الحقايق في محاسن الأخلاق200

وأما القاعد في بيته يعبد ربه من غير كسب فهو أيضا قد ترك اتباع أمر الله تعالى بالطلب قال الصادق (ع) : «إن من يقوته أشد عبادة منه»(1) وربما يكون مثله كلا على الناس ، وان حاله ينادي بالبؤس والبأس ، وهو ضرب على بواطن الناس ، وتعرض للذل إلا إذا خرج من بين الناس ، فيرجع إلى الأول من تغريره بالنفس وتعرّضه للهلاك .
وليت شعري أي مدخل في خفاء الأسباب وجلائها في التوكل بعدما تقرر ان معناه الثقة بالله وحده لا بالأسباب فسواء وجود الأسباب وفقدها ، جلاؤها وخفاؤها .
نعم يتفاوت درجات الناس فيه بحسب تفاوت مراتبهم في قوة اليقين وضعفه وفي قصر الأمل وطوله ، وفي مقدار الادّخال بحسب الأمل وللمنفرد والمعيل فمنهم من هو من المقربين ومنهم من هو من أصحاب اليمين ومنهم من لا توكل له أصلا ، وذلك بحسب عدم الوثوق بالاسباب أصلا وقلته وكثرته ومن كمل ايمانه سقط وثوقه بالاسباب بالكلية فيرزقه الله من حيث لا يحتسب كسب أم لم يكتسب إلا أنه لا يتبع الكسب بل يتبع أمر الله فيه وليس وثوقه إلا بالله وحده دون كسبه .
قال الصادق (ع) : «أبى الله جل وعز أن يجعل أرزاق المؤمنين إلا من حيث لا يحتسبون»(2) .
وإنما خصه بالمؤمنين لان كمال الايمان يقتضي أن لا يثق صاحبه بالاسباب وأن يتوكل على الله جل وعز وحده وكمال الايمان إنما يكون لصاحب العلم المكنون من الانبياء والاولياء ، وذلك فضل الله يؤتيه من يشاء .
قال السجاد (ع) : «رأيت الخير كله في قطع الطمع عما في أيدي الناس»(3) ومن لم يرج الناس في شيء ورد أمره إلى الله تعالى في جميع اموره استجاب الله تعالى له في كل شيء .
وقال الباقر (ع) : «بئس البعد عبد له طمع يقوده ، وبئس العبد عبد له رغبة تذله»(4) .

(1) الكافي : ج 5 ص 78 وفيه «للذي يقوته أشد عبادة منه» .
(2) عن كتاب التمحيص كما عن البحار ج 100 ص 35 وعن مكارم الاخلاق : ص 270 .
(3) الكافي : ج 2 ص 320 .
(4) الكافي : ج 2 ص 320 .
الحقايق في محاسن الأخلاق201

وقال الصادق (ع) : «شرف المؤمن قيام الليل ، وعـزّه استغنـاؤه عـن النـاس»(1) .
الباب السادس
في الصدق واداء الأمانة

في الصدق وأداء الامانة(2) ، وأدنى الصدق الصدق في القول في كل حال وكماله بترك المعاريض(3) من غير ضرورة حذرا عن تفهيم الخلاف وكسب القلب صورة كاذبة ورعايته مع الله تعالى ، فمن قال : وجهت وجهي لله وفي قلبه سواه ، أو إياك نعبد وهو يعبد الدنيا فهو كاذب .
ثم في النية بتمحيضها لله تعالى فالشوب(4) يفوته يقال صادق الحلاوة أي محضها فالصادق في النية لا بد أن يكون مخلصا .
ثم في العزم وهو الجزم القوي على الخير فان الانسان قد يقدم العزم على العمل فيقول في نفسه : إن رزقني الله ما لا تصدقت بجميعه أو شطره ، وإذا لقيت عدوا في سبيل الله قاتلته ولم ابال وان قتلت ، وقد يكون في عزمه نوع ميل وتردد وضعف يضاد الصدق في العزيمة .
ثم في الوفاء بالعزم ، فالنفس قد تسخو بالعزم في الحال إذ لا مشقة في الوعد فإذا حقت الحقايق وحصل التمكن وهاجت الشهوات انحلت العزيمة ، وهذا يضاد الصدق فيه ولذلك قال الله سبحانه : «رجال صدقوا ما عاهدوا الله عليه»(5) .
ثم في الأعمال وهو أن يجتهد حتى لا تدل أعماله الظاهرة على أمر في باطنه لا يتصف هو

