الحقايق في محاسن الأخلاق90

قال الله تعالى : «ساصرف عن آياتي الذيـن يتكبرون فـي الأرض بغيـر الحـق»(1) وقال : «كذلك يطبع الله على كل قلب متكبر جبار