلى أهل البيت عليهم السلام (أي وقتين ابتداء الخلق وانقضائه)(8) ، وقال في قوله تعالى : «فقضيهن سبع سموات في يومين»(9) أي (في وقتين ابداء وانقضاء)(10) ، (وأما قوله عز وجل : «وقدر فيها أقواتها في أربعة أيام»(11) فقال :

(1) تهافت على الشيء تساقط وتتابع وأكثر استعماله في الشر . المنجد .
(2) باد الشيء يبيد بيادا إذا تفرق وتوزع في البيداء أي المفازة قال عز وجل : « ما أظن أن تبيد هذه أبدا » . المفردات .
(3) أصل الدثور : الدروس وهو أن تهب الرياح على المنزل فيغتسي رسومه الرمل ويغطيه ومنه دثر الرسم دثورا من باب قعد ، ومثله حادثوا هذه القلوب بذكر الله فانها سريعة الدثور . م .
(4) سورة فاطر : الآية 41 .
(5) سورة الرعد : الآية 39 .
(6) سورة الرحمن : الآية : 29 .
(7) سورة فصلت : الآية 9 .
(8) تفسير القمي : ج 2 ص 262 .
(9) سورة فصلت : الآية 12 .
(10) تفسير القمي : ج 2 ص 263 .
(11) سورة فصلت : الآية 10 .
قرة العيون في المعارف والحكم373

يعني في أربعة أوقات ثم فسرها بالفصول الأربعة)(1) .
وعلى هذا يحتمل أن يكون المراد بالستة أيام هذان الوقتان مع هذه الاربعة أوقات ، فان خلق السماوات مع تقدير الاقوات إنما يتم بهذه الأوقات ، والسر في خلق السماوات والارض في ابداء وانقضاء أن الممكن مفتقر في حد ذاته إلى موجد قيوم ، لأنه في حد ذاته معدوم فهو في كل آن معدوم في ذاته موجود بموجده مفتقر إلى وجوده الجديد بعد وجوده الفقيد ، فلا يزال سبحانه يبدع ويصنع ويخلق ويرزق .
وروي عن الصادق (ع) (في قول الله عز وجل : «وقالت اليهود يد الله مغلولة»(2) قال لم يعنوا أنه هكذا ، ولكنهم قالوا قد فرغ من الامر فلا يزيد ولا ينقص ، فقال الله عز وجل تكذيبا لقولهم : «غلت أيديهم ولعنوا بما قالوا بل يداه مبسوطتان ينفق كيف يشاء»(3) ألم تسمع الله عز وجل يقول : «يمحو الله ما يشاء ويثبت وعنده ام الكتاب»(4))(5) .
ولما كان هذا الخلق من جنس ما كان أولا التبس على المحجوبين ولم يشعروا بالتجدّد وذهاب ما كان بالفناء في الحق «بل هم في لبس من خلق جديد»(6) «واتوا به متشابها»(7) و«هو يبدئ ويعيد»(8) «وترى الجبال تحسبها جامدة وهي تمر مرّ السحاب»(9) .
ويظهر هذا المعنى في الماء الجاري فانه في كل آن تدخل قطعة منه في النهر ويتشكل بشكل ما يحاذيه من النهر ، ثم تذهب فتدخل اخرى مع أنها ترى واحدة بالشخص دائما ، وفي النار المشتعلة من الدهن والفتيلة ، فانه في كل آن يدخل منهما شيء في تلك النارية ويتّصف بصفة النورية ، ثم تذهب تلك الصورة بصيرورته هواء .
هكذا شأن العالم بأسره ، فانه يستمد دائما من الخزاين الالهية التي لا تنقص ولا تغيض بل تزداد وتفيض(10) فتفيض منها ويرجع إليها ، قال الله عز وجل : «وإن من شيء إلا عندنا خزائنه وما ننزله إلا بقدر معلوم»(11) وقال الله تعالى : «ما عندكم ينفذ وما عند الله باق»(12)

(1) تفسير القمي : ج 2 ص 262 .
(2) سورة المائدة : الآية 64 .
(3) سورة المائدة : الآية 64 .
(4) سورة الرعد : الآية 39 .
(5) التوحيد : ص 167 ج1 .
(6) سورة ق : الآية 15 .
(7) سورة البقرة : الآية 25 .
(8) سورة البروج : الآية 13 .
(9) سورة النمل : الآية 88 .
(10) غيض الماء أي نقص يقال : غاض يغيض غيضا من باب سار وأفاض السيل يفيض فيضا : كثر وسال من شفا الوادى ، م .
(11) سورة الحجر : 21 .
(12) سورة النحل : الآية 96 .
قرة العيون في المعارف والحكم374

رباعى
عالم چون آب جوست بسته نمايد وليك‏‎ ميرود ميرسد نو نواين از كجاست
نو زكجا ميرسـد كهنـه كجا مـيرود گر نه وراى نظر عالم بى منتهاست

