|
|
 | |
قرة العيون في المعارف والحكم | | 347 |
|
 |
|
كلمة فيها اشارة الى كيفية تربية الاسماء للمخلوقات
|
كل مخلوق يدعو بلسان استحقاقه الفايض عليه من اسم الله ما يستحق له واعطاؤه سبحانه الاستحقاق دعاء منه إلى الطلب ، فالطلب بهذا الاعتبار اجابة لدعوة الحق ، أجيبوا داعي الله ، وهو باعتبار آخر سؤال من الله سبحانه يسأله من في السماوات والأرض وهذا السؤال إنما هو بلسان الحاجة والافتقار وعلى وجه الذل والاضطرار ، وإنما هو اسم من أسمائه سبحانه مناسب لحاجة السائل ، فالفقير مثلا يدعو باسم المغني والمريض باسم الشافي والمظلوم باسم المنتقم ، وعلى هذا القياس فكل ذرة من ذرات العالم يدعو الله اضطرارا بلسان حاله باسم من أسمائه تعالى وهو يجيب دعوته في حضرة ذلك الاسم الذي دعاه به كما قال : «امن يجيب المضطر إذا دعاه»(1) .
ومطالب الكل على حسب مسؤولاتهم مبذولة دائما وحوائجهم مقضية أبدا «وآتاكم من كل ما سألتموه»(2) لا يخيب منه أحد قط إلا من كان على بصيرته غشاوة من استعداده ، فاخذ يدعوه بلسان المقال ما يدعو بلسان الحال ، فلذلك يخيب قولا وان استجيب حالا وهو قوله سبحانه : «وما دعاء الكافرين إلا في ضلال»(3) .
شعر
| گر جان بدهند سنك سيه لعل نگردد |
|
با طينت اصلى چه كند بد گهر افتاد |
وهذا الذي ذكرناه أخذ معاني قوله سبحانه : «كل يوم هو في شأن»(4) يعني در هر حادثه كارى دارد .
(مصراع) أي تو را با هر كسى كارى ديكر
|
كلمة بها يتبين معنى قوله تعالى وعلم آدم الاسماء كلها
|
قد ورد عن أهل البيت (عليهم السلام) أن المراد بالاسماء أسماء المخلوقات من الجبال
|
(1) سورة النمل : الآية 62 .
(2) سورة ابراهيم : الآية 34 .
(3) سورة الرعد : الآية 14 .
(4) سورة الرحمن : الآية 29 .
|
 | |
قرة العيون في المعارف والحكم | | 348 |
|
 |
والبحار والأودية والنبات والحيوان وغيرها ، وفي رواية أسماء أنبياء الله وأوليائه وعتاة أعدائه .
أقول : ولعل وجه التوفيق أن المراد بالأسماء أسماء الحسنى التي بها خلقت المخلوقات كما اشرنا إليه سابقا وإنما اضيفت تارة إلى المخلوقات كلها لأنها كلها مظاهرها التي فيها ظهرت اتصاف مجتمعة أي ظهرت صفات اللطف كلها أو جلها في الأولياء وصفات القهر كلها أو جلها في الأعداء .
