الحقايق في محاسن الأخلاق110

الخلود وهو يسعى لدار الغرور»(1) وقال (ص) : «الهيكم التكاثر يقول ابن آدم مالي مالي وهل لك من مالك إلا ما تصدقت فامضيت أو اكلت فافنيـت أو لبسـت فأبليـت»(2) .
وقال (ص) : «من أصبح والدنيا اكبر همه فليس من الله في شيء والزم الله قلبه أربع خصال : همّا لا ينقطع عنه أبدا وشغلا لا يتفرغ منه أبدا وفقرا لا ينال غناه أبدا وأملا لا يبلغ منتهاه أبدا»(3) .
وقال (ص) : «لتأتينكم بعدي دنيا تأكل إيمانكم كما تاكل النار الحطب»(4) وقال «لا تشغلوا قلوبكم بذكر الدنيا»(5) .
«واوحى الله تعالى إلى موسى لا تركننّ إلى حب الدنيا فلن تأتيني بكبيرة هي اشد عليك منها»(6) .
وقال عيسى (ع) : «ويل لصاحب الدنيا كيف يموت ويتركها ويأمنها وتغرّه ويثق بها وتخذله ويل للمغترين كيف الزمهم ما يكرهون وفارقهم ما يحبّون وجاءهم ما يوعدون ويل لمن أصبح والدنيا همه والخطايا عمله كيف يفتضح غدا بعمله»(7) .
وقال لقمان لابنه : «يا بني بع دنياك بآخرتك تربحهما جميعا ولا تبع آخرتك بدنياك فتخسرهما جميعا»(8) .
«وقيل لحكيم الدنيا لمن هي ؟ قال لمن تركها فقيل والآخرة لمن هي ؟ قال لمن طلبها وقال حكيم الدنيا دار خراب وأخرب منها قلب من يعمّرها ، والجنة دار عمران واعمر منها قلب من يطلبها»(9) .
الفصل الثاني
بعض الأمثلة التي وردت في صفة الدنيا

ولنذكر بعض الأمثلة التي وردت في صفة الدنيا ، قال الله تعالى «مثل الحيوة الدنيا كماء

(1) تنبيه الخواطر : ج 1 ص 128 واحياء علوم الدين : ج 3 ص 191 .
(2) تنبيه الخواطر : ج 1 ص 130 واحياء علوم الدين : ج 3 ص 191 .
(3) تنبيه الخواطر : ج 1 ص 130 .
(4) احياء علوم الدين : ج 3 ص 194 وتنبيه الخواطر : ج 1 ص 134 .
(5) احياء علوم الدين : ج ص 193 .
(6) تنبيه الخواطر : ج 1 ص 134 .
(7) تنبيه الخواطر : ج 1 ص 132 .
(8) تنبيه الخواطر : ج 1 ص 137 .
(9) تنبيه الخواطر : ج 1 ص 140 .
الحقايق في محاسن الأخلاق111

أنزلناه من السماء فاختلط به نبات الأرض فأصبح هشيما تذروه الرياح»(1) .
وقال النبي (ص) : «الدنيا حلم(2) وأهلها عليها مجازون ومعاقبون»(3) وقال (ص) في قلة ما بقي من الدنيا بالاضافة إلى ما سبق مثل «هذه الدنيا مثل ثوب شق من أوله إلى آخره فبقي متعلقا بخيط في آخره فيوشك ذلك الخيط أن ينقطع»(4) وقال (ص) : «ما الدنيا في الآخرة إلا كمثل ما يجعل أحدم اصبعه في اليم فلينظر بم يرجع إليه»(5) من الاصل .
وكتب أمير المؤمنين (ع) إلى سلمان (رض) بمثالها (بمنالها) فقال «مثل الدنيا مثل الحيّة يلين مسها ويقتل سمها ، فاعرض عمّا يعجبك منها لقلة ما يصحبك منها ، وضع عنك همومها لما أيقنت من فراقها ، وكن آنس ما تكون منها أحذر ما تكون منها ، فان صاحبها كلّما اطمأن منها إلى سرور أشخصتـه عنـه مكروهـة والسـلام»(6) .
«وكان الحسن بن علي (ع) يتمثل بهذا البيت :
يا أهل لذات دنيا لا بقاء لها ان اغترارا بظل زائل حمق»(7)

