الحقايق في محاسن الأخلاق292

فكل ايمان لم يثبت في النفس أصله ولم ينتشر في الاعمال فروعه لم يثبت على عواصف(1) الأهوال عند ظهور ناصية ملك الموت وخيف عليه سوء الخاتمة إلا ما سقي بماء الطاعات على توالي الايام والساعات حتى رسخ وثبت فهذا امر يظهر عند الخاتمة وإنما تقطعت نياط العارفين خوفا من دواهي الموت ومقدماته الهايلة التي لا يثبت عليها إلا الأقلون .
الفصل الثاني
عمومية وجوب التوبة

اعلم أن وجوب التوبة عام في الاشخاص والاحوال فلا ينفك أحد عنه البتة قال الله تعالى : «وتوبوا إلى الله جميعا»(2) فعمّم الخطاب ، ونور البصيرة أيضا يرشد إليه إذ معنى التوبة الرجوع عن الطريق المبعد عن الله تعالى المقرب الى الشيطان ولا يتصّور ذلك إلا من عاقل ولا تكمل غريزة العقل إلا بعد كمال الشهوة والغضب وساير الصفات المذمومة التي هي وسائل الشيطان إلى اغواء الانسان .
إذ كمال العقل إنّما يكون عند مقاربة الأربعين وأصله إنما يتم عند مراهقة البلوغ ومباديه تظهر بعد سبع سنين ، والشهوات جنود الشيطان والعقول جنود الملائكة وإذا اجتمعا قام القتال بينهما بالضرورة إذ لا يثبت أحدهما للآخر فانهما ضدّان فالتطارد بينهما كالتطارد بين الليل والنهار وبين النور والظلمة ومهما غلب احدهما أزعج الآخر بالضرورة .
وإذ كانت الشهوات تكمل في الصبي والشباب قبل كمال العقل فقد سبق جند الشيطان واستولى على المكان ووقع للقلب به انس والف لا محالة بمقتضيات الشهوات بالعادة وغلب ذلك عليه وتعسّر عليه النزوع عنه .
ثم يلوح العقل الذي هوحزب الله ومنقذ أوليائه من أيدي أعدائه شيئا فشيئا على التدريج ، فان لم يقو ولم يكمل سلمت مملكة القلب للشيطان وانجز اللعين موعوده حيث قال : «لأحتنكن ذريّته إلا قليلا»(3) وإن قوي العقل وكمل كان أول شغله قمع جنود الشيطان بكسر الشهوات ومفارقة العادات ورد الطبع على سبيل القهر والغلبة إلى العبادات ولا معنى للتوبة إلا هذا وهو الرجوع عن طريق دليله الشهوة وخفيره(4) الشيطان إلى طريق الله تعالى .

(1) عصفت الريح : اشتدت فهي عاصفة والجمع عاصفات وعواصف .
(2) سورة النور : آية 31 .
(3) سورة الاسراء : آية 62 .
(4) الخفير : المجير ومنه الحديث : الحمد لله حمدا يكون خفيرا لي من نقمته أي حافظا ومجيرا لي من انتقامه وعذابه م .
الحقايق في محاسن الأخلاق293

