 | |
قرة العيون في المعارف والحكم | | 356 |
|
 |
أمر عجيب وهو بعينه ما نحن بصدد بيانه من أن الحق المنزه عن نقايص الحدثان(1) بل عن كمالات الاكوان هوالظاهر بأسمائه في الأعيان .
شعر
| اي برون از وهم وقال وقيل من |
|
خاك بر فرق من وتمثيل من |
|
كلمة في معنى العرش والكرسي
|
قد يراد بالعرش الجسم المحيط بجميع الاجسام ، وقد يراد به ذلك الجسم مع جميع ما فيه من الأجسام أعني عالم الجسماني بتمامه وقد يراد به ذلك المجموع مع جميع ما يتوسط بينه وبين الله سبحانه من الارواح والعقول التي لا تتقوم الاجسام إلا بها أعني العوالم كلها بملكها وملكوتها وجبروتها ، وبالجملة ما سوى الله عز وجل ، وقد يراد به علم الله سبحانه المتعلق بما سواه ، وقد يراد به علم الله الذي اطلع عليه أنبياءه ورسله وحججه صلوات الله عليهم خاصّة وقد وقعت الاشارة إلى كل منها في كلامهم (عليهم السلام) .
وعن الصادق (ع) (أنه سئل عن العرش والكرسي ما هما ؟ فقال : العرش في وجه هو جملة الخلق والكرسي وعاؤه ، وفي وجه العرش هو العلم الذي اطلع الله عليه أنبياءه ورسله وحججه (عليهم السلام)(2) وكان جملة الخلق عبارة عن مجموع العالم الجسماني والوعاء عن عالمي الملكوت والجبروت لاستقراره عليهما وقيامه بهما .
وقد يراد بالكرسي الجسم الذي تحت العرش بالمعنى الاول الذي دونه السماوات والأرض لاحتوائه عليهما كأنه مستقرهما والعرش فوقه كأنه سقفه ، وفي الحديث «ما السماوات والأرضون السبع مع الكرسي الا كحلقة ملقاء في فلاة(3) وفضل العرش على الكرسي كفضل تلك الفلاة على تلك الحلقة» .
|
(1) الحدثان بالتحريك : الموت وفي حديث الارواح الخمسة هذه الارواح الاربعة يصيبها الحدثان الاروح القدس لا تلهو ولا تلعب كانه يريد بالحدثان ما يحدث لها من النوم والغفلة واللهو والزهو ونحو ذلك . م . وحدثان الدهر : نوائبه . المنجد .
(2) معاني الاخبار : ص 29 .
(3) الفلاة : الصحراء الواسعة جمع فلوات . المنجد .
|
 | |
قرة العيون في المعارف والحكم | | 357 |
|
 |
وعن الصادق (ع) (السماوات والأرض وكل شيء في الكرسي)(1) وفي رواية (العرش وكل شيء في الكرسي)(2) وربما يقال كون العرش في الكرسي لا ينافي كون الكرسي في العرش ، لأن أحد الكونين بنحو والآخر بنحو آخر ، لأن أحدهما كون عقلي إجمالي ، والآخر كون نفساني تفصيلي ، وقد يجعل الكرسي كناية عن الملك لانه مستقر الملك وقد ثبت أن العلم والمعلوم متحدان بالذات متغايران بالاعتبار فمعاني العرش كلها متقاربة .
|
كلمة في معنى أركان العرش وقوائمه وحملته
|
أركان العرش وقوائمه عبارة عن أركان العالم أعني ما كان بناء الخلق عليه وهي الحياة والموت والرزق والعلم التي وكل بها أربعة أملاك هي إسرافيل وعزرائيل وميكائيل وجبرائيل .
وفعل الأول نفخ الصور والأرواح في قوالب المواد والاجساد وإعطاء القوة والحركة لانبعاث الشوق والطلب ، وله ارتباط مع المفكّرة ولو لم يكن هو لم ينبعث الشوق والحركة لتحصيل الكمال في احد .
