الحقايق في محاسن الأخلاق190

التفرقة على قرب ، ولما اشتركت في الدلالة على نسق واحد أشكل الأمر .
ومثاله نور الشمس المشرق على الأرض فانا نعلم أنه عرض من الاعراض يحدث في الأرض ويزول عند غيبة الشمس فلو كانت الشمس دائمة الاشراق لا غروب لها لكنا نظن أن لا هيئة في الاجسام إلا ألوانها ، فامّا الضوء فلا ندركه وحده ولكن لما غابت الشمس وأظلمت المواضع ادركت تفرقة بين الحالتين فعلمنا أن الأجسام قد استضاءت بضوء فارقها عند الغروب فعرفنا وجود النور بعدمه وما كنا نطلع عليه لولا عدمه إلا بعسر شديد وذلك لمشاهدتنا الأجسام متشابهة غير مختلفة في الظلام والنور .
هذا مع ان النور أظهر المحسوسات اذ به يدرك ساير المحسوسات فما هو ظاهر في نفسه وهو مظهر لغيره انظر كيف استبهم أمره بسبب ظهوره لولا طريان ضدّه .
فاذن الحق سبحانه هو أظهر الأشياء وبه ظهر الأشياء كلها ولو كان له عدم أو غيبة أو تغيّر لانهدت السماوات والأرض وبطل الملك والملكوت ولادركت التفرقة بين الحالتين ولو كان بعض الأشياء موجودا به وبعضا موجودا بغيره لادركت التفرقة بين الشيئين في الدلالة ولكن دلالته عامة في الأشياء على نسق واحد ووجوده دايم في الاحوال يستحيل خلافه فلا جرم اورث شدة الظهور خفاء
خفي لافراط الظهور تعرّضـت لادراكه أبصار قوم أخافش(1)
وحظ عيون الزرق من نور وجهه لشدّته حـظ العيون العوامش(2)

قال أمير المؤمنين (ع) : «لم تحط به الأوهام بل تجلى لها بها وبهـا امتنـع بهـا»(3) وقال (ع) : ظاهر في غيب وغايب في ظهور وقال (ع) : «لا تجنه البطون عن الظهور ولا يقطعه الظهور عن البطون ، قرب فنأى وعلا فدنى ، وظهر فبطن ، ودان ولم يدن»(4) ، أي ظهر وغلب ولم يغلب ، ومن هنا قيل : عرفت الله بجمعه بين الأضداد .

(1) الخفش محركة صغر العين وضعف البصر خلقة او فساد في الجفون بلا وجع وان يبصر بالليل دون النهار في يوم غيم دون صحو ، ق .
(2) العمش محركة ضعف الرؤية مع سيلان الدمع في أكثر الاوقات ق .
(3) نهج البلاغة : ص 269 خطبة 185 .
(4) نهج البلاغة : ص 309 خطبة 195 .
الحقايق في محاسن الأخلاق191

الباب الخامس
في اليقين والتوكل

في اليقين والتوكل ، قال الله تعالى : «وبالآخرة هم يوقنون»(1) وقال النبي (ص) : «من أقل ما اوتيتم اليقين وعزيمة الصبر ومن اوتي حظه منهما لم يبال ما فاته من صيام النهار وقيام الليل»(2) وقال (ص) لما قيل له : «رجل حسن اليقين كثير الذنوب ، ورجل مجتهد في العبادة قليل اليقين فقال (ص) : «ما آدمي إلا وله ذنوب ولكن من كان غريزته العقل وسجيته اليقين لم تضره الذنوب ، لأنه كلما أذنب ذنبا تاب واستغفر وندم فتكفّر ذنوبه ويبقى له فضل يدخل به الجنة»(3) وقال (ص) : «اليقين الايمان كله»(4) .
وفي وصية لقمان لابنه : «يا بني لا يستطاع العمل إلا باليقين ، ولا يعمل المرء إلا بقدر يقينه ، ولا يقصر عامل حتى ينقص يقينه»(5) .
وعن الصادق (ع) قال : «ليس شيء إلا وله حد قيل : فما حد التوكل ؟ قال : اليقين قيل : فما حد اليقين ؟ قال : أن لا يخاف مع الله شيئا»(6) .
وقال (ع) : «من صحة يقين المرء المسلم أن لا يرضي الناس بسخط الله ، ولا يلومهم بما لم يؤته الله ، فان الرزق لا يسوقه حرص حريص ، ولا يردّه كراهيّة كاره ولو أن أحدكم فر من رزقه كما يفر من الموت لأدركه رزقه كما يدركه الموت ثم قال إن الله بعدله وقسطه جعل الروح والراحة في اليقين والرضا ، وجعل الهم والحزن في الشك والسخط»(7) .
أراد (ع) بقوله ولا يلومهم على ما لم يؤته الله أن لا يشكوهم على ترك صلتهم ايّاه بالمال ونحوه ، ومن كان من أهل اليقين عرف أن ذلك كذلك فلا يلوم أحدا بذلك وعرف أن ذلك ممّا اقتضته ذاته بحسب استعداده وما أوجبته حكمة الله في امره .
وعنه (ع) «إن العمل الدايم القليل على اليقين أفضل عند الله تعالى من العمل الكثير

