قرة العيون في المعارف والحكم338

المحسوسات إذ به يدرك ساير المحسوسات ، فما هو ظاهر في نفسه وهو مظهر لغيره انظر كيف تصوّر استبهام أمره بسبب ظهوره لولا طريان ضدّه ، فاذن الحق سبحانه هو أظهر الامور ، وبه ظهرت الأشياء كلها ، ولو كان له عدم او غيبة أو تغير لانهدت السموات والأرض وبطل الملك والملكوت ، ولادركت التفرقة بين الحالتين ، ولو كان بعض الأشياء موجودا به وبعضها موجودا بغيره لادركت التفرقة بين الشيئين في الدلالة ولكن دلالته عامة في الأشياء على نسق واحد ووجوده دائم في الأحوال يستحيل خلافه . فلا جرم اورث شدة الظهور خفاء .
شعر
خفى لافراط الظهور تعرّضت‏‎ لادراكه أبصار قوم أخافش
‍‍‌‏‎وحظ عيون الزرق من نور وجهه لشدته حظ العيون العوامش
اي تو مخفى در ظهور خويشتن وى رخت پنهان بنور خويشتن
شعر
لقد ظهرت ولا تخفى على أحد‏‎ إلا على أكمه(1) لا يعرف القمرا
لكن بطنت بما أظهرت محتجبا فكيف يعرف من بالعرف استترا
شعر

حجاب روى تو هم روى تست در همه حال نهانى از همه عالم زبسكه پيدائي

قال أمير المؤمنين (ع) : «لم تحط به الأوهام بل تجلى لها بها ، وبها امتنع منها»(2) وقال (ع) : ظاهر في غيب وغائب في ظهور وقال (ع) : «لا تجنّه البطون عن الظهور ولا يقطعه الظهور عن البطون ، قرب فنأى وعلا فدنا وظهر فبطن وبطن فعلن ودان ولم يدن»(3) ، أي ظهر وغلب ولم يغلب ، ومن هنا قيل عرفت الله بجمعه بين الأضداد .
كلمة
فيما اشارة إلى الطريق الى معرفة الله

كما أن لكل شيء ماهية هو بها هو وهي وجهه الذي إلى ذاته كذلك لكل شيء حقيقة محيطة به بها قوام ذاته وبها ظهور آثاره وصفاته ، وبها حوله عمّا يرديه ويضره وقوته على ما ينفعه ويسرّه ، وهي وجهه الذي إلى الله سبحانه وإليه اشير بقوله عز وجل : «والله بكل شيء

(1) كمه كمها : عمي أو صار أعشى . بصره : اعترته ظلمة تطمس عليه . المنجد .
(2) نهج البلاغة : ص 269 خطبة 185 .
(3) نهج البلاغة : ص 309 خطبة 195 .
قرة العيون في المعارف والحكم339