والمراد بتعليمها آدم كلها خلقه من أجزاء مختلفة وقوى متباينة حتى استعد لادراك أنواع المدركات من المعقولات والمحسوسات والمتخيلات والموهومات ، والهامه معرفة ذوات الأشياء وخواصها واصول العلم وقوانين الصناعات وكيفية آلاتها والتمييز بين أولياء الله وأعدائه فتأتّى بمعرفة ذلك كله مظهريّته لاسمائه تعالى كلها وجامعيّته جميع كمالات الوجود اللايقة به حتى صار منتخبا لكتاب الله الكبير الذي هو العالم الاكبر كما قال أمير المؤمنين (ع) ، شعر
| دواؤك فيك ومــا تشعر |
|
وداؤك منك ومـا تستنكر |
| و أنت الكتاب المبين الذي |
|
بـأحرفه يظهر المضمـر |
| وتزعم أنك جرم صغيـر |
|
وفيك انطوى العالم الأكبر(1) |
وإنما تعرف الملائكة حقايق الاشياء كلها لاختلافها وتباينها وكونهم وحدانية الصفة ليس في جبلتهم خلط وتركيب ، ولهذا لا يفعل كل صنف منهم إلا فعلا واحدا فالراكع منهم راكع أبدا ، والساجد منهم ساجد أبدا ، والقائم منهم قائم أبدا كما حكى الله عز وجل عنهم بقوله : «وما منّا إلا له مقام معلوم»(2) ولهـذا ليـس لهـم تنافـس(3) وتباغض ، بل مثالهم مثال الحواس فان البصر لا يزاحم السمع في إدراك الأصوات ولا الشم يزاحمها ولا هما يزاحمان الشم فلا جرم مجبولون على الطاعة لا مجال للمعصية في حقهم «لا يعصون الله ما أمرهم ويفعلون ما يؤمرون»(4) ، «ويسبحون الليل والنهار لا يفترون(5)»(6) .
فكل صنف منهم مظهر لاسم واحد من الأسماء الإلهيّة لا يتعداه ففاقهم آدم بمعرفته الكاملة ومظهريته الشاملة فمعنى قوله تعالى سبحانه : «أنبئهـم باسمـائهـم»(7) أخبرهم بالحقايق
|
(1) من الشعر المنسوب للامام علي (ع) : ص 75 .
(2) سورة الصافات : الآية 164 .
(3) نافس فيه : رغب على وجه المباراة في الكرم كتنافس . ق .
(4) سورة التحريم : الآية 6 .
(5) فتر يفتر فتورا : سكن بعدحدة ولان بعد شدة . ق .
(6) سورة الانبياء : الآية 20 .
(7) سورة البقرة : الآية 33 .
|
 | |
قرة العيون في المعارف والحكم | | 349 |
|
 |
المكنونة عنهم والمعارف المصوّرة عليهم ليعرفوا جامعيتك لها وقدرة الله على الجمع بين الصفات المتباينة والاسماء المتناقضة ومظاهرها بما فيها من التضاد في مخلوق واحد كما قيل :
شعر
| ليـس علـى الله بمستنكر |
|
أن يجمع العالم في واحد |
وروي عن الصادق (ع) أنه قال : (إن الصورة الانسانية أكبر حجة الله على خلقه ، وهي الكتاب الذي كتبه بيده وهي الهيكل(1) الذي بناه بحكمته ، وهي مجموع صور العالمين ، وهي المختصر من العلوم في اللوح المحفوظ ، وهي الشاهد على كل غائب ، وهي الحجة على كل جاحد ، وهي الطريق المستقيم إلى كل خير ، وهي الصراط الممدود بين الجنة والنار) . مغربي
| چه مهر بود كه بسرشته انددر كل من |
|
چه كنج بود كه بنهاد دوست در دل من |
| بدست خويش چهل صبح باغبان ازل |
|
نماند تخم كلى تانكشت در كل من |
في الصنع والابداع «صنع الله الذي اقتن كل شيء» النمل / 18 .
|
كلمة فيها اشارة الى اصول العوالم والنشآت
|
اصول العوالم في البدو ثلاثة : عالم عقلي روحاني ، وعالم خيالي مثالي ، وعالم حسي جسماني ، وينشأ من كل منها بوسيلة علوم الانسان وأعماله وأمانيّه في العود ثلاثة اخرى بازائها ، فينشأ لها من الانسان أهل وأصحاب «وكنتـم أزواجـا ثلاثـة»(2) .
