 | |
الحقايق في محاسن الأخلاق | | 100 |
|
 |
فيقال : ومن خلق الحب في قلبك ؟ فيقول : هو فيقال : فالحب والعبادة كلاهما نعمتان من عنده ابتدأك من غير استحقاق من جهتك إذ لا وسيلة لك ولا علاقة فيكون الاعجاب بجوده إذ أنعم بوجودك وبوجود صفاتك وبوجود أعمالك وأسباب أعمالك فاذن لا معنى لعجب العابد بعبادته وعجب العالم بعلمه وعجب الجميل بجماله وعجب الغني بغناه ؛ لأن كل ذلك من فضل الله وإنما هو محل لفيضان فضل الله وجوده ، والمحل أيضا من فضله وجوده فانّه هو الذي خلقك وخلق أعضاءك وخلق فيها القوة والقدرة والصحة وخلق لك العقل والعلم والارادة ، ولو أردت أن تنفي شيئا من ذلك عن نفسك لم تقدر عليه .
ثم خلق الحركات في اعضائك مستبدا باختراعه من غير مشاركة له من جهتك معه في الاختراع إلا أنه خلقها على ترتيب فلم يخلق الحركة ما لم يخلق في العضو قوة وفي القلب إرادة ، ولم يخلق إرادة ما لم يخلق علما بالمراد ، ولم يخلق العلم ما لم يخلق القلب الذي هو محل العلم ، فتدريجه في الخلق شيئا بعد شيء هو الذي خيل اليك أنك أوجدت علمك ، وقد غلطت فان تحريك البواعث وصرف العوائق وتهيئة الأسباب كلها من الله تعالى ليس شيء منها إليك .
ومن العجائب أن تعجب بنفسك ولا تعجب بمن إليه الأمر كله ، ولا تعجب بجوده وفضله وكرمه في إيثاره إيّاك على الفسّاق من عباده ، إذ مكنهم من أسباب الشهوات واللذات وزواها عنك ، وصرف عنهم بواعث الخير ودواعيه وسلطها عليك حتى تيسّر لك وتيسّر لهم الشر ، فعل ذلك كله بك وبهم من غير وسيلة سابقة منك ولا جريمة سابقة منهم .
روي أن أيوب على نبيّنا وآله وعليه السلام قال : «إلهي انك ابتليتني بهذا البلاء وما ورد على أمر إلا آثرت هواك على هواي ، فنودي من غمامة بعشرة آلاف صوت : يا أيوب أنى لك ذلك ؟ قال : فأخذ رمادا فوضعه على رأسه فقال : منك يا رب فرجع عن نسيانه وأضاف ذلك إلى الله تعالى :
ولهذا قال الله تعالى : «ولولا فضل الله عليكم ورحمته ما زكى منكم من أحدا أبدا»(1) وقال (ص) : «ما منكم أحد ينجيه عمله قالوا : ولا أنت يا رسول الله ، قال : ولا أنا إلا أن يتغمدني الله برحمته»(2) .
فإذن هذا هو العلاج القاطع لمادة العجب من القلب ، ومهما غلب ذلك على القلب شغله خوف سلب هذه النعمة عن الاعجاب بها .
|
(1) سورة النور : آية 21 .
(2) احياء علوم الدين : ج 3 ص 349 .
|
 | |
الحقايق في محاسن الأخلاق | | 101 |
|
 |
في ذم الدنيا والاغترار بها وفيها خمسة أبواب
|
الباب الاول في معرفة الدنيا والآخرة
|
في معرفة الدنيا والآخرة فنقول : دنياك وآخرتك عبارتان عن حالتين من احوال قلبك ، والقريب الداني منها يسمى دنيا وهي كل ما قبل الموت ، والمتراخي المتأخّر يسمى آخرة وهي ما بعد الموت ، فكل مالك فيه حظ ونصيب وغرض وشهوة ولذة في عاجل الحال قبل الوفاة فهي الدنيا في حقك إلا أن جميع ما لك إليه ميل وفيه نصيب وحظ فليس بمذموم .
وذلك لأن ما يصحبك في الدنيا ويبقى معك ثمرته بعد الموت وهو العلم النافع والعمل الصالح فهو من الآخرة في الحقيقة وانما يسمى بالدنيا باعتبار دنوه ، فان العالم قد يأنس بالعلم حتى يصير ذلك ألذ الأشياء عنده ، فيهجر النوم والمنكح والمطعم في لذته ، لانه أشهى عنده من جميعها ، فقد صار حظا عاجلا في الدنيا ، ولكنا إذا ذكرنا الدنيا المذمومة لم نعد هذا منها أصلا ، بل قلنا إنه من الآخرة .