(1) الكافي : ج 3 ص 488 وفيه «شرف المؤمن صلاته بالليل وعز المؤمن كفه عن اعراض الناس» .
(2) قال المصنف (قده) في محجة البيضاء . اعلم أن لفظ الصدق يستعمل في ستة معان صدق في القول ، وصدق في النية والارادة ، وصدق في العزم ، وصدق في الوفاء بالعزم ، وصدق في العمل ، وصدق في تحقيق مقامات الدين كلها فمن اتصف بالصدق في جميع ذلك فهو صديق لانه مبالغة من الصدق ، ثم هم أيضا على درجات ومن كان له حظ من الصدق في شيء من الجملة فهو صادق بالاضافة إلى ما فيه صدقه الى آخر ما قال .
(3) المعارض في الكلام : التورية بالشيء عن الشيء ومنه المثل : ان في المعاريض لمندوحة عن الكذب .
(4) الشوب بالفتح الخلط ومنه الحديث : يا معشر التجار شوبوا أموالكم بالصدقة كفر عنكم ذنوبكم م .
(5) سورة الأحزاب : آية 23 .
الحقايق في محاسن الأخلاق202

به لا بان يترك العمل ولكن بان يستجر الباطن الى تصديق الظاهر .
وهذا غير الرياء ، لأن المرائي هو الذي يقصد ذلك لأجل الخلق ورب واقف على هيئة الخشوع في صلاته ليس يقصد به مشاهدة غيره ولكن قلبه غافل عن الصلاة فمن نظر إليه رآه قائما بين يدي الله عز وجل وهو بالباطن قائم بالسوق بين يدي شهوة من شهواته ، وكذلك قد يمشي على هيئة السكون والوقار وليس باطنه موصوفا بذلك فهذا غير صادق في عمله وإن لم يكن ملتفتا إلى الخلق ولا مرائيا ولا ينجو من هذا إلا باستواء السريرة والعلانية ، بأن يكون باطنه مثل ظاهره أو خيرا من ظاهره .
وهذا كما قال أمير المؤمنين (ع) : «اني والله ما احثكم على طاعة الا وأسبقكم إليها ، ولا أنهاكم عن معصية إلا وأتناهى قبلكم عنها»(1) .
ثم في مقامات الدين وهو أعلى الدرجات وأعزها كالصدق والخوف والرجاء والتعظيم والزهد والحب والتوكل وساير المكارم فان هذه الامور لها مبادئ ينطلق الاسم بظهورها ، ثم لها غايات وحقايق والصادق المحقّق من نال حقيقتها .
قال الله تعالى : «إنما المؤمنون الذين آمنوا بالله ورسوله ثم لم يرتابوا»(2) إلى قوله : «اولئك هم الصادقون»(3) وقال عز وجل : «ولكن البر من آمن بالله واليوم الآخر»(4) ثم قال : «والصابرين في البأساء والضراء»(5) إلى قوله : «اولئك الذين صدقوا»(6) .
(وسئل أبو ذر رضي الله عنه عن الايمان فقرأ هذه الآية فقيل له سألناك عن الايمان فقال : سألت رسول الله (ص) عن الايمان فقرأ هذه الآية)(7) .
ولنضرب للخوف مثلا فما من عبد يؤمن بالله إلا وهو خائف من الله خوفا ينطلق عليه الاسم ولكنه خوف غير صادق أي غير بالغ درجة الحقيقة ، أما تراه إذا خاف سلطانا أو قاطع

(1) غرر الحكم ودرر الكلم : ج 1 ص 258 ط الأعلمي .
(2) سورة الحجرات : آية 15 .
(3) سورة الحجرات : آية 15 .
(4) سورة البقرة : آية 177 .
(5) سورة البقرة : آية 177 .
(6) سورة البقرة : آية 177 .
(7) إحياء علوم الدين : ج 4 ص 358 .
الحقايق في محاسن الأخلاق203