وفعل الثاني تجريد الأرواح والصور عن الأجساد والمواد وإخراج النفوس من الأبدان ، وله ارتباط مع المصوّرة ولو لم يكن هو لم يكن الاستحالات والانقلابات في الاجسام والاستكمالات والانتقالات الفكرية في النفوس ولا الخروج من الدنيا والقيام عند الله للأرواح ، بل كانت الأشياء كلها واقفة في منزل واحد ومقام أول .
وفعل الثالث إعطاء الغذاء والانماء على قدر لايق وميزان معلوم لكل شيء بحسبه وله ارتباط مع الحفظ والامساك ، ولو لم يكن هو لم يحصل النشؤ والنماء في الأبدان ولا التطوّر في الاطوار الملكوت في الأرواح ولا العلوم الجمة للفطرة وفعل الرابع الوحي والتعليم وتأدية الكلام من الله سبحانه إلى عباده ، وله ارتباط مع القوة النطقية ولو لم يكن هو لم يستفد احد معنى من المعاني بالبيان والقول ولم يقبل قلب أحد الهام الحق والقائة في الروع(3) وحملة العرش عبارة عن الأرواح الموكلة بتدبيره على المعاني الاول وعن حملة العلم على الآخرين .
|
(1) التوحيد : ص 327 ح 3 .
(2) التوحيد : ص 327 ح 4 .
(3) الروع بالضم فالسكون : العقل والقلب . م .
|
 | |
قرة العيون في المعارف والحكم | | 358 |
|
 |
وفي اعتقادات الصدوق طاب ثراه فأما العرش الذي هو جملة الخلق فحملته أربعة من الملائكة لكل واحد منهم ثماني أعين كل عين طباق(1) الدنيا ، واحد منهم على صورة بني آدم يسترزق الله لولد آدم ، والآخر على صورة الثور يسترزق الله للبهايم كلها ، والآخر على صورة الاسد يسترزق الله للسباع ، والآخر على صورة الديك يسترزق الله للطيور ، فهم اليوم هؤلاء الاربعة وإذا كان يوم القيامة صاروا ثمانية .
وأما العرش الذي هو العلم فحملته أربعة من الاولين وأربعة من الآخرين ، فأما الاربعة من الاولين فنوح وإبراهيم وموسى وعيسى ، وأما الأربعة من الآخرين فمحمد وعلي والحسن والحسين (عليهم السلام) ، هكذا روي بالاسانيد الصحيحة عن الأئمة (عليهم السلام) في العرش وحملته انتهى كلامه (ره) .
ويشبه أن يكون الملائكة كناية عن أرباب الانواع العقلية على ما رواه طائفة من الحكماء ، وتكون أربعة من جانب البدو والنشأة الاولى ، وهي التي ذكر تفصيلها وأنها على صور تلك الانواع تربيها وتفيض عليها ما تحتاج إليه ، وتصير ثمانية في جانب العود والنشأة الاخرى التي تصير إليها الانواع بعد تحصيل كمالاتها في هذه النشأة .
وأعين الملائكة كناية عن أصناف علومهم بما يحتاج إليه في تربية الانواع ، فان بالعلم يبصر العالم كما أن بالعين يبصر الرائي ، وعددهم مطابق لعدد حملة العلم كأنهم يبصرون بعلومهم إذ لكل منهم علم وكمال خاص يقتضيهما المزاج الخاص وطباق اعينهم الدنيا عبارة عن شمول علومهم وتدبيرهم جميعا جزئيات تلك الأنواع ، وفي الحديث تخصيص لمعنى العرش ببعض أجزائه وهو العالم السفلي رعاية لافهام المخاطبين او اريد بهؤلاء الملائكة ما يشمل مباديها .