وكذلك العابد قد يأنس بعبادته ويستلذها بحيث لو منع عنها لكان ذلك أعظم العقوبات عليه حتى قال بعضهم : ما أخاف من الموت إلا من حيث إنه يحول بيني وبين قيام الليل بل نقول : كإن من جملة العمل الصالح الذي هو من الآخرة التعرض للرزق .
قال النبي (ص) : «العبادة سبعون جزء أفضلها طلب الحلال»(1) وقال (ص) : «ملعون من ألقى كلّه على الناس»(2) .
وقال أمير المؤمنين (ع) : «أوحى الله تعالى إلى داود أنك نعم العبد لولا أنك تأكل من بيت
|
(1) تحف العقول : ص 32 .
(2) تحف العقول : ص 32 .
|
 | |
الحقايق في محاسن الأخلاق | | 102 |
|
 |
المال ولا تعمل بيدك شيئا ، قال : فبكى داود أربعين صباحا فأوحى الله عز وجل إلى الحديد أن لن لعبدي داود ، فألان الله له الحديد ، وكان يعمل كل يوم درعا فيبيعها بألف درهم فعمل ثلاثمأة وستين درعا فباعها بثلاثمأة وستين ألفا واستغنى عن بيت المال»(1) .
وعن السجاد (ع) : «الدنيا دنياءان دنيا بلاغ ودينا ملعونة»(2) وقال الباقر (ع) : «من طلب الرزق في الدنيا استعفافا عن الناس وسعيا على أهله وتعطفا على جاره لقى الله عز وجل ووجهه مثل القمر في ليلة البدر»(3) .
وقال الصادق (ع) : «الكاد على عياله كالمجاهد في سبيل الله»(4) وقال : «في رجل قال لأقعدن في بيتي ولاصلّين ولأصومنّ ولأعبدن ربي ، فأما رزقي فسيأتيني قال : هذا أحد الثلاثة الذين لا يستجاب لهم دعوة»(5) .
وقال (ع) : «إن الله ليحب الاغتراب في طلب الرزق»(6) وقال له رجل : «والله إنا لنطلب الدنيا ونحب أن نؤتيها ، فقال (ع) تحب ان تصنع بها ماذا ؟ قال أعوذ بها على نفسي وعيالي وأصل بها وأتصدّق بها واحج وأعتمر ، فقال : هذا ليس طلب الدنيا هذا طلب الآخرة»(7) .
وقال (ع) : «ليس منا من ترك دنياه لآخرته ولا آخرته لدنياه»(8) وقال (ع) : «لا تكسلوا لطلب معاشكم فان آباءنا كانوا يركضون فيها ويطلبونها»(9) .
«وعن علي بن أبي حمزة قال : رأيت أبا الحسن (ع) يعمل في أرض وقد استنقعت قدماه في العرق ، فقلت جعلت فداك أين الرجال فقال : يا علي قد عمل باليد من هو خير مني في أرضه ومن أبي ، فقلت : ومن هو ؟ فقال : رسول الله (ص) وأمير المؤمنين (ع) وآبائي (عليهم السلام) كلهم كانوا قد عملوا بأيديهم ، وهو من عمل النبيين والمرسلين والأوصياء والصالحين»(10) .
|
الفصل الاول ما يبقى مع العبد عند الموت
|
اعلم انّه لا يبقى مع العبد عند الموت إلا ثلاث صفات : صفاء القلب أعني طهارته من
|
(1) الفقيه : ج 3 ص 98 والكافي : ج 5 ص 74 .
(2) الكافي : ج 2 ص 317 .
(3) الكافي : ج 5 ص 78 .
(4) الكافي : ج 5 ص 88 .
(5) الكافي : ج 5 ص77 .
(6) الفقيه : ح 3 ص 95 .
(7) الكافي : ج 5 ص 72 .
(8) الفقيه : ج 3 ص 94 .
(9) الفقيه : ج 3 ص 95 .