(1) سورة البقرة : آية 4 .
(2) احياء علوم الدين : ج 1 ص 68 .
(3) احياء علوم الدين : ج 1 ص 68 .
(4) احياء علوم الدين : ج 1 ص 68 .
(5) احياء علوم الدين : ج 1 ص 68 .
(6) الكافي : ج 2 ص 57 .
(7) الكافي : ج 2 ص 57 .
الحقايق في محاسن الأخلاق191

على غير يقين»(1) وعنه (ع) قال : كان أمير المؤمنين (ع) يقول : «لا يجد عبد طعم الايمان حتى يعلم أن ما أصابه لم يكن ليخطئه ، وأن مـا أخطأه لـم يكـن ليصيبـه»(2) وأن الضار النافع هو الله تعالى .
وعنه (ع) : «ان امير المؤمنين (ع) جلس إلى حايط مايل يقضي بين الناس فقال بعضهم : لا تقعد تحت هذا الحايط فانه معور فقال أمير المؤمنين (ع) : حرس امرءا أجله ، فلمّا قام سقط الحايط ، قال : وكان أمير المؤمنين (ع) ممّا يفعل هذا وأشباهه ، وهذا اليقين»(3) .
وعنه (ع) قال : كان قنبر غلام عليّ (ع) يحب عليّا حبا شديدا ، فاذا خرج علي (ع) خرج على أثره بالسيف ، فرآه ذات اليلة فقال : «يا قنبر ما لك ؟ قال : جئت لأمش خلفك يا أمير المؤمنين ، قال : ويحك أمن أهل السماء تحرسني أو من أهل الأرض ؟ قال : لا بل من أهل الأرض ، فقال : إن أهل الأرض لا يستطيعون لي شيئا إلا بإذن الله من السماء : فارجع فرجع»(4) .
وقيل للرضا (ع) : «إنّك تتكلم بهذا الكلام والسيف يقطر دما ، فقال : ان لله تعالى واديا من ذهب حماه بأضعف خلقه النمل فلو رامه البخاتي(5) لم تصل إليه»(6) يعني بالسيف سيف السلطان .
وعنه (ع) كان في الكنز الذي قال الله تعالى : «وكان تحته كنز لهما»(7) كان فيه : «بسم الله الرحمن الرحيم عجبت لمن أيقن بالموت كيف يفرح ؟ وعجبت لمن أيقن بالقدر كيف يحزن ؟ وعجبت لمن رأى الدنيا وتقلبها بأهلها كيـف يركـن إليهـا»(8) .