محيط»(1) «وإنه على كل شيء شهيد»(2) وبقوله سبحانه : «وهو معكم اينما كنتم»(3) وبقوله تعالى : «ونحن اقرب إليه من حبل الوريد(4)»(5) وبقوله عز وجل : «ونحن أقرب إليه منكم ولكن لا تبصرون»(6) وبقوله عز اسمه : «كل شيء هالك إلا وجهه»(7) فان تلك الحقيقة هي التي تبقى بعد فناء الأشياء ، فاذا نظرنا إلى الاشياء بهذا الوجه وعرفنا الله عز وجل بهذا النظر فقد عرفنا الله بالله ، بل عرفنا الأشياء أيضا بالله ، (سئل نبينا (ص) بماذا عرفت ربّك ؟ قال : بالله عرفت الأشياء) .
وقال أمير المؤمنين (ع) : (اعرفوا الله بالله)(8) ، يعني انظروا في الأشياء إلى وجوهها التي إلى الله سبحانه لكي تعرفوا أولا أن لها ربا صانعا ثم اطلبوا حينئذ معرفته بآثاره فيها من حيث تدبيره لها وقيوميّته إياها وتسخيره لها واحاطته بها وقهره عليها حتى تعرفوا الله بهذه الصفات القائمة به ، ثم تعرفوا الاشياء بقيامها به ، ولا تنظروا إلى وجوه الأشياء التي إلى أنفسها أعني من حيث إنها أشياء لها ماهيات لا يمكن أن توجد بذاتها بل مفتقرة إلى موجد يوجدها ؛ فانكم إذا نظرتم إليها من هذه الجهة تكونوا قد عرفتم الله بالاشياء يعني اثبتموه بها واقررتم بوجوده فحسب ، فلن تعرفوه إذن حق المعرفة ، فان معرفة مجرد كون الشيء مفتقرا إليه في وجوه الأشياء ليست بمعرفة له في الحقيقة .
على أن ذلك غير محتاج إليه ، لانها فطرية بخلاف النظر الأول فانكم تنظرون في الأشياء أولا إلى الله عز وجل وآثاره من حيث هي آثاره ، ثم إلى الاشياء وافتقارها في أنفسها ، فانا إذا عزمنا على أمر مثلا وسعينا في إمضائه غاية السعي فلم يكن عملنا أن في الوجود شيئا غير مرئي الذات يمنعنا عن ذلك ويحول بيننا وبين ذلك ، وعلمنا أنه غالب على أمره وأنه مسخّر للأشياء على حسب مشيّته ومدبّر لها إرادته ، وأنه منزّه عن صفات أمثالنا وهذه صفات بها يعرف صاحبها بعض المعرفة .
وفي دعاء الحسين بن علي (ع) : (منك اطلب الوصول اليـك وبـك استـدل عليـك)(9)

(1) سورة فصلت : الآية 54 .
(2) سورة فصلت : الآية 53 .
(3) سورة الحديد : الآية 4 .
(4) قال الراغب في المفردات : الوريد عرق يتصل بالكبد والقلب وفيه مجاري الدم والروح قال : ونحن أقرب إليه من حبل الوريد اي من روحه وقال الطبرسي في مجمع البيان : هو عرق يتفرق في البدن يخالط الانسان في جميع اعضائه الخ .
(5) سورة ق : الآية 16 .
(6) سورة الواقعة : الآية 85 .
(7) سورة القصص : الآية 88 .
(8) التوحيد : ص 285 ح 3 .
(9) الاقبال : ص 349 .
قرة العيون في المعارف والحكم340

وإلى طريق تحصيل مثل هذه المعرفة اشير في غير موضع من القرآن المجيد بالآيات حيث قيل : «إن في خلق السموات والأرض واختلاف الليل والنهار لآيات لاولي الالباب»(1) وأمثال ذلك من نظائره (وسئل أمير المؤمنين (ع) بماذا عرفت ربك ؟ قال : بفسخ العزم ونقض الهم(2) لما هممت فحيل بيني وبين همّي وعزمت فخالف القضاء والقدر عزمي علمت أن المدبر غيري)(3) .
وهذا رجوع في المعرفة إلى الفطرة واستمداد بها وإنما يكون لاكثر الناس عند الأضطرار فانا نرى الناس عند الوقوع في الاهوال وصعاب الاحوال يتوكلون بحسب الجبلة على الله ،ويتوجهون توجّها غريزيا إلى مسبّب الاسباب ومسهّل الامور الصعاب وإن لم يتفطنوا لذلك ويشهد لهذا قول الله عز وجل : «قل أرأيتكم إن أتاكم عذاب الله أو أتتكم الساعة أغيرالله تدعون إن كنتم صادقين ، بل إياه تدعون فيكشف ما تدعون إليه إنشاء وتنسون ما تشركون»(4) .
(إن الصادق (ع) سئل عن الله فقال للسائل هل ركبت سفينة قط ؟ قال : بلى ، قال : فهل كسرت بك حيث لا سفينة تنجيك ولا سباحة(5) تغنيك ؟ قال : بلى ، قال : فهل تعلق قلبك هناك ان شيئا من الاشياء قادر على أن يخلّصك من ورطتك ؟ قال : بلى قال الصادق (ع) : فذلك الشيء هو الله القادر على الانجاء حين لا منجي وعلى الاغاثة حين لا مغيث)(6) .
وفي قوله سبحانه : ألست بربكم اشارة لطيفة إلى الفطرة حين استفهم منهم الاقرار بربوبيته تنبيها الى أنهم كانوا مقرين بوجوده في بداية عقولهم وفطر نفوسهم ، (وسئل الباقر (ع) عن قول الله تعالى : «حنفاء لله غير مشركين»(7) وعن الحنفية فقال : هي الفطرة التي فطر الله الناس عليها لا تبديل لخلق الله ، قال : فطرهم الله على المعرفة)(8) .

