الحقايق في محاسن الأخلاق181

الفصل الثاني
اجل اللذات واعلاها

اعلم أن أجل اللذات وأعلاها معرفة الله تعالى والنظر إلى وجهه الكريم ، وأنه لا يتصور أن يؤثر عليه لذة اخرى الا من حرم هذه اللذة ، وذلك لأن اللذات تابعة للادراكات ، والانسان جامع لجملة من القوى والغرايز ولكل قوة وغريزة(1) لذة ولذتها في نيلها مقتضى طبعها التي خلقت له فغريزة الغضب خلقت للتشفي والانتقام فلا جرم لذاتها في الغلبة والانتقام ، وغريزة شهوة الطعام خلقت لتحصيل الغذاء الذي به القوام فلا جرم لذتها في نيل الغذاء وهكذا ساير الغرايز .
وفي القلب غريزة تسمّى بالبصيرة الباطنة ، وقد تسمى نور الايمان واليقين يعلم بها حقايق الامور كلها ، فمقتضى طبعها المعرفة والعلم ، والعلم من أخص صفات الربوبيّة ، وهو منتهى الكمال ، ولذلك يرتاح الطبع إذا اثنـى عليـه بالذكـاء ، وغـزارة(2) العلم ، لأنه يستشعر عند سماع الثناء كمال ذاته وجمال علمه ، فيعجب بنفسه ويلتذّ به .
ثم ليس لذة العلم بالحراثة والخياطة كلذة العلم بسياسية الملك ، ولا لذة العلم بالنحو والشعر كلذة العلم بالله وصفاته وملائكته وملكوت السماوات والأرض ، بل لذة العلم بقدر شرف العلم ، وشرف العلم بقدر شرف المعلوم ، فان كان في المعلومات ما هو الأجل والأكمل والأشرف والأعظم فالعلم به ألذ العلوم لا محالة وأشرفها وأطيبها .
وليت شعري هل في الوجود شيء أجمل وأعلى وأشرف وأكمل من خالق الأشياء كلها ومكمّلها ومربّيها ومبديها ومعيدها ومدبّرها ومرتّبها ، فينبغي أن يعلم أن لذة المعرفة بالله أقوى من ساير اللذات لمن له غريزة المعرفة ، ثم من عرف الله عرف أن اللذات المقرونة بالشهوات المختلفة كانها منطو تحت هذه اللذة كما قيل :
كانـت لقلبـي أهـواء مفرقـة فـاستجمعت إذ رأتـك العين أهوائـي
فصار يحسدني من كنت احسده فصرت مولى الورى إذ صرت مولائي

(1) الغريزة : الطبيعة والقريحة ومنه الحديث : الجبن والبخل والحرص غريزة يجمعها سوء الظن بالله .
(2) الغزير بتقديم المعجمة : الكثير من كل شيء .
الحقايق في محاسن الأخلاق182

تركت للناس دنياهـم ودينهم شغلا بذكرك يا ديني ودنيائي

الفصل الثالث
في عدم جواز رؤية الله بالعين والبصر

اعلم أنه لا فرق في الرؤية بين الدنيا والآخرة فكما أنه لا يجوز رؤية الله سبحانه في الدنيا بالعين والبصر ، فكذلك لا يجوز رؤيته في الآخرة بالعين والبصر ، وكما أنه يجوز رؤيته بالقلب والبصيرة لأهل البصائر أعني غاية الانكشاف والوضوح بحيث يتأدي إلى المشاهدة واللقاء ، وكذلك يجوز رؤيته في الدنيا بهذا المعنى .
والحجاب بينه وبين خلقه ليس إلا الجهل وقلة المعرفة ، دون الجسد فان أولياء الله يشاهدونه في الدنيا في جميع أحوالهم ومتصرّفاته وليلهم ونهارهم كما قال الله تعالى : «والشهداء عند ربهم»(1) وقال : «شهد الله أنه لا إله إلا هو والملائكة واولوا العلم قائما بالقسط»(2) وقال : «إلا من شهد بالحق وهم يعلمون»(3) .
فسمّاهم شهداء لمشاهدتهم له في جميع أحوالهم كما ذكر بقوله عز وجل «فأينما تولوا فثم وجه الله»(4) وقال : «هو الأول والآخر والظاهر والباطن»(5) فوصفه بالظاهر وقال : «ما يكون من نجوى ثلاثة إلا هو رابعهم ولا خمسة إلا هو سادسهم ولا أدنى من ذلك ولا أكثر إلا هو معهم»(6) فلما تحقق أولياء الله بمعاني هذه الآيات شاهدوه بأعين قلوبهم .
«سئل أمير المؤمنين (ع) هل رأيت ربك حين عبدته ؟ فقال : ويلك ما كنت أعبد ربا لم أره قيل : وكيف رأيته ؟ قال : ويلك لا تدركه العيون في مشاهدة الابصار ، ولكن رأته القلوب بحقايق الايمان»(7) .
وقال ابنه الحسين سيد الشهداء : «كيف يستدل عليك بما هو في وجوده مفتقر إليك ، أيكون لغيرك من الظهور ما ليس لك حتى يكون هو المظهر لك ، متى غبت حتى تحتاج إلى دليل يدل عليك ، ومتى بعدت حتى تكون الآثار هي التي توصل إليك ، عميت عين لا تراك ولا تزال عليها رقيبا ، وخسرت صفقة عبد لم تجعل له من حبّك نصيبا»(8) .
وقال أيضا : «تعرفت لكل شيء فما جهلك شيء»(9) وقال أيضا : «تعرفت إليّ في كل