في النفوس والاشباح ، «وفي أنفسكم افلا تبصرون» الذاريات / 21 .
|
كلمة فيها اشارة الى لمية النفوس والاشباح وانيتهما
|
لما كان تدبير الاجسام مفوّضا إلى الأرواح وتعذر الارتباط بين الأرواح والاجسام للمباينة
| |
(1) طباق الارض ما علاها . م .
|
 | |
قرة العيون في المعارف والحكم | | 359 |
|
 |
بينهما خلق الله سبحانه عالم المثال والأشباح برزخا جامعا بين عالم الأرواح وعالم الأجسام ليصح ارتباط أحد العالمين بالآخر ، فيتأتى حصول التأثر والتأثير ووصول الامداد والتدبير ، فهو عالم روحاني شبيه بالجوهر الجسماني في كونه محسوسا مقداريا يظهر في الزمان والمكان ، وبالجوهر العقلي في كونه نورانيا منزّها عن المكان والزمان ، وليس بجسم مركب مادي ولا جوهر مجرد عقلي بل له جهتان يشبه بكل منهما ما يناسب عالمه .
وما من موجود محسوس أو معقول إلا وله مثال مقيد في هذا العالم البرزخي وهو في العالم الكبير بمنزلة الخيال في العالم الانساني الصغير ، فمنه ما يتوقّف إدراكه على القوى الدماغية ويسمى بالخيال المتصل ، ومنه ما لا يتوقف على ذلك ويسمّى بالخيال المنفصل ، وبهذا العالم وخاصيته يتجسد الأرواح في مظاهرها المثالية المشار إليها بقوله سبحانه : «فتمثل لها بشرا سويّا»(1) وبقوله عز وجل حكاية عن السامري : «فقبضت قبضة من أثر الرسول»(2) يعني به جبرئيل(ع) : إذ كان راكبا على فرس ، وبما ورد (أن النبي (ص) كان يرى جبرئيل (ع) في صورة دحية الكلبي)(3) وأنه كان يسمع منه (ع) كلاما مقروء في كسوة الالفاظ والحروف .
وإلى هذا العالم يرقى المتروحون(4) في معارجهم الروحانية الحاصلة بالانسلاخ من هذه الصور الطبيعية العنصرية واكتساء ارواحهم المظاهر الروحانية وفيه تتشكل النفوس الكاملة بصورهم المحسوسة في مكان آخر غير مكانهم الذي كانوا فيه أو يتشكل باشكال غير أشكالهم المحسوسة وهم في دار الدنيا ، ويظهرون لمن يريدون الظهور له وبعد انتقالهم إلى الآخرة أيضا لازدياد تلك القوة بارتفاع المانع البدني .
وبالجملة به وفيه تجسّد الأرواح وتروح الاجساد وتشخص الاخلاق والأعمال وظهور المعاني بالصور المناسبة لها ، بل ظهور الأشباح في المرايا وساير الجواهر الصيقلية والماء الصافي أيضا فانها كلها من هذا العالم بل وفيه يرى ما يرى في الخيال من الصور في منام كانت أو يقظة فانها متصلة بهذا العالم مستنيرة منه كالكوى(5) والشبابيك التي يدخل منها الضوء في البيت فهو عالم وسيع يسع ما فوقه من المجردات بصورها وما تحته من الجسمانيات بصورها ، وهو واسطة العقل إليه تعرج الحواس وإليه تنزل المعاني وهو لا يبرح من موطنه «يجبى إليه ثمرات كل شيء»(6) .
|
(1) سور مريم : الآية 17 .
(2) سورة طه : الآية 96 .
(3) البحار : ج 58 ص 9 .
(4) تروح القوم : ذهب إليهم في العشي .
(5) الكو والكوة : الخرق في الحايط جمع كواء وكوى . المنجد .