طريق في سفره كيف يصفر لونه ويرتعد فرايصه(1) ويتنغص عليه عيشه ويتعذر عليه اكله ونومه وينقسم عليه فكره حتى لا ينتفع عليه أهله وولده ، وقد ينزعج عن الوطن فيستبدل بالأنس الوحشة وبالراحة التعب والمشقة والتعرض للاخطار كل ذلك خوفا من درك المحذور ثم إنّه لا يخاف النار ولا يظهر عليه شيء من ذلك عند جريان معصية عليه .
ولذلك قال النبي (ص) «لم أر مثل النار نام هاربها ولم أر مثل الجنة نام طالبها»(2) والتحقيق لهذه الأمور عزيز جدا ولكن لكل عبد منها حظ بحسب حاله إمّا ضعيف وإما قوي .
ثم درجات الصدق لا نهاية لها ، وقد يكون للعبد صدق في بعض الامور دون بعض فان كان صادقا في الجميع فهو الصديق حقا .

الفصل الاول
الصدق صدق القلب واللسان

في مصباح الشريعة قال الصادق (ع) : «إذا أردت أن تعلم أصادق أنت أم كاذب فانظر في قصد (صدق خ) معناك وغور(3) دعواك ، وعيّرها بقسطاس من الله عز وجل كأنّك في القيامة قال الله عز وجل : «الوزن يومئذ الحق»(4) فاذا اعتدل معناك بدعواك ثبت لك الصدق وأدنى حد الصدق أن لا يخالف اللسان القلب ولا القلب اللسان ، ومثل الصادق الموصوف بما ذكرنا كمثل النازع روحه ان لم ينزع فما يصنع»(5) .
وعنه (ع) «إن الصادق أول من يصدقه الله تعالى يعلم أنه صادق فيصدّقه نفسه تعلم انه صادق»(6) .
وعنه (ع) قال : «إن العبد ليصدق حتى يكتب عند الله من الصادقين ، ويكذب حتى يكتب عند الله من الكاذبين ، فاذا صدق قال الله تعالى صدق وبر ، وإذا كذب قال الله تعالى

(1) الفريصة اللحمة بين الجنب والكتف او بين الثدي والكتف ترعد عند النزع يقال : ارتعدت فريصته اي فزع فزعا شديدا . المنجد .
(2) احياء علوم الدين : ج 4 ص 358 .
(3) غار الرجل غورا : اتى الغور وهو المنخفض من الأرض وفي الحديث : بالعقل يستخرج غور الحكمة ، وبالحكمة يستخرج غور العقل . م .
(4) سورة الأعراف : آية 8 .
(5) مصباح الشريعة ص 35 .
(6) الكافي ج 2 ص 104 .
الحقايق في محاسن الأخلاق204

كذب وفجر»(1) وفي رواية «ليصدق حتى يكتبه الله صديقا» .
وعنه (ع) قال «كونوا دعاة الناس بالخير بغير ألسنتكم ليروا منكم الاجتهاد والصدق والورع»(2) .
وقال لبعض أصحابه (انظر ما بلغ عليّ (ع) عند رسول الله (ص) فألزم ، فان عليا إنما بلغ عند رسول الله (ص) بصدق الحديث وأداء الأمانة»(3) .
وقال (ع) : «لا تنظروا إلى طول ركوع الرجل وسجوده فان ذلك شيء اعتاده ولو ترك لاستوحش لذلك ، ولكن انظروا إلى صدق حديثه وأداء امانته»(4) .
وقال (ع) : «إن الله تعالى لم يبعث نبيّا إلا بصدق الحديث وأداء الامانة إلى البر والفاجر»(5) وعن النبي (ص) : «أداء الأمانة يجلب الـرزق والخيـانة تجلب الفقـر»(6) .
وعن أمير المؤمنين (ع) «أدوا الأمانات ولو إلى قاتل ولد الأنبياء»(7) وعن الصادق (ع) «من ائتمنك بأمانة فأدّها إليه ، ومن خانك فلا تخنه(8)»(9) .