والعالم العقلي يسمّى بالملكوت الأعلى وعالم الأرواح وأعلى عليّين والجبروت وهو عرى عن الصور والمواد بري من القوة والاستعداد أنشأه الله من نوره سبحانه ، والعالم الخيالي يسمّى بالملكوت الأسفل وعالم الأشباح وعالم النفوس والبرزخ ، وهو عرى عن المواد دون الصور أنشأه الله من نور العقل ، والعالم الحسي يسمّى بعالم الملك وعالم الأجسام وعالم الكون والفساد والدنيا ، وهو مقارن الصور والمواد والقوة والاستعداد وفيه التقابل والتضاد أنشأه الله من
|
(1) الهيكل : الضخم من كل شيء . ق .
(2) سورة الواقعة : الآية 7 .
|
 | |
قرة العيون في المعارف والحكم | | 350 |
|
 |
الهيولى الاولى المسمّاة بالماء التي هي ظل النفس ، وذلك بان حرّك الهيولى طولا وعرضا وعمقا فكان منهم الجسم المطلق ، ثم خلق من الجسم الأرضين والسماوات بصورها وطبايعها ، ثم أدار الأفلاك حول الأركان فاختلط بعضها ببعض فكانت منها المولدات الكائنات من المعاد والنباتات والحيوانات .
ولعله إلى بعض هذه المعاني اشير مرموزا في الحديث النبوي (ص) حيث قال : (أول ما خلق الله جوهرة فنظر إليها بعين الهيبة فذابت أجزاؤه فصارت ماء فتحرك الماء وطفى(1) فوقه زبد وارتفع منه دخان ، فخلق السماوات من ذلك الدخان والأرضين من ذلك الزبد)(2) .
عن الباقر (ع) (ما يقرب من هذا مع الزيادات)(3) ، وقد يطلق الروح على ما يقابل الجسم فيشتمل ما في العالمين الأولين جميعا باعتبار تأثيرها في الاجسام واعطائها الحياة لها ، وكذلك النفس يطلق على ما فيها جميعا باعتبار تصرّفها في الجسم وتدبيرها له والعالم العلوي يقابل الحسّي فيشملها أيضا وقد يطلق على السماوات في مقابلة الارضين .
|
كلمة فيها اشارة الى انتشاء المخلوقات من العقل باذن الله تعالى
|
روي عن الصادق (ع) قال : (إن الله خلق العقل وهو أول خلق من الروحانيين عن يمين العرش من نوره فقال له : أدبر فأدبر ثم قال له : أقبل فاقبل فقال الله تعالى : خلقتك خلقا عظيما وكرمتك على جميع خلقي ، قال : ثم خلق الجهل من البحر الاجاج ظلمانيا فقال له : أدبر فأدبر ثم قال له أقبل فلم يقبل فقال له : أستكبرت فلعنه)(4) الحديث .
أقول : العقل جوهر ملكوتي نوراني خلقه الله من نور عظمته وبه أقام السماوات والأرضين وما فيهن وما بينهن من خيرات ، ولأجله البس الجميع حلة نور الوجود ، وبواسطته فتح أبواب الكرم والجود ، ولولاه لكنا جميعا في ظلمة العدم ، ولأغلقت دوننا أبواب النعم ، وهو بعينه نور نبيّنا (ص) وروحه الذي تشعّب منه أنوار أوصيائه المعصومين وأرواح الأنبياء والمرسلين ، ثم خلقت من شعاعها أرواح شيعتهم من الأولين والآخرين .
والعرش عبارة عن جميع الخلايق وله معان اخر يأتي ذكرها إنشاء الله تعالى ، ويمينه أقوى
|
(1) طفي فوق الماء طفوا : علا . ق .
(2) البحار : ج 54 ص 363 وص 249 .
(3) الكافي : ج 8 ص 94 و95 .