(6) سورة القصص : الآية 57 .
|
 | |
قرة العيون في المعارف والحكم | | 360 |
|
 |
وبه يصح ما ورد في أخبار معراج النبي (ص) (من رؤية الملائكة والأنبياء مشاهدة)(1) وفيه (حضور الائمة المعصومين (عليهم السلام) عند احتضار الميت)(2) كما ورد في أخبار كثيرة ، وفيه (سؤال القبر ونعيمه وعذابه وزيارة المؤمن أهله بعد موته)(3) ، وما ورد (أن الأرواح بعد الموت في صفة الاجساد تتعارف وتتساءل)(4) وغير ذلك ممّا يشاكله .
ويشبه أن يكون من هذا القبيل نزول عيسى (ع) ، قال الصدوق طاب ثراه : نزول عيسى (ع) إلى الأرض رجوعه إلى الدنيا بعد موته ، لأن الله قال : «إني متوفيك ورافعك إلي»(5) وكذا ما استفاض به الاخبار عن أهل البيت (عليهم السلام) أن الله عز وجل سيعيد قوما عند قيام المهدي (ع) ممّن تقدم موتهم من أوليائه وشيعته ممّن محض الايمان محضا ليفوزوا بثواب نصرته ومعونته ويتبهجو(6) بظهور دولته ويعيد أيضا قوما من أعدائه ممن محض الكفر محضا لينتقم منهم وينالوا بعض ما يستحقونه من العقاب في القتل على أيدي شيعته ، او الذل والخزي(7))(8) بما يشاهدونه من علو كلمته ، وهي الرجعة التي اختص بالايمان بها أصحابنا الاماميّون ، وبها اوّلوا بعض آيات الحشر والبعث نقلا عن ائمتهم (عليهم السلام) .
وفي حديث أبي الطفيل في الرجعة قال : (قال أمير المؤمنين (ع) : هذا علم خاص يسع الأمّة جهله ورد علمه إلى الله قال : وقرأ عليّ بذلك قراءة كثيرة وفسّره تفسيرا شافيا حتى صرت ما أنا بيوم القيامة أشد يقينا مني بالرجعة ، وكان ممّا قلت يا أمير المؤمنين أخبرني عن حوض النبي (ص) في الدنيا أم في الآخرة ؟ فقال : بل في الدنيا ، قلت : فمن الذايد(9) عنه ؟ فقال أنا بيدي فليردنه أوليائي وليصرفن عنه اعدائي)(10) .
وعن الباقر (ع) (في الرجعة تلك القدرة لا تنكرها(11) وكثيرا ما يقع الاشتباه بين ما يراه الانسان بعين الحس وبين ما يراه بعين الخيال مع انهما مختلفتا الاحكام فرب قليل في عين الحس هو كثير في عين الخيال وبالعكس كما قال الله تعالى : «وإذا يريكموهم إذ التقيتم في
|
(1) كما في روضة الواعظين : ص 56 في معراج النبي (ص) .
(2) البحار : ج 6 ص 173 .
(3) كما في الكافي : ج 3 ص 235 و ص 230 .
(4) الكافي : ج 3 ص 244 ح 3 .
(5) سورة آل عمران : الآية 15 .
(6) البهجة : حسن اللون وظهور السرور فيه قال عز وجل . حدائق ذات بهجة . المفردات .
(7) خزي الرجل لحقه انكسار اما من نفسه واما من غيره فالذي يلحقه من نفسه هو الحياء المفرط ومصدره الخزاية والذي يلحقه من غيره يقال هو ضرب من الاستخفاف ومصدره الخزي . المفردات .
(8) كما في البحار ج 53 ص 39 ح 1 وانظر ص 44 ح 16 .
(9) قال تعالى ووجد من دونهم امرأتين تذودان . أي تطردان . المفردات .
(10) عن منتخب البصائر كما في البحار : ج 53 ص 68 ح 66 .