(1) الكافي ج 2 ص 105 .
(2) الكافي ج 2 ص 105 .
(3) الكافي ج 2 ص 104 .
(4) الكافي ج 2 ص 105 .
(5) الكافي ج 2 ص 104 .
(6) قرب الاسناد : ص 55 .
(7) تحف العقول ص 155 .
(8) وقال أمير المؤمنين (ع) كما في سفينة البحار لكميل : يا كميل اقسم لسمعت رسول الله (ص) يقول لي قبل وفاته بساعة مرارا ثلاثة : يا ابا الحسن أد الأمانة إلى البر والفاجر فيما قل وجل حتى في الخيط والمخيط .
وقال أبو عبد الله (ع) كما في الوسائل : ثلاث لم يجعل الله لاحد فيهن رخصة على رواية أو ثلاث لا عذر لاحد فيها على رواية اخرى : أداء الامانة الى البر والفاجر ، والوفاء بالعهد للبر والفاجر ، وبر الوالدين برين كانا أو فاجرين .
وأورد المصنف (قده) هذه الرواية بعينها على الاولى في الوافي في باب البر بالوالدين عن أبي جعفر (ع) وأوردها في باب الصدق واداء الامانة على الرواية الثانية عن أبي عبد الله (ع) الا انه قال : والوفاء بالعهد الى البر الخ .
(9) من لا يحضره الفقيه : ج 3 ص 114 .
الحقايق في محاسن الأخلاق205

المقالة الخامسة

في العبادات واسرارها وفيها سبعة أبواب .

الباب الاول
في النية والاخلاص

في النية والاخلاص ، قال النبي (ص) : «إنما الأعمال بالنيات وإنما لكل أمرء ما نوى ، فمن كانت هجرته إلى الله ورسوله فهجرته إلى الله ورسوله ، ومن كانت هجرته إلى دنيا يصيبها أو امرأة يتزوّجها فهجرته إلى ما هاجر إليه»(1) .
وإنما قال ذلك حين قال له بعض الصحابة إن بعض المهاجرين إلى الجهاد ليست نيته من تلك الهجرة إلا أخذ الغنايم من الأموال والسبايا ، أو نيل الصيت عند الاستيلاء فبين (ص) أن كل أحد ينال في عمله ما يبغيه ويصل إلى ما ينويه كائنا ما كان دنيويا أو اخرويّا .
وهذا الخبر مما يعده أصحاب الحديث من المتواترات ، وهو أول ما يعلمونه أولادهم ويقولون : إنه نصف العلم .
واعلم أنه لا يحسب من عبادة الله ولا يعد من طاعته بحيث يتربت عليه الاجر في الآخرة إلا ما يراد به التقرب إلى الله تعالى والدار الآخرة أعني به وجه الله تعالى أو التوصل إلى ثوابه أو الخلاص من عقابه ، وبالجملة امتثال أمر الله تعالى فيما ندب عباده إليه بقوله عز وجل : «ادعوه خوفا وطمعا»(2) وقوله : «ويدعوننا رغبا ورهبا»(3) .

(1) احياء علوم الدين : ج 4 ص 332 والعوالي : ج 1 ص 81 .
(2) سورة الاعراف : آية 56 .
(3) سورة الانبياء : آية 9 .
الحقايق في محاسن الأخلاق206

