الحقايق في محاسن الأخلاق301

يحدث العبد ذنبا يستحق بذلك النقمة»(1) .
وقال (ع) : «ما من شيء أفسد للقلب من خطيئة ، إن القلب ليواقع الخطيئة فما تزال به حتى تغلب عليه فيصير أعلاه أسفله»(2) وقال (ع) : «إن العبد ليذنب الذنب فيزوى عنه الرزق»(3) .
وقال الصادق (ع) : «أما أنه ليس من عرق يضرب ولا نكبة ولا صداع ولا مرض إلا بذنب وذلك قول الله تعالى في كتابه : «ما أصابكم من مصيبة فبما كسبت أيديكم ويعفو عن كثير»(4) قال : وما يعفو الله أكثر مما يؤاخذ به»(5) .
وقال (ع) : «إن الرجل يذنب الذنب فيحرم صلاة الليل ، وإن العمل السيء أسرع في صاحبه من السكين في اللحم»(6) .
وقال (ع) : «يقول الله تعالى : إن أدنى ما أصنع بالعبد إذا آثر شهوته على طاعتي أن احرمه لذيذ مناجاتي»(7) .
وقال (ع) : «من هم بسيئة فلا يعملها فانه ربما عمل العبد السيئة فيراه الرب تبارك وتعالى فيقول وعزتي لا اغفر لك بعد ذلك أبدا»(8) .
وقال الكاظم (ع) : «حق على الله أن لا يعصى في دار إلا أضحاها للشمس حتى تطهرها»(9) .
وقال رسول الله (ص) : «إن العبد ليحبس على ذنب من ذنوبه مأة عام ، وأنه لينظر إلى ازواجه في الجنة يتنعمن»(10) .
وعن أمير المؤمنين (ع) أنه قال لقائل بحضرته : استغفر الله ثكلتك امّك اتدري ما الاستغفار ، إن الاستغفار درجة العلّيين ، وهو اسم واقع على ستة معان : اولها الندم على

(1) الكافي : ج 2 ص 273 .
(2) الكافي : ج 2 ص 268 .
(3) الكافي : ج 2 ص 270 .
(4) سورة الشورى : آية 30 .
(5) الكافي : ج 2 ص 269 .
(6) المحاسن : ص 115 والكافي : ج 2 ص 272 .
(7) احياء علوم الدين : ج 4 ص 52 .
(8) الكافي : ج 2 ص 272 والمحاسن : ص 117 .
(9) اللكافي : ج 2 ص 272 .
(10) الكافي : ج 2 ص 272 .
الحقايق في محاسن الأخلاق302

مضى والثاني العزم على ترك العود عليه أبدا والثالث أن تؤدي إلى المخلوقين حقوقهم حتى تلقى الله أملس(1) ليس عليك تبعة والرابع أن تعمد إلى كل فريضة عليك ضيّعتها تؤدي حقها والخامس أن تعمد إلى اللحم الذي نبت على السحت(2) فتذيب بالأحزان حتى يلصق الجلد بالعظم وينشأ بينهما لحم جديد السادس ان تذيق الجسم ألم الطاعة كما أذقته حلاوة المعصية فعند ذلك تقول استغفر الله .
وقال (ع) : «ترك الخطيئة أيسر من طلب التوبة وكم من شهوة ساعة أورثت حزنا طويلا ، والموت فضح(3) الدنيا ولم يترك الذي لب فرحا(4)»(5) .
الفصل السابع
فيما يجب أن يفعله التائب

في مصباح الشريعة قال الصادق (ع) : «التوبة حبل الله ومدد عنايته ولا بد للعبد من مداومة التوبة على كل حال ، وكل فرقة من العباد لهم توبة ، فتوبة الانبياء من اضطراب السر ، وتوبة الاولياء من تلويث الخطرات ، وتوبة الاصفياء من التنفيس وتوبة الخاص من الاشتغال بغير الله ، وتوبة العام من الذنوب .