وقال الباقر (ع) في حديث جابر : «فانزل الدنيا كمنزل نزلته ثم ارتحلت منه ، أو كمال وجدته في منامك فاستيقظت وليس معك منه شيء ، قال إني انما ضربت لك هذا مثلا لانها عند أهل اللب والعلم بالله كفيء الظلال»(8) .
وعنه (ع) : «مثل الحريص على الدنيا كمثل دودة القز كلما ازدادت على نفسها لفّا كان أبعد لها من الخروج حتى تموت غمّا»(9) .
وقال الصادق (ع) : «مثل الدنيا مثل ماء البحر كلّما شرب منه العطشان ازداد عطشا حتى يقتله»(10) .
وروي إن عيسى (ع) «كوشف بالدنيا فرآها في صورة عجوزة شمطاء هتماء(11) عليها من

(1) سورة الكهف : آية 45 .
(2) الحلم بالضم وبضمتين الرؤيا . ق .
(3) احياء علوم الدين : ج 3 ص 202 وتنبيه الخواطر : ج 1 ص 145 .
(4) تنبيه الخواطر : ج 1 ص 148 .
(5) تنبيه الخواطر : ج 1 ص 150 .
(6) تنبيه الخواطر : ج 1 ص 147 .
(7) تنبيه الخواطر : ج 1 ص 145 .
(8) الكافي : ج 2 ص 133 .
(9) الكافي : ج 2 ص 134 .
(10) الكافي : ج 2 ص 136 .
(11) الشمط بالتحريك بياض شعر الرأس يخالط سواده والمرأة شمطاء . والهتماء منكسرة الثنايا من اصولها .
الحقايق في محاسن الأخلاق112

كل زينة فقال لها : كم تزوّجت ؟ قالت : لا احصيهم قال : فكلّهم مات عنك أو كلّهم طلقك ؟ قالت : بل كلهم قتلتهم فقال عيسى (ع) : بؤسا لأزواجك الباقين كيف لا يعتبرون بالماضين كيف تهلكينهم واحدا واحدا ولا يكونون منك على حذر»(1) وقال عيسى (ع) : «الدنيا قنطرة فاعبروها ولا تعمروها»(2) .
وقال بعض الحكماء : ما أشبه حال الانسان واغتراره بالدنيا وغفلته عن الموت وما بعده من الاهوال وانهماكه في اللذات الفانية العاجلة الممتزجة بالكدورات بشخص مدلى في بئر مشدود وسطه بحبل وفي أسفل ذلك البئر ثعبان عظيم متوجه منتظر سقوطه فاتح فاه لالتقامه ، وفي أعلى ذلك البئر جرذان أبيض وأسود لا يزال يقرضان ذلك الحبل شيئا فشيئا ولا يفتران عن قرضه آنا من الآنات ، وذلك الشخص مع أنه يرى ذلك الثعبان ويشاهد انقراض الحبل آنا فآنا قد أقبل على قليل عسل قد تلطخ به جدار ذلك البئر وامتزج بترابه واجتمع عليه زنابير كثيرة وهومشغول بلطعه منهمك فيه ملتذ بما أصاب منه مخاصم لتلك الزنابير عليه ، قد صرف باله بأجمعه إلى ذلك غير ملتفت إلى ما فوقه وإلى ما تحته .
فالبئر هو الدنيا ، والحبل هو العمر ، والثعبان الفاتح فاه هو الموت ، والجرذان الليل والنهار القارضان للأعمار ، والعسل المختلطة بالتراب هو لذات الدنيا الممتزجة بالكدورات والآلام ، والزنابير هم أبناء الدنيا المتزاحمون عليها ، وما أشد انطباق هذا المثال على الممثل له فنسأل الله الهداية والبصيرة ، ونعوذ به من الغفلة والغواية .