وكل ما وعد به الجنة واوعد عليه النار في الآيات التي لا تحصى فرغب ورهب ووعد وأوعد وانما يثيبهم على حسب أقدارهم ومنازلهم ونيّاتهم فمن عرف الله بجماله وجلاله ولطف فعاله وأحبه واشتاق إليه وأخلص عبادته لله لكونه أهلا للعبادة ولمحبة له ، أحبّه الله وأخلصه واجتباه وقربه إلى نفسه وأدناه قربا معنويا ودنوّا روحانيا ، كما قال في حق بعض من هذه صفته : «وإن لـه عندنـا لزلفـى(1) وحسـن مـآب»(2) .
قال أمير المؤمنين وسيد الموحّدين (ع) : «الهي ما عبدتك خوفا من نارك ولا طمعا في جنتك ، لكن وجدتك أهلا للعبادة فعبدتك»(3) .
ومن لم يعرف من الله سوى كونه إلها صانعا للعالم قادرا ، قاهرا عالما وأن له جنة ينعم بها المطيعين ونارا يعذب بها العاصين ، فعبده ليفوز بجنّته أو يكون له النجاة من ناره ، أدخله بعبادته وطاعته الجنة ، وأنجاه من النار لا محالة كما أخبر عنه في غير موضع من كتابه ، فانما لكل امرئ ما نوى .
فلا تصغ إلى قول من ذهب إلى بطلان العبادة إذا قصد بفعلها تحصيل الثواب والخلاص من العقاب زعما منه أن هذا القصد مناف للاخلاص الذي هو ارادة وجه الله سبحانه وأن من قصد ذلك فانما قصد جلب النفع إلى نفسه ودفع الضرر عنها لا وجه الله .
فان هذا قول من لا معرفة له بحقايق التكاليف ومراتب الناس فيها ، بل ولا معرفة له بمعنى النية وحقيقتها وأنها عبارة عن انبعاث النفس وميلها وتوجهها إلى ما فيه غرضها ومطلبها إما عاجلا وإما آجلا ، لا مجرد قول الناوي عند العبادة : أفعل كذا قربة إلى الله ، وتصور معنى هذا القول بخاطره وملاحظته بقلبه ، وإن لم يكن لنفسه انبعاث إلى التقرب .
هيهات إنما هذا تحريك لسان وحديث نفس ، وما ذلك إلا كقول الشبعان : أشتهي هذا الطعام قاصدا حصول الاشتهاء . وهذا الانبعاث إذا لم يكن حاصلا لها لا يمكنها اختراعه واكتسابه بمجرد القول والتصور .
وأكثر الناس يتعذّر منهم العبادة ابتغاء وجه الله والتقرب إليه ، لأنهم لا يعرفون من الله

(1) الزلفة والزلفى : القربى والمنزلة م .
(2) سورة ص : آية 40 .
(3) العوالي : ج 1 ص 404 ح 63 .
الحقايق في محاسن الأخلاق207

سبحانه إلا المرجو والمخوف ، فغايتهم أن يتذكروا النار ويحذروا أنفسهم عقابها ، ويتذكروا الجنة ويرغبوا أنفسهم ثوابها ، وخصوصا من كان الغالب على قلبه الميل إلى الدنيا ، فانه قلّما ينبعث له داعية إلى فعل الخيرات لينال بها ثواب الآخرة فضلا عن عبادته على نية إجلال الله عز وجل لاستحقاقه الطاعة والعبودية فانه قل من يفهمها فضلا عمن يتعاطاها ، فلو كلف بها لكان تكليفا بما لا يطاق .
وليس معنى الاخلاص في العبادة الا أن لا تكون مشوبة بشوايب الدنيا والحظوظ العاجلة للنفس ، كمدح الناس والخلاص من النفقة بعتق العبد ونحو ذلك كما يأتي بيانه وظاهر أنه لا ينافيه إرادة الجنة والخلاص من النار مما وعد في الآخرة وإن كان من جنس المألوف في الدنيا ، ولو كان مثل هذه النيات مفسدا للعبادات لكان الترغيب والترهيب والوعد والوعيد عبثا بل مخلا بالمقصود .
ثم ليت شعري كيف يمكن للعبد الضعيف المهين الذليل الذي لا يملك لنفسه نفعا ولا ضرا ولا موتا ولا حياة ولا نشورا أن يستغني عن جلب النفع من مولا لنفسه أو دفع الضرر عنها ومن امعن حق الامعان فلا يجد أكثرالقائلين ببطلان العبادة باحدى النيتين إلا ونياتهم الصحيحة في عباداتهم ترجع إلى إحداهما وهم لا يشعرون .
وعن الصادق (ع) «العبّاد ثلاثة : قوم عبدوا الله عز وجل خوفا فتلك عبادة العبيد وقوم عبدوا الله عز وجل طلب الثواب فتلك عبادة الاجراء ، وقوم عبدوا الله عز وجل حبّا له فتلك عبادة الاحرار ، وهي أفضل العباة»(1) .
قوله (ع) : وهي أفضل العبادة يعطي أن العبادة على الوجهين الأولين لا يخلو من فضل أيضا فضلا عن أن تكون صحيحة .