(1) سورة آل عمران : الآية 190 .
(2) الهم ما هم به الرجل أو أجال فكره لفعله وإيقاعه وكذا الهمة ما هم به من أمر ليفعل ، والعزم القوى جمع همم . المنجد .
(3) التوحيد : ص 288 ح 6 .
(4) سورة الانعام : الآية 40 ـ 41 .
(5) السبح : المر السريع في الماء وفي الهواء يقال : سبح سبحا وسباحة ، كذا في المفردات .
(6) معاني الاخبار : ص 4 ح 2 وعن تفسير العسكري كما في البحار : ج 3 ص 41 ح 16 .
(7) سورة الحج : الآية 31 .
(8) التوحيد : ص330 ح 9 .
قرة العيون في المعارف والحكم341

حافظ
شب ظلمت وبيابان بكجا توان رسيدن مكر آنكه شمع رويت برهم جراغ دارد

كلمة
بها يتبين انه لا سبيل الى اكتناه ذاته والاحاطة به جل جلاله

قال الله عز وجل : «ولا يحيطون به علما وعنت الوجوه للحي القيوم»(1) وقال سبحانه : «وما قدروا الله حق قدره»(2) وقال أمير المؤمنين (ع) «لا تقدر عظمة الله على قدر عقلك فتكن من الهالكين»(3) ، وقال (ع) : «ما وحده من كيفه ، ولا حقيقته أصاب من مثلّه ، ولا إياه عنى من شبّهه ، ولا صمّده(4) من أشار إليه وتوهمّه»(5) ، وقال (ع) : «من قال فيه لم قال حتى فقد ثناه ، ومن ثناه فقد جزأه ومن جزأه فقد الحد فيه ، لا يتغير الله بتغير المخلوق ، ولا يتحدّد «يتحد خ» بتحدد المحدود»(6) ، وقال الصادق (ع) : «وكيف أصفه بالكيف وهو الذي كيّف الكيف ، حتى صار كيفا فعرفت الكيف بما كيّف لنا من الكيف»(7) نظامى :
جهــان متفــق بــر الهيتــش‏‎ فرو مانـده در كنـه مـاهيتـش
‍‍‌‏‎نــه ادراك در كنـه ذاتـش رسـد نه فكرت بغـور صفاتـش رسـد
‍‍‌‏‎نــه بر اوج دانـش پرد مرغ وهم نه در ذيل وصفش رسد دست فهم
كه خاصان در اين ره فرس رانده اند بلا احصى ازتك فرو مانـده انـد

ولا تلتفت الى من يزعم أنه قد وصل إلى كنه الحقيقة المقدسة بل احث التراب في فيه ، فقد ضل وغوى وكذب وافترى ، فان الأمر ارفع من أن يتلوّث(8) بخواطر البشر ، وكل ما يتصوّره العالم الراسخ فهو عن حرم الكبرياء بفراسخ واقصى ما وصل اليه الفكر العميق فهو غاية مبلغه من التدقيق سنائى :