(10) الكافي : ج 5 ص 75 .
|
 | |
الحقايق في محاسن الأخلاق | | 103 |
|
 |
أدناس الدنيا ، وانسه بذكر الله ، وحبه لله ، وصفاء القلب وطهارته لا يحصل إلا بالكف عن شهوات الدنيا ، والانس لا يحصل إلا بكثرة ذكر الله والمواظبة عليه ، والحب لا يحصل إلا بالمعرفة ، ولا تحصل المعرفة إلا بدوام الفكر وهذه الصفات الثلاث هي المنجيات المسعدات بعد الموت ، وهي الباقيات الصالحات .
وقد ورد في الخبر «ان أعمال العبد تناضل(1) عنه فاذا جاء العذاب من قبل رجليه جاء قيام الليل يدفع عنه ، وإذا جاء من قبل يديه جاءت الصدقة تدفع عنه» الحديث .
وأما الانس والحب فهما يوصلان العبد إلى لذة اللقاء والمشاهدة وهذه السعادة تتعجل عقيب الموت إلى أن يدخل الجنة فيصير القبر روضة من رياض الجنة ، وكيف لا يكون القبر عليه روضة ولم يكن له الا محبوب واحد ، وكانت العوائق تعوقه عن الانس بدوام ذكره ومطالعة جماله ، فارتفعت العوائق وأفلت من السجن وخلى بينه وبين محبوبه ، فقدم عليه مسرورا سالما من الموانع آمنا من الفراق .
وكيف لا يكون محب الدنيا عند الموت معذبا ولم يكن له محبوب إلا الدنيا وقد غصب «غضب خ ل» منه وحيل بينه وبينه وسدت عليه طرق الحيلة في الرجوع إليه وليس الموت عدما إنما هو فراق لمحاب الدنيا وقدوم على الله تعالى .
فاذن سالك طريق الآخرة هو المواظب على أسباب هذه الصفات الثلاث وهي الذكر والفكر والعمل الذي يفطمه عن شهوات الدنيا ويبغض إليه ملاذها ويقطعه عنها ، وكل ذلك لا يمكن إلا بصحة البدن ، وصحة البدن لا تنال إلا بالقوت والملبس والمسكن ، ويحتاج كل واحد إلى أسباب .
فالقدر الذي لا بد منه من هذه الثلاثة إذا أخذه العبد من الدنيا للآخرة لم يكن من ابناء الدنيا وكانت الدنيا في حقّه مزرعة الآخرة ، وإن أخذ ذلك على قصد التنعم وحظ النفس صار من أبناء الدنيا والراغبين في حظوظها إلا أن الرغبة في حظوظ الدنيا تنقسم الى ما يعرض صاحبه لعذاب الله في الآخرة ويسمّى ذلك حراما وإلى ما يحول بينه وبين الدرجات العلى ويعرضه لطول الحساب ، ويسمى ذلك حلالا .
والبصير يعلم أن طول الموقف في عرصات القيامة لأجل المحاسبة أيضا عذاب فمن
| |
(1) ناضل عنه دافع وفي الحديث : أفهمت يا هشام فهما تناضل به أعدائنا ، أي تدافع به أعدائنا .
|
 | |
الحقايق في محاسن الأخلاق | | 104 |
|
 |
نوقش في الحساب عذب فلذلك قال رسول الله (ص) : «في خ» «حلالها حساب و«في خ» حرامها عذاب»(1) ، «بل لو لم يكن الحساب لكان ما يفوت من الدرجات العلى في الجنة وما يرد على القلب من التحسّر على تفويتها بحظوظ حقيرة خسيسة لا بقاء لها هو أيضا عذاب وقس به حالك في الدنيا إذا نظرت إلى أقرانك وقد سبقوك بسعادات دنياوية كيف يتقطع قلبك عليها حسرات مع علمك بأنها سعادات منصرفة لا بقاء لها ، ومنغصة بكدورات لا صفاء لها ، فما حالك في فوات سعادات لا يحيط الوصف بعظمتها وتتقطع الازمان والدهور دون غاياتها فكل من كانت معرفته أقوى وأتقن كان حذره من نعيم الدنيا أشد .
حتى ان عيسى على نبيّنا وعليه السلام وضع رأسه على حجر لما نام ثم رمى به ، إذ تمثل له إبليس وقال : رغبت في الدنيا .
وحتى أن سليمان على نبيّنا و(ع) في ملكه كان يطعم الناس من لذايذ الأطعمة وهو يأكل خبز الشعير فجعل الملك على نفسه بهذا الطريق امتحانا وشدة ، فان الصبر عن لذيذ الاطعمة مع وجودها أشد .