(1) شيء أملس أي لاخشونة فيه ، نزل حقوق الناس منزلة الخشونة فمن أداها بتمامها فكانما أزالها فصار أملس ولم يبق عليه خشونة .
(2) سحته واسحته أي استأصله ويسمى الحرام سحتا لانه يعقب عذاب الاستيصال أو لانه يسحت مروة الانسان .
(3) فضحه فضحا : كشف مساوئه . المنجد .
(4) ومجمل القول في طريق تحصيل التوبة والعلاج لحل عقدة الاصرار على الذنوب : أن يتذكر ما ورد في فضلها كما مر في المتن ، ويتذكر قبح الذنوب وشدة العقوبة وما ورد في الكتاب والسنة من ذم المذنبين والعاصين ويتأمل في حكايات الانبياء عليهم السلام وما جرى عليهم في الدنيا من المصائب والشدايد بسبب تركهم الأولى كآدم (ع) حيث أخرج من الجنة لأكله الشجر ، ويعقوب (ع) حيث ابتلى بفراق يوسف لقوله لاخوته : اني أخاف ان يأكله الذئب ، ويوسف (ع) حيث لبث في السجن بضع سنين بقول (ع) للناجي من الفتيين : اذكرني عند ربك .
وان يعلم ان كلما يصيب العبد في الدنيا من العقوبة والمصايب فانما هو بسببب معصيته وجناياته كما دلت عليه الاخبار الكثيرة المذكور بعضها في المتن ، وان يتذكر ما ورد من العقوبات على آحاد الذنوب كالخمر والزنا والسرقة والقتل والكبر والكذب والحسد واخذ مال الحرام وغير ذلك من آحاد المعاصي ، ثم يتذكر ضعف نفسه وعجزها عن احتمال عذاب الآخرة وعقوبة الدنيا ، ثم يتذكر خساسة الدنيا وشرف الآخرة وقرب الموت ولذة المناجاة مع ترك الذنوب ولا يغتر بعدم الاخذ الحالي اذ لعله من الاملاء والاستدراج ،
فمن تأمل في جميع ذلك حق التأمل انبعث نفسه للتوبة البتة ومن لم ينزعج بعد ذلك الى التوبة فهو اما معتوه أو غير معتقد بالمعاد ، فان من ايقن بما بعد الموت شمر مئزر الحذر ، ولم يكن له في الدنيا مستقر . وفقنا الله تعالى لما يحب ويرضى .
(5) الكافي : ج2 ص 451 .
الحقايق في محاسن الأخلاق303

ولكل واحد منهم معرفة وعلم في أصل توبته ومنتهى أمره وذلك يطول شرحه ههنا .
فاما توبة العام فان يغسل باطنه من الذنوب بماء الحسرة والاعتراف بجنايته دائما واعتقاد الندم على ما مضى والخوف على ما بقي من عمره ولا يستصغر ذنوبه فيحمله ذلك إلى الكسل ويديم البكاء والاسف على ما فاته من طاعة الله ويحبس نفسه من الشهوات ، ويستغيث إلى الله ليحفظه على وفاء توبته ويعصمه من العود إلى ما سلف ويروض نفسه في ميدان الجهاد والعبادة ، ويقضي الفوايت من الفرايض ويرد المظالم ويعتزل قرناء السوء ويسهر ليله ويظمأ نهاره ، ويتفكر دائما في عاقبته ويستعين بالله سائلا منه الاستقامة في سرّائه وضرّائه ، ويثبت عند المحن والبلاء كيلا يسقط عن درجة التوابين ، فان في ذلك طهارة من ذنوبه وزيادة في عمله ورفعة في درجاتـه قـال الله : «فليعلمـن الله الذيـن صدقـوا وليعلمـن الكاذبيـن»(1)»(2) .