(1) الكافي : ج 2 ص 57 .
(2) الكافي : ج 2 ص 58 .
(3) الكافي : ج 2 ص 58 .
(4) الكافي : ج 2 ص 59 .
(5) البخت نوع من الابل ، والجمع بخاتي غير مصروف لانه جمع الجمع ، قال في مجمع البحرين في شرح الحديث خصها بالذكر لانها أقوى خلق الله من الحيوان .
(6) الكافي : ج 2 ص 59 .
(7) سورة الكهف : الآية 82 .
(8) الكافي : ج 2 ص 59 .
الحقايق في محاسن الأخلاق193

الفصل الأول
عظم شأن اليقين درجاته

اليقين أن يرى الاشياء كلها من مسبب الاسباب ولا يلتفت إلى الوسايط بل يرى الوسايط كلها مسخرة لا حكم لها ، ثم الثقة بضمان الله سبحانه للرزق وأن ما قدر له سيساق إليه ثم أن يغلب على قلبه أن من يعمل مثقال ذرة خيرا يره ومن يعمل مثقال ذرة شرا يره ، ثم المعرفة بأن الله تعالى مطلع عليه في كل حال ومشاهد بهواجس ضميره وخفايا خواطره ، فيكون متأدبا في جميع أحواله وأعماله مع الله سبحانه ، فيكون مبالغته في عمارة باطنه وتطهيره وتزيينه لعين الله الكالئة(1) أشد من مبالغته في تزيين ظاهره لساير الناس .
وفي مصباح الشريعة قال الصادق (ع) : «اليقين يوصل العبـد إلى كـل حـال سني(2) ومقام عجيب ، كذلك أخبر رسول الله (ص) عن عظيم شأن اليقين حين ذكر عنده عيسى بن مريم (ع) كان يمشي على الماء ، فقال لو زاد يقينه لمشى في الهواء .
فدل بهذا أن الأنبياء مع جلالة محلهم من الله كانت تتفاضل على حقيقة اليقين لا غير ولا نهاية لزيادة اليقين على الأبد والمؤمنون أيضا متفاوتون في قوة اليقين وضعفه فمن قوى منهم يقينه فعلامته التبري من الحول والقوة إلا بالله والاستقامة على أمر الله وعبادته ظاهرا وباطنا قد استوت عنده حالة العدم والوجود والزيادة والنقصان والمدح والذم والعز والذل ، لأنه يرى كلها من عين واحدة ، ومن ضعف يقينه تعلّق بالأسباب ورخص لنفسه بذلك واتبع العادات وأقاويل الناس بغير حقيقة والسعي في امور الدنيا وجمعها وإمساكها مقرا باللسان أنه لا مانع ولا معطي إلا الله وأن العبد لا يصيب إلا ما رزق وقسم له ، والجهد لا يزيد في الرزق وينكر ذلك بفعله وقلبه .
قال الله تعالى : «يقولون بأفواههم ما ليس في قلوبهـم والله أعلـم بمـا يكتمـون»(3) وإنما عطف الله لعباده حيث اذن لهم في الكسب والحركات في باب العيش ما لم يتعدوا حدوده ولا يتركوا من فرايضه وسنن نبيّه في جميع حركاتهم ، ولا يعدلوا عن محجة التوكل ، ولا يقفوا في ميدان الحرص وأما إذا أبوا ذلك وارتبطوا بخلاف ما حد لهم كانوا من الهالكين الذين ليس معهم

(1) في الدعاء اللهم اجعلني في كلائتك اي في حفظك وحمايتك .
(2) السنى : الرفيع م .
(3) سورة آل عمران : آية 167 .
الحقايق في محاسن الأخلاق194

في الحاصل إلا الدعاوي الكاذبة .
وكل مكتسب لا يكون متوكلا فلا يستجلب من كسبه إلى نفسه إلا حراما وشبهة ، وعلامته أن يؤثر ما يحصل من كسبه ويجوع وينفق في سبيل الدين ولا يمسك والمأذون بالكسب من كان بنفسه مكتسبا وبقلبه متوكلا ، وإن كثر المال عنده قام فيه كالأمين عالما بأن كون ذلك وفوته سواء وإن أمسك أمسك لله وإن أنفق أنفق فيما أمره الله عز وجل ويكون منعه وعطاؤه في الله»(1) .