(4) الكافي : ج 1 ص 20 ح 14 .
|
 | |
قرة العيون في المعارف والحكم | | 351 |
|
 |
جانبه وأشرفهما ، وهو عالم الروحانيات كما أن يساره أضعفهما وأدونهما وهو عالم الجسمانيات ، ومعنى قوله : أدبر ، أي انصرف الى الدنيا واهبط إلى الأرض رحمة للعالمين فأدبر . فنزل إلى هذا العالم بأن افاض باذن ربه النفوس السماوية والأرضية واظلالها «واطلالها خ» من الطبايع والمواد ، فظهر في حقيقة كل منها وفعل فعلها فصار كثرة وأعدادا وتكثر أشخاصا وأفرادا ، ثم قال له : أقبل أي توجه إليّ وترق إلى معارج الكمال باكتساب المقامات والأحوال ، فاقبل فأجاب داعي ربه وتوجّه إلى جناب قدسه بأن صار جسما مصوّرا من ماء عذب وارض طيبة ثم انبت نباتا حسنا ثم صار حيوانا ذا عقل هيولاني ، ثم صار عقلا بالملكة ، ثم عقلا مستفادا ، ثم عقلا بالفعل ، ثم فارق الدنيا ولحق بالرفيق(1) الأعلى .
وكذلك فعل كل من تبعه وشيعه من الأرواح المنشعبة منه المقتبسة من نوره والمنبجسة من شعاعه ويلحق به الجميع ويحشر معه في عروجه إلى العالم الأعلى ورجوعه إلى الله تعالى .
فادباره عبارة عن توجهه إلى هذا العالم الجسماني والفائه عليه من شعاع نوره وإظهاره الأعيان فيه وإفاضته الشعور والإدراك والعلم والنطق على كل منها بقدر استعداده له وقبوله منه من غير أن يفارق معدنه ويخلي مرتبته ومقامه في القرب ، بل يرشح بفضل وجوده الفائض من الله تعالى على وجود ما دونه .
واقباله عبارة عن رجوعه إلى جناب الحق وعروجه إلى عالم القدس باستكماله لذاته بالعبودية الذاتية شيئا فشيئا من أرض المادة إلى سماء العقل حتى يصل إلى الله ويستقر على مقام الأمن والراحة ، ويبعث إلى المقام المحمود الذي يغبطه به الأولون والآخرون .
فادباره في جميع المراتب ايجابي تكويني لا يحتمل العصيان وأمريّ دفعيّ لا يدخل تحت الزمان ولا يتطرق إلى السابق عند وجود اللاحق بطلان ولا نقصان ، وإقباله في الأواخر تكليفي تشريعي وكله خلقيّ تدريجي مقيّد بالزمان يبطل السابق عند اللاحق شخصا وجسما لا حقيقة وروحا ، وكل مرتبة منهما عين نظرية من الآخر حقيقة ، وغيره شخصا والشرف والكمال إنما هو بالدنو من الحق المتعال ففي البدو كل ما تقدم كان أوفر اختصاصا ، وفي العود كل ما تأخر كان أعلى مكانا .
ومثل نور العقل في عالم الغيب مثل نورالشمس في عالم الشهادة فكما أن عين البصر
| |
(1) في حديث عايشة سمعته (ص) يقول عند موته : بل الرفيق الاعلى ، وذلك انه (ص) خير بين البقاء في الدنيا وبين ما عند الله فاختار ما عند الله تعالى . م .
|
 | |
قرة العيون في المعارف والحكم | | 352 |
|
 |
تدرك بنورالشمس المحسوسات في هذا العالم ولولاه لما ابصرت شيئا فكذلك عين البصيرة تدرك بنور العقل المعقولات في ذلك العالم ولولاه لما ابصرت شيئا ، وكما أن من عمي بصره لا يبصر بنور الشمس شيئا فكذلك من عميت بصيرته لا يبصر بنور العقل شيئا .
ثم إن هذه الأنوار الشعاعية المنبجسة(1) من ضياء العقل والنور المحمدي منها ما هو غريزي للانسان به يتهيأ لادراك العلوم النظرية وتدبير الصناعات الخفية فيخرجها من القوة إلى الفعل شيئا فشيئا وبها يفارق ساير الحيوانات ، ومنها ما هو مكتسب له به يميّز بين النافع له في المال والضار به فيه ، فيقدم على النافع ويجتنب الضار ويختار الاجل الباقي على العاجل الفاني في النفع وبالعكس في الضرر ، وهو ثمرة الاولى والغاية القصوى له ويؤيّده الملائكة وتلهمه وتهديه .