الباب الثاني
في المحاسبة والمراقبة

قال الله تعالى : «ونضع الموازين القسط ليوم القيامة فلا تظلم نفس شيئا وإن كان مثقال حبة من خردل أتينا بها وكفى بنا حاسبين»(3) وقال الله تعالى : «ووضع الكتاب فترى المجرمين مشفقين ممّا فيه ويقولون يا ويلتنا ما لهذا الكتاب لا يغادر صغيرة ولا كبيرة إلا أحصيها ووجدوا ما عملوا حاضرا ولا يظلم ربّك أحدا»(4) وقال : «يوم يبعثهم الله جميعا فينبئهم بما عملوا أحصيه الله ونسوه والله على كل شيء شهيد»(5) وقال : «يومئذ يصدر الناس اشتاتا ليروا أعمالهم فمن يعمل مثقال ذرة خيرا يره ومن يعمل مثقال ذرة شرا يره»(6) وقال : «يوم تجد كل نفس ما عملت من خير محضرا وما عملت من سوء تودّ لو أن بينها وبينه أمدا بعيدا»(7) وقال : «واعلموا أن الله يعلـم مـا فـي أنفسكـم فاحـذروه»(8) .
فعرف أرباب البصاير من جملة العباد أن الله تعالى لهم بالمرصاد وأنّهم سيناقشون في الحساب ويطالبون بمثاقيل الذر من الخطرات واللحظات وتحققوا أنه لا ينجيهم من هذه الأخطار إلا لزوم المحاسبة وصدق المراقبة ومطالبة النفس في الأنفاس والحركات ومحاسبتها في الخطرات واللحظات ، فمن حاسبه نفسه قبل أن يحاسب خفّ في القيامة حسابه وحضر عند

(1) سورة العنكبوت : آية 3 .
(2) مصباح الشريعة : ص 97 .
(3) سورة الانبياء : آية 47 .
(4) سورة الكهف : آية 49 .
(5) سورة المجادلة : آية 6 .
(6) سورة الزلزلة : آية 6 / 8 .
(7) سورة آل عمران : آية 30 .
(8) سورة البقرة : آية 235 .
الحقايق في محاسن الأخلاق304

السؤال جوابه وحسن منقلبه ومآبه ، ومن لم يحاسب نفسه دامت حسراته وطالت في عرصات القيامة وقفاته وقادته إلى الخزي سيئاته .
وقال الصادق (ع) : «إذا أراد أحدكم أن لا يسأل ربّه شيئا إلا أعطاه فلييأس من الناس كلهم ولا يكون له رجاء إلا من عند الله ، فاذا علم الله ذلك من قلبه لم يسأله شيئا إلا أعطاه فحاسبوا انفسكم قبل أن تحاسبوا عليها ، فان للقيامة خمسين موقفا كل موقف مقام ألف سنة ثم تلا «في يوم كان مقداره خمسن ألف سنة»(1)»(2) .
فتفريع المحاسبة على الأمر باليأس من الناس والرجاء من الله يدل على أن الانسان إنما يرجو الناس من دون الله في عامة أمره وهو غافل عن ذلك وأن عامة المحاسبات إنما ترجع إلى ذلك وذكر الوقوف في مواقف القيامة بعد الأمر بمحاسبة النفس يدل على أن الوقفات هناك إنما تكون للمحاسبات ، فمن حاسب نفسه في الدنيا يوما فيوما لم يحتج إلى تلك الوقفات في ذلك اليوم قال الله تعالى : «ولتنظر نفس ما قدّمت لغد»(3) .
وورد في الخبر ينبغي أن يكون للعاقل أربع ساعات(4) ساعة يحاسب فيها نفسه ، وفي مصباح الشريعة قال الصادق (ع) : «لو لم يكن للحساب مهولة «مهول خ» إلا حياء العرض على الله تعالى وفضيحة هتك الستر على المخفيات لحق للمرء أن لا يهبط من رؤوس الجبال ولا يأوي إلى عمران ولا يشرب ولا ينام إلا عن اضطرار متّصل بالتلف ومثل ذلك يفعل من يرى القيامة بأهوالها وشدايدها قائمة في كل نفس ويعاين بالقلب الوقوف بين يدي الجبار حينئذ يأخذ نفسه بالمحاسبة كانه إلى عرصاتها مدعوّ وفي غمراتها مسؤول ، قال الله تعالى : «وإن كان مثقال حبّة من خردل أتينا بها وكفى بنا حاسبين»(5)»(6) .