الباب الثالث
في ذم حب المال

في ذم حب المال اعلم أن فتن الدنيا كثيرة الشعب والأطراف واسعة الارجاء والأكناف ولكن الأموال اعظم فتنها وأطم محنها وأعظم فتنة فيها انه لا غنى عنها ثم إذا وجدت فلا سلامة منها وإن فقد حصل منه الفقر الذي كاد أن يكون كفرا ، وإن وجد حصل منه الطغيان الذي لا تكون عاقبة أمره إلا خسرا .
وبالجملة فهي لا تخلو من الفوايد والآفات ، وفوايدها من المنجيات ، وآفاتها من المهلكات وتمييز خيرها من شرها من المعوصات التي لا يقوى عليها إلا ذوو البصاير في الدين

(1) تنبيه الخواطر : ج 1 ص 146 .
(2) تنبيه الخواطر : ج 1 ص 147 .
الحقايق في محاسن الأخلاق113

من العلماء الراسخين ، ثم للفاقد حالتان : القناعة والحرص ، وللحرص حالتان : طمع فيما في أيدي الناس وتشمر للحرف والصناعات مع اليأس عن الخلق وللواجد حالتان : إمساك وإنفاق ، وللمنفق حالتان : تبذير واقتصاد ، وهذه امور متشابهة وكشف الغطاء عن الغموض فيها مهم .
قال الله تعالى : «إنّما أموالكم وأولادكم فتنة»(1) وقال عز وجل : «لا تلهكم أموالكم ولا أولادكم عن ذكر الله ومن يفعل ذلك فاولئك هم الخاسرون»(2) .
وقال النبي (ص) : «حب المال والشرف ينبتان النفاق كما ينبت المال البقل»(3) وقال (ص) : «ما ذئبان ضاريان ارسلا في زريبة(4) غنم بأكثر فسادا من حب المال والجاه في دين الرجل المسلم»(5) وقال (ص) : «يقول ابن آدم : «ما لي مالي وهل لك من ما لك إلا ما تصدقت فامضيت أو أكلت فافنيت أو لبست فأبليت»(6) .
وقال رجل : «يا رسول الله مالي لا احب الموت ؟ فقال : هل معك من مال ؟ قال : نعم يا رسول الله قال : قدّم مالك أمامك ، فان قلب المؤمن مع ماله إن قدمه أحب أن يلحقه ، وإن خلفه أحب أن يتخلف معه»(7) .

الفصل الاول
المال محمود ومذموم

واعلم أن الله سبحانه قد سمى المال خيرا في مواضع فقال : «إن ترك خيرا الوصية» الآية(8) وقال رسول الله (ص) : «نعم المال الصالح للرجل الصالح»(9) وكل ما جاء في ثواب الصدقة والحج والانفاق فهو ثناء على المال ، إذ لا يمكن الوصول إليها إلا به .

(1) سورة التغابن : آية 15 .
(2) سورة المنافقون : آية 9 .
(3) تنبيه الخواطر : ج 1 ص 155 واحياء علوم الدين ج 3 ص 128 .
(4) الزرب المدخل وموضع الغنم . ق .
(5) تنبيه الخواطر : ج 1 ص 155 والكافي : ج 2 ص 297 واحياء علوم الدين : ج 3 ص 218 .
(6) تنبيه الخواطر : ج 1 ص 156 واحياء علوم الدين ج 3 ص 218 .
(7) تنبيه الخواطر : ج 1 ص 156 .
(8) وقال : انه لحب الخير لشديد .
(9) تنبيه الخواطر : ج 1 ص 158 واحياء علوم الدين ج 3 ص 220 .
الحقايق في محاسن الأخلاق114

وتحقيق القول فيه أن المال قد يكون وسيلة إلى مقصود صحيح ، وقد يكون وسيلة إلى مقاصد فاسدة ، وهي المقاصد الصادة عن سعادة الابد ويسد سبيل العلم والعمل ، فهو إذن محمود ومذموم ، محمود بالاضافة إلى المقصود المحمود ، ومذموم بالاضافة إلى المقصود المذموم ، ولما كانت الطباع مائلة إلى اتباع الشهوات القاطعة لسبيل الله وكان الله مسهلا لها وآلة إليها عظم الخطر فيما يزيد على قدر الكفاية ؛ فاستعاذ الانبياء من شره حتى قال نبينا (ص) : «اللهم اجعل قوت آل محمد كفافا ، فلم يطلب من الدنيا ما لم يتمحض خيره»(1) ، فقال : «اللهم احيني مسكينا وأمتني مسكينا»(2) .