(11) البحار : ج 53 ص 72 ح 71 .
|
 | |
قرة العيون في المعارف والحكم | | 361 |
|
 |
أعينكم قليلا ويقللكم في أعينهم»(1) وقال عز وجل : «يرونهم مثليهم رأي العين»(2) وما كانوا مثليهم في الحس فما ذاك إلا بعين الخيال وهو حق في الخيال وليس بحق في الحس لاختلاف النشأتين(3) .
وهذا كما ترى في المنام اللبن تشربه ولم يكن ذلك إلا عين العلم فما رأيته لبنا وهو علم ليس إلا بعين الخيال ، ومن هذا يظهر أن الرؤية ليس من شرطها أن تكون بالعين ولا المرئي إنما يسمى مرئيا لكونه يحصل بالعين ، بل لكونه غاية انكشاف الشيء فلو وقعت غاية الانكشاف بقوة اخرى كانت حقيقة الرؤية بحالها كالصور التي يراها النائم في عموم أوقاته فالنفوس إذا كانت قوية كان اقتدارها على الاختراع أقوى فيكون متصوّراتها موجودات خارجية حاضرة عندها بذواتها وعند من يكون درجته في القوة والنورية هذه الدرجة .
قال بعض أهل المعرفة بالوهم يخلق كل انسان في قوة خياله ما لا وجود إلا فيها ، وهذا هوالأمر العام لكل انسان والعارف يخلق بالهمّة ما يكون له وجود من خارج محل الهمة ولكن لا يزال الهمّة تحفظه ولا تؤده(4) حفظ ما خلقته فمتى طرأ على العارف غفلة عن حفظ ما خلق عدم ذلك المخلوق إلا أن يكون العارف قد ضبط جميع الخطرات وهو لا يعقل مطلقا .
أقول : ولعله كان من هذا القبيل ما ورد عن الصادق (ع) (أنه كان عنده ناصبيّ يؤذيه بمشهد من المنصور فأمر (ع) صورة أسد كانت على وسادة(5) أن خذ عدوّ الله فصارت أسدا فافترسه ثم عادت إلى مكانه)(3) .
|
كلمة بها يجمع بين تقدم النفوس على الاجساد وبين حدوثها بحدوث الاجساد
|
وجود نفوس جزئية انسانية كه عموم آدميان راست بنحويكه در عالم شهادت است بعد از حصول مزاجست وبحسب استعداد آن كما تبين في محله بالبرهان ، واكر چه بنحوى ديكر پيشتر
|
(1) سورة الانفال : الآية 44 .
(2) سورة آل عمران : الآية 13 .
(3) قوله عز وجل : ولا يؤده حفظهما ، اي لا يثقله واصله من الاود آد يؤد أودا اذا أثقله . المفردات .
(4) الوسادة : المتكاء والمخدة : ان وسادك لعريض كناية عن كثرة النوم . م .
(5) كما في عيون اخبار الرضا : ص 78 ح 1 .
|
 | |
قرة العيون في المعارف والحكم | | 362 |
|
 |
در عالم ذر بوده اند واين نفوس أرواح برزخيه اند كه از ماده مجردند نه صورت ومشتمل اند بر شهوت وغضب .
وأما وجود نفوس كليه انسانية كه مختص كل وخواصى است بيش از وجود أجسام است ودر نفوس جزئية ايشان استعداد آن هست كه ترقى كنند از مرتبه جزئيه ومنسلخ شوند از صفات تقيديه عرضيّة به حيثيّتى كه از كليات خود عود كنند وبه آن ها متصل كردند ، واين نفوس ارواح قدسيه اند كه مجردند از ماده وصورت هر دو ، وان كان لها في البرزخ صور هي لها بمنزلة الابدان ولأبدانها العنصرية بمنزلة الأرواح ، فان كل عال يشتمل على ما هو أسفل منه دون العكس ، فللأرواح المجردةعن الأمرين التي هي من جنس الملائكة المقربين والعقول القدسيين تقدم على الاجساد والأرواح الصورية البرزخية حادثة بحدوث الاجساد .