وليس في الوجود آدمي إلا وشهوته سابقة على عقله وغريزته التي هي عدة للشيطان متقدّمة على غريزته التي هي عدّة للملائكة فكان الرجوع عمّا سبق إليه على مساعدة الشهوات ضروريّا في حق كل انسان .
وأما بيان وجوبها على الدوام وفي كل حال فهو أن كل بشر فلا يخلو عن معصية بجوارحه فان خلا في بعض الأحوال عن معصية الجوارح فلا يخلو عن الهم بالذنوب بالقلب فان خلا عن الهم فلا يخلو عن وسواس الشيطان بايراد الخواطر المذهلة عن ذكر الله ، فان خلا منه فلا يخلو عن غفلة وقصور في العلم بالله وبصفاته وبآثاره بحسب طاقته .
وكل ذلك نقص وله أسباب وترك أسبابه بتشاغل أضدادها رجوع عن طريق إلى ضدّه ، والمراد بالتوبة الرجوع ولا يتصرو الخلوّ في حق الآدميّ عن هذا النقص وإنما يتفاوتون في المقادير وأما الاصل فلا بد منه إلا أن الانبياء والاوصياء عليهم السلام ليس ذنوبهم كذنوبنا وإنما هي ترك دوام الذكر والاشتغال بالمباحات وحرمانهم زيادة الأجر بسبب ذلك .
قال الصادق (ع) : «إن رسول الله (ص) كان يتوب إلى الله ويستغفره في كل يوم وليلة مأة مرة من غير ذنب إن الله يخص أولياءه بالمصائب ليأجرهم عليها من غير ذنب»(1) ، يعني من غير ذنب كذنوبنا ، فان ذنب كل أحد إنما هو بحسب قدره ومنزلته عند الله .
ثم اعلم أنه لا يكفي في تدارك الشهوات تركها في المستقبل بل لا بد من محو آثارها التي انطبعت في القلب بنور الطاعات قال النبي (ص) : «اتبع السيئة بالحسنة تمحها»(2) .
وينبغي أن تكون الحسنة الماحية للسيئة مناسبة لتلك السيئة فيكفر سماع الملاهي بسماع القرآن وبحضور مجالس الذكر ، ويكفر القعود في المساجد جنبا بالعبادة فيه إلى غير ذلك وليس ذلك شرطا .
وقد روي أن رجلا قال لرسول الله (ص) : «اني عالجت امرأة فاصبت منها كل شيء إلا المسيس فاقض علي بحكم الله ، فقال : أما صليت معنا ؟ فقال : بلى ، فقال : إن الحسنات يذهبن السيئات»(3) .

(1) الكافي : ج 2 ص 450 .
(2) احياء علوم الدين : ج 4 ص 11 .
(3) أخرجه البخاري : ج 6 ص 94 من حديث ابن مسعود .
الحقايق في محاسن الأخلاق294

ولا بد أن يكون عن قرب عهد بالخطيئة بأن يتندم عليها ويمحو أثرها قبل أن يتراكم الرين على القلب فلا يقبل المحو قال الله تعالى : «إنما التوبة على الله للذين يعملون السوء بجهالة ثم يتوبون من قريب»(1) ومعناه عن قرب عهد به قال : «وليست التوبة للذين يعملون السيئات حتى إذا حضر أحدهم الموت قال اني تبت الآن»(2) قال الصادق (ع) : «ذلك إذا عاين أمر الآخرة»(3) .
وذلك لأن التوبة مقبولة ، قبل أن يعاين كما ورد عن رسول الله (ص) ومن ترك المبادرة الى التوبة بالتسويف كان بين خطرين عظيمين احدهما أن يتراكم الظلمة على قلبه من المعاصي حتى يصير رينا وطبعا فلا يقبل المحو والثاني أن يعاجله المرض أو الموت فلا يجد مهلة للاشتغال بالمحو ولذلك ورد في الخبر : «أن أكثر صياح أهل النار من التسويف» .

الفصل الثالث
كل توبة صحيحة مقبولة

اعلم انك إذا فهمت معنى القبول لم تشك في أن كل توبة صحيحة فهي مقبولة فالناظرون بنور البصائر المستمدون من أنوار القرآن علموا أن كل قلب سليم مقبول عند الله ومتنعم في الآخرة في جوار الله ، وعلموا أن القلب خلق سليما في الأصل وكل مولود يولد على الفطرة وإنما يفوته السلامة بكدورة ترهق(4) وجهه من غبرة الذنوب وظلمتها ، وأن نار الندم تحرق تلك الغبرة ، وان نور الحسنة يمحو عن وجه القلب ظلمة السيئة ، وانه لا طاقة لظلام المعاصي مع نور الحسنات كما لا طاقة لظلام الليل مع نور النهار بل كما لا طاقة لكدورة الوسخ مع بياض الصابون والماء الحار إلا أن يتراكم الذنوب حتى تصير طبعا ورينا .
وهذا مثل أن يغوص(5) الوسخ لطول تراكمه في تجاويف الثوب وخلله فمثل هذا القلب لا يرجع ولا يتوب وإن قال بلسانه : تبت وهذا البيان كاف لقبول التوبة المتضمنة لشروطها قال الله تعالى : «وهو الذي يقبل التوبة عن عباده»(6) وقال : «غافر الذنب وقابل التوب»(7) .
وقال النبي (ص) : «إن الحسنات يذهبن السيئات كما يذهب الماء الوسخ»(8) وقال : «لو عملتم الخطايا حتى تبلغ السماء ثم ندمتم لتاب الله عليكم»(9) .