ولهذا روى الله تعالى عن نبيّنا (ص) فكان يطوي أياما ؛ ولهذا سلط البلاء والمحن على الانبياء والاولياء ثم الامثل فالامثل كل ذلك نظرا لهم وامتنانا ليتوفر من الاخرة حظهم كما يمنع الوالد الشفيق ولده لذيذ الفواكه ويلزمه الفصد والحجامة شفقة عليه وحبا له لا بخلا به عليه ، وقد عرفت بهذا أن كل ما ليس لله فهو من الدنيا هو لله ليس من الدنيا»(2) .
قد ظهر ممّا ذكرنا أن الدنيا حظ نفسك العاجل الذي لا حاجة إليه لامر الآخرة ، ويعبّر عنه بالهوى وإليه أشار قوله تعالى : «ونهى النفس عن الهوى فان الجنة هي المأوى»(3) ومجامع الهوى خمسة امور وهي ما جمعه الله عز وجل في قوله «إنما الحيوة الدنيا لعب ولهو وزينة وتفاخر بينكم وتكاثر في الاموال والاولاد»(4) والاعيان التي منها تحصل هذه الامور الخمسة سبعة يجمعها قوله تعالى : «زين للناس حب الشهوات من النساء والبنين والقناطير المقنطرة من
|
(1) تنبيه الخواطر : ج 1 ص 152 وإحياء علوم الدين ج 3 ص 207 .
(2) تنبيه الخواطر : ج 1 ص 153 ـ 154 .
(3) سورة النازعات : آية 40 ـ 41 .
(4) سورة الحديد : آية 20 .
|
 | |
الحقايق في محاسن الأخلاق | | 105 |
|
 |
الذهب والفضّة والخيل المسومة والانعام والحرث ذلك متاع الحيوة الدنيا والله عنده حسن المآب»(1) فهذه هي أعيان الدنيا إلا أن لها مع العبد علاقتين : علاقة مع القلب وهو حبه لها وحظه منها وانصراف همّه إليها حتى يصير قلبه كالعبد أو المحب المستهتر(2) ، ويدخل في هذه العلاقة جميع صفات القلب المتعلقة بالدنيا كالكبر والغل والحسد والرياء والسمعة وسوء الظن والمداهنة وحب الثناء وحب التكاثر والتفاخر ، فهذه هي الدنيا الباطنة .
وأما الظاهرة فهي الأعيان المذكورة والعلاقة الثانية مع البدن وهو اشتغاله باصلاح هذه الأعيان لتصلح لحظوظه وحظوظ غيره وهي جملة الصناعات والحرف التي الخلق مشغولون بها بحيث نسوا أنفسهم ومالهم ومنقلبهم ولو عرفوا سبب الحاجة إليها واقتصروا عليها لم يستغرقهم أشغال الدنيا ، وإنما استغرقهم لجهلهم بالدنيا وحكمتها وحظوظهم منها وتتابعت الاشتغال واتصل بعضها ببعض وتداعت إلى غير نهاية محدودة فتاهوا في كثرة الاشغال ونسوا مقصودها ، وكل ما ورد في ذم الدنيا يرجع إلى هذا .
|
الباب الثاني فيما ورد في ذم الدنيا
|
فيما ورد في ذم الدنيا اعلم أن الدنيا عدوّة لله وعدوّة لأولياء الله وعدوّة لأعداء الله .
أمّا عداوتها لله فانها قطعت الطريق على عباد الله ولذلك لم ينظر الله إليها مذ خلقها .
وأما عداوتها لأولياء الله فانها تزيّنت لهم بزينتها وغمتهم بزهرتها ونضارتها حتى تجرعوا مرارة الصبر في مقاطعتها .
وأما عداوتها لأعداء الله فانها استدرجتهم بمكرها ومكيدتها واقتنصتهم(3) بشباكها حتى وثقوا بها وعوّلوا عليها ، فخذلتهم أحوج ما كانوا إليها ، فاجتنوا منها حسرة يتقطع دونها الأكباد ثم حرمتهم عن السعادة أبد الآباد ، فهم على فراقها يتحسّرون ، ومن مكائدها يستغيثون ولا يغاثون ، بل يقال لهم : «اخسئوا فيها ولا تكلمون»(4) «اولئك الذين اشتروا الحيوة الدنيا بالآخرة فلا
|
(1) سورة آل عمران : آية 14 .
