الحقايق في محاسن الأخلاق282

لا يبتدئ الذكر إلا به ، ولا يختم إلا به ، كما يبتدئ الطايف الطواف من البيت ويختم بالبيت .
وليعلم أن الطواف الشريف هو طواف القلب بحضرة الربوبية ، وان البيت مثال ظاهر في عالم الملك لتلك الحضرة التي لا يشاهد بالبصر وهو في عالم الملكوت كما أن البدن مثال ظاهر في عالم الشهادة للقلب الذي لا يشاهد بالبصر وهو في عالم الغيب وأن عالم الملك والشهادة مدرجة إلى عالم الغيب والملكوت لمن فتح له الباب .
وإلى هذه الموازنة وقعت الاشارة بأن البيت المعمور في السماوات بازاء الكعبة وأن طواف الملائكة بها كطواف الانس بهذا البيت ، ولمّا قصرت رتبة أكثر الخلق عن مثل ذلك الطواف امروا بالتشبّه بهم بحسب الامكان ووعدوا بأن من تشبّه بقوم فهو منهم .
واما استلام الحجر فليعلم أنه بمنزلة اليمين قال رسول الله (ص) : استلموا الركن فانه يمين الله في خلقه يصافح بها خلقه مصافحة العبد أو الدخيل(1) ويشهد لمن استلمه بالموافاة .
أراد بالركن الحجر الأسود لأنه موضوع في الركن وإنما شبّهه باليمين لأنه واسطة بين الله وبين عباده في النيل والوصول والتحبّب والرضا كاليمين حين التصافح ، والدخيل الملتجي .
قال الصادق (ع) : «ان الله تبارك وتعالى لما أخذ مواثيق العباد أمر الحجر فالتقمها فلذلك يقال أمانتي أدّيتها وميثاقي تعاهدته لتشهد لي بالموافاة(2)»(3) وقال (ع) : «الركن اليماني باب من أبواب الجنة لم يغلقه الله منذ فتحه»(4) وقال (ع) : «الركن اليماني بابنا الذي ندخل منه الجنة وفيه نهر من الجنة يلقى فيه أعمال العباد»(5) ، انما شبّهه بباب الجنة لأن استلامه وسيلة إلى دخولها ، وبالنهر لأنه يغسل به الذنوب .
وليكن نيّته عند الاستلام طلب القرب حبّا وشوقا للبيت ولرب البيت وتبرّكا بالمماسة ورجاء للتحصن عن الناس في كل جزء لاقى البيت ، وليكن نيته في التعلق بأستار البيت الالحاح في طلب المغفرة وسؤال الأمان كالمذنب المتعلق بثياب من أذنب إليه المتضرّع إليه في عفوه عنه المظهر أنه لا ملجأ له منه إلا إليه ، ولا مفزع له إلا عفوه وكرمه ، وأنه لا يفارق ذيله إلا بالعفو وبذل الأمن في المستقبل .

(1) دخيل الرجل : الذي يداخله في أموره ويختص به . م .
(2) اي بالاتيان اليك واقراري بالعهد الذي أودعتك اياه ؛ من من وافيته موافاة أي أتيته .
(3) العلل : ص 423 .
(4) الكافي : ج 4 ص 409 .
(5) من لا يحضره الفقيه ج 2 ص 134 .
الحقايق في محاسن الأخلاق283