(1) سورة النساء : آية 17 .
(2) سورة النساء : آية 18 .
(3) من لا يحضره الفقيه : ج 1 ص 79 .
(4) قوله تعالى : «وترهقهم ذلة» أي تغشاهم ومثله قوله تعالى : «وترهقها قترة» أي تغشاها غبرة م .
(5) غاص في المعاني إذا بلغ أقصاها حتى استخرج ما تعد منها . م .
(6) سورة النساء : آية 18 .
(7) سورة غافر : آية 3 .
(8) احياء علوم الدين : ج 4 ص 14 .
(9) احياء علوم الدين : ج 4 ص 14 .
الحقايق في محاسن الأخلاق295

وقال الباقر (ع) لمحمد بن مسلم : ذنوب المؤمن إذا تاب منها مغفورة له فليعمل المؤمن لما يستأنف بعد التوبة والمغفرة أما والله إنها ليست إلا لأهل الايمان قال : قلت : فان عاد بعد التوبة والاستغفار في الذنوب وعاد في التوبة ، فقال : يا محمد ابن مسلم أترى العبد المؤمن يندم على ذنبه ويستغفر الله منه ويتوب ثم لا يقبل الله توبته ؟ قلت : فانه فعل ذلك مرارا يذنب ثم يتوب ويستغفر فقال : كلما أعاد المؤمن بالاستغفار والتوبة عاد الله عليه بالمغفرة وإن الله غفور رحيم يقبل التوبة ويعفو عن السيئات فإيّاك أن تقنط المؤمنين من رحمة الله»(1) .
وقال الصادق (ع) : «إن الرجل ليذنب الذنب فيدخله الله بالذنب الجنة ، قيل يدخله الله بالذنب الجنة ؟ قال : نعم إنه ليذنب فلا يزال منه خائفا ماقتا لنفسه فيرحمه الله فيدخله الجنة»(2) .

الفصل الرابع
أقسام الذنوب

اعلم أن الذنوب تنقسم إلى ما بين العبد وبين الله وإلى ما يتعلق بحقوق العباد ، والأول إما مغفور وإما مرجوّ المغفرة .
قال أمير المؤمنين (ع) : «الذنوب ثلاثة : فذنب مغفور وذنب غير مغفور وذنب نرجو لصاحبه ونخاف عليه ، قيل : يا أمير المؤمنين فبيّنها لنا ، قال : نعم .
أما الذنب المغفور فعبد عاقبه الله على ذنبه في الدنيا والله تعالى أحلم وأكرم من أن يعاقب عبده مرتين .
وأما الذنب الذي لا يغفره الله فظلم العباد بعضهم لبعض إن الله إذا برز للخليقة أقسم قسما على نفسه فقال : وعزتي وجلالي لا يجوزني ظلم ظالم ولو كفا بكف ولو مسحة بكف ولو نطحة ما بين القرناء إلى الجماء(3) فيقتص للعباد بعضهم من بعض حتى لا يبقى لأحد مظلمة ثم يبعثهم الله للحساب .
وأما الذنب الثالث فذنب ستره الله على خلقه ورزقه التوبة منه فأصبح خائفا من ذنبه راجيا لربّه فنحن له كما هو لنفسه ونرجو له الرحمة ونخاف عليه العقاب»(4) .