الفص الأول
معنى المحاسبة

معنى المحاسبة أن يطالب نفسه أولا بالفرايض التي هي بمنزلة رأس ماله فان أدتها على وجهها شكر الله تعالى عليه ورغبها في مثلها ، فان فوتتها من أصلها طالبها بالقضاء ، فانّ أدّتها ناقصة كلفها الجبران بالنوافل ، وإن ارتكبت معصية اشتغل بعتابها وتعذيبها ومعاقبتها واستوفى

(1) سورة المعارج : آية 4 .
(2) الكافي : ج 8 ص 143 .
(3) سورة الحشر : آية 18 .
(4) ساعة يناجي فيها ربه ، وساعة يحاسب فيها نفسه ، وساعة يتفكر في صنع الله ، وساعة للمطعم والمشرب .
(5) سورة الانبياء : آية 47 .
(6) مصباح الشريعة : ص 85 .
الحقايق في محاسن الأخلاق305

منها ما يتدارك به ما فرط كما يصنع التاجر بشريكه ، كما انه يفتّش في حساب الدنيا من الحبّة والقيراط فيحفظ مداخل الزيادة والنقصان حتى لا يغبن في شيء منها .
فينبغي أن يتقي غايلة النفس ومكرها فانها خدّاعة ملبسة مكارة فليطالبها أولا بتصحيح الجواب عن جميع ما تكلم به طول نهاره وليتكفّل بنفسه من الحساب ما سيتولاه غيره في صعيد القيامة وهكذا عن نظره بل عن خواطره وأفكاره وقيامه وقعوده وأكله وشربه ونومه حتى عن سكوته لمَ سكت وعن سكونه لمَ سكن .
فاذا عرف مجموع الواجب على النفس وصح عنده قدر ما أدّى الحق منه كان ذلك القدر محسوبا له فيظهر له الباقي عليه فليثبته عليها وليكتب على صحيفة قلبه كما يكتب الباقي الذي على شريكه على قلبه وعلى جريدته .
ثم النفس غريم يمكن أن يستوفي منه الديون اما بعضها فبالغرامة والضمان وبعضها برد عينه وبعضها بالعقوبة له على ذلك ولا يمكن شيء من ذلك إلا بعد تحقيق الحساب وتمييز الباقي من الحق الواجب عليه فاذا حصل ذلك اشتغل بعده بالمطالبة والاستيفاء .
قال الكاظم (ع) : «ليس منا من لم يحاسب نفسه في كل يوم فان عمل حسنة استزاد الله وإن عمل سيئة استغفر الله منها وتاب إليه»(1) .
وقال الباقر (ع) : «لا يغرّنك الناس من نفسك فان الأمر يصل إليك دونهم ولا يقطع نهارك بكذا وكذا فان معك من يحفظ عليك عملك فاحسن فاني لم أر شيئا أحسن دركا ولا أسرع طلبا من حسنة محدثة لذنب قديم»(2) .
وقال الصادق (ع) : «إن رجلا أتى النبي (ص) فقال له : يا رسول الله أوصني ، فقال له رسول الله (ص) : فهل أنت مستوص إن أنا اوصيتك حتى قال له ذلك ثلاثا وفي كلها يقول له الرجل : نعم يا رسول الله فقال له رسول الله (ص) : فاني اوصيتك إذا أنت هممت بأمر فتدبّر عاقبته فان يك رشدا فامضه وإن يك غيّا فانته عنه»(3) ، فهذه الوصيّة من محاسبة النفس بل هي رأسها .

(1) الكافي : ج 2 ص 453 والاحتصاص : ص 26 ومحاسبة النفس ابن طاووس ص 20 ط دار الحوراء .
(2) الكافي : ج 2 ص 454 .
(3) الكافي : ج 8 ص 150 .
الحقايق في محاسن الأخلاق306