وممّا يدل على تقدم الأرواح الخواص والكمّل على الأجساد من جهة النقل قول النبي (ص) في الخبر المشهور : (أول ما خلق الله روحي)(1) وفي رواية (نوري)(2) وقوله (ص) ، (إن الله خلق الأرواح قبل الأجساد بألفي عام)(3) ، وقوله (ص) : (أول ما أبدع الله تعالى النفوس المقدّسة المطهرة فأنطقها بتوحيده ثم خلق بعد ذلك ساير خلقه)(4) ، وقوله (ص) (نحن الآخرون السابقون)(5) ، وقوله (ص) (كنت نبيا وآدم بين الماء والطين)(6) ، وقوله (ص) (أنا أول الانبياء خلقا وآخرهم بعثا)(7) جامى .
بودم آن روز مـن از دايره باده كشان
كه نه از تاك نشان بود ونه از تاك نشان
|
كلمة بها يتبين ان للانسان نفوسا عديدة وان بعضها يختص بالخواص
|
روي عن أمير المؤمنين (ع) (إن للأنبياء وهم السابقون خمسة أرواح روح القدس ، وروح الإيمان ، وروح القوة ، وروح الشهوة ، وروح البدن . فبروح القدس بعثوا الأنبياء وبها علموا الأشياء ، وبروح الايمان عبدوا الله ولم يشركوا به شيئا وبروح القوة جاهدوا عدوهم وعالجوا معاشهم ، وبروح الشهوة أصابوا لذيذ الطعام ونكحوا الحلال من شباب النساء ، وبروح البدن دبّوا
|
(1) البحار ج 34 ص 309 باب حدوث العالم .
(2) العوالي : ج 4 ص 99 ح 141 .
(3) الكافي : ج 1 ص 438 ح 1 .
(4) عن الاعتقاد : ص 75 كما في البحار : ج 6 ص 249 .
(5) بصائر الدرجات : ج 2 ص 83 .
(6) العوالي : ج 4 ص 121 ح 200 .
(7) العوالي : ج 4 ص 122 ح 202 .
(8) قولهم من دب ودرج اي من كان حيا فمشى ومن مات فطوى أحواله . المفردات .
|
 | |
قرة العيون في المعارف والحكم | | 363 |
|
 |
ودرجوا(8))(9) قال : (وللمؤمنين وهم أصحاب اليمين الأربعة الأخيرة ، وللكفار وهم أصحاب الشمال الثلاثة الأخيرة كما للدواب في لفظ هذا معناه)(1) .
وعن كميل بن زياد قال : (سألت مولانا عليا أمير المؤمنين (ع) فقلت : يا أمير المؤمنين اريد أن تعرفني نفسي ، فقال : يا كميل واي الانفس تريد أن اعرفك ؟ فقلت : يا مولاي هل هي إلا نفس واحدة ، فقال (ع) : يا كميل إنما هي أربعة : النامية النباتية والحسية الحيوانية ، والناطقة القدسية ، والكلية الالهية ، ولكل واحدة من هذه خمس قوى وخاصيّتان .
فالنامية النباتية لها خمس قوى : ماسكة ، وجاذبة ، وهاضمة ، ودافعة ، ومربية ، ولها خاصيتان : الزيادة ، والنقصان ، وانبعاثها من الكبد ، والحسية الحيوانية لها خمس قوى : سمع ، وبصر ، وشم ، وذوق ، ولمس ، ولها خاصيتان : الشهوة ، والغضب ، وانبعاثها من القلب ، والناطقة القدسية لها خمس قوى : فكر ، وذكر ، وعلم ، وحلم ونباهة ، وليس لها انبعاث وهي أشبه الاشياء بالنفوس الملكية ولها خاصيتان : النزاهة والحكمة ، والكلية الالهية لها خمس قوى : بقاء في فناء ، ونعيم في شقاء ، وعز في ذل ، وفقر في غناء ، وصبر في بلاء ، ولها خاصيتان : الرضا والتسليم ، وهذه التي مبدؤها من الله وإليه تعود ، وقال الله تعالى : «ونفخت فيه من روحي»(1) وقال تعالى : «يا أيتها النفس المطمئنة ارجعي إلى ربك راضية مرضية»(2) والعقل وسط الكل)(3) .