الفصل الثاني
التوكل باب الرزق والرحمة

التوكل منزل من منازل الدين ، ومقام من مقامات الموقنين ، بل هو من معالي درجات المقربين ، وهو في نفسه غامض من حيث العلم ، ثم هو شاق من حيث العمل ووجه غموضه من حيث العلم أن ملاحظة الاسباب والاعتماد عليها شرك في التوحيد والتباعد بالكلية طعن في السنة وقدح في الشرع ، والاعتماد على الاسباب انغماس في غمرة الجهل .
قال الله تعالى : «وعلى الله فتوكلوا إن كنتم مؤمنين»(2) وقال : «وعلى الله فليتوكل المتوكلون»(3) «ومن يتوكل على الله فهو حسبه»(4) وقال : «إن الله يحب المتوكلين»(5) فأعظم بمقام موسوم بمحبة الله صاحبه ومضمون بكفاية الله لابسه ، فان المحبوب لا يعذب ولا يبعد ولا يحجب .
وقد قال الله تعالى : «أليس الله بكاف عبده»(6) فطالب الكفاية من غيره هو التارك للتوكل وهو المكذب بهذه الآية .
وقال رسول الله (ص) : «لو أنكم تتوكلون على الله حق توكله لرزقتم كما يرزق الطير تغدو خماصا(7) وتروح بطانا(8)»(9) وقال : «من انقطع إلى الله كفاه الله كل مؤونة ورزقه من حيث لا

(1) مصباح الشريعة : ص 177 .
(2) سورة المائدة : آية 23 .
(3) سورة إبراهيم : آية 12 .
(4) سورة الطلاق : آية 3 .
(5) سورة آل عمران : آية 159 .
(6) سورة الزمر : آية 36 .
(7) خمص : جاع والجمع خماص .
(8) البطنة بالكسر الامتلاء الشديد . م .
(9) تنبيه الخواطر ج 1 ص 222 اخرجه الترمذي ج 9 ص 207 واحياء علوم الدين : ج 4 ص 226 .
الحقايق في محاسن الأخلاق195

يحتسب ، ومن انقطع إلى الدنيا وكله الله إليها»(1) وقال : «من سره أن يكون أغنى الناس فليكن بما عند الله أوثق منه ممّا في يده .
وعن الصادق (ع) أوحى الله تعالى إلى داود (ع) «ما اعتصم بي عبد من عبادي دون أحد من خلقي عرفت ذلك من نيته ثم تكيده السماوات والأرض ومن فيهن إلا جعلت له المخرج من بينهن ، وما اعتصم عبد من عبادي بأحد من خلقي عرفت ذلك من نيته إلا قطعت أسباب السماوات وأسخت(2) الأرض من تحته ولم ابال بأي واد هلك»(3) .
وعنه (ع) : «إن الغنى والعز يجولان ، فاذا ظفرا بموضع التوكل أوطنا»(4) .
وعنه (ع) : «إنه قرأ في بعض الكتب أن الله تعالى يقول : وعزتي وجلالي ومجدي وارتفاعي على عرشي لاقطعن أمل كل مؤمّل غيري باليأس ، ولأكسونه ثوب المذلة عند الناس ولأنحينه من قربي ، ولابعدنه من وصلي أيؤمل غيري في الشدايد والشدايد بيدي ويرجو غيري ويقرع بالفكر باب غيري وبيدي مفاتيح الابواب وهي مغلقة وبابي مفتوح لمن دعاني .
فمن ذا الذي أملني لنوائبه فقطعته دونها ، ومن الذي رجاني لعزيمة فقطعت رجاءه مني جعلت آمال عبادي عندي محفوظة فلم يرضوا بحفظي وملأت سماواتي ممّن لا يمل من تسبيحي ، وأمرتهم أن يغلقوا الابواب بيني وبين عبادي فلم يثقوا بقولي .
ألم يعلم من طرقته نائبة من نوائبي أنه لا يملك كشفها أحد غيري ، أفيراني أبدأ بالعطاء قبل المسألة ثم اسأل فلا اجيب سائلي أبخيل أنا فيبخلني عبدي ، أوليس الجود والكرم لي ، أوليس العفو والرحمة بيدي ، أوليس انا محل الآمال فمن يقطعها دوني ، افلا يخشى المؤمّلون ان يؤملوا غيري .
فلو أن أهل سماواتي وأهل أرضي أملوا جميعا ثم اعطيت كل واحد منهم مثل ما امل الجميع ما انتقص من ملكي مثل عضو ذرّة وكيف ينقص ملك أنا قيّمه فيا بؤسا للقانطين من رحمتي ، ويا بؤسا لمن عصاني ولم يراقبني»(5) .