الفصل الثالث
فيما يجب أن يشعر به المرء عند اوان مناسك الحج

وأما السعي بين الصفا والمروة في فناء البيت فيضاهي تردد العبد بفناء دار الملك جائيا وذاهبا مرّة بعد اخرى إظهارا للخلوص في الخدمة ورجاء للملاحظة بعين الرحمة ، كالذي دخل على الملك وخرج وهو لا يدري ما الذي يقضي الملك في حقه من قبول أو رد .
واما الوقوف في العرفات فليتذكر بما يرى من ازدحام الخلق وارتفاع الاصوات واختلاف اللغات واتباع الفرق ائمتهم في التردّدات على المشاعر عرصات القيامة واجتماع الامم مع الأنبياء والأئمة عليهم السلام واقتفاء كل امة نبيّها وطمعهم في شفاعتهم وتحيرهم في ذلك الصعيد الواحد بين الرد والقبول .
فاذا تذكر ذلك فليلزم قلبه الضراعة(1) والابتهال إلى الله ليحشر في زمرة الفائزين المرحومين وليتحقق رجاؤه بالاجابة ، فالموقف شريف والرحمة انما تصل من حضرة الجلال إلى كافة الخلق بواسطة القلوب العزيزة من أوتاد الارض ولا ينفك الموقف عن طبقة من الصالحين وأرباب القلوب ، فاذا اجتمعت همّتهم وتجرّدت للضراعة والابتهال قلوبهم وارتفعت إلى الله أيديهم وامتدّت إليه أعناقهم وشخصت نحو السماء أبصارهم مجتمعين بهمّة واحدة على طلب الرحمة فبعيد أن يخيب أملهم ويضيع سعيهم ، ولذلك قيل : من أعظم الذنوب أن يحضر عرفات ويظن أن الله لم يغفر له .
وأما الوقوف بالمشعر فليستحضر أنه قد أقبل عليه مولاه بعد أن كان مدبرا عنه طاردا له عن بابه فأذن له في دخول حرمه ، فان المشعر من جملة الحرم وعرفات خارجة عنه فقد أشرف على باب الرحمة وهبت(2) عليه نسمات الرأفة وكسى خلع القبول بالاذن في دخول حرم الملك .
وأما رمي الجمار فليقصد به الانقياد للأمر إظهارا للرق والعبودية وانتهاضا(3) لمجرّد الامتثال من غير حظ للعقل والنفس ، ثم ليقصد به التشبه بابراهيم (ع) حيث عرض له إبليس في هذا الموضع ليدخل على حجّة شبهة أو فتنة فأمره الله أن يرميه بالحجارة طردا له وقطعا لأمله وليعلم أنه في الظاهر يرمي الحصا إلى الجمار وفي الحقيقة يرمي به وجه الشيطان ويقصم به ظهره إذ لا يحصل ارغام أنفه إلا بامتثال أمر الله تعظيما بمجرّد الأمر من غير حظ العقل فيه .

(1) ضرع ضراعة : ذل وخضع .
(2) هبت الرياح اي هاجت وتحركت . م .
(3) نهض نهوضا وانتهض : قام .
الحقايق في محاسن الأخلاق284

وأما ذبح الهدي فليعلم أنه تقرب إلى الله بحكم الامتثال وليكمل الهدى وأجزائه ويرج أن يعتق بكل جزء منها جزء منه من النار كما ورد الوعد به(1) .
وفي مصباح الشريعة قال الصادق (ع) : «إذا أردت الحج فجرد قلبك لله تعالى من شغل كل شاغل وحجاب كل حاجب وفوّض امورك كلها إلى خالقك وتوكل عليه في جميع ما يظهر من حركاتك وسكناتك ، وسلم لقضائه وحكمه وقدره ، وودع الدنيا والراحة ، والخلق ، واخرج من حقوق تلزمك من جهة المخلوقين ، ولا تعتمد على زادك وراحتك وأصحابك وقوتك وشبابك ومالك مخافة أن يصير ذلك عدوا ووبالا فان من ادعى رضاء الله واعتمد على ما سواه صبّره عليه وبالا وعدوّا ليعلم أنه ليس له قوّة وحيلة ولا لأحد إلا بعصمة الله وتوفيقه فاستعد استعداد من لا يرجو الرجوع .
واحسن الصحبة وراع أوقات فرايض الله وسنن نبيّه (ص) وما يجب عليك من الأدب والاحتمال والصبر والشكر والشفقة والسخاوة وإيثار الزاد على دوام الاوقات .
ثم اغسل بماء التوبة الخالصة ذنوبك والبس كسوة الصدق والصفا والخضوع والخشوع ، واحرم من كل شيء يمنعك عن ذكر الله ويحجبك عن طاعته ولب بمعنى اجابة صادقة صافية خالصة زاكية لله تعالى في دعوتك متمسكا بالعروة الوثقى ، وطف بقلبك مع الملائكة حول العرش كطوافك مع المسلمين بنفسك حول البيت ، وهرول هرولة من هواك وتبرّأ من حولك وقوتك واخرج من غفلتك وزلاّتك بخروجك إلى منى ولا تتمن ما لا يحل لك ولا تستحقه .
واعترف بالخطايا بعرفات ، وجدّد عهدك عند الله تعالى بوحدانيته وتقرّب إليه واتّقه بمزدلفة واصعد بروحك إلى الملأ الأعلى بصعودك على الجبل ، واذبح حنجرة الهوى والطمع عند الذبيحة ، وارم الشهوات والخساسة والدناءة والذميمة عند رمي الجمرات ، واحلق العيوب الظاهرة والباطنة بحلق شعرك ، وادخل في أمان الله وكنفه وستره كلاءته من متابعة مرادك بدخولك الحرم ودخول البيت متحققا لتعظيم صاحبه ومعرفة جلاله وسلطانه .