الفصل الثاني
فوائد المال وآفاته

اعلم أن مثل المال مثل حيّة فيها سم وترياق ، ففوائدها ترياقها وغوائلها سمومها فمن عرف غوائلها وفوائدها أمكنه أن يتحرز من شرّها ويستدّر منها خيرها .
واما الفوائد فهي تنقسم إلى دنيوية ودينيّة ، أما الدنيوية فلا حاجة إلى ذكرها فان معرفتها مشتركة بين أصناف الخلق ، ولولا ذلك لم يتهالكوا على طلبها ، وأما الدينية فهي ثلاثة أنواع :
الاول أن ينفقه على نفسه إما في عبادة او في استعانة على عبادة والثاني ما يصرف إلى الناس وهي أربعة أقسام : الصدقة ، والمروة ، ووقاية العرض ، واجرة الاستخدام أما الصدقة فلا يخفى ثوابها وانها لتطفي غضب الرب واما المروة فنعني بها صرف المال إلى الأغنياء والأشراف في ضيافة وهدية واعانة وما يجري مجراه ممّا يكتسب به العبد الاخوان والاصدقاء ويكتسب به صفة السخاء ، فانه لا يوصف بالجود إلا من يصطنع المعروف ويسلك سبيل الفتوة والمروّة ، وهذا أيضا مما يعظم الثواب فيه فقد وردت أخبار كثيرة في الهداية والضيافات وإطعام الطعام من غير اشتراط الفقر والفاقة في مصارفها .
وأما وقاية العرض فنعني بها بذل المال لدفع هجو الشعراء وثلب(3) السفهاء وقطع ألسنتهم ودفع شرهم وهذا أيضا مع تنجز فائدته في العاجلة من الحظوظ الدينية قال رسول الله

(1) تنبيه الخواطر : ج 1 ص 159 واحياء علوم الدين ج 3 ص 221 .
(2) تنبيه الخواطر : ج 1 ص 159 واحياء علوم الدين ج 3 ص 221 .
(3) ثلبه ثلبا : أعابه ونقصه . م .
الحقايق في محاسن الأخلاق115

(ص) : «ما وقى المرء به عرضه فهو له صدقة»(1) .
وأما الاستخدام فهو ان الأعمال التي يحتاج إليها الإنسان لتهيئه أسبابه كثيرة ولو تولاه نفسه لضاعت أوقاته وتعدر عليه سبيل الآخرة بالفكر والذكر الذين هما أعلى مقامات السالكين .
النوع الثالث ما لا يصرفه الانسان إلى إنسان معين ولكن يحصل به خير عام ، كبناء المساجد والقناطير والرباطات ودار المرضى ونصب الجباب في الطرق وغير ذلك من الأوقات المرصدة للخيرات المؤبدة الدارة بعد الموت المستجلبة بركة ادعية الصالحين إلى أوقات متمادية .
فهذه جملة فوائد المال في الدين سوى ما يتعلّق بالحظوظ العاجلة من الخلاص من ذل السؤال وحقارة الفقر والوصول إلى العز والمجد بين الخلق وكثرة الاخوان والأعوان والأصدقاء والوقار والكرامة في القلوب .
وأما الآفات فدينيّة ودنيويّة أما الدينية فثلاثة أنواع :
الاول انه تجر إلى المعاصي ، فان الشهوات متقاضية والعجز قد يحول بين المرء وبين المعصية ومن العصمة أن لا تقدر ، ومهما كان الانسان آيسا عن نوع من المعصية لم تتحرك داعيته إليها فاذا استشعر القدرة عليه انبعثت الداعية ، والمال نوع من القدرة يحرك داعية المعاصي وارتكاب الفجور فان اقتحم ما اشتهاه هلك ، وإن صبر وقع في شدة ، إذ الصبر مع القدرة أشد وفتنة السراء أعظم من فتنة الضراء .
الثاني أن يجر إلى التنعم في المباحات وهذا أقل الدرجات فمتى يقدر صاحب المال على أن يتناول خبز الشعير ويلبس الثوب الخشن ويترك لذائذ الأطعمة كما كان يقدر عليه سليمان في ملكه ، فأحسن أحواله أن يتنعّم بالدنيا ويمرن عليه نفسه فيصير التنعم مألوفا عنده ومحبوبا لا يصبر عنه ويجرّه البعض منه إلى البعض ، وإذا اشتد انسه به وربما لا يقدر على التوصل إليه بالكسب الحلال فيقتحم الشبهات ويخوض في المرايات والمداهنة والكذب والنفاق وساير الأخلاق الردية لينتظم له أمر دنياه وتيسّر له تنعمه ، فان من كثر ماله كثرت حاجته إلى الناس ، ومن احتاج إلى الناس فلا بد أن ينافقهم ويعصي الله في طلب رضاهم فان سلم من الآفة الاولى