الفصل الأول
النية خير من العمل

قد ورد في الحديث المشهور عن النبي (ص) أنه قال : «نيّة المؤمن خير من عمله ونيّة

(1) الكافي : ج 2 ص 84 .
الحقايق في محاسن الأخلاق208

الكافر شر من عمله ، وكل عامل يعمل على نيته»(1) وقد اختلف الفقهاء في معنى الحديث على أقوال شتى .
والذي ظهر لي أن ذلك لأن المؤمن ينوي خيرات كثيرة لا يساعده الوقت على عملها ، فكان الثواب المترتب على نياته أكثر من الثواب المترتب على أعماله وأيضا إن المؤمن ينوي أن تقع عباداته على احسن الوجوه لأن ايمانه يقتضي ذلك ، ثمّ إذا كان يشتغل بها لا يتيسر له ذلك ولا يتأتى كما يريد ، فلا يأتي بها كما ينبغي ، فالذي ينوي دائما خير من الذي يعمل به في كل عبادة .
وإلى هذا اشار الباقر (ع) حيث كان يقول : «نية المؤمن خير من عمله ، وذلك لانّه ينوي من الخير ما لا يدركه ، ونية الكافر شر من عمله ، وذلك لأن الكافر ينوي الشر ويأمل من الشر ما لا يدركه»(2) .
وعن الصادق (ع) أنه قيل له : سمعتك تقول : «نيّة المؤمن خير من عمله فكيف تكون النية خيرا من العمل ؟ قال : لأن العمل إنما كان رياء للمخلوقين ، والنية خالصة لرب العاليمن ، فيعطي عز وجل على النية ما لا يعطي على العمل»(3) ، ثم قال : «إن العبد لينوي من نهاره أن يصلي بالليل لتغلبه عينه فينام فيثبت الله له صلاته ويكتب نفسه تسبيحا ويجعل نومه صدقة»(4) .
وعنه (ع) «إن العبد المؤمن الفقير ليقول : يا رب ارزقني حتى أفعل كذا وكذا من البر ووجوه الخير ، فاذا علم الله عز وجل ذلك منه بصدق نيته كتب الله له من الأجر مثل ما يكتب له لو عمله ، إن الله واسع كريم»(5) .
وعنه (ع) «انه سئل عن حد العبادة التي إذا فعلها فاعلها كان مؤديا ، فقال (ع) حسن النية بالطاعة»(6) .

(1) الكافي : ج 2 ص 84 والمحاسن : ص 260 .
(2) علل الشرائع : ج 2 ص 524 .
(3) علل الشرائع : ج 2 ص 524 .
(4) علل الشرائع : ج 2 ص 524 .
(5) الكافي : ج 2 ص 58 والمحاسن ص 261 .
(6) الكافي : ج 2 ص 85 .
الحقايق في محاسن الأخلاق209

يعني أن يكون له في طاعته نية حسنة فان تيسر له الاتيان بما وافق نيته ، وإلا فقد أدى ما عليه من العبادة بحسن نيته .
وعنه (ع) : «إنما خلد أهل النار في النار لأن نيّاتهم كانت في الدنيا أن لو خلدوا فيها أن يعصوا الله فيها أبدا ، وإنما خلد أهل الجنة في الجنة لأن نيّاتهم كانت في الدنيا أن لو بقوا فيها أن يطيعوا الله أبدا فبالنيات خلد هؤلاء ، ثم تلا قوله تعالى : «قل كل يعمل على شاكلته»(1) قال : على نيّته»(2) .
وعنه (ع) « من سمع شيئاً من الثواب على شيء فصنعه كان له اجره وإن لم يكن على ما بلغه » (3).
وممّا قيل(4) في معنى الحديث المشهور : «إن النيـة إنمـا يكـون خيـر من العمـل»(5) لتوقف نفع العمل عليها ، دون العكس ، ولكون الغرض الأصلي من العمل تأثّر القلب بالميل إلى الله تعالى عن الغير كما قال الله عز وجل : «لن ينال الله لحومها ولا دماؤها ولكن يناله التقوى منكم»(6) ألا ترى إلى إثم المجامع امرأته على قصد أنها غيرها ، بخلاف المجامع غيرها على أنها امرأته ، والتأثر صفة القلب .
وبهذا يعرف معنى قوله (ع) : «من هم بحسنة ولم يعملها كتبت له حسنة»(7) لأن هم القلب هو ميله إلى الخير وانصرافه عن الهوى وحب الدنيا وهو غاية الحسنات وإنما الاتمام بالعمل يزيدها تاكيدا ، فليس المقصود من إراقة دم القربان الدم واللحم بل ميل القلب عن حب الدنيا وبذلها إيثارا لوجه الله عز وجل وهذه الصفة قد حصلت عند جزم النية والهم ، وإن عاق عن العمل عايق ، فلن ينال الله لحومها ولا دماؤها ولكن يناله التقوى منكم والتقوى في القلب .
ولذلك قال النبي (ص) لما خرج في غزوة تبوك : «إن بالمدينة قوما ما قطعنا واديا ، ولا وطئنا موطئا يغيظ الكفار ، ولا أنفقنا نفقة ، ولا أصابتنا مخمصة إلا شاركوا في ذلك وهم في