(1) قال الغزالي في «الاحياء» : فهكذا ورد الوعد ، وقال العراقي في «المغني عن حمل الاسفار في الاسفار في تخريج ما في الاحياء من الاخبار» : حديث انه يعتق بكل جزء من الاضحية جزء من المضحى من النار ، لم أقف له على اصل .
الحقايق في محاسن الأخلاق285

واستلم الحجر رضا بقسمته وخضوعا لقوته (لعزته خ) وودّع ما سواه بطواف الوداع ، واصف روحك وسرّك للقائه يوم تلقاه بوقوفك على الصفا ، وكن بمرءا من الله نقيّا أوصافك عند المروة واستقم على شرط حجتك هذه ووفاء عهدك الذي عاهدت به مع ربك وأوجبته له إلى يوم القيامة .
واعلم بأن الله تعالى لم يفرض الحج ولم يخصّه من جميع الطاعات بالاضافة إلى نفسه بقوله تعالى : «ولله على الناس حج البيت من استطاع إليه سبيلا»(1) ولا شرع نبيه سنّة في خلال المناسك على ترتيب ما شرعه إلا للاستعانة والاشارة إلى الموت والقبر والبعث والقيامة وفضل بيان السابقة من الدخول في الجنة أهلها ودخول النار أهلها بمشاهدة مناسك الحج من أولها إلى آخرها لأولي الألبـاب واولـي النهـى»(2) .

الفصل الرابع
في زيارة المدينة

وأما زيارة المدينة فاذا وقع بصره على حيطانها فليتذكر أنها البلدة التي اختارها الله تعالى لنبيه (ص) وجعل إليها هجرته وأنّها داره التي فيها شرع فرايض ربّه وسننه وجاهد عدوّه وظهر بها دينه إلى أن توفاه الله ثم جعل تربته فيها .
ثم ليمثل في نفسه أقدام رسول الله (ص) عند تردّداته فيها وأنه ما من موضع قدم إلا وهي موضع قدمه العزيز ، فلا يضع قدمه إلا على سكينة ووجل ، وليتذكر مشيه وتخطيه في سككها ، وليتصور خشوعه وسكينته في المشي وما استودع الله قلبه من عظيم معرفته ورفعة ذكره حتى قرنه بذكر نفسه ، وأحبط عمل من هتك حرمتك ولو برفع صوته فوق صوته ، فان ترك حرمة شريعته ولو في دقيقة من الدقايق فلا يأمن أن يحال بينه وبينه بعدوله عن محجّته له .
وليعظم مع ذلك رجاءه أن لا يحول الله بينه وبينه بعد أن رزقه الايمان وأشخصه من وطنه لأجل زيارته محبّة له وتشوقا إلى أن ينظر إلى آثاره وإلى حايط قبره .
فاذا بلغ المسجد فليتذكر أن فرايض الله تعالى أول ما اقيمت في تلك العرصة فليعظم أمله في الله أن يرحمه بدخوله إياه خاشعا معظما وما أجدر ذاك المكان بان يستدعي الخشوع من

(1) سورة آل عمران : آية 97 .
(2) مصباح الشريعة : ص 47 .
الحقايق في محاسن الأخلاق286