(1) احياء علوم الدين : ج 3 ص 222 وتنبيه الخواطر : ج 1 ص 160 .
الحقايق في محاسن الأخلاق116

وهي مباشرة المحظورات فلم يسلم عن هذه اصلا ، ومن الحاجة إلى الخلق تثور العداوة والصداقة ويبتني عليه الحسد والحقد والرياء والكبر والكذب والغيبة والنميمة وساير المعاصي التي تختص بالقلب واللسان ، ولا يخلو عن التعدي أيضا إلى ساير الجوارح ، وكل ذلك يلزمه من شؤم المال والحاجة إلى حفظه وإصلاحه .
الثالث وهو الذي لا ينفك عنه أحد وهو أنه يلهيه اصلاح ماله عن ذكر الله تعالى وكل ما يشغل عن الله فهو خسران .
ولذلك قال عيسى (ع) : «في المال ثلاث خصال : أن يأخذه من غير حله فقيل إن أخذه من حله ، قال : يضعه في غير حقه فقيل : إن وضعه في حقّه ، فقال : يشغله اصلاحه عن ذكر الله»(1) .
وهذا هو الداء العضال ، فان أصل العبادات ومخها وسرّها ذكر الله تعالى والفكر في جلاله ، وذلك يستدعي قلبا فارغا ، وصاحب الضيعة يمسي ويصبح متفكرا في خصومة الفلاح ومحاسبته وخيانته ، وخصومة الشركاء ومنازعتهم في الماء والحدود ، وخصومة أعوان السلطان في الخراج ، وخصومة الاجراء في التقصير في العمارة ، وصاحب التجارة يكون متفكرا في خيانة شريكه وانفراده بالربح وتقصيره في العمل وتضييعه المال ، وكذلك صاحب المواشي وهكذا ساير أصناف الأموال .
وأبعدها عن كثرة الشغل النقد المكنوز تحت الأرض ، ولا يزال بالفكر متردّدا فيما يصرف إليه ، وفي كيفية حفظه وفي الخوف ممن يعثر عليه ، وفي دفع اطماع الناس عنه ، وأودية أفكار أهل الدنيا لا نهاية لها ، والذي معه قوت يومه أو سنته في سلامة عن جميع ذلك .
فهذه جملة الآفات الدينية سوى ما يقاسيه أرباب الأموال من الخوف والحزن والغم والهم والتعب في دفع الحساد وحفظ الأموال وكسبها ، فاذن ترياق المال أخذ القوت وصرف الباقي في «إلى خ» الخيرات ، وما عداها سموم وآفات .