وإلى كلا العقلين اشير فيما ينسب إلى أمير المؤمنين (ع) أنه قال : (رأيت العقل عقلين : فمطبوع ومسموع ولا ينفع مسموع إذا لم يك مطبوع كما لا تنفع الشمس وضوء العين ممنوع)(1) ولكل منهما درجات ومراتب فكامل وأكمل وناقص وأنقص .
والجهل جوهر نفساني ظلماني خلق بالعرض وبتبعية العقل من غير صنع فيه غير صنع العقل يقوم به كل ما في الأرض من الشرور والقبايح وهو بعينه نفس إبليس وروحه الذي به قوام حياته الذي تشعب منه أرواح الشياطين ثم خلقت من ظلمتها أرواح الكفار والمشركين ، والبحر الاجاج هو المادة الجسمانية الظلمانية الكدرة التي هي منبع الشرور والآفات في هذا العالم ، وهو إشارة إلى علته القابلية قال الله تعالى : «وكان عرشه على الماء»(2) أي كان بناء العالم الجسماني وقوامه على المادة التي لها قبول كل خير وشر كالماء القابل للتشكلات المختلفة بسهولة فمنه عذب فرات ومنه ملح اجاج(3) .
وعن الباقر (ع) (ان الله تعالى قبل أن يخلق الخلق قال : كن ماء عذبا أخلق منك جنتي وأهل طاعتي ، وكن ملحا اجاجا أخلق منك ناري وأهل معصيتي ثم أمرهما فامتزجا ، فمن ذلك صار يلد المؤمن كافرا والكافر مؤمنا)(4) .
|
(1) بجست الماء فانبجس من باب قتل أي فجرته فانفجر وفي دعاء الغيث منبجسة بروقه أي منفجرة بالماء . م .
(2) احياء علوم الدين : ج 1 ص 80 .
(3) سورة هود : الآية 7 .
(4) ملح اجاج : شديد الملوحة والحرارة . المفردات .
(5) الكافي : ج 2 ص 6 ح 1 .
|
 | |
قرة العيون في المعارف والحكم | | 353 |
|
 |
ويؤيّد هذا التشبيه والتجوز ويشيّده ما يقال : إن نسبة المادة إلى مقبولاتها التي هي لابستها وخالعتها من الصور والاعراض نسبة البحر إلى الامواج ، ولك أن تعمم المادة التي عبر عنها بلسان الشرع بالماء بما يشمل مادة الأرواح فان التحقيق الاتم يقتضي أن لا تخلو الأرواح أيضا من مادة هي منشأ امكانها الذاتي القابل للوجود الخاص ومبدأ استعدادها الفطري كامتثال أمر كن في علم الله سبحانه .
فان كل ممكن جسما كان أو روحا فهو زوج تركيبي له عدم من نفسه ووجود من ربه ، تميّز عدمه بذلك الوجود وتخصّص به ، أحدهما بمنزلة المادة ، والآخر بمنزلة الصورة وباعتبار تقدم القابل على المقبول ورد : (أول ما خلق الله الماء)(1) ، ولكون القابل ليس من عداد المخلوق بل هو شرط له ورد : (أول ما خلق الله العقل)(2) ، وفي كلام الإمام (ع) إشارة لطيفة إلى ذلك كما لا يخفى .
وأمر الجهل بالادبار أمر تكوين اي اهبط من عالم الملكوت والنور إلى عالم المواد والظلمات مصلحة للنظام وابتلاء للانام إذ نظام هذا العالم وعمارته لا ينصلح الا بنفوس شريرة وقلوب قاسية ، وتكميل السعداء المهتدين لا يتمشى إلا بوجود الاشقياء المردودين ، ولأن يتحقق مظاهر بعض الأسماء فيوجد آثارها كالعدل والمنتقم والجبار والتواب والغفور والعفو فانها أسماء إلهية وصفات ربانية لا يظهر آثارها وغاياتها إلا إذا جرى على العبد ذنب .