(1) سورة طه : الآية 110 ـ 111 .
(2) سورة الانعام : الآية 91 .
(3) نهج البلاغة : ص 125 خطبة 91 .
(4) الصمد : السيد المعظم الذي يصمد اليه في الحوائج اي يقصد ، وقيل هو السيد الذي ينتهي اليه السؤدد وفي الحديث عن الحسين بن علي (ع) أنه قال: الصمد الذي قد انتهى سؤدده والصمد الدائم الذي لم يزل ولا يزال ، والصمد الذي لا جوف له ، والصمد الذي لا يأكل ولا يشرب ، والصمد الذي لا ينام . مجمع البيان .
(5) نهج البلاغة : ص 272 خطبة 186 .
(6) التوحيد : ص 36 .
(7) التوحيد : ص 115 ح 14 .
(8) تلوث ثوبه بالطين : تلطخ به ، المنجد .
قرة العيون في المعارف والحكم342

آنچه پيش تو بيش از آن ره نيست غايت فهم تو است الله نيسـت

گفتم همه ملك حسن سرمايه تست‏‎ خورشيد فك جوذ ره در سايه تست
گفتا غلطى زما نشان نتـوان يافت از ما تو هر آنچه ديده پـايه تسـت

فسبحان من حارت(1) لطائف الأوهام في بيداء كبريائه وعظمته ، وسبحان من لم يجعل للخلق سبيلا إلى معرفته إلا بالعجز عن معرفته شعر :
اعتصام الورى بمغفرتـك‌‏‎ عجز الواصفون عن صفتك
تـب علينـا فاننـا بشـر مـا عرفنـاك حق معرفتك

المقالة الثانية

في صفاته واسمائه سبحانه «سبحان ربك رب العزّة عمّا يصفون» الصافات / 180 .

كلمة
فيها اشارة الى الصفات وانها عين الذات باعتبار وغيرها باعتبار

چنانكه كنه ذات حق معلوم نيست كنه صفات او نيز معلوم نيست ليكن جون اشعه صفات بر ماهيت انسان تابيده ادراك آن بوجه معتد به ميتوان ووجوب وجود اعنى غناى ذاتى ووجود بلا ماهية كه انسان را نيست در فهم آن قاصر است وإنما يطلق عليه أشرف النقيض كالعلم والجهل والقدرة والعجز والحياة والموت .
قال مولينا الباقر (ع) : (هل سمّي عالما قادر إلا لما وهب العلم للعلماء والقدرة للقادرين ، وكلما ميزتموه باوهامكم في ادق معانيه فهو مخلوق مصنوع مثلكم مردود اليكم . والباري تعالى واهب الحياة ومقدّر الموت ولعل النمل الصغار تتوهّم ان لله زبانيتين(2) لانهما كمالها وتتصوّر أن عدمها نقصان لمن لا تكونان له)(3) .
وصفات حق عين ذاتست بحسب حقيقة وهوّيت وغير است بحسب مفهوم وهم چنين صفات با يكديكر ومرجع اين سخن نفى صفاتست از حق باصول نتايج وثمرات آن ، وإليه أشار

(1) حار الماء في الغدير : تردد فيه ، وحار في أمره : تحير . المفردات .
(2) زبانيا العقرب باضم : قرناها . ق .
(3) المحجة البيضاء : ج 1 ص 220 .
قرة العيون في المعارف والحكم343