(1) الكافي : ج 2 ص 434 .
(2) الكافي : ج 2 ص 426 .
(3) كبش أجم لا قرن له والانثى جماء ، وقرناء خلاف جماء .
(4) الكافي : ج 2 ص 443 .
الحقايق في محاسن الأخلاق296

ولعله (ع) اراد بالتوبة التوبة المشكوك في شروطها لما عرفت أن التوبة الجامعة للشرايط مقبولة فاذا كانت مقبولة فالذنب لا محالة مغفور .
وبقسمة ثانية تنقسم الذنوب إلى صغاير وكباير قال الله تعالى : «ان تجتنبوا كبائر ما تنهون عنه نكفّر عنكم سيئاتكم»(1) وقال تعالى : «والذين يجتنبون كبائر الاثم والفواحش إلا اللمم»(2) وقال النبي (ص) : «الصلاة الخمس والجمعة إلى الجمعة تكفر ما بينهن إن اجتنب الكبائر»(3) .
وقد كثرت الأقوال في تعيين الكباير واختلفت الروايات فيها فعن الصادق (ع) في قوله تعالى : «ان تجتنبوا كبائر ما تنهون عنه نكفر عنكم سيئاتكم» قال : «الكباير التي أوجب الله عليها النار»(4) وعنه (ع) «أنه سئل عن الكباير فقال : هن في كتاب علي (ع) سبع : الكفر بالله ، وقتل النفس ، وعقوق الوالدين ، واكل الربا بعد البينة ، واكل مال اليتيم ظلما ، والفرار من الزحف ، والتعرب بعد الهجرة ، قيل له : فأكل درهم من مال اليتيم ظلما أكبر أم ترك الصلاة ؟ قال : ترك الصلاة قيل : فما عددت ترك الصلاة في الكباير ، فقال : أي شيء أول ما قلت لك ؟ قال : الكفر ، قال فان تارك الصلاة كافر يعني من غير علّة»(5) .
وعن الكاظم (ع) «انه سئل عن الكباير كم هي وما هي ؟ فكتب : الكباير من اجتنب ما وعد الله عليه النار كفر الله عنه سيئاته إذا كـان مؤمنـا ، والسبـع الموجبـات(6) قتل نفس الحرام ، وعقوق الوالدين وأكل الربا ، والتعـرب بعـد الهجـرة(7) وقذف المحصنة ، وأكل مال اليتيم ، والفرار من الزحف(8)»(9) .
وعن الجواد (ع) قال : «سمعت أبي يقول سمعت أبي موسى بن جعفر (ع) يقول : دخل عمرو بن عبيد على أبي عبد الله (ع) فلما سلم وجلس تلا هذه الآية «الذين يجتنبون كبائر الاثم والفواحش»(10) ثم أمسك فقال له أبو عبد الله (ع) ما أسكتك ؟ قال : احب أن أعرف

(1) سورة النساء : آية 31 .
(2) سورة النجم : آية 32 .
(3) احياء علوم الدين : ج 4 ص 17 .
(4) الكافي : ج 2 ص 276 .
(5) الكافي : ج 2 ص 278 .
(6) الموجبات بفتح الجيم أي التي اوجب الله عليه النار ، ويحتمل كسرها أي التي توجب النار ، كذا كذا في الوافي .
(7) التعرب بعد الهجرة هو ان يعود الى البادية ويقيم مع الاعراب بعد أن كان مهاجرا وكان من رجع بعد الهجرة الى موضعه من غير عذر يعدونه كالمرتد كذا قال ابن الاثير في نهايته ، ولا يبعد تعميمه لكل من تعلم آداب الشرع وسننه ثم تركها واعرض عنها ولم يعمل بها . كذا في الوافي .
(8) المحصنة بفتح الصاد المعروفة بالعفة ، والزحف المشي الى العدو للمحاربة . الوافي .
(9) الكافي : ج 2 ص 276 .
(10) سورة الشورى : آية 37 .
الحقايق في محاسن الأخلاق297