(1) تنبيه الخواطر ج 1 ص 222 واحياء علوم الدين ج 4 ص 226 .
(2) ساخت الارض بهم أي خسفت . ق .
(3) الكافي ج 2 ص 63 .
(4) الكافي ج 2 ص 65 .
(5) الكافي ج 2 ص 66 .
الحقايق في محاسن الأخلاق196

الفصل الثالث
التوكل يبنى بقوة القلب واليقين

اعلم أنه من اعتقد اعتقادا جازما بأنه لا فاعل إلا الله وأنه لا حول ولا قوة إلا بالله وأن له تمام العلم والقدرة على كفاية العباد ، ثم تمام العطف والعناية والرحمة بجملة العباد والآحاد ، وأنه ليس وراء منتهى قدرته قدرة ، ولا وراء منتهى علمه علم ولا وراء منتهى عنايته عناية ، اتكل لا محالة قلبه على الله وحده ، ولم يلتفت إلى غيره بوجهه ولا إلى نفسه .
ومن لم يجد ذلك من نفسه فسببه أحد أمرين إما ضعف اليقين ، وإما ضعف القلب ومرضه باستيلاء الجبن عليه وانزعاجه بسبب الاوهام الغالبة عليه ؛ فان القلب قد ينزعج تبعا للوهم وطاعة له من غير نقصان في اليقين كانزعاجه أن يبيت مع ميت في قبر أو فراش مع عدم نفرته عن ساير الجمادات .
فالتوكل لا يتم إلا بقوة القلب وقوة اليقين جميعا إذ بهما يحصل سكون القلب وطمأنينته ، فالسكون في القلب شيء واليقين شيء آخر فكم من يقين لا طمأنينة معه كما قال تعالى لخليله : «أولم تؤمن قال : بلى ولكن ليطمئن قلبي»(1) .
وكم من مطمئن لا يقين له كساير أرباب الملل والمذاهب ، فان اليهودي مطمئن القلب إلى تهوده ، وكذا النصراني ولا يقين لهما اصلا وإنما يتبعون الظن وما تهوى الأنفس ولقد جاءهم من ربهم الهدى وهو سبب اليقين إلا أنهم معرضون عنه .
وعن الكاظم (ع) : «في قول الله عز وجل : «ومن يتوكل على الله فهو حسبه»(2) قال للتوكل على الله درجات : منها أن تتوكل على الله في امورك كلها فما فعل بك كنت عنه راضيا ، تعلم أنه لا يألوك(3) خيرا وفضلا ، وتعلم أن الحكمة في ذلك له فتوكل على الله بتفويض ذلك عليه وثق به فيها وفي غيرها»(4) .
ولعل ساير درجات التوكل على الله في بعض اموره دون بعض وتعددها بسبب كثرة الامور المتوكل فيها وقلتها .

(1) سورة البقرة : الآية 260 .
(2) سورة الطلاق : آية 3 .
(3) في القاموس ألى وائتلى : قصر وأبطأ وتكبر وفي مجمع البحرين في معنى قوله تعالى : « لا يألونكم خبالا » قال : أي لا يقصرون لكم في الفساد .
(4) الكافي : ج 2 ص 65 .
الحقايق في محاسن الأخلاق197