(2) يقال فلان مستهتر بالشراب أي مولع به لا يبالي ما قيل فيه .
(3) قنصه أي صاده واقتنصه اصطاده .
(4) سورة المؤمنون : الآية 108 .
|
 | |
الحقايق في محاسن الأخلاق | | 106 |
|
 |
يخفف عنهم العذاب ولا هم ينصرون»(1) .
والآيات الواردة في ذم الدنيا كثيرة ، وأكثر القرآن مشتمل على ذم الدنيا وصرف الخلق عنها ودعوتهم إلى الآخرة ، بل هو مقصود بعث الأنبياء ولم يبعثوا إلا لذلك فلا حاجة إلى الاستشهاد بآيات القرآن لظهورها ، وإنما نورد بعض الاخبار الواردة فيه ليكون نموذجا لغيره ممّا لا يحصى .
فعن الصادق (ع) قال : «خرج النبي (ص) فهو محزون فأتاه ملك ومعه مفاتيح خزائن الأرض فقال : يا محمد هذه مفاتيح خزائن الأرض يقول لك ربك : افتح وخذ منها ما شئت من غير أن ينقص شيئا عندي ، فقال رسول الله (ص) : الدنيا دار من لا دار له ولها يجمع من لا عقل له ، فقال الملك والذي بعثك بالحق نبيا لقد سمعت هذا الكلام من ملك يقوله في السماء الرابعة حين اعطيت المفاتيح»(2) .
وعنه (ع) قال : «مرّ رسول الله (ص) بجدي اسك(3) ملقى في مزبلة ميّتا فقال لأصحابه : كم يساوي هذا ؟ فقالوا : لعله لو كان حيّا لم يساو قيمته درهما ، فقال النبي (ص) : والذي نفسي بيده الدنيا أهون على الله من هذا الجدي على أهله»(4) .
وعنه (ع) قال : «قال رسول الله (ص) : «إنّ في طلب الدنيا إضرارا بالآخرة وفي طلب الآخرة إضرارا بالدنيا فاضروا بالدنيا فانها أحق الاضرار»(5) .
وعنه (ع) قال : قال رسول الله (ص) : «ما لي وللدنيا إنما مثلي ومثلها كمثل راكب رفعت له شجرة في يوم صائف فقال(6) تحتها ثم راح وتركها»(7) .
وعنه (ع) قال : كتب أمير المؤمنين إلى بعض أصحابه يعظه : «اوصيك ونفسي بتقوى الله من لا يحل معصيته ولا يرجى غيره ولا الغنى إلا به ، فان من اتقى الله عز وجل قوي وشبع
|
(1) سورة البقرة : الآية 86 .
(2) الكافي : ج 2 ص 129 .
(3) هكذا في المطبوع وفي نسخة من الخطية وفي هامشها الاسك مقطوع الاذنين وفي النسخة الاخرى من الخطية : ابسل بدل اسك قال في القاموس : أبسله أسلمه للهلكة وفي مجمع البحرين في قوله تعالى : ابسلوا بما كسبوا ، أي ارفضوا واسلموا للهلكة ، والجدي : الذكر من اولاد المعز .
(4) الكافي : ج 2 ص 129 .
(5) الكافي : ج 2 ص 131 .
(6) من القيلولة .
(7) الكافي : ج 2 ص 134 وتنبيه الخواطر : ج 1 ص 147 وروضة الواعظين : ص 482 .
|
 | |
الحقايق في محاسن الأخلاق | | 107 |
|
 |
وروي ورفع عقله عن أهل الدنيا ، فبدنه مع أهل الدنيا وقلبه وعقله معاين الآخرة فأطفأ بضوء قلبه ما أبصرت عيناه من حب الدنيا فقذّر حرامها وجانب شبهاتها ، وأضر والله بالحلال الصافي إلا ما لا بد له منه من كسرة يشد بها صلبه ، وثوب يواري عورته من أغلظ ما يجد وأخشنه ، ولم يكن له فيما لا بد منه ثقة ولا رجاء فوقعت ثقته ورجاؤه على خالق الأشياء ، فجد واجتهد وأهب بدنه حتى بدت الأضلاع وغارت العينان ، فابدل الله له من ذلك قوة في بدنه وشدة في عقله وما ذخر له في الآخرة اكثر .