الكباير من كتاب الله ، فقال : نعم يا عمرو أكبر الكباير الاشراك بالله يقول الله : «من يشرك بالله فقد حرم الله عليه الجنة»(1) وبعده الاياس من روح الله لأن الله يقول : «إنه لا ييأس من روح الله إلا القوم الكافرون»(2) ثم الأمن من مكر الله لأن الله تعالى يقول : «فلا يأمن مكر الله إلا القوم الخاسرون»(3) ومنها عقوق الوالدين لأن الله تعالى جعل العاق جبّارا(4) شقيا ، وقتل النفس التي حرم الله إلا بالحق لأن الله يقول : «فجزاؤه جهنم خالدا فيها»(5) الآية وقذف المحصنة لأن الله تعالى يقول : «لعنوا في الدنيا والآخرة ولهم عذاب عظيم»(6)وأكل مال اليتيم لأن الله تعالى يقول : «إنما يأكلون في بطونهم نارا وسيصلون سعيرا»(7) والفرار من الزحف لأن الله يقول : «من يولهم يومئذ دبره إلا متحرفا(8) لقتال أو متحيزا(9) إلى فئة فقد باء بغضب من الله ومأويه جهنم وبئس المصير»(10) وأكل الربا لأن الله يقول : «الذين يأكلون الربوا لا يقومون إلا كما يقوم الذي يتخبطه الشيطان من المس»(11) والسحر لأن الله يقول : «ولقد علموا لمن اشتريه ماله في الآخرة من خلاق»(12) والزنا لأن الله يقول : «ومن يفعل ذلك يلق اثاما يضاعف له العذاب يوم القيامة ويخلد فيه مهانا»(13) واليمين الغموس(14) الفاجرة لأن الله يقول : «الذين يشترون بعهد الله وايمانهم ثمنا قليلا اولئك لا خلاق لهم في الآخرة»(15) والغلول(16) لأن الله يقول : «ومن يغلل يأت بمـا غـل يـوم القيامـة»(17) ومنع الزكاة المفروضة لان الله تعالى يقول : «فتكوى بها جباههم وجنوبهم وظهورهم»(18) وشهادة الزور وكتمان الشهادة

(1) سورة المائدة : آية 72 .
(2) سورة يوسف : آية 87 .
(3) سورة الاعراف : آية 99 .
(4) حيث قال سبحانه عن عيسى (ع) : «وبرا بوالدتي ولم يجعلني جبارا شقيا» أي عاقا لها .
(5) سورة النساء : آية 93 .
(6) سورة النور : آية 23 .
(7) سورة النساء : آية 10 .
(8) فسر بالكر بعد الفر يخيل عدوه انه منهزم ثم ينعطف عليه وهو نوع من مكايد الحرب .
(9) أي منحازا منضما الى فئة أي جماعة اخرى من المسلمين سوى الفئة التي هو فيها .
(10) سورة الانفال : آية 16 .
(11) سورة البقرة : آية 275 .
(12) سورة البقرة : آية 102 .
(13) سورة الفرقان : آية 68 / 69 .
(14) قال في محجة البيضاء : وهي التي يحق بها باطلا أو يبطل بها حقا ، وسميت غموسا لأنها تغمس صاحبها في النار .
وقال في الوافي : الغموس الفاجرة أي الكاذبة سميت غموسا لانها تغمس صاحبها في الاثم .
(15) سورة آل عمران : آية 77 .
(16) الغلول الخيانة في المغنم والسرقة من الغنيمة قبل القسمة سميت غلولا لان الايدي فيها مغلولة أي ممنوعة كذا في النهاية الاثيرية .
(17) سورة آل عمران : آية 161 .
(18) سورة التوبة : آية 35 .
الحقايق في محاسن الأخلاق298