ولذلك ورد في بعض الأخبار (لو لا أنكم تذنبون لذهب الله بكم وجاء بقوم يذنبون فيستغفرون فيغفر الله لهم)(3) .
فادبار الجهل توجّهه إلى عالم الزور(4) وبعده عن مقام الرحمة والنور هابطا مع العقل حيث هبط ، وظهوره في حقايق النفوس والطبايع والصور والمواد بان صار جسما مصوّرا من ماء اجاج وأرض خبيثة منتنة ، ثم صار نباتا ثم حيوانا ذا جهل هيولاني ، ثم اكتسب جهلا بالملكة ، ثم جهلا مستفادا ، ثم جهلا بالفعل ، وعند ذلك انتهى ادباره وصار في غاية البعد من الله سبحانه وكذلك فعل من تبعه وشيّعه من الأرواح الخبيثة المنشعبة منه ويلحق به ويحشر معه في هوية
|
(1) كما في الكافي : ج 8 ص 94 و 95 .
(2) العوالي : ج 4 ص 99 ح 141 .
(3) احياء علوم الدين : ج 4 ص 141 وصحيح مسلم : ج 4 ص 2105 .
(4) الزور : الميل عوج الزور أو اشراف احد جانبيه على الآخر . المنجد . وقال في المفردات وقيل للكذب زور لكونه مايلا عن جهته .
|
 | |
قرة العيون في المعارف والحكم | | 354 |
|
 |
(هويه) إلى دركات الجحيم ونزوله إلى اسفل السافلين .
وادباره في جميع المراتب تابع لادبار العقل واقباله جميعا ، وإنما تحقق بالعرض لا بالذات إذ كل من لم يقبل من شعاع نور العقل او قل قبوله منه بقي في ظلمة الجهل بمقدار عدم قبوله منه ، وذلك لسوء استعداد مادته وخبث طينته حافظ
| كوهر پاك ببايد كه شود قابل فيض |
|
ورنه هر سنك سيه لولو ومرجان نشود |
وقد ثبت في محله أن الخيرات كلها راجعة إلى الوجود ، والشرور كلها راجعة إلى العدم وأمر الجهل بالاقبال أمر تكليفي تشريعي وإنما لم يقبل لأنه بلغ بالادبار أقصى مراتب الكمال المتصور في حقه ، ولهذا استكبر لتأكد وجوده الظلماني ورسوخه في ذمايم الصفات وقوة إنسانيته واغتراره ، والاقبال إلى الحق إنما يتيسّر لنفوس السعداء لاجل ضعف وجودهم الجسماني وقبولهم التبدّل في الأكوان الوجودية ، وتطورهم(1) في الأطوار الاخروية بفناء بعد فناء لبقاء فوق بقاء ، وعدم تعلقهم بهذا الوجود ولا تقيدهم بهذه المحابس والقيود ، وترك التفاتهم إلى شيء إلى مبدأ كل خير وجود ، وليس شيء من هذه في الأشقياء ، بل هم متّصفون باضدادها فلعنه أي أبعده عن رحمته وطرده عن دار كرامته .
والجوهر العقلي من جهة ذاته بذاته سعيد في الدنيا والآخرة لا ذنب له ولا معصية وإنما يعتريه شيء من ذلك لأجل صحة البدن ومخالطة الوهم والخيال والنزول في منزل الاراذل .