فارفض الدنيا فان حب الدنيا يعمي ويصم ويبكم ويذل الرقاب ، فتدارك ما بقي من عمرك ولا تقل غدا وبعد غد فانما هلك من كان قبلك باقامتهم على الاماني والتسويف حتى أتيهم أمر الله بغتة وهم غافلون ، فنقلوا على أعوادهم إلى قبورهم المظلمة الضيقة ، وقد أسلمهم الأولاد والأهلون فانقطع إلى الله بقلب منيب من رفض الدنيا وعزم ليس فيه انكسار ولا انخزال(1) أعاننا الله وإياك على طاعته ووفقنا وإياك لمرضاته»(2) .
وقال أمير المؤمنين (ع) في صفة الدنيا : «ما أصف من دار أولها عناء وآخرها فناء ، في حلالها حساب وفي حرامها عقاب ، من استغنى فيها فتن ومن افتقر فيها حزن ومن ساعاها فاتته ، ومن قعد عنها اتته ، ومن أبصر بها بصرته ومن أبصر إليها اعمته»(3) .
وعن الباقر (ع) : قال علي بن الحسين (ع) : «إن الدنيا قد ارتحلت مدبرة والآخرة قد ارتحلت مقبلة ولكل واحد منهما بنون فكونوا من أبناء الآخرة ولا تكونوا من أبناء الدنيا ، ألا وكونوا من الزاهدين في الدنيا الراغبين في الآخرة ألا إن الزاهدين في الدنيا اتخذوا الأرض بساطا ، والتراب فراشا والماء طيبا وقرضوا من الدنيا تقريضا ، ألا ومن اشتاق إلى الجنة سلا(4) عن الشهوات من أشفق من النار رجع عن المحرمات ومن زهد في الدنيا هانت عليه المصائب .
ألا ان لله عبادا كمن رأى أهل الجنة في الجنّة مخلدين وأهل النار في النار معذّبين شرورهم مأمونة ، وقلوبهم محزونة أنفسهم عفيفة وحوائجهم خفيفة صبروا أياما قليلة فصاروا
|
(1) الانخزال الانقطاع . م .
(2) الكافي : ج 2 ص 136 .
(3) نهج البلاغة ج 1 ص 106 خطبة 82 .
(4) سلوت عنه سلوا من باب قعد صبرت عنه . م .
|
 | |
الحقايق في محاسن الأخلاق | | 108 |
|
 |
بعقبى راحة طويلة ، أما الليل فصافون أقدامهم تجري دموعهم على خدودهم وهم يجارون إلى ربهم يسعون في فكاك رقابهم ، واما النار فحلماء علماء بررة اتقياء كأنهم القداح قد براهم الخوف من العبادة ينظر إليهم الناظر فيقول : مرضى وما بالقوم من مرض أم خولطوا فقد خالط القوم أمر عظيم من ذكر النار وما فيها»(1) .
وعن علي بن الحسين (ع) : «أنه سئل أي الاعمال أفضل عند الله تعالى ؟ فقال ما من عمل بعد معرفة الله ومعرفة رسوله أفضل من بغض الدنيا وأن لذلك لشعبا كثيرة وللمعاصي شعبا .
فأول ما عصى الله به الكبر وهو معصية إبليس حين أبى واستكبر وكان من الكافرين والحرص وهي معصية آدم وحواء حين قال الله تعالى لهما : «كلا من حيث شئتما ولا تقربا هذه الشجرة فتكونا من الظالمين»(2) فأخذا ما لا حاجة بهما إليه فدخل ذلك على ذريتهما إلى يوم القيامة ، وذلك إن أكثر ما يطلب ابن آدم ما لا حاجة به إليه ثم الحسد وهي معصية ابن آدم حيث حسد اخاه فقتله فتشعب من ذلك حب النساء وحب الدنيا وحب الرياسة وحب الراحة وحب الكلام وحب العلوّ والثروة فصرن سبع خصال فاجتمعن كلهن في حب الدنيا فقال الانبياء والعلماء بعد معرفة ذلك حب الدنيا رأس كل خطيئة والدنيا دنياءان دنيا بلاغ ودنيا ملعونة»(3) .