قلب كل مؤمن .
وأما زيارته (ص) فينبغي أن يقف بين يديه ويزوره ميّتا كما يزوره حيّا ولا يقرب من قبره كما لا يقرب من شخصه الكريم لو كان حيّا ، وليعلم أنه عالم بحضوره وقيامه وزيارته وأنّه يبلغه سلامه وصلواته ، فليمثل صورته الكريمة في خياله موضوعا بازائه وليحضر عظيم رتبته في قلبه .
فقد ورد أن الله تعالى وكل بقبره ملكا يبلغه سلام من سلم عليه من امته ، هذا في حق من لم يحضر قبره فكيف بمن فارق الوطن وقطع البوادي شوقا إلى لقائه واكتفى بمشاهدة مشهده الكريم إذ فاتته مشاهده غرته الكريمة .
قال الصادق (ع) : «إذا فرغت من الدعاء عند قبر النبي (ص) فأت المنبر وامسحه بيدك فخذ برمانيته وهما السفلاوان ، وامسح عينيك ووجهك به فانه يقال إنه شفاء للعين ، وقم عنده فاحمد الله واثن عليه وسل حاجتك ، فان رسول الله (ص) قال : ما بين منبري وبيتي روضة من رياض الجنة ، ومنبري على نزعة من نزع الجنة والنزعة هي الباب الصغير»(1) وسئل (ع) هي روضة اليوم ؟ قال : «نعم لو كشف الغطاء لرأيتم»(2) .

الفصل الخامس
في فصل زيارة النبي والأئمة (ع)

قال النبي (ص) : «من زار قبري بعد موتي كمن هاجر إلي في حياتي فان لم تستطيعوا فابعثوا إلي بالسلام فانه يبلغني»(3) ، وقال (ص) لعليّ (ع) : «يا أبا الحسن ان الله جعل قبرك وقبر ولدك بقاعا من بقاع الجنة وعرصات من عرصاتها ، وان الله جعل قلوب نجباء من خلقه وصفوة من عباده تحن(4) إليكم وتحتمل المذلة والأذى فيكم ، فيعمّرون قبوركم ويكثرون زيارتها تقرّبا منهم إلى الله مودّة منهم لرسوله وأولئك يا علي المخصوصون بشفاعتي والواردون حوضي وهم زواري وجيراني غدا في الجنة .
يا علي من عمر قبوركم وشاهدها فكأنّما أعان سليمان بن داود (ع) على بناء بيت المقدس ومن زار قبورهم عدل ذلك ثواب سبعين حجة بعد حجة الاسلام ، خرج من ذنوبه

(1) الكافي : ج 4 ص 553 التهذيب : ج 6 ص 7 .
(2) الكافي ج 4 ص 454 .
(3) جامع الاخبار : ص 21 وتهذيب الاحكام : ج 6 ص 3 ودعائم الاسلام ج 1 ص 296 .
(4) الحنين : الشوق تحن إليكم أي تشتاق اليكم .
الحقايق في محاسن الأخلاق287

حتى يرجع من زيارتكم كيوم ولدته امّه .
فابشر يا علي وبشّر أولياءك ومحبّيك من النعيم بما لا عين رأت ولا اذن سمعت ولا خطر على قلب بشر ، ولكن حثالة(1) من الناس يعيّرون زوّار قبوركم كما تعير الزانية بزناها اولئك شرار امتي لا تنالهم شفاعتي ولا يردون حوضي»(2) .
وقال الصادق (ع) : «لو أن أحدكم حج دهره ثم لم يزر الحسين بن علي لكان تاركا حقّا من حقوق رسول الله (ص) ، لأن حق الحسين فريضة من الله واجبة على كل مسلم»(3) .
والأخبار في فضل زيارة الأئمة المعصومين عليهم السلام وثوابها ولا سيّما زيارة أبي عبد الله الحسين وأبي الحسن الرضا (ع) وفضلهما على الحجة والعمرة والغزوة أكثر من أن تحصى .
ولعل السر في فضل زيارتهم على تلك العبادات ان في زيارتهم صلة وبرّا لهم ولرسول الله (ص) وأمير المؤمنين (ع) وفاطمة (ع) وشيعتهم ومحبّيهم بل سائر النبيين والوصيّين (ع) ، وإدخال سرور عليهم وإجابة لهم وتجديد عهد لولايتهم واحياء لأمرهم وتبكيتا(4) لأعدائهم(5)