امير المؤمنين (ع) بقوله : (كمال التوحيد) (1) ، وفي لفظ آخر ، (كمال الاخلاص نفي الصفات عنه لشهادة كل صفة أنها غير الموصوف ، وشهادة كل موصوف أنه غير الصفة ، فمن وصف الله فقد قرنه ومن قرنه فقد ثناه ومن ثناه فقد جزّأه ومن جزّأه فقد جهله)(2) .
ونيز اكر صفات بحسب حقيقة وهويّة غير ذات باشد احتياج ذات لازم آيد بغير وحكم غير بر او ، فيبطل كون الذات يفعل ما يشاء ويحكم ما يريد ، فالصفات الكمالية كلها ترجع إلى وجوده سبحانه ، فكما أن وجوده لا يشوب بعدم ونقص ، فكذلك علمه الذي هو حضور ذاته لذاته لا يشوب بغيبة شيء من الأشياء وقدرته لا تشوب بعجز عن شيء ، وهكذا حكم ساير صفاته ، وذلك لأنه تعالى محقق الحقايق ومنشأ «مشييء خ ل» الأشياء ، فذاته أحق بالأشياء من الأشياء بأنفسها .
وقال أمير المؤمنين (ع) : (كل شيء خاضع له ، وكل شيء قائم به ، غنى كل فقير ، وعز كل ذليل ، وقوة كل ضعيف ، ومفزع كل ملهوف)(3) وقال (ع) : (به توصف الصفات لا بها يوصف ، وبه تعرف المعارف لا بها يعرف ، وبه عرف المكان لا بالمكان عرف ، وبه كان الخلق لا بالخلق كان)(4) .
وروي عن هشام بن السالم قال : (دخلت على أبي عبد الله (ع) فقال : أتنعت الله ؟ قلت : نعم ، قال : هات ، فقلت : هو السميع البصير ، قال : هذه صفة يشترك فيها المخلوقون ، قلت : فكيف تنعته ؟ فقال : هو نور لا ظلمة فيه وحياة لا موت فيه وعلم لا جهل فيه وحق لا باطل فيه ، فخرجت من عنده وأنا أعلم الناس بالتوحيد)(5) .
وبإسناده عن محمد بن عروة قال : (قلت للرضا (ع) : خلق الله الأشياء بقدرة أم بغير قدرة ؟ فقال : لا يجوز أن يكن خلق الاشياء بالقدرة لأنك إذا قلت خلق الأشياء بالقدرة فكأنك قد جعلت القدرة شيئا غيره وجعلت آلة له بها خلق الأشياء وهذا شرك ، وإذا قلت خلق الأشياء بقدرة فانما تصفه أنه جعلها باقتدار عليها وقدرة ولكن ليس هو بضعيف ولا عاجز ولا محتاج إلى غيره)(6) .
وعن الباقر (ع) : (يسمع بما يبصر ويبصر بما يسمع) أنه واحد أحدي المعنى ليس

(1) نهج البلاغة : ص 39 خطبة 1 .
(2) نهج البلاغة : ص 39 خطبة 1 .
(3) نهج البلاغة : ص 158 خطبة 109 .
(4) تحف العقول : ص 176 .
(5) التوحيد : ص 146 ح 14 .
(6) التوحيد : ص 130 ح 12 .
(7) التوحيد : ص 144 ح 9 .
قرة العيون في المعارف والحكم344

بمعاني كثيرة مختلفة قال بعض أهل العلم : وجود كله ، وجوب كله ، علم كله ، قدرة كله ، حياة كله ، لا أن شيئا منه علم وشيئا آخر قدرة ليلزم التركيب في ذاته ، ولا أن شيئا فيه علم وشيئا آخر فيه قدرة ليلزم التكثر في صفاته الحقيقية .
شعر
عباراتنا شتى وحسنك واحد وكل إلى ذاك الجمال يشير

ولا تتعجب من ذلك فانك إذا حدثت بشيء فانت حينئذ عليم به سميع له بصير اياه متكلم به ، بل أنت إذا ذاك علم وسمع وبصر وكلام ، بل وأنت في تلك الحال معلوم ومسموع ومبصر ، فالعين الواحدة تصوّرت بالصور المتعدّدة وتجلت بالوجوه الكثيرة وظهرت بالأحكام المختلفة عن غير أن يتعدّد الذات ولا الصفات إلا بحسب المفهوم فحسب .