وعن الباقر (ع) انه قال لجابر : «يا جابر من دخل قلبه صافي خالص دين الله شغل عما سواه ، يا جابر ما الدنيا وما عسى أن يكون الدنيا هل هي إلا طعام أكلته أو ثوب لبسته أو امرأة أصبتها ، يا جابر إن المؤمنين لم يطمئنوا إلى الدنيا ببقائهم فيها ولم يأمنوا قدومهم الآخرة ، يا جابر الآخرة دار قرار والدنيا دار فناء وزوال ، ولكن أهل الدنيا أهل غفلة ، وكان المؤمنين هم الفقهاء وأهل فكرة وعبرة لم يصمّهم عن ذكر الله ما سمعوا باذانهم ، ولم يعمهم عن ذكر الله ما رأوا من الزينة بأعينهم ، ففازوا بثواب الآخرة كما فازوا بذلك العلم الحديث»(4) .
وعن الصادق (ع) : «إذا أراد الله بعبد خيرا زهده في الدنيا وفقّهه في الدين وبصره عيوبها ، ومن اوتيهنّ فقد اوتي خير الدنيا والآخرة»(5) .
وقال (ع) : «ألا انه حرام عليكم أن تجدوا طعم الايمـان حتـى تزهـدوا فـي الدنيـا»(6)
|
(1) الكافي : ج 2 ص 131 .
(2) سورة الأعراف : آية 19 .
(3) الكافي : ج 2 ص 130 .
(4) الكافي : ج 2 ص 132 .
(5) الكافي : ج 2 ص 130 .
(6) الكافي : ج 2 ص 130 .
|
 | |
الحقايق في محاسن الأخلاق | | 109 |
|
 |
وقال : «إذا تخلى المؤمن من الدنيا سما(1) ووجد حلاوة حب الله وكان عند أهل الدنيا كانه قد خولط ، وانما خالط القوم حلاوة حب الله فلم يشتغلوا بغيره(2) .
وقال : «إن القلب اذا صفا ضاق به الارض حتى يسمو»(3) وقال : «جعل الخير كله في بيت وجعل مفتاحه الزهد في الدنيا»(4) ثم قال : «قال رسول الله (ص) : لا يجد الرجل حلاوة الايمان في قلبه حتى لا يبالى من أكل الدنيا»(5) .
وعنه (ص) : « من زهد في الدنيا أثبت الله حكمه في قلبه ، وأنطق بها لسانه ، وبصّره عيوب الدنيا داءها ودواءها ، وأخرجه من الدنيا سالما إلى دار السلام»(6) .
وعن الكاظم (ع) قال : «قال أبوذر (ره) جزى الله الدنيا عني مذمّة(7) بعد رغيفين من الشعير اتغدى بأحدهما واتعشى بالآخر وبعد شملتي الصوف أتزر بأحدهما وأتردى بالاخرى»(8) .
وعن الرضا (ع) قال : «قال عيسى بن مريم للحواريين : يا بني إسرائيل لا تأسوا على ما فاتكم من الدنيا كما لا يأسى أهل الدنيا على ما فاتهم من دينهم إذا أصابوا دنياهم»(9) .
|
الفصل الاول في ذم الدنيا ومضار التعلق بها
|
وعن النبي (ص) : «لو كانت الدنيا تعدل عند الله جناح بعوضة ما سقى كافرا منها شربة ماء»(10) وقال (ص) : «الدنيا سجن المؤمن وجنة الكافر»(11) وقال (ص) : «الدنيا ملعونة ملعون ما فيها إلا ما كان لله (منها خ)»(12) وقال (ص) : «يا عجبا كل العجب للمصدّق بدار
|
(1) سما سمواً : ارتفع . ق .
(2) الكافي : ج 2 ص 130 .
(3) الكافي : ج 2 ص 130 .
(4) الكافي : ج 2 ص 128 .
(5) الكافي : ج 2 ص 128 .
(6) الكافي : ج 2 ص 128 وامالي الطوسي : ص 542 .
(7) أخذتني منه مذمة ويكسر ذال اي رقه وعار من ترك الحرمة . ق .
(8) الكافي : ج 2 ص 134 .
(9) الكافي : ج 2 ص 137 .
(10) تنبيه الخواطر : ج 2 ص 134 .
(11) لعوالي ج 1 ص 95 وتنبيه الخواطر : ج 1 ص 128 ومكارم الأخلاق ص 439 والعقد الفريد ج 2 ص 260 .
(12) احياء علوم الدين : ج 3 ص 190 .
|
|