لأن الله يقول : «ومن يكتمها فانه آثم قلبه»(1) وشرب الخمر لأن الله نهى عنها(2) كما نهى عن عبادة الأوثان ، وترك الصلاة متعمّدا أو شيئا ممّا فرض الله ، لأن رسول الله (ص) قال : من ترك الصلاة متعمدا فقد برأ من ذمّة الله وذمّة رسوله ، ونقض العهد وقطيعة الرحم لان الله يقول : «لهم اللعنة ولهم سوء الدار»(3) .
قال فخرج عمرو وله صراخ من بكائه يقول : هلك من قال برأيه ونازعكم في الفضل والعلم»(4) .
إن قيل كيف ورد الشرع بما لم يبين حدّه ؟ قلنا إن كل ما يتعلق به حكم في الدنيا جاز أن يتطرق إليه الابهام والكبيرة على الخصوص لا حكم لها في الدنيا من حيث إنها كبيرة ، فان موجبات الحدود معلومة بأسبابها وإنما حكم الكبيرة أن اجتنابها يكفر الصغاير وأن الصلاة الخمس لا يكفرها ، وهذا أمر يتعلق بالآخرة والابهام أليق به حتى يكون الناس على وجل وحذر فلا يتجرؤون على الصغاير اعتمادا على الصلوات الخمس واجتناب الكباير .
ثم اجتناب الكبيرة إنما يكفر الصغيرة إذا اجتنبها مع القدرة والإرادة ، كمن يتمكن من امرأة ومن مواقعتها فيكف نفسه عن الوقاع ويقتصر على نظر ولمس فان مجاهدته نفسه في الكف عن الوقاع أشد تأثيرا في تنوير قلبه من اقدامه على النظر في إظلامه فهذا معنى تكفيره ، فان كان امتناعه لعجز أو خوف أو نحو ذلك فلا يصلح للتكفير وكذلك من لا يشتهي الخمر بطبعه ولو ابيح له لما شربه فاجتنابه لا يكفر عنه الصغاير التي هي من مقدماته كسماع الملاهي والاوتار .

الفصل الخامس
الذنوب الصغيرة بوابة الذنوب الكبيرة

اعلم أن الصغيرة قد تكبر باسباب .
منها الاصرار والمواظبة ، قال الصادق (ع) : «لا صغيرة مع الاصرار ولا كبيرة مع الاستغفار»(5) مثال ذلك قطرات من الماء تقع على الحجر على توالي فتؤثر فيه ، وذلك القدر من الماء لو صب عليه دفعة لم يؤثر ، وقال الباقر (ع) في قوله تعالى : «ولم يصرّوا على ما

(1) سورة البقرة : آية 283 .
(2) في قوله تعالى «إنما الخمر والميسر والانصاب والازلام رجس من عمل الشيطان فاجتنبوه» .
(3) سورة الرعد : آية 25 .
(4) الكافي : ج 2 ص 285 .
(5) الكافي : ج 2 ص 288 .
الحقايق في محاسن الأخلاق299

فعلوا وهم يعلمون»(1) قال : «الاصرار أن يذنب الذنب فلا يستغفر ولا يحدث نفسه بتوبة فذلك الاصرار»(2) .
ومنها أن يستصغر الذنب فان العبد كلما استعظمه من نفسه صغر عند الله وكلما استصغره كبر عند الله ، لان استعظامه يصدر عن نفور(3) القلب عنه وكراهيته له وذلك النفور يمنع من شدة تأثره به واستصغاره يصدر من الالف به وذلك يوجب شدة الاثر في القلب والقلب هو المطلوب تنويره بالطاعات والمحذور تسويده بالسيئات ، ولذلك لا يؤخذ بما يجري عليه في الغفلة .
قال الصادق (ع) : «قال رسول الله (ص) : اتقوا المحقرات من الذنوب فانها لا تغفر قيل : وما المحقرات ؟ قال : الرجل يذنب الذنب فيقول طوبى لي لو لم يكن غير ذلك»(4) .
وقال (ع) : «ان الله يحب العبد أن يطلب إليه في الجرم العظيم ويبغض العبد أن يستخف بالجرم اليسير»(5) .
وقال الكاظم (ع) : «لا تستكثروا كثير الخير ولا تستقلوا قليل الذنوب فان (قليل خ) الذنوب تجتمع حتى تكون كثيرا وخافوا الله في السر حتى تعطوا من أنفسكم النصف»(6) .
ومنها السرور بالصغيرة والتبجح بها واعتداد التمكن من ذلك نعمة والغفلة عن كونه سبب الشقاوة ، فكلما غلبت حلاوة الصغيرة عند العبد كبرت الصغيرة وعظم أثرها في تسويد قلبه فان الذنوب مهلكات وإذا دفع العبد إليها وظفر الشيطان به في الحمد عليها فينبغي أن يكون في مصيبة وتأسّف بسبب غلبة العدو عليه وبسبب بعده من الله .
ومنها أن يتهاون بستر الله عليه وحلمه عنه وإمهاله إياه ولا يدري أنه إنما يمهل مقتا ليزداد بالامهال إثما ، فيظن أن تمكّنه من المعاصي عناية من الله به ، فيكون ذلك لأمنه من مكر الله وجهله بمكامن الغرور بالله كما قال الله تعالى : «ويقولون في أنفسهم لولا يعذّبنا الله بما نقول حسبهم جهنم يصلونها فبئس المصير»(7) .
ومنها أن يأتي الذنب ويظهره بأن يذكره بعد إتيانه أو يأتي به في مشهد غيره فان ذلك جناية