(1) حثالة ككناسة : القشارة وما لا خير فيه والردى من كل شيء وهي بالمهملة ثم المثلثة .
(2) تهذيب الاحكام : ج 6 ص 22 .
(3) تهذيب الاحكام : ج 6 ص 42 كامل الزيارات ص 122 .
(4) التبكيت : الغلبة بالحجة والتقريع .
(5) على ما ورد في رواية معاوية بن وهب عن الصادق (ع) حيث قال : دخلت على أبي عبد الله (ع) فوجدته في مصلاه في بيته فجلست حتى قضى صلاته فسمعته وهو يناجي ربه وهو يقول :
يا من خصنا بالكرامة وخصنا بالوصية ووعدنا الشفاعة واعطانا علم ما مضى وما بقي وجعل أفئدة من الناس تهوي الينا ، اغفر لي ولاخواني ولزوار قبر أبي الحسين صلوات الله عليه الذين انفقوا اموالهم واشخصوا ابدانهم رغبة في برنا ورجاء لما عندك في صلتنا وسرورا ادخلوه على نبيك صلواتك عليه وآله واجابة منهم لامرنا وغيظا ادخلوه على عدونا ، ارادوا بذلك رضاك فكافهم غدا بالرضوان ، واكلاءهم بالليل والنهار ، واخلف على اهاليهم واولادهم الذين خلفوا بأحسن الخلف ، واصحبهم واكفهم شر كل جبار عنيد وكل ضعيف من خلقك او شديد «الى ان قال» اللهم ان اعداءنا عابوا عليهم خروجهم فلم ينههم ذلك عن الشخوص الينا وخلافهم على من خالفنا ، فارحم تلك الوجوه التي غيرتها الشمس ، وارحم تلك الخدود التي تقلبت على حفرة أبي عبد الله (ع) وارحم تلك الاعين التي جرت دموعها رحمة لنا ، وارحم تلك القلوب التي جزعت واحترقت لنا ، وارحم تلك الصرخة التي كانت لنا ، اللهم اني استودعك تلك الانفس وتلك الابدان حتى نوافيهم على الحوض يوم العطش ، فما زال وهو ساجد يدعو بهذا الدعاء وقال في آخره : يا معاوية ان من يدعو لزواره في السماء أكثر ممن يدعو لهم في الأرض .
الحقايق في محاسن الأخلاق288

وفي ذلك كله رجاء لما عند الله الذي لا يخيب من رجاه وطلب لرضاه سبحانه الذي يرضى لمن أرضاه .
وهي مع ذلك كله عبادة لله تعالى ومسّرة له عز ذكره من جهة إدخال السرور على رسوله وعلى ذرّيته وأوصيائه ، ومن جهة الاتيان بعبادته المأمور بها ومسّرة لهم من هذه الجهة أيضا وقد ثبت وتقرر جلالة قدر المؤمن عند الله وثواب صلته وبرّه وإدخال السرور عليه من جهة كونه مؤمنا فحسب فما ظنك بمن عصمه الله عن الخطأ وطهّره من الرجس وجعله إماما للمؤمنين وقدوة للمتقين وله خلق السماوات والأرضين وجعله صراطه وسبيله وعينه ودليله وبابه الذي يؤتى منه وحبله المتصل بينه وبين عباده من رسل وأنبياء وحجج وأولياء هذا .
مع أن مقابرهم مشاهد أرواحهم العليّة المقدّسة ومحال حضور أشباحهم البرزخيّة النورية ، فانهم هناك يشهدون وهم احياء عند ربهم يرزقون بما آتاهم من فضله فرحون .
وأما الحجة والعمرة والغزوة وغير ذلك فانها وان كان فيها إنفاق أموال ورجاء آمال وإشخاص أبدان وهجران أوطان وتحمل مشاق وشهود شعاير وحضور مشاعر ، إلا أنّها ليست بتلك المثابة في المثوبة لأن هذا إنما هي عبادة لله تعالى وإجابة لأمره عز ذكره ومسرّة له ولأوليائه بالاتيان بالعبادة فحسب ، وليست فيها جميع تلك الامور التي نبهنا عليها هناك .
مع أنها تتأتّى من كل مدّع للاسلام وإن كان ناصبيّا بخلاف تلك ، فانّها لا تتأتّى إلا ممّن كان يعرف قدرا من قدرهم وطرفا من منزلتهم ولو ناقصا .
قال الرضا (ع) : «إن لكل إمام عهدا في عنق أوليائه وشيعته وإن من غاية والوفاء بالعهد وحسن الأداء زيارة قبورهم ، فمن زارهم رغبة في زيارتهم وتصديقا بما رغبوا فيه كان أئمتهم شفعاؤهم يوم القيامة»(1) .

(1) علل الشرائع : ص 459 .
الحقايق في محاسن الأخلاق289

المقالة السادسة

في ساير الأعمال الصالحة وفيها خمسة أبواب .