حافظ
| من ملك بودم وفردوس برين جايم بود |
|
آدم آورد بدين دير خراب آبادم |
| طاير گلشن قدسم چه دهم شرح فراق |
|
كه در اين دامگه حادثه چون افتادم |
|
كلمة فيها تمثيل مراتب الخلق في صدوره من الله تعالى
|
مثال الباري عز اسمه في ترتيب خلقه ولا مثال له مثال الواحد في ترتيب الاعداد وانتشائها منه فانه ادل دليل على وحدانية الباري جل اسمه وكيفية اختراع الأشياء وابدائه «ابداعه خ ل» لها .
| |
(1) الطور : الهيئة ، الحال . التارة يقال : اتيته طورا بعد طور ؛ اي تارة بعد تارة المنجد ؟
|
 | |
قرة العيون في المعارف والحكم | | 355 |
|
 |
وذلك أن الواحد وإن كان منه يتصور وجود العدد وتركيبه في افكار النفوس فهو لم يتغير عمّا كان عليه ولم يتجز ، وكذلك الباري تعالى وإن كان هو الذي اخترع الأشياء من نور وحدانيته وأبدعها وأنشأها وبه قوامها وبقاؤها وكمالها فهو لم يتغير عما كان من الوحدانية قبل اختراعه ، وكما أن الواحد لا جزء له ولا مثل في العدد ، كذلك الباري جلت عظمته لا مثل له في خلقه ولا شبه ، وكما أن الواحد محيط بالأعداد كلها يعدّها ويقدرها ، كذلك الباري جل ثناؤه محيط بالأشياء علما وقدرة ورحمة .
وكما أن الواحد أصل الأعداد ومبدأها وهو معها من غير ممازجة ولا مخالطة كذلك الباري سبحانه أصل الموجودات ومبدأها وهو معها من غير ممازجة ولا مخالطة ، وكما أن الواحد إذا رفع من الوجود توهما ارتفع العدد كله ، كذلك لو لم يكن الباري جل اسمه ارتفع الموجودات وجودا توهّما ،وكما أن من الاعداد ما هو أقرب من الواحد رتبة ومنزلة وهو الاثنان ثم الثلاثة ثم الأربعة ثم ما زاد ، كذلك من الموجودات ما هو أقرب إلى الباري رتبة ومنزلة إلى غير ذلك .
ومهما نظرت إلى الوجود جمعا وتفصيلا وجدت التوحيد يصحبه لا يفارقه ألبتة صحبة الواحد للأعداد ، فان الاثنين لا يوجد أبدا ما لم تضف إلى الواحد مثله ، ولا يصح الثلاثة ما لم تزد على الاثنين واحدا وهكذا إلى ما لا يتناهى ، فالواحد نصف العدد والعدد كله واحد لو نقص من الألف واحد انعدم اسم الالف وحقيقته وبقيت حقيقة اخرى وهي تسعمأة وتسعة وتسعون ، ولو نقص منها واحد ذهب عينها التبة فمتى انعدم الواحد من شيء عدم ذلك الشيء هكذا التوحيد إن حققته ، «وهو معكم أينما كنتم»(1) .
ومن اللطايف أن العدد مع غاية تباينه للوحدة وكون كل مرتبة منه حقيقة برأسها موصوفة بخواص ولوازم لا توجدان في غيرها إذا فتشت حاله وحال مراتبه المختلفة لم تجد فيها غير الوحدة ، وأنك لا تزال تثبت في كل مرتبة من المراتب عين ما تنفيه فتقول : الواحد ليس بعدد والعدد ليس بواحد ، لأنه يقابله مع أنه عين الواحد الذي يتكرر ، والواحد عين العدد الذي يحصل بتكرّره ، فلك أن تقول لكل مرتبة إنها مجموع الاحاد وأن تقول إنها ليس مجموع الاحاد لاتّصافها بخواص ولوازم لا توجدان في غيرها .
ومجموع الاحاد جنس لكل مرتبة وكل مرتبة نوع برأسها فلا بد لها من أمر آخر غير جميع الاحاد وليس فيها شيء غير جميع الاحاد فلا تزال تثبت عين ما تنفي وتنفي عين ما تثبت ، وهذا
| |
(1) سورة الحديد : الآية 4 .
|
| |