(1) سورة الحديد : آية 19 .
(2) سورة آل عمران : آية 18 .
(3) سورة الزخرف : آية 86 .
(4) سورة البقرة : آية 115 .
(5) سورة الحديد : آية 3 .
(6) سورة المجادلة : آية 7 .
(7) الكافي : ج 1 ص 98 والتوحيد : ص 109 .
(8) الاقبال : ص 349 .
(9) الاقبال : ص 350 .
الحقايق في محاسن الأخلاق183

شيء فرأيتك ظاهرا في كل شيء فأنت الظاهر لكل شيء»(1) إلى غير ذلك مما ورد عنهم (ع) في هذا المعنى .
نعم يمكن أن يزيد الانكشاف في الآخرة بقدر زيادة صفاء القلوب وزكائها وتجرّدها عن العلائق الدنيوية .
روى شيخنا الصدوق طاب ثراه عن أبي بصير عن الصادق (ع) قال : قلت له : «أخبرني عن الله عز وجل هل يراه المؤمنون يوم القيامة ؟ قال : نعم وقد رأوه قبل يوم القيامة فقلت : متى ؟ قال : حين قال لهم ألست بربكم قالوا بلى ثم سكت ساعة ثم قال : وإن المؤمنين ليرونه في الدنيا قبل يوم القيامة ألست تراه في وقتك هذا ؟ قال : أبو بصير جعلت فداك أفأحدث بها «بهذا خ» عنك فقال : لا ، فانك إذا حدثت به فأنكره منكر جاهل بمعنى ما تقول ثم قدر ان ذلك تشبيه كفر ، وليست الرؤية بالقلب كالرؤية بالعين ، تعالى الله عما يصفون المشبهون والملحدون»(2) .
أراد (ع) بالمشبهين والملحدين أصحاب التيمي والعدوي فانهم يزعمون أن الله سبحانه يجوز رؤيته بهذه العين في الآخرة وإن لم يجز في الدنيا ، وإن المؤمنين يرون يوم القيامة بالبصر كما يرون القمر ليلة البدر .
وقد سئل الصادق (ع) عمّا يروون من الرؤية ، فقال : «الشمس جزء من سبعين جزء من نور الكرسي ، والكرسي جزء من سبعين جزء من نور العرش ، والعرش جزء من سبعين جزء من نور الحجاب ، والحجاب جزء من سبعين جزء من نور الستر ، فان كانوا صادقين فليملؤوا أعينهم من الشمس ليس دونها سحاب»(3) .

الفصل الرابع
في طريقة تحصيل المحبة

اعلم أن الطريق إلى تحصيل المحبة وتقويتها ثم استعداد الرؤية واللقاء تحصيل المعرفة وتقويتها ، وذلك بتطهير القلب من شواغل الدنيا وعلايقها والتبتل(4) إلى الله بالذكر والفكر ثم

(1) الاقبال : ص 350 .
(2) التوحيد : ص 117 .
(3) التوحيد : ص 108 والكافي : ج 1 ص 98 .
(4) التبتل الانقطاع الى الله واخلاص النية واصل ذلك من البتل وهو القطع . م .
الحقايق في محاسن الأخلاق184