الباب الاول
في التوبة

في التوبة وهي تبرأه القلب عن الذنب والرجوع من البعد إلى القرب وبعبارة أخرى ترك المعاصي في الحال والعزم على تركها في الاستقبال وتدارك ما سبق من التقصير ، وهي فرض على كل حال وعلى الفور ومن شرطها أن تكون لله لا لمال أوجاه أو خوف من سلطان أو عدم أسباب ، وأن يتندم ، أما الندم أعني تألم القلب وحزنه على الذنب الذي هو روح التوبة فغير مقدور وهو التوبة حقيقة ، إنما المقدور تحصيل أسبابه من العلم والايمان وتحقيقها في قلبه .
قال النبي (ص) : «الندم توبة»(1) إذ لا يخلو الندم عن علم أوجبه واثمره وعن عزم يتبعه ويتلوه ، فيكون الندم محفوفا بطرفيه أعني ثمره ومثمره والطريق إليها ذكر ما ورد في فضلها والعلم بقبح الذنوب وشدّة العقوبة وضعف النفس عن الاحتمال وشرف الآخرة وخساسة الدنيا وقرب الموت ولذة المعرفة والمناجاة الممتنعة مع الاصرار ، وخوف الاملاء بعدم الأخذ الحالي والاستدراج بالاحسان وقلع أسباب الاصرار وهي الغرور وحب الدنيا وطول الأمل .
قال الله تعالى : «وتوبوا إلى الله جميعا أيه المؤمنون لعلكم تفلحون»(2) وقال : «يا أيها الذين آمنوا توبوا إلى الله توبة نصوحا عسى ربّكم أن يكفر عنكم سيئاتكم»(3) الآية ، ومعنى النصوح الخالص لله خاليا عن الشوايب وقال تعالى : «إن الله يحب التوابين ويحب المتطهرين»(4) .
وقال رسول الله (ص) : «التائب حبيب الله ، والتائب من الذنـب كمـن لا ذنـب لـه»(5) وقال

(1) احياء علوم الدين : ج 4 ص 4 وتحف العقول : ص 45 والعوالي : ج 1 ص 292 .
(2) سورة النور : آية 31 .
(3) سورة التحريم : آية 8 .
(4) سورة البقرة : آية 222 .
(5) احياء علوم الدين : ج 4 ص .
الحقايق في محاسن الأخلاق290

الباقر (ع) : «إن الله أشد فرحا بتوبة عبده من رجل أضل راحلته وزاده في ليلة ظلماء فوجدها(1)»(2) وقال الصادق (ع) في قوله تعالى : «توبوا إلى الله توبة نصوحا»(3) : «قال هو الذنب الذي لا يعود إليه أبدا ، قيل : وأينا لم يعد ؟ قال : يا فلان إن الله يحب من عبده المفتن(4) التواب»(5) يعني الكثير الذنب الكثير التوبة .
وقال : «إذا تاب العبد توبة نصوحا أحبّه الله فستر عليه قيل : وكيف يستر عليه ؟ قال ينسى ملكيه ما كانا يكتبان عليه ويوحي الله إلى جوارحه وإلى بقاع الأرض أن اكتمي عليه ذنوبه فيلقى الله حين يلقاه وليس شيء يشهد عليـه بشـيء مـن الذنـوب»(6) .

الفصل الأول
التوبة بالندم على الذنب

اعلم أنه مهما أشرق نور الايمان على القلب أثمر نار الندم على الذنب فيتألم به القلب حيث يبصر باشراق نور الايمان انه صار محجوبا عن محبوبه كمن يشرق عليه نور الشمس وقد كان في ظلمة فسطع عليه النور بانقشاع(7) سحـاب او انحسـار(8) حجاب فرأى محبوبه قد اشرف على الهلاك ويشتعل نيران الحب في قلبه فينبعث بتلك النيران ارادته للانتهاض للتدارك ، فالعلم والندم والقصد المتعلق بالترك في الحال والاستقبال والتلافي للماضي ثلاثة معان مترتبة يطلق اسم التوبة على مجموعها .
وكثيرا ما يطلق اسم التوبة على الندم وحده ويجعل العلم كالسابق والمقدمة والترك كالثمرة والتابع المتأخر كما أشرنا إليه فمن نظر أولا بنور البصيرة إلى التوبة ما هي ثم إلى الوجوب ما معناه فلا يشك في ثبوته لها .
وذلك بأن يعلم (علم خ) أن معنى الواجب ما هو واجب في الوصول إلى سعادة الأبد والنجاة من هلاك الأبد ، وعلم أن لا سعادة في دار البقاء إلا في لقاء الله وأن كل محجوب عنه شقي لا محالة يحول بينه وبين ما يشتهيه محترق بنار الفراق ونار جهنم ، وعلم أنه لا مبعّد عن