فامداد الحق وتجلياته واصل الى العالم في كل نفس ، وفي التحقيق الاتم ليس إلا تجلي واحد يظهر له بحسب القوابل ومراتبها واستعداداتها تعيّنات فيلحقه لذلك التعدد النعوت المختلفة والاسماء والصفات ، لا أن الأمر في نفسه متعدّد أو وروده طار ومتجدد ، وإنما التقدم والتأخر وغيرهما من أحوال الممكنات يوهم التجدّد والطريان والتقيد والتغير ونحو ذلك كما يوهم التعدّد .
ولما لم يكن الوجود ذاتيا لسوى الحق بل مستفادا من تجليه افتقر العالم في بقائه إلى الامداد الوجودي الاحدي مع الانات من دون فترة ولا انقطاع ، إذ لو انقطع الامداد المذكور طرفة عين لفني العالم دفعة واحدة ، فان الحكم العدمي امر لازم للممكن وإنما الوجود له من موجده . رباعى
اي جود تو سرمايه وسود همه كس‏‎ وى ظل وجود تو وجود همه كس
گر فيض تو يك لحظه بعالم نرسد معلوم شود بود ونبود همـه كـس

كلمة
في كيفية ارتباط حادث الزماني بالقديم

إن بعض الموجودات لذاته متغير لا لتغير عارض له من غيره بل حقيقته وجوهره تقتضيان التغير ، كالزمان الذي هو ظرف المتغيرات ، والحركة التي هي متقدّرة بالزمان ، فان ماهيّتهما الحدوث بعد الحدوث والتجدد بعد التجدد ، فالزمان والحركة بهويتهما الامتداديتين الغير القارتين فاضا(1) من الحق الفياض فيضة واحدة في متن الواقع وظرف الابداع بالاحداث والايجاد بلا زمان وامتداد ، فصار ذلك سببا لتجدّد المتجددات وتعدد الاضافات .
وان سألت الحق فالتغير الجبلي والتبدل الذاتي إنما سري في الحركة من المتحركات وإنما جرى في الزمان من الزمانيات ، وذلك لأن الحركة إنما هي من الصفات

(1) فاض الاناء فيضا امتلأ ، وفاض كل ساير جرى . م .
قرة العيون في المعارف والحكم375

والنسبيات ، لأنها عبارة عن الخروج من القوة إلى الفعل فلا بد من تقوّمها بذات من الذوات تخرج من القوة إلى الفعل ، والزمان مقدار الحركة تابع لها ، والحركة والزمان من آثار الطبيعة فالطبيعة متحركة دائما .
فهي إذن أمر سيّال الذات متجدد الحقيقة إذ لو لم تكن سيّالة لم يمكن صدور الحركة عنها لاستحالة صدور المتجدد عن الثابت اللهم إلا بتوارد أحوال عليها تصلح لأن تكون مع أصل الحركة معدات لاجزائها لسبقهما عليها بالزمان .
وأما العلة المقتضية للحركة فلا بد أن يكون مع معلولها وليس فوق الطبيعة متغير فالتغير الذاتي إنما هو للطبيعة من غير تخلل جعل بينه وبينها ، وبهذا يصح ارتباط الحادث بالقديم ، وذلك لأن تجدّد الطبيعة عين ثباتها كما أن القوة المادة الاولى عين فعليتها ، فالطبيعة بما هي ثابتة مرتبطة بالحق تعالى ؛ وبما هي متجددة يرتبط إليها تجدد المتجددات وحدوث الحادثات .
فالمتحرك بالذات ليس إلا الطبيعة السارية في العالم الجسماني بأمر الله سبحانه بل الوجود الساري في العالم الامكاني باذن الله جل جلاله ، وما سوى ذلك فانما يتحرك بالعرض وبالتبع ، فالحق سبحانه دفعي الابداع والصنع أحديّ الامر والتكوين ، والعالم تدريجي الوجود متبدل الكون وإنما يوجد بامر كن فهو الله سبحانه إذا قضى أمرا فانما يقول له كن بلا حرف ولا صوت فيكون .
فاذا كان أشرف على العدم لهلاكه الاصلي وبطلانه الذاتي فيقول الله جل جلاله ثانيا كن فيكون ثانيا بهذه الكلمة الثانية وإن شئت قلت بتلك الكلمة الاولى بعينها لأن أمر الله واحد وكلمته واحدة إلا إنها ثانية في حق العالم ، فاذا كان ثانيا أشرف على العدم من ساعته ، فيقول الله عز سلطانه ثالثا كن فيكون ثالثا ، وهكذا إلى ما شاء الله .
نظير ذلك ما ورد في الحديث (إن الله تعالى يخاطب عباده من الاولين والآخرين يوم القيامة بمجمل حساب عملهم مخاطبة واحدة يسمع منها كل واحد قضيّته دون غيره ، ويظن أنه المخاطب دون غيره ، لا يشغله عز وجل مخاطبة عن مخاطبة ويفرغ من حساب الأولين والآخرين في مقدار نصف ساعة من ساعات الدنيا)(1) .
ولا استبعاد في ذلك فان الصباغ يدخل كلا من الثوب الابيض والثوب الازرق في الصبغ

(1) البحار : ج 7 ص 251 عن الاعتقاد : ص 88 ـ 89 .

السابق السابق الفهرس التالي التالي