كلمة
فيها اشارة الى تأويل ما يوهم التشبيه من الصفات

هر صفت كه مشعر است بتشبيه بدايت آن كه انفعال است از حق منفى است وغايتش كه كمال است مثبت اعني ثبوت ثمرتها للذات منفردة ، وذلك لأن صفات الموجودات تختلف بحسب المظاهر والمقامات ، فهي إنما تكون في كل بحسبه فالغضب مثلا في الجسم جسماني يظهر بثوران(1) الدم وحرارة الجلد وحمرة الوجه ، وفي النفس نفساني ادراكي يظهر بارادة الانتقام والتشفي عن الغيظ ، وفي العقل عقلي يظهر بالحكم الشرعي بتعذيب طائفة أو حربهم لأعداء دين الله وفي الله سبحانه ما يليق بمفهومات صفاته الموجودة بوجود ذاته .
وكذا الشهوة فانها في النبات الميل إلى جذب الغذاء والنمو ، وفي الحيوان الميل إلى ما يوافق طبعه ويشتهيه ، وفي النفس الانسانية الميل إلى ما يلائم الناطقة من كرايم الملكات ، وفي العقل الابتهاج بمعرفة الله وصفاته واسمائه وافعاله ممّا يعرف وفي الله سبحانه كون ذاته مبدئ الخيرات كلها وغايتها وخلقه الخلق لكي يعرف ، وعلى هذا القياس ساير الصفات ، وهو سبحانه بحسب كل صفة ونعت ليس كمثله شيء في تلك الصفة لأن المخلوق لا يكون أبدا مثل خالقه في شيء من الأشياء ، لأنه محتاج وخالقه غير محتاج فلا حد لصفة الله ولا كيف لانهما من خواص الحاجة .

(1) ثار الغبار والسحاب ونحوهما يثور ثورا وثورانا : انتشر ساطعا وقد اثرته قال تعالى فتثير سحابا . المفردات .
قرة العيون في المعارف والحكم345

وفي كلام أمير المؤمنين (ع) (وتوحيده تمييزه من خلقه ، وحكم التمييز بينونة صفة لا بينونة عزلة)(1) ، رواه في كتاب الاحتجاج ، ولك أن تقول ما يوهم التشبيه في الله سبحانه يرجع إلى خواص أوليائه ، فان الوليّ الكامل لما قويت ذاته بحيث وسع قلبه وانشرح صدره وصار جالسا في مقام التمكين على الحد المشترك بين الحق والخلق غير محتجب بأحدهما عن الآخر فحينئذ كلما يصدر عنه من الاعمال والافعال والمجاهدات والمخاصمات وغيرها كان لله وبالله ومن الله وفي الله ، فان غضب كان غضبه بالله ولله ، وإن رضي كان رضاه كذلك فهكذا في جميع ما يفعل او ينفعل فيصح نسبة صفاته وأفعاله إلى الله سبحانه .
روي عن الصادق (ع) قال : (ان روح المؤمن لأشد اتصالا بروح الله من اتصال شعاع الشمس بها)(2) وعن الصادق (ع) في قوله سبحانه : «فلما آسفونا(3) انتقمنا منهم»(4) قال : «إن الله تعالى لا يأسف كأسفنا ولكنه خلق أولياء لنفسه يأسفون ويرضون وهم مخلوقون مربوبون فجعل رضاهم رضا نفسه وسخطهم سخط نفسه ، لأنه جعلهم الدعاة إليه والأدلاء عليه فلذلك صاروا كذلك وليس أن ذلك يصل إلى الله كما يصل الى خلقه لكن هذا معنى ما قال من ذلك وقد قال : «من أهان لي وليّا فقد بارزني بالمحاربة ودعاني إليه»(5) وقال : «من يطع الرسول فقد أطاع الله»(6) وقال : «إن الذين يبايعونك إنما يبايعون الله يد الله فوق أيديهم»(7) فكل هذا وشبهه على ما ذكرت لك ، وهكذا الرضا والغضب وغيرهما من الأشياء مما يشاكل ذلك .
رباعي
ذاتى كه نگنجـد بخيـال من وتـو‍‍‌‏‎ شد فهم صفات او كمال من وتو
اي دل چه هميشه گرد كنهش كردى ترسم كه بسوزد پرو بال من وتو