إخراج حب غير الله منه ، فان القلب مثل الاناء الذي لا يسع للخل مثلا ما لم يخرج منه الماء ، وما جعل الله لرجل من قلبين في جوفه .
وكمال الحب في أن يحب الله بكل قلبه ، وما دام يلتفت إلى غيره فزاوية من قلبه مشغولة بغيره ، فبقدر ما يشتغل بغير الله ينقص منه حب الله إلا أن يكون التفاته إلى الغير من حيث إنه صنع الله وفعل الله ومظهر من مظاهر أسماء الله .
وإلى هذا التفريد والتجريد الاشارة بقوله تعالى : «قل الله ثم ذرهم»(1) وذلك إنما يكون بغلبة الشوق ؛ وهو استكمال الوضوح فيما اتضح اتضاحا ما والتشوق إلى ما بقي من المطلوب مما لم يحصل .
فان الشوق إنما يتعلق بما أدرك من وجه ولم يدرك من وجه ، وهو إنما يكون باحد الأمرين ولا نهاية له ، لأن الاتضاح فيما حصل لا نهاية لدرجاته وكذلك الازدياد فيما بقي من جمال الله وجلاله لا ساحل له ، بل مع حصول أصل الوصال يجد أيضا شوقا لذيذا لا يظهر فيه ألم ، فالشوق لا يسكن قط ولا سيّما مما يرى فوقه درجات كثيرة «يسعى نورهم بين أيديهم وبايمانهم يقولون ربنا أتـمم لنـا نورنـا»(2) .
وفي مصباح الشريعة قال الصادق (ع) : «المشتاق لا يشتهي طعاما ولا يلتذ شرابا ولا يستطيب رقا ولا يأنس حميما ولا يأوي دارا ولا يسكن عمرانا ولا يلبس لينا ولا يقر قرارا ويعبد الله ليلا ونهارا راجيا بأن يصل إلى ما يشتاق إليه ويناجيه بلسان شوقه معبرا عما في سريرته كما أخبر الله تعالى عن موسى بن عمران في ميعاد ربّه بقوله : «وعجلت إليك رب لترضى»(3) .
وفسر النبي (ص) عن حاله أنه ما أكل ولا شرب ولا نام ولا اشتهى شيئا من ذلك في ذهابه ومجيئه أربعين يوما شوقا إلى ربه فاذا دخلت ميدان الشوق فكبّر على نفسك ومرادك من الدنيا ، ودع المألوفات وأحرم عن سوى مشوّقك ولبّ بين حياتك وموتك لبّيك اللهم لبيك وأعظم الله تعالى اجرك .
ومثل المشتاق مثل الغريق ليس له همّة إلا خلاصه وقد نسي كل شيء دونه»(4) والاخبا الواردة في شوق لقاء الله تعالى أكثر من أن تحصى ، وقد مرّت الاشارة إلى بعضها في ادعية

(1) سورة الانعام : آية 91 .
(2) سورة التحريم : آية 8 .
(3) سورة طه : آية 84 .
(4) مصباح الشريعة ص 196 .
الحقايق في محاسن الأخلاق185

المعصومين (ع) .

الفصل الخامس
درجات المحبة وآثارها على النفس

اعلم أن الانسان إذا غلب عليه التطلع من وراء حجب الغيب إلى منتهى الجمال واستشعر قصوره عن الاطلاع على كنه الجلال انبعث القلب إلى الطلب وانزعج له وهاج إليه فسميت هذه الحالة في الانزعاج شوقا وهو بالاضافة إلى أمر غايب .
وإذا غلب عليه الفرح بالقرب ومشاهدة الحضور بما هو حاصل من الكشف وكان نظره مقصورا على مطالعة الجمال الحاضر المكشوف غير ملتفت إلى ما لم يدركه بعد استبشار القلب بما يلاحظه فيسمّى استبشاره انسا .
وإن كان نظره إلى صفات العز والاستغناء وعدم المبالاة وخطر امكان الزوال والبعد تألم قلبه بهذا الاستشعار فتسمى تألّمه خوفا وهذه الاحوال تابعة لهذه الملاحظات فان غلب الانس وتجرد عن ملاحظة ما غاب عنه وما يتطرق إليه من خطر الزوال عظم نعيمه ولذّته ومن غلب عليه الانس بالله لم يكن شهوته إلا في الانفراد والخلوة .
وذلك لان الانس بالله يلازمه التوحش من غير الله بل كل ما يعوق من الخلوة يكون أثقل الأشياء على القلب .
كما روي ان موسى (ع) لما كلمه ربّه مكث دهرا لا يسمع كلام أحد من الخلق إلا أخذه الغشيان ، لأن الحب يوجب عذوبة كلام المحبوب وعذوبة ذكره ، فتخرج من القلوب عذوبة ما سواه ، فان خالط الناس كان كمنفرد في جماعة ومجتمع في خلوة وغريب في حضر وحاضر في سفر وشاهد في غيبة وغايب في حضور ومخالط بالجسد منفرد بالقلب المستغرق بعذوبة الذكر .
قال أمير المؤمنين (ع) في وصفهم : «هم قوم هجم بهم العلم على حقيقة الأمر فباشروا روح اليقين واستلانوا ما استوعره المترفون ، وأنسوا بما استوحش منه الجاهلون ، صحبوا الدنيا بأبدان أرواحها معلقة بالمحل الأعلى ، اولئك خلفاء الله في ارضه والدعاة إلى دينه»(1) .