الفصل الرابع
تحصيل الأسباب لا ينافي التوكل

اعلم أن من الناس من يظن أن معنى التوكل ترك الكسب بالبدن وترك التدبير بالقلب والسقوط على الأرض كالخرقة الملقاة واللحم على الوضم(1) وهذا ظن الجهّال فان ذلك حرام في الشرع ، فان الانسان مكلّف بطلب الرزق بالاسباب التي هداه الله إليها من زراعة أو تجارة أو صناعة أو غير ذلك ممّا أحلّه الله .
وكما أن الصلاة والصيام والحج عبادات كلّف الله بها عبادة يتقرّبون بها إليه ، كذلك طلب الرزق الحلال عبادة كلّفهم الله به ليتقربوا به إليه ، بل هو أفضل العبادات كما مرّ بيانه في الباب الأول من المقالة الثالثة ولكنه سبحانه كلّفهم أيضا بأن لا يثقوا الا به جل وعز ، ولا يثقوا بالأسباب كما أنه سبحانه كلفهم بأن لا يتكلوا على أعمالهم الحسنة بل بفضل الله تعالى .
فمعنى التوكل المأمور به في الشرع الأقدس هو اعتماد القلب على الله تعالى في الامور كلها وانقطاعه عمّا سواه ، ولا ينافيه تحصيل الأسباب إذا لم يكن يسكن إليها وكان سكونه إلى الله تعالى دونها مجوزا أن يؤتيه الله مطلوبه من حيث لا يحتسب دون هذه الاسباب التي حصلها وان يقطع الله هذه الأسباب عن مسبباتها .
سواء كانت لجلب نفع متوقع ، أو لدفع ضرر منتظر ، أو لازالة آفة واقعة ، وسواء كانت مقطوعا بها كمد اليد الى الطعام ليصل إلى فيه ، أو مظنونة كحمل الزاد للسفر ، وأخذ السلاح للعدو واتخاذ البضاعة للتجارة ، والادخار لتجدد الاضطرار والتداوي لإزالة المرض ، والتحرز عن النوم في مكمن(2) السباع ومجرى (ممر خ) السيل وتحت الحايط المايل ، وغلق الباب وعقل البعير ونحو ذلك .
أما الموهومة كالرقية والطيرة والاستقصاء في دقايق التدبير فيبطل بها التوكل لأن أمثال ذلك ليست بأسباب عند العقلاء الألباء ، وليست ممّا أمر الله بها بل ورد النهي عنها ، على أن المأمور به : الاجمال في الطلب وعدم الاستقصاء وترك الاستبطاء .

(1) الوضم محركة ما وقيت به اللحم عن الارض من خشب وحصير ، وتركهم لحما على وضم أوقعهم فذللهم وأوجعهم ق .
(2) كمن كمونا : استخفى .
الحقايق في محاسن الأخلاق198

قال النبي (ص) : «ألا إن الروح الأمين نفث في روعي أنه لا تموت نفس حتى تستكمل لذتها ، فاتقوا الله عز وجل وأجملوا في الطلب»(1) وقال : «ما أجمل في الطلب من ركب البحر»(2) .
وقال الصادق (ع) : «ليكن طلبك المعيشة فوق كسب المضيع ودون طلب الحريص الراضي بدنياه المطمئن إليها ، ولكن أنزل نفسك من ذلك بمنزلة المنصف المتعفف ترفع نفسك عن منزلة الواهن الضعيف ، وتكتسب ما لا بد منه إن الذين اعطوا المال ثم لم يشكروا لا مال لهم»(3) ، وقال : «إذا فتحت بابك وبسطت بساطك ، فقد قضيت ما عليك» .
وإنما لا يبطل التوكل بالأسباب المقطوعة والمظنونة مع أن الله تعالى قادر على اعطاء المطلوب بدون ذلك «لأن الله سبحانه أبـى أن يجـري الأشيـاء إلا بالاسبـاب»(4) .
وأحب الله لعباده أن يطلبوا منه مقاصدهم بالاسباب التي سببها لذلك وامرهم بذلك قال الله تعالى : «خذوا حذركم»(5) وقال في كيفية صلاة الخوف : «وليأخذوا حذرهم وأسلحتهم»(6) وقال : «وأعدّوا لهم ما استطعتم من قوّة ومن رباط الخيل»(7) وقال لموسى : «فأسر بعبادي ليلا»(8) والتحصن بالليل اختفاء عن أعين الاعداء دفعا للضرر»(9) .
وقال النبي (ص) : «للأعرابي لما أهمل البعير وقال توكلت على الله : اعقلها وتوكل»(10) إلى غير ذلك .
روي ان زاهدا من الزهاد فارق الامصار وأقام في صفح جبل وقال لا أسأل أحدا شيئا حتى يأتيني ربّي برزقي ، فقعد سبعا كاد يموت ولم يأته رزق ، فقال : يا رب إن أحييتني فأتني برزقي الذي قسمت لي ، وإلا فاقبضني إليك ، فاوحى الله إليه : وعزتي وجلالي لا أرزقك