وروي (ان أعرابيا سأل امير المؤمنين (ع) عن النفس فقال له عن اي نفس تسأل فقال : يا مولاي هل النفس أنفس عديدة ؟ فقال (ع) : نعم نفس نامية نباتية ، ونفس حسية حيوانية ، ونفس ناطقة قدسية ، ونفس إلهية ملكوتية كلية .
قال : يا مولاي ما النامية النباتية ؟ قال : قوة أصلها الطبايع الاربع بدو إيجادها مسقط النطفة ، مقرها الكبد ، مادتها من لطايف الأغذية ، فعلها النمو والزيادة ، وسبب فراقها اختلاف المتولدات فاذا فارقت عادت إلى ما منه بدأت عود ممازجة لا عود مجاورة .
فقال : يا مولاي وما النفس الحسية الحيوانية ؟ قال : قوة فلكية وحرارة غريزية أصلها
|
(9) الكافي : ج 2 ص 282 .
(10) الكافي : ج 2 ص 283 (بالمعنى) .
(1) سورة الحجر : الآية 29 .
(2) سورة الفجر : الآية 27 ـ 28 .
(3) البحار : ج 58 ص 85 باب حقيقة النفس ...
|
 | |
قرة العيون في المعارف والحكم | | 364 |
|
 |
الافلاك بدو ايجادها عند الولادة الجسمانية فعلها الحياة والحركة والظلم والغشم والغلبة واكتساب الاموال والشهوات الدنيوية مقرها القلب سبب فراقها اختلاف المتولدات ، فاذا فارقت عادت إلى ما منه بدأت عودممازجة لا عود مجاورة فتعدم صورتها ويبطل فعلها ووجودها ويضمحل تركيبها .
فقال : يا مولاي وما النفس الناطقة القدسية ؟ قال : قوة لاهوتية بدو ايجادها عند الولادة الدنيوية ، مقرها العلوم الحقيقية الدينية ، موادها التأييدات العقلية ، فعلها المعارف الربانية ، سبب فراقها تحلل الآلات الجسمانية ، فاذا فارقت عادت إلى ما منه بدأت عود مجاورة لا عود ممازجة .
فقال : يا مولاي وما النفس اللاهوتية الملكوتية الكلية ؟ فقال : قوة لاهوتية جوهرة بسيطة حية بالذات أصلها العقل منه بدت وعنه دعت وإليه دلت وأشارت وعودتها إليه إذا كملت وشابهته ، ومنها بدأت الموجودات وإليها تعود بالكمال فهو ذات الله العليا وشجرة طوبى وسدرة المنتهى وجنة المأوى ، من عرفها لم يشق ، ومن جهلها ضل سعيه وغوى .
فقال السائل : يا مولاي وما العقل ؟ قال : العقل جوهر درّاك محيط بالاشياء من جميع جهاتها ، عارف بالشيء قبل كونه ، فهو علة الموجودات ونهاية المطالب) .
|
كلمة في شأن العالم العلوي وترقيات النفس الانسانية اليه
|
روي ان أمير المؤمنين (ع) سئل عن العالم العلوي ، فقال صور عارية عن المواد عالية من القوة والاستعداد تجلى لها فاشرقت ، وطالعها فتلألأت ، والقى في هويتها مثاله فاظهر عنها أفعاله وخلق الانسان ذا نفس ناطقة إن زكاها بالعلم والعمل ، فقد شابهت جواهر أوايل عللها . وإذا اعتدل مزاجها وفارقت الاضداد فقد شارك بها السبع الشداد)(1) .