كلمة
فيها اشارة الى اسمائه سبحانه ومظاهرها

الاسم هو الذات باعتبار صفة معيّنة وتجلي خاص ؛ فان الرحمان ذات له الرحمة ، والقهار ذات له القهر ( سئل أبو الحسن الرضـا (ع) عن الاسم ما هو ؟ فقال : صفة

(1) الاحتجاج : ج 1 ص 299 .
(2) الكافي : ج 2 ص 166 ح 4 .
(3) قال في المفردات : الاسف : الحزن والغضب معا وقد يقال لكل واحد منهما على الانفراد وحقيقة ثوران دم القلب شهوة الانتقام ، فمتى كان ذلك على من دونه انتشر فصار غضبا ، ومتى كان على من فوقه انقبض فصار حزنا «الى أن قال» قوله تعالى « فلما آسفونا انتقمنا منهم » ، أي أغضبونا «اقول» ثم يذكر الرواية التي رواها المصنف «قد» في المتن بنقصان وتغيير غير مخل بالمقصود فراجع .
(4) سورة الزخرف : الآية 55 .
(5) الكافي : ج 1 ص 144 ح 6 .
(6) سورة النساء : الآية 80 .
(7) سورة الفتح : الآية 10 .
قرة العيون في المعارف والحكم346

لموصوف)(1) ، فالاسم أيضا كالصفة فانه عين المسمّى باعتبار الحقيقة وغيره باعتبار المفهوم ، فالاسماء اللفظية أسماء للأسماء ، ثم الأسماء تنقسم باعتبار الأنس والهيبة إلى جمالية كاللطيف والغفار ، وجلالية كالمنتقم والقهار .
والله سبحانه وان كان بذاته غنيا عما سواه كما قال عز وجل : «ان الله غني عن العالمين»(2) ولكن أسماءه الغير المتناهية تقتضي أن يكون لكل منها مظهر في الخارج يظهر فيه أثر ذلك الاسم ومعناه ويتجلى المسمّى الذي هو الذات تعالى شأنه بذلك الاسم لأهل التوحيد حتى يعرف الله بصفات الكمال كلها ، ولذلك إنما يخلق الله ويدبّر ويربّي كل نوع من أنواع العالم باسم من أسمائه كما اشير إليه في أدعية أهل البيت (عليهم السلام) بالاسم الذي خلقت به العرش وبالاسم الذي خلقت به الكرسي وبرب كذا وبرب كذا إلى غير ذلك .
وإنما اختص كل مخلوق باسم بسبب غلبة ظهور الصفة التي دل عليها ذلك الاسم فيه كما اشير إليه في الحديث القدسي : (يا آدم هذا محمد وأنا الحميد المحمود في فعالي شققت له اسما من اسمي وهذا علي وأنا العلي العظيم شققت له اسما من اسمي)(3) الحديث ، فمظهر الرحمن مثلا من يجري على يديه الرحمة لمن يستحق الرحمة ثم من يجري عليه الرحمة ، ومظهر القهار من يجري على يديه القهر لمن يستحق القهر ثم من يجري عليه القهر إلى غير ذلك ، فانه لو لم يكن في الخارج راحم ومرحوم لم يظهر الرحمانية ، ولو لم يكن قاهر ومقهور لم يظهر القهّارية وقس عليه ساير الأسماء حافظ :
سايه معشوق اگر افتاد بر عاشق چه شد ما باو محتاج بوديم او بما مشتاق بود
شعر :
ظهور تو بمن است ووجود من از تو ولست تظهر لولاي لم اكن لولاك

ولما كانت الاسماء كلها تحت حيطة اسم الله الجامع لها المحيط بها فمظهره مظهر الكل ومظهر الكل خليفة الله المفيض لجميع الكمالات من اسم الله على ما سواه .

(1) التوحيد : ص 192 ح 5 .
(2) سورة آل عمران : الآية 97 .
(3) البرهان في تفسير القرآن : ج 1 ص 88 ح 13 .

السابق السابق الفهرس التالي التالي