(1) سورة آل عمران : آية 135 .
(2) الكافي : ج 2 ص 288 .
(3) نفر نفورا الظبى وغيره : شردوا بعد المنجد .
(4) الكافي : ج 2 ص 287 .
(5) الكافي : ج 2 ص 427 .
(6) الكافي : ج 2 ص 287 .
(7) سورة المجادلة : آية 8 .
الحقايق في محاسن الأخلاق300

منه على ستر الله الذي أسدله عليه وتحريك لرغبة الشر فيمن أسمعه ذنبه أو أشهده فعله ، فهما جنايتان انضمتا إلى جنايته فتغلّظت به ، فان انضاف إلى ذلك الترغيب للغير فيه والحمل عليه وتهيئة الأسباب له صارت جناية رابعة وتفاحش الأمر ، وهذا لأن من صفات الله سبحانه ونعمه أنه يظهر الجميع ويستر القبيح ولا يهتك الستر ، فالاظهار كفران لهذه النعمة .
قال الرضا (ع) : قال رسول الله (ص) : «المستتر بالحسنة يعدل سبعين حسنة والمذيع بالسيئة مخذول ، والمستتر بها مغفور له»(1) .
وقال الصادق (ع) : «من جاءنا يلتمس الفقه والقرآن وتفسيره فدعوه ، ومن جاءنا يبدي عورة قد سترها الله عليه فنحوه»(2) .
ومنها أن يكون المذنب عالما يقتدى به فاذا فعله بحيث يرى ذلك منه كبر ذنبه ، كلبس العالم الابريسم والذهب وأخذه مال الشبهة وإطلاق اللسان في الاعراض ونحو ذلك فهذه ذنوب يتبع العلم عليها فيموت ويبقى شرّه مستطيرا في العالم فطوبى لمن إذا مات ماتت معه ذنوبه ، فعلى العالم وظيفتان أحدهما ترك الذنب والاخرى اخفاؤه وكما يتضاعف أوزاره فكذلك يتضاعف ثوابه على الحسنات إذا اتبع .

الفصل السادس
نتائج ارتكاب الذنوب

في الحديث النبوي (ص) : «ما من يوم طلع فجرها ولا ليلة غاب شفقها إلا وملكان يتجاوبان بأربعة أصوات يقول أحدهما : يا ليت هذا الخلق لم يخلقوا ، ويقول الآخر : يا ليتهم إذ خلقوا علموا لماذا خلقوا ، فيقول الآخر : ويا ليتهم إذ لم يعلموا لماذا خلقوا عملوا بما علموا ، فيقول الآخر : ويا ليتهم إذا لم يعملوا بما علموا تابوا ممّا عملوا»(3) .
وقال أمير المؤمنين (ع) : «لا تبدين عن واضحة(4) وقد عملت الأعمال الفاضحة ، ولا تامننّ البيات(5) وقد عملت السيئات»(6) .
وقال الباقر (ع) : «إن الله قضى قضاء حتما أن لا ينعم على العبد بنعمة فيسلبها إياه حتى

(1) الكافي : ج 2 ص 428 .
(2) امالي : المفيد : ص 12 والكافي : ج 2 ص 442 .
(3) احياء علوم الدين : ج 4 ص 49 .
(4) الواضحة : الاسنان التي تبدو عند الضحك المنجد .
(5) البيات : الاخذ بالمعاصي . م .
(6) الكافي : ج 2 ص 273 .

السابق السابق الفهرس التالي التالي