(1) نهج البلاغة : قصار الحكم حكمة 147 .
الحقايق في محاسن الأخلاق186

الفصل السادس
في الانبساط والادلال

اعلم أن الانس إذا دام وغلب استحكم ولم يشوشه قلق الشوق ولم ينغصه خوف البعد والحجاب ، فانه يثمر نوعا من الانبساط في الأقوال والأفعال والمناجاة مع الله سبحانه ، وقد يكون منكرا بحسب الصورة لما فيه من الجرأة وقلّة الهيبة ولكنّه محتمل ممّن اقيم مقام الانس ومن لم يقم في ذلك المقام وتشبه بهم في الفعل والكلام هلك وأشرف على الكفر .
ومثاله (مناجاة برخ الاسود الذي أمر الله تعالى كليمه موسى (ع) أن يسأله ليستسقي لبني إسرائيل بعد أن قحطوا سبع سنين ، وخرج موسى في سبعين ألفا فأوحى الله عز وجل إليه كيف استجيب لهم وقد أظلت (أظلمت) عليهم ذنوبهم سرائرهم خبيثة يدعونني على غير يقين ، ويأمنون مكري ارجع إلى عبد من عبادي يقال له برخ فقل له يخرج حتى استجيب له فسأل عنه موسى (ع) فلم يعرف فبينا موسى ذات يوم يمشي في طريق إذا بعبد أسود قد استقبله بين عينيه تراب من أثر السجود في شملة(1) قد عقدها على عنقه فعرفه موسى (ع) بنور الله تعالى فسلم عليه فقال : ما اسمك ؟ قال : اسمي برخ قال : فأنت طلبتنا منذ حين فاستسق لنا فخرج فقال في كلامه : ما هذا من فعالك ولا هذا من حلمك ، ما الذي بدا لك أتعصت عليك غيومك أم عاندت الرياح عن طاعتك ، أم نفد ما عندك أم اشتد غضبك على المذنبين ألست كنت غفارا قبل خلق الخطائين خلقت الرحمة وأمرت بالعطف أم ترينا أنك ممتنع أم تخشى الفوت فتعجل بالعقوبة .
قال : فما برح حتى اخضلت بنو اسرائيل بالمطر وأنبت الله عز وجل العشب في نصف يوم حتى بلغ الركب ، قال : فرجع برخ فاستقبله موسى فقال : كيف رأيت حين خاصمت ربّي كيف أنصفني فهم موسى ؛ فأوحى الله عز وجل إليه إن برخا يضحكني كل يوم ثلاث مرات)(2) .
واعلم أن الانبساط والادلال(3) يحتمل من بعض العباد دون البعض فمن انبساط الانس

(1) الشملة بالفتح كساء دون القطيفة يشتمل به . ق .
(2) احياء علوم الدين : ج 4 ص 312 .
(3) دل المرأة ودلالها تدللها على زوجها تريه جرأة في تغنج وتشكل كانها تخالفه وما بها خلاف .
الحقايق في محاسن الأخلاق187