(1) تنبيه الخواطر : ج 1 ص 162 .
الحقايق في محاسن الأخلاق117

الفصل الثالث
الفقر محمود مع القناعة

اعلم أن الفقر محمود ولكن ينبغي أن يكون الفقير قانعا منقطع الطمع عن الخلق غير ملتفت إلى ما في أيديهم ولا حريصا على اكتساب المال كيف كان ، ولا يمكنه ذلك إلا بأن يقنع قدر الكفاف ويقصر الأمل ، فان تشوّف(1) إلى الكثرة وطول الأمل فاته عز القناعة وتدنّس لا محالة بالطمع وذل الحرص وقلة القناعة وجرّه الحرص والطمع إلى مساوي الأخلاق وارتكاب المنكرات الخارقة للمروّات وقد جبل الادمي على الحرص والطمع وقلة القناعة .
قال رسول الله (ص) : «لو كان لابن آدم واديان من ذهب لإبتغى وراءهما ثالثا ولا يملأ جوف ابن آدم إلا التراب ويتوب الله على من تاب»(2) .
وقال (ص) : منهومان لا يشبعان : «منهوم العلم ومنهوم المال»(3) وقال (ص) : «يشيب ابن آدم ويشب فيه خصلتان : الحرص وطول الأمل»(4) .
ولما كان هذه جبلة للادمي مضلّة وغريزة مهلكة أثنى الله تعالى ورسوله على القناعة وقال (ص) : «طوبى لمن هدى للاسلام وكان عيشه كفافا وقنع به»(5) وقال (ص) : «ما من احد غنيّ ولا فقير إلا ود يوم القيامة أنه كان اوتـي قوتـا فـي الدنيـا»(6) وقال (ص) : «يا معشر الفقراء اعطوا الله الرضا من قلوبكم تظفروا بثوب فقركم وإلا فلا»(7) وقال (ص) : «ليس الغنى غنى كثرة العرض إنما الغنى غنى النفس(8) وقال : «ان روح القدس نفث في روعي إن نفسا لن تموت حتى تستكمل رزقها فاتقوا الله وأجملوا في الطلب»(9) .
وقال أمير المؤمنين (ع) : «ابن آدم ان كنت تريد من الدنيا ما يكفيك فان أيسر ما فيها

(1) هكذا في النسخة المطبوعة وفي نسخة من المخطوطة قال في القاموس : تشوف تزين والى الخبر تطلع ومن السطح تطاول ونظر وأشرف . وفي المجمع تشوفت الى شيء تطلعت ومنه : النساء يتشوفن من السطوح . وفي النسخة المخطوطة الاخرى : تشوق بدل تشوف .
(2) تنبيه الخواطر : ج 1 ص 163 واحياء علوم الدين : ج 3 ص 223 .
(3) تنبيه الخواطر : ج 1 ص 163 واحياء علوم الدين : ج 3 ص 223 .
(4) احياء علوم الدين : ج 3 ص 223 وتنبيه الخواطر : ج 1 ص 163 وتحف العقول : ص 45 .
(5) تنبيه الخواطر : ج 1 ص 163 واحياء علوم الدين : ج 3 ص 223 .
(6) احياء علوم الدين : ج 3 ص 224 .
(7) كنز العمال : ح 16655 .
(8) احياء علوم الدين : ج 3 ص 224 وتنبيه الخواطر : ج 1 ص 163 .
(9) احياء علوم الدين : ج 3 ص 224 وتنبيه الخواطر : ج 1 ص 163 .
الحقايق في محاسن الأخلاق118

يكفيك ، وان كنت تريد مالا يكفيك فان كل ما فيها لا يكفيك»(1) .
وقال الباقر (ع) : «إياك أن تطمح بصرك إلى من هو فوقك فكفى ما قال الله تعالى لنبيّه (ص) : «فلا تعجبك أموالهم ولا اولادهم»(2) وقال : «لا تمدّن عينيك إلى ما متعنا به أزواجا منهم زهرة الحيوة الدنيا»(3) فان دخلك من ذلك شيء فاذكر عيش رسول الله (ص) فانما كان قوته الشعير وحلواه التمر ووقوده السعف إذا وجد (وجده خ)»(4) .
وقال الصادق (ع) : «إن الله يقول يحزن عبدي المؤمن إن قترت عليه وذلك أقرب له مني ، ويفرح عبدي المؤمن إن وسعت عليه وذلك أبعد له مني»(5) .
وقال (ع) : «كل ما ازداد العبد إيمانا ازداد ضيقا في معيشته»(6) وقال تعالى في مناجات موسى : يا موسى إذا رأيت الفقر مقبلا فقل مرحبا بشعار الصالحين وإذا رأيت الغنى مقبلا فقل ذنب عجلت عقوبته»(7) .