الفصل الثاني
مراقبة العبد لنفسه

ينبغي للعبد أن يراقب نفسه عند الخوض في الأعمال ويلاحظها بالعين الكالية فانها إن تركت طغت وفسدت ، ثم يراقب الله في كل حركة وسكون ، وذلك بأن يعلم بأن الله مطلع على الضمائر عالم بالسراير رقيب على أعمال العباد قائم على كل نفس بما كسبت وأن سر القلب في حقه مكشوف كما أن ظاهر البشرة للخلق مكشوف بل أشد من ذلك قال الله تعالى : «الم يعلم بأن الله يرى»(1) وقال الله تعالى : «إن الله كان عليكم رقيبا»(2) .
وقال النبي (ص) : «الاحسان أن تعبد الله كأنك تراه فان لم تكن تراه فانه يراك»(3) وحكي إن زليخا لما خلت بيوسف فقامت فغطت وجه صنمها فقال يوسف : ما لك أتستحين من مراقبة جماد ولا استحيي من مراقبة الملك الجبار .
وفي الحديث القدسي «إنما يسكن جنات عدن الذين إذا همّوا بالمعاصي ذكروا عظمتي فراقبوني والذين انحنت اصلابهم من خشيتي وعزّتي وجلالي إني لاهمّ بعذاب أهل الارض فاذا نظرت إلى أهـل الجوع والعطـش من مخافتي صرفـت عنهم العـذاب»(4) .
فهذه المعرفة إذا صارت يقينا يعني أنها إذا خلت من الشك ثم استولت بعد ذلك على القلب استجرت القلب وقهرته على مراعاة جانب الرقيب وصرفت الهمة إليه .
والموقنون بهذه المعرفة مراقبتهم على درجتين احداهما مراقبة المقربين ، وهي مراقبة التعظيم والاجلال ، وهي أن يصير القلب مستغرقا بملاحظة ذلك الجلال ومنكسرا تحت الهيبة فلا يبقى فيه متّسع للالتفات إلى الغير ، وهذا هو الذي صار همّه همّا واحدا وكفاه الله ساير الهموم والثانية مراقبة الورعين من أصحاب اليمين ، وهم قوم غلب يقين اطلاع الله على ظواهرهم وبواطنهم ولكن لم يدهشهم ملاحظة الجمال والجلال بل بقيت قلوبهم على حد الاعتدال متسعة للتلفت(5) إلى الأحوال والأعمال والمراقبة فيها وغلب عليهم الحياء من الله فلا

(1) سورة العلق : آية 14.
(2) سورة النساء : آية 1 .
(3) احياء علوم الدين : ج 4 ص 363 .
(4) المحجة ج 8 ص 159 .
(5) قوله تعالى «تلفتنا عن آلهتنا» اي تصرفنا عنها من قولهم لفت وجهه لفتا صرفه الى ذات اليمين أو الشمال . م .
الحقايق في محاسن الأخلاق307

يقدمون ولا يحجمون(1) إلا بعد التثبت ويمتنعون من كل ما يفتضحون به في القيامة ، فانهم يرون الله مطلعا عليهم فلا يحتاجون إلى انتظار القيامة .
فان العبد لا يخلو اما أن يكون في طاعة أو معصية أو مباح فمراقبته في الطاعة بالاخلاص ، والاكمال ومراعاة الأدب وحراستها عن الآفات ، ومراقبته في المعصية بالتوبة والندم والاقلاع والحياء والاشتغال بالتكفير ، ومراقبته في المباح بمراعاة الأدب بأن يقعد مستقبل القبلة وينام على اليد اليمنى مستقبلا إلى غير ذلك .
فكل ذلك داخل في المراقبة وبشهود المنعم في النعمة وبالشكر عليها وبالصبر على البلاء فان لكل ذلك حدودا لا بد من مراعاتها بدوام المراقبة ومن يتعد حدود الله فقد ظلم نفسه(2) .

الباب الثالث
في التفكر والتدبر

قال الله تعالى : «ويتفكرون في خلق السماوات والارض ربنا ما خلقت هذا باطلا»(3) وقال : «افلا يتدبرون القرآن أم على قلوب أقفالها»(4) وقال النبي (ص) :

(1) اجحم عن الشيء كفت عنه ، مثل أحجم . م .
(2) وحاصل الكلام في المحاسبة والمراقبة : أن يعلم أن العقل بمنزلة تاجر في طريق الآخرة والنفس شريكه فكما ان التاجر يشارط شريكه اولا ؛ ويراقبه ثانيا ، فان قصر في التجارة بالخيانة والخسران يعاتبه ويعاقبه رابعا ويأخذ منه الغرامة كذلك العقل يحتاج في مشاركة النفس الى هذه الاعمال .
فأولها المشارطة وهي ان يشارط النفس وياخذ منها العهد والميثاق في كل يوم وليلة أن لا يرتكب المعاصي ولا يصدر منها شيء يوجب سخط الله ولا يقصر في شيء من الطاعات الواجبة .
وثانيها المراقبة وهو أن يراقب نفسه عند الخوض في الاعمال فيلاحظها بالعين الكالئة : ثم يراقب الله في كل حركة وسكون فانه تعالى كما قيل :
شهيد علينا من رجونا شهوده رقيب علينا من بغونا وفوده
وثالثها المحاسبة وهي أن يطالب النفس ويحاسبها في آخر النهار على جميع حركاتها وسكناتها كما يفعل التجار في آخر كل سنة مع الشركاء .
ورابعها المعاتبة والمعاقبة فانه اذا حاسب نفسه فوجدها خائنة في الاعمال مرتكبة للمعاصي مقصرة في حقوق الله فلا ينبغي ان يهملها بل اللازم حينئذ أن يعاتبها ويعاقبها ويكلفها الطاعات الشاقة ويلزمها الرياضات الشديدة اذ لو اهملها سهل عليه مقارفة المعاصي وانس بها بحيث يعسر بعد ذلك فطامها عنها ، فهذا ملخص الكلام في هذا الباب والمصنف «قد» في المحجة وكذا الغزالي في الاحياء جعلها ستة فجعل الرابعة المعاقبة ، ثم المجاهدة ، ثم المعاتبة ، والله الموفق والمعين .
(3) سورة آل عمران : آية 191 .
(4) سورة محمد : آية 24 .
الحقايق في محاسن الأخلاق308

«تفكر ساعة خير من عبادة سنة»(1) وقال أمير المؤمنين (ع) : «التفكر يدعو إلى البر والعمل به»(2) وقال (ع) : «نبه بالتفكر قلبك وجاف عن الليل جنبك واتق الله ربك»(3) ، وقال الصادق (ع) : «أفضل العبادة إدمان التفكـر فـي الله وفـي قدرتـه»(4) .
ليس المراد بالتفكر في الله التفكر في ذاته سبحانه فانه ممنوع منه لأنه يورث الحيرة والدهش واضطراب العقل ، بل المراد منه النظر إلى أفعاله وعجايب صنعه وبدايع أمره في خلقه فانها تدل على جلاله وكبريائه وتقدّسه وتعاليه ، وتدل على كمال علمه وحكمته وعلى نفاذ مشيّته وقدرته وإحاطته بالأشياء ومعيته لها .
وهذا تفكر اولي الألباب قال الله تعالى : «إن في خلق السموات والأرض واختلاف الليل والنهار لآيات لأولي الألباب ، الذين يذكرون الله قياما وقعودا وعلى جنوبهم ويتفكرون في خلق السموات والأرض ربنا ما خلقت هذا باطلا سبحانك فقنا عذاب النار»(5) وقال تعالى : «ومن آياته»(6) في مواضع كثيرة ، فتلك الآيات مجاري التفكر في الله وفي قدرته لاولي العلم لا ذاته سبحانه .
وفي الحديث المشهور عن النبي (ص) أنه قال : «تفكروا في آلاء الله ولا تفكروا في الله فانكم لم تقدروا قدره»(7) وقال الباقر (ع) : «إياكم والتفكر في الله ولكن إذا أردتم أن تنظروا إلى عظمته فانظروا إلى عظم خلقه»(8) وقال الصادق (ع) : «من نظر في الله كيف هو هلك»(9) .
وأما التفكر الذي يدعو إلى البر والعمل فهو أعم من هذا ، فانه يشمل التفكر في الحسنات والسيئات فان العبد إذا تفكر في حسناته هل هي تامّة أو ناقصة موافقة للسنة أو مخالفة لها خالصة عن الشرك والشك أو مشوبة بهما ، يدعوه لا محالة هذا التفكر إلى إصلاحها وتدارك ما فيها من الخلل .
وكذا إذا تفكر في سيئاته وما يترتّب عليها من العقوبات والبعد عن الله ، يدعوه ذلك إلى الانتهاء عنها وتدارك ما أتى بها بالتوبة والندم .

(1) احياء علوم الدين : ج 4 ص 386 ومصباح الشريعة : ص 114 والعوالي : ج 2 ص 57 .
(2) الكافي : ج 2 ص 55 .
(3) الكافي : ج 2 ص 54 .
(4) الكافي : ج 2 ص 55 .
(5) سورة آل عمران : آية 190 / 191 .
(6) سورة الروم : آية 20 .
(7) تبيه الخواطر : ج 1 ص 250 واحياء علوم الدين : ج 4 ص 386 .
(8) التوحيد : ص 458 .
(9) التوحيد : ص 460 .
الحقايق في محاسن الأخلاق309

وإذا تفكر في صفات الله تعالى وأفعاله من لطفه بعباده وإحسانه اليهم بسوابغ النعماء وبسطه الآلاء والتكليف دون الطاقة والوعد لعمل قليل بثواب جزيل وتسخيره له ما في السماوات والأرض وما بينهما إلى غير ذلك يدعوه ذلك لا محالة إلى البر والعمل به والرغبة في الطاعات والانتهاء عن المعاصي .
وهذا تفكر المتوسّطين وإليه الاشارة بقول الرضا (ع) : «ليس العبادة كثرة الصلاة والصوم إنما العبادة التفكر في امر الله»(1) وسئل الصادق (ع) «عما يروي الناس أن تفكر ساعة خير من قيام ليلة كيف نتفكر ؟ قال : تمر بالخربة مرة أو بالدار فتقول : أين ساكنوك ؟ أين بانوك ؟ ما لك لا تتكلمين»(2) .
وهذا التفكر المفسّر به الحديث النبوي (ص) دون الأولين في الفضل ، ولعل الحديث النبوي أعم منه وإنما فسره الصادق (ع) على قدر مرتبة المخاطب ، فان تفكر كل أحد إنما يكون بحسب فهمه ورتبته ، وقد أوردنا مجاري التفكر بتفاصيلها في كتابنا الموسوم بعلم اليقين من ارادها رجع إليها(3) .

الفصل الأول
الاتعاظ بما مضى من الدنيا

في مصباح الشريعة قال الصادق (ع) : «اعتبروا بما مضى من الدنيا هل يبقى على أحد وهل فيها باق من الشريف والوضيع والغني والفقير والولي والعدوّ ؟ وكذلك ما لم يأت منها بما مضى أشبه من الماء بالماء ، وقال رسول الله (ص) : كفى بالموت واعظا ، وبالعقل دليلا ، وبالتقوى زادا ، وبالعبادة شغلا ، وبالله مونسا ، وبالقرآن بيانا قال (ص) : لم يبق من الدنيا

(1) الكافي : ج 2 ص 55 وتحف العقول ص 325 .
(2) الكافي : ج 2 ص 54 .
(3) ومن مجاري التفكر قول النبي (ص) كما في المحجة والاحياء : ان روح القدس نفث في روعي : أحبب ما «من خ» أحببت فانك مفارقه ، وعش ما شئت فانك ميت ، واعمل ما شئت فانك مجزى به .
فان هذه الكلمات جامعة حكم الاولين والآخرين ، وهي كافية للمتأملين فيها طول العمر ، اذ لو وقفوا على معانيها وغلبت على قلوبهم غلبة يقين لاستغرقتهم ولحالت بينهم وبين التلفت الى الدنيا بالكلية «اقول» :
ومن مجاري التفكر أيضا قول الشاعر :
روزها فكر من اينست همه شب سخنم‍‍‌‏‎ كه جـرا غافل از أحوال دل خويشتنم
‍‍‌‏‎از كجـا آمده ام آمدنم بهـر جه بـود بكجتـا ميـروم آخـر ننمائي وطنـم
مرغ بـاغ ملكوتـم نيـم از عالم خاك دو سه روزي قفسى ساخته اند از بدنم
من بخود نامدم انيجا كه بخود بـازروم آنكه آورد مـرا باز بـرد بر وطنـم

السابق السابق الفهرس التالي التالي