قول موسى : «إن هي إلا فتنتك تضل بها من تشاء وتهدي به من تشاء»(1) وقوله في التعلل والاعتذار لما قيل له اذهب إلى فرعون إنه طغى فقال : «ولهم عليّ ذنب فاخاف أن يقتلون»(2) وقوله : «ويضيق صدري»(3) وقوله : «إنّا نخاف أن يفرط علينا أو أن يطغى»(4) .
وهذا من غير موسى من سوء الادب لان الذي اقيم مقام الانس يلاطف ويحتمل ولم يحتمل ليونس ما دون هذا لما ان اقيم مقام القبض والهيبة فعوقب بالسجن في بطن الحوت في ظلمات ثلاث فنودي عليه إلى يوم الحشر : «لولا أن تداركه نعمة من ربّه لنبذ بالعراء وهو مذموم»(5) ونهى نبينا (ص) أن يقتدي به وقيل له : «واصبر لحكم ربّك ولا تكن كصاحب الحوت»(6) .
وهذه الاختلافات بعضها لاختلاف الأحوال والمقامات ، وبعضها لما سبق في الأزل من التفضل والتفاوت في القسمة بين العباد ، قال الله تعالى : «ولقد فضلنا بعض النبيين على بعض»(7) وقال : «منهم من كلـم الله ورفـع بعضهـم درجـات»(8) .
وكان عيسى (ع) من المفضلين ولا دلاله سلم على نفسه فقال : «والسلام عليّ يوم ولدت ويوم اموت ويوم ابعث حيّا»(9) وهذا انبساط لما شاهد من اللطف في مقام الانس .
وأما يحيى بن زكريا فانّه اقيم مقام الهيبة والحياء فلم ينطق حتى سلم عليه خالقه فقال : «والسلام عليه يوم ولد ويوم يموت ويوم يبعث حيّا»(10) .
وانظر كيف احتمل لاخوة يوسف ما فعلوا بيوسف وقد قال بعض العلماء : قد عددت من أول قوله تعالى : «إذ قالوا ليوسف وأخوه أحب إلى أبينا منا»(11) إلى رأس العشرين آية من اخباره تعالى عن زهدهم نيفا(12) وأربعين خطيئة بعضها أكبر من بعض ، وقد يجتمع في الكلمة الواحدة الثلاث والأربع فغفر لهم وعفى عنهم ، ولم يحتمل لعزير مسئلة واحدة سأل عنها في

(1) سورة الاعراف : آية 155 .
(2) سورة الشعراء : آية 14 .
(3) سورة الشعراء : آية 13 .
(4) سورة طه : آية 45 .
(5) سورة القلم : آية 49 .
(6) سورة القلم : آية 48 .
(7) سورة الاسراء : آية 55 .
(8) سورة البقرة : آية 253 .
(9) سورة مريم : آية 33 .
(10) سورة مريم : آية 15 .
(11) سورة يوسف : آية 8 .
(12) النيف ككيس وقد تخفف : الزيادة وكل ما زاد على العقد فنيف الى أن يبلغ العقد الثاني والنيف الفضل والاحسان ومن واحدة الى ثلاث ، ق .
الحقايق في محاسن الأخلاق188

القدر حتى قيل : لئن عاد محي اسمه عن ديوان النبوّة(1) وهذه القصص اوردت في القرآن ليعرف بها سنة الله في عباده الذين خلوا من قبل فما في القرآن شيء إلا وهو نور وهدى وتعرف من الله تعالى إلى خلقه(2) .

الفصل السابع
معنى محبة الله للعبد

وأما محبة الله سبحانه لعبده فيرجع معناه إلى كشف الحجاب عن خلقه حتى يراه بقلبه ، وإلى تمكينه إيّاه من القرب إليه ، وإلى إرادته ذلك به في الأزل وإلى تطهير باطنه من حلول الغير به وتخليته عن عوائق تحول بينه وبين مولاه حتى لا يسمع إلا بالحق ومن الحق ، ولا يبصر إلا به ، ولا ينطق إلا به كما ورد في الحديث القدسي :
«ولا يزال البعد يتقرب إليّ بالنوافل حتى احبّه فاذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به ، وبصره الذي يبصر به ، ولسانه الذي ينطق به»(3) .