وروي (ان بعض اليهود اجتاز به (ع) وهو يتكلم مع جماعة فقال له : يا ابن أبي طالب لو أنك تعلمت الفلسفة لكان يكون منك شأنا من الشأن ، فقال (ع) : وما تعني بالفلسفة ؟ أليس من اعتدل طباعه صفا مزاجه ، ومن صفا مزاجه قوي أثر النفس فيه ، ومن قوي أثر النفس فيه
| |
(1) غرر الحكم ودرر الكلم : ج 1 ص 459 ح 75 (ط ايران) . وص 308 ح 5961 (ط مؤسسة الوفاء) .
|
 | |
قرة العيون في المعارف والحكم | | 365 |
|
 |
سما إلى ما يرتقيه ، ومن سما إلى ما يرتقيه فقد تخلق بالاخلاق النفسانية ، ومن تخلق بالأخلاق النفسانية فقد صار موجودا بما هو انسان دون أن يكون موجودا بما هو حيوان فقد دخل في الباب الملكي الصوري وليس له من هذه الغاية مغيّر فقال اليهودي : الله اكبر يا ابن ابي طالب لقد نطقت بالفلسفة جميعا في هذه الكلمات رضي الله عنك) .
وفي الحديث القدسي المتفق عليه بين أهل الاسلام (ما يتقرب إلي عبدي بشيء احب إلي مما افترضته عليه وأنه ليتقرب إلي بالنوافل حتى احبه ، فاذا احببته كنت سمعه الذي يسمع به وبصره الذي يبصر به ، ولسانه الذي ينطق به ، ويده التي يبطش بها إن دعاني أجبته ، وإن سألني أعطيته)(1) .
أقول أعني محبة الله تعالى للعبد كشفه الحجاب عن قلبه وتمكينه إياه من قربه ومعنى المحبة من العبد ميل نفسه إلى الشيء لكمال أدركته فيه بحيث يحملها إلى ما يقربها إليه ، فاذا علم العبد أن الكمال الحقيقي ليس إلا لله وأن كل ما يراه كمالا من نفسه أو من غيره فهو من الله وبالله وإلى الله ، لم يكن حبه إلا لله وفي الله ، وذلك يقتضي ارادة طاعته والرغبة فيما يقربه إليه واتباع من كان وسيلة إلى معرفته ومحبته .
قال الله تعالى لرسوله : «قل إن كنتم تحبون الله فاتبعوني يحببكم الله»(2) فان بمتابعة الرسول في عبادته وسيرته وأخلاقه وأحواله ونوافله يحصل القرب إلى الله وبالقرب يحصل محبة الله إياه .
قال العلامة المحقق نصير الدين محمد الطوسي قدس الله سره : (العارف إذا انقطع عن نفسه واتصل بالحق رأى كل قدرة مستغرقة في قدرته المتعلقة بجميع المقدورات وكل علم مستغرقا في علمه الذي لا يعزب(3) عنه شيء من الموجودات ، وكل ارادة مستغرقة في إرادته التي لا يتأبى عنها شيء من الممكنات ، بل كل وجود وكل كمال وجود فهو صادر عنه فايض من لدنه فصار الحق حينئذ بصره الذي به يبصر وسمعه الذي به يسمع وقدرته التي بها يفعل وعلمه الذي به يعلم ووجوده الذي به يوجد فصار العارف حينئذ متخلقا بأخلاق الله بالحقيقة) .
|
(1) المحاسن : ج 1 ص 291 ح 443 والكافي : ج 2 ص 352 ح 8 .
(2) سورة آل عمران : الآية 31 .
(3) قال تعالى : لا يعزب عنه مثقال ذرة ، أي لا يغيب عن علمه ولا يخفى وعن الصادق (ع) في لا يعزب الآية قال : اي بالاحاطة والعلم لا بالذات واذا كان بالذات لزمها الحواية . م .
|
|