(1) سورة الاسراء : الآية 184 .
(2) الكافي : ج 2 ص 85 وعلل الشرائع : ج 2 ص 523 .
(3) الكافي : ج 2 ص 87 .
(4) القائل هو أبو حامد الغزالي في احياء العلوم ونقل عنه المصنف تفصيلا في المحجة وقد لخصه هنا .
(5) احياء علوم الدين : ج 4 ص 335 وفيه «نية المؤمن خير من عمله» .
(6) سورة الحج : آية 37 .
(7) احياء علوم الدين : ج 4 ص 333 .
الحقايق في محاسن الأخلاق210

المدينة قالوا : وكيف ذلك يا رسول الله وليسوا معنا ؟ فقال : حبسهم العذر فشركونا بحسن النية»(1) .

الفصل الثاني
النية إما واحدة وإما متعددة

النية إما واحدة كالقيام للاكرام ، وإما متعدّدة كالتصدق للفقر والقرابة ، فاما أن لا يستقل شيء منها ويعرف بالامتناع عند الانفراد ، أو يستقل متساويا أو متفاوتا ويتعدد الجزاء بتعدّدها .
خيرا كان كالدخول في المسجد لزيارة الله عز وجل ، فان المسجد بيت الله وفي الحديث النبوي (ص) : «من دخل المسجد فقد زار الله عز وجل وحق على المزور إكرام زائره ، ولانتظار الصلاة(2) ، والاعتكاف ، والانزواء ، والتجرد للذكر ، وترك الذنوب»(3) .
أو شرا كالقعود فيه للتحدّث بالباطل؛ وملاحظة النساء ، والمناظرة للمباهاة والمراياة ، وخيرها يجعل المباح عبادة كالتطيّب يوم الجمعة لاقامة السنة والمسجد واليوم ودفع الاذى بالنتن وإدخال السرور بالعرف(4) وسد باب الغيبة .
وربما يفضله على محضها فالترفه(5) بنومة أو دعابة(6) مباحة لرد نشاط الصلاة أفضل منها في الملال ، وشرها يجعله معصية كالتطيب باظهار الثروة والتزين للزنا ولا تؤثر في الحرام فلا يباح شرب الخمر لموافقة الاخوان .

الفصل الثالث
النية غير داخلة تحت الاختيار

النية غير داخلة تحت الاختيار ، وذلك لما عرفت أنها انبعاث النفس وتوجهها إلى ملايم ظهر لها أن فيه غرضها إما عاجلا أو آجلا ، وما لم يعتقد الانسان أن غرضه منوط بفعل من

(1) احياء علوم الدين : ج 4 ص 332 .
(2) قوله (قده) : ولانتظار الصلاة الخ عطف على قوله : لزيارة الله عز وجل أي كالدخول في المسجد لزيارة الله ولانتظار الصلاة الخ .
(3) احياء علوم الدين : ج 4 ص 339 .
(4) العرف : الريح طيبة أو منتنة وأكثر استعماله في الطيبة ق .
(5) ترفه : استراح وتنعم المنجد .
(6) دعبه دعبا ودعابة : مازحه والدعابة : المداعبة . المنجد .

السابق السابق الفهرس التالي التالي