(1) قوله : حتى قيل لان عاد محى اسمه عن ديوان النبوة كذا نقله المصنف في المحجة البيضاء أيضا والنراقي في جامع السعادات والاصل في ذلك : الغزالي في احياء العلوم ولم أعرف القائل وأنه هل هو معصوم أو غير معصوم ولم اعثر له على مستند فكأن القائل لم يقنع باماتة الله تعالى اياه (ع) مأة عام حتى أتى بهذا الكلام ، ولا يخفى أن مسألة عزير أو ارميا على اختلاف الروايات وادلاله قوله : « أنى يحيي هذه الله بعد موتها » ليس الا كقول ابراهيم (ع) : « رب أرني كيف تحيي الموتى » لم يقل ذلك انكارا ولا تعجبا ولا ارتيابا ، بل قال ذلك استعظاما لامر الله ، واحب ان يريه الله احياءها مشاهدة ليحصل له العلم به ضرورة كما حصل له العلم به دلالة . والقصة مذكورة في أواخر سورة البقرة فليراجع . قال في المجلد الخامس من البحار : أوحى الله إلى عزير يا عزير إذا وقعت في معصية فلا تنظر الى صغرها ولكن انظر من عصيت ، واذا اوتيت رزقا مني فلا تنظر الى قلته ولكن انظر من أهداه ، واذا نزلت بك بلية فلا تشكو الى خلقي كما لا اشكوك الى ملائكتي عند صعود مساويك وفضايحك .
(2) فتارة يتعرف اليهم بالتقديس فيقول : « قل هو الله أحد إلى آخر السورة ، وتارة يتعرف اليهم بصفات جلاله فيقول : « الملك القدوس السلام المؤمن العزيز الجبار المتكبر » ، وتارة يتعرف اليهم بأفعاله المخوفة والمرجوة فيتلو عليهم سنته في أنبيائه وأعدائه فيقول : « ألم تر كيف فعل ربك بعاد ارم ذات العماد » ، « ألم تر كيف فعل ربك بأصحاب الفيل » ، ولا يعدو القرآن هذه الأقسام الثلاثة إلى آخر ما ذكره (قده) في محجة البيضاء .
(3) المحاسن : ص 291 .
الحقايق في محاسن الأخلاق189

فيكون تقربه بالنوافل سببا لصفاء باطنه وارتفاع الحجاب عن خلقه وحصوله في درجة القرب من ربّه ، وكل ذلك من فضل الله ولطفه به قال الله تعالى : «يحبهم ويحبونه»(1) وقال : «ان الله يحب الذين يقاتلون في سبيله صفّا»(2) وقال : «إن الله يحب التوابين ويحب المتطهرين»(3) .
وقال رسول الله (ص) : «إن الله يعطي الدنيا من يحب ومن لا يحب»(4) وقال (ص) «إذا أحب الله عبدا ابتلاه ، فان صبر اجتباه ، وإن رضي اصطفاه»(5) وقال (ص) : «إذا أحب الله عبدا جعل له واعظا من نفسه وزاجرا مـن قلبه يأمـره وينهـاه»(6) .
وأخص علاماته حبّه لله عز وجل فان ذلك يدل على حب الله عز وجل وأما الفعل الدال على كونه محبوبا فهو أن يتولى الله تعالى أمره ظاهره وباطنه سرّه وجهره ، فيكون هو المشير إليه والمدبّر لأمره والمزيّن لاخلاقه ، والمستعمل لجوارحه ، والمسدّد لظاهره وباطنه ، والجاعل لهمومه همّا واحدا ، والمبغض للدنيا في قلبه ، والموحش له غيره ، والمؤنس له بلذّة المناجاة في خلواته ، والكاشف له عن الحجب بينه وبين معرفته .

الفصل الثامن
أظهر الموجودات هو الله سبحانه

اعلم أن أظهر الموجودات وأجلاها هو الله سبحانه ، وذلك لأنّه هو الموجود بذاته وما سواه موجود به قال الله سبحانه : «الله نور السموات والأرض»(7) والنور هو الظاهر لنفسه المظهر لغيره ومبدء الادراك من المدرك والمدرك إنّما هو الوجود فكلما أدركته فانما تدرك أولا وجوده وإن لم تشعر بذك وإنّما خفي عليك ذلك لغاية وضوحه .
ولا تعجب من اختفاء شيء بسبب ظهوره فان الأشياء إنما تستبان بأضدادها وما عم وجوده حتى لا ضد له عسر ادراكه ، فلو اختلفت الاشياء فدل بعضها على الله تعالى دون بعض ادركت

(1) سورة المائدة : آية 54 .
(2) سورة الصف : آية 4 .
(3) سورة البقرة : آية 222 .
(4) احياء علوم الدين : ج 4 ص 300 .
(5) احياء علوم الدين : ج 4 ص 302 .
(6) احياء علوم الدين : ج 4 ص 302 .
(7) سورة النور : آية 35 .

السابق السابق الفهرس التالي التالي