الفصل الرابع
النجاة من غائلة المال

لا نجاة من غائلة المال إلا بالمحافظة على امور :
الأول أن يعرف مقصود المال وأنه لماذا خلق وأنه لم يحتاج إليه حتى يكتسب ولا يحفظ إلا بقدر حاجته .
والثاني أن يراعي جهة دخل المال فيجتنب الحرام المحض وما الغالب عليه الحرام ويجتنب الجهات المكروهة القادحة في المروة .
والثالث أن يراعي جهة الخرج ويقتصد في الانفاق غير مبذر ولا مقتر قال الله تعالى : «والذين إذا أنفقوا لم يسرفوا ولم يقتروا وكان بين ذلك قواما»(8) وفي الحديث النبوي« ما عال من إقتصد »(9).

(1) الكافي : ج 2 ص 138 .
(2) سورة التوبة : آية 54 .
(3) سورة طه : آية 131 .
(4) الكافي : ج 2 ص 137 .
(5) الكافي : ج 2 ص 141 .
(6) الكافي : ج 2 ص 261 .
(7) الكافي : ج 2 ص 263 .
(8) سورة الفرقان : الآية 67 .
(9) احياء علوم الدين : ج 3 ص 226 .
الحقايق في محاسن الأخلاق119

والرابع أن يضع ما اكتسبه من حلّه في حقه ولا يضعه في غير حقه فان الاثم في الأخذ من غير حقّه والوضع في غير حقه سواء .
والخامس أن يصلح نيته في الأخذ والترك والانفاق والامساك ، فيأخذ ما يأخذ ليستعين به على العبادة ويترك ما يترك زهدا فيه واستحقارا له ، وإذا فعل ذلك لم يضرّه وجود المال .
قال أمير المؤمنين (ع) : «لو أن رجلا أخذ جميع ما في الأرض وأراد به وجه الله فهو زاهد ، ولو أنه ترك الجميع ولم يرد وجه الله فليس بزاهد»(1) .
إن قيل : أيهما أفضل الغنى بنية الاستعانة على العبـادة أم الفقـر بنية التّفـرغ لهـا ؟ .
قلنا : الأفضل منهما ما لا يشغل العبد عن الله ، فان كان الفقر يشغله عن الله فالغنى أولى به ، وإن كان الغنى يشغله عن الله فالفقر أولى به ، وذلك لأن فضل الفقر والغنى بحسب عدم تعلق القلب بالمال وفقده ، فان تساويا فيه تساوت درجتهما إلا أن هذا مزلة الاقدام وموضع الغرور ، فان الغنى ربما يظن أنه منقطع القلب عن المال ويكون حبّه دفينا في باطنه وهو لا يشعر به ، وإنما يشعر به إذا فقده فليجرب نفسه ، وهذا حال كل الأغنياء إلا الأنبياء والأولياء ، وإذا كان ذلك محالا وبعيدا فلنطلق القول بأن الفقر أصلح لكافة الخلق وأفضل ، لأن علاقة الفقير وانسه بالدنيا أضعف غالبا وبقدر ضعف علاقته يتضاعف ثواب تسبيحاته وعبادته ، فان حركات اللسان والأبدان ليست مرادة لأعيانها بل ليتأكد بها الانس بالمذكور ولا يكون تأثيره في آثار الانس في قلب فارغ من غير المذكور كتأثيره في قلب مشغول ، ولهذا ورد في فضل الفقراء على الاغنياء على الاطلاق ما ورد ، ثم ليس معنى الفقر أن لا يملك شيئا البتة .
قال الصادق (ع) : في كلام له مع الصوفية : «ثم علم الله نبيّه كيف ينفق وذلك أنه كانت عنده (ص) أوقية من الذهب فكره أن يبيت عنده فتصدّق بها فأصبح وليس عنده شيء ، وجاءه من يسأله فلم يكن عنده ما يعطيه فلامه السائل واغتم هو حيث لم يكن عنده ما يعطيه وكان رحيما رفيقا (ص) فأدّب الله نبيّه بأمره فقال : «ولا تجعل يدك مغلولة إلى عنقك ولا تبسطها كل البسط فتقعد ملوما محسورا»(2) يقول : إن الناس قد يسألونك ولا يعذرونك فاذا أعطيت جميع ما عندك من المال كنت قد حسرت من المال قال : ثم من علمتم بعده في فضله وزهده سلمان

(1) احياء علوم الدين : ج 3 ص 247 .
(2) سورة الاسراء : آية 29 .

السابق السابق الفهرس التالي التالي