(1) فالله تعالى أشد فرحا بتوبة عبده من ذلك الرجل براحلته حين وجدها ، كذا في الوافي .
(2) الكافي : ج 2 ص 435 .
(3) سورة التحريم : آية 8 .
(4) قال في الوافي : يعني الذي يكثر ذنبه ويكثر توبته ، يذنب الذنب فيتوب منه ثم يبتلى به فيعود ثم يتوب وهكذا من الافتان او التفتين بمعنى الايقاع في الفتنة .
(5) الكافي : ج 2 ص 432 .
(6) الكافي : ج 2 ص 430 .
(7) تقشع السحاب أي تصدع واقلع .
(8) الانحسار : الانكشاف .
الحقايق في محاسن الأخلاق291

لقاء الله إلا اتّباع الشهوات والانس بهذا العالم الفاني والاكباب على حب ما لا بد من فراقه قطعا ، وعلم أنه لا مقرّب من لقاء الله إلا قطع علاقة القلب عن زخرف هذا العالم والاقبال بالكلية على الله طلبا للانس به بدوام ذكره وللمحبّة له بمعرفة جلاله وجماله على قدر طاقته ، وعلم أن الذنوب التي هي اعراض عن الله واتباع لمحاب الشياطين أعداء الله المبعدين عن حضرته سبب كونه محجوبا مبعدا عن الله .
وكل علم يراد ليكون باعثا على عمل فلا يقع التفصّي عن عهدته ما لم يصر باعثا فالعلم بضرر الذنوب إنما اريد ليكون باعثا على تركها فمن لم يتركها فهو فاقد لهذا الجزء من الايمان .
وهو المراد بقول النبي (ص) : «لا يزن الزاني حين يزني وهو مؤمن»(1) ، وما أراد به نفي الايمان بالله وبوحدانيته وصفاته وكتبه ورسله فان ذلك لا ينافي الزنا والمعاصي ، وإنما اراد به نفي الايمان بكون الزنا مبعدا عن الله وموجبا للمقت ، وليس الايمان بابا واحدا بل هو كما ورد نيف وسبعون بابا أعلاها شهادة أن لا إله إلا الله ، وأدناها اماطة الأذى عن الطريق .
ومثاله قول القائل ليس الانسان موجودا واحدا بل هو نيّف وسبعون موجودا أعلاها القلب والروح وأدناها إماطة الاذى عن البشرة بأن يكون مقصوص الشارب ومقلوم الاظفار نقي البشرة عن الخبث حتى يتميز عن البهايم المرسلة المتلوثة بأرواثها المستكرهة الصور بطول مخالبها وأظفارها .
فالايمان كالانسان وفقد شهادة التوحيد يوجب البطلان بالكلية كفقد الروح والذي ليس له إلا شهادة التوحيد والرسالة هو كانسان مقطوع الاطراف مفقوء(2) العينين فاقد لجميع أعضائه الظاهرة والباطنة إلا أصل الروح .
وكما أن من هذا حاله قريب من أن يموت فيزايله الروح الضعيفة المنفردة التي يتخلّف عنها الاعضاء التي تمدّها وتقوّيها ، فكذلك من ليس له إلا أصل الايمان وهو مقصر في الأعمال قريب من أن ينقطع عنه شجرة إيمانه إذا صدمتها الرياح العاصفة المحركة للايمان في مقدّمة قدوم ملك الموت ووروده .

(1) احياء علوم الدين ج 4 ص 8 ورواه الترمذي ج 10 ص 91 من حديث ابو هريرة .
(2) فقد الدمل : شقه ليخرج ما فيه من المدة والعين . قلعها بخقها أي عورها . المنجد «أقول» ومنه الحديث كما في مجمع البحرين : لو ان رجلا اطلع في بيت قوم ففقأ اعينه لم يكن عليهم شيء .

السابق السابق الفهرس التالي التالي