(1) تنبيه الخواطر : ج 1 ص 163 واحياء علوم الدين : ج 3 ص 224 .
(2) من لا يحضره الفقيه : ج 1 ص 293 .
(3) عن كتاب التمحيص كما عن البحار : ج 100 ص 36 .
(4) الكافي : ج 1 ص 183 .
(5) سورة النساء : آية 102 .
(6) سورة النساء : آية 102 .
(7) سورة الانفال : آية 60 .
(8) سورة الدخان : آية 23 .
(9) احياء علوم الدين : ج 4 ص 257 .
(10) احياء علوم الدين : ج 4 ص 257 .
الحقايق في محاسن الأخلاق199

حتى تدخل الامصار وتقعد بين الناس ، فدخل المصر وأقام فجاء هذا بطعام وهذا بشراب فأكل وشرب وأوجس في نفسه خيفة ذلك فأوحى الله إليه أردت أن تذهب حكمتي بزهدك في الدنيا ، أما علمت أني إن أرزق عبدي بأيدي عبادي أحب إلي من أن أرزقه بيد قدرتي .
وفي الاسرائيليات ان موسى (ع) «اعتلّ بعلة فدخل عليه بنو اسرائيل فعرفوا علته فقالوا له : لو تداويت بكذا لبرأت ، فقال : لا أتداوى حتى يعافيني الله من غير دواء ، فطالت علته فأوحى الله إليه وعزّتي وجلالي لا أبرأتك حتى تتداوى بما ذكروه لك ، فقال لهم : داووني بما ذكرتم ، فداووه فبرأ ، فأوجس في نفسه من ذلك ، فأوحى الله إليه أردت أن تبطل حكمتي بتوكلك عليّ فمن أودع العقاقير منافع الاشياء غيري ؟»(1) .
ومن الناس من يزعم أن حق التوكل أن يكتفي بالاسباب الخفيّة عن الاسباب الجلية ، كأن يسافر بالبوادي التي لا يطرقها الناس بغير زاد بعد أن راض(2) نفسه على الجوع الاسبوع فما يقاربه بحيث يصبر عنه من غير ضيق قلب وتشوش خاطر وتعذر في ذكر الله ، وأن يكون بحيث يقوى على التقوت بالحشيش وما يتفق له ، وأن يوطن نفسه على أنه إن مات جوعا كان خيرا له في الآخرة أو يقعد في بيته أو في مسجد ويتفرغ بترك الكسب لفكر أو ذكر وإخلاص واستغراق وقت بالعبادة بحيث لا يستشرف نفسه إلى الناس في انتظار من يدخل فيحمل إليه شيئا بل يكون قوي القلب في الصبر والاتكال على الله .
وهذا خطأ لأن من جاهد نفسه وسواها بحيث يصبر على الجوع والاسبوع ويمكنه التقوت بالحشيش صارت الاسباب له جلية فان عدم الحاجة أحد الغنائين .
ثم إن كان اعتماده حينئذ على صبره وتمكنه من التقوت بالحشيش فاين التوكل وإن كان إنما يثق بالله وحده فليقم في بلده مع الاسباب الجلية وليثق بالله دون الاسباب كما أمر الله به الزاهد الذي مرّت قصّته .
وأما توطين نفسه باختياره على الموت جوعا فممنوع شرعا قال الله عز وجل : «ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة»(3) .

(1) احياء علوم الدين : ج 4 ص 262 ـ 263 .
(2) من الرياضة رضت الدابة ذللتها ، ورياضة النفس مأخوذة من رياضة البهيمة وهي منعها عن الاقدام على حركات غير صالحة لصاحبها .
(3) سورة البقرة : آية 195 .

السابق السابق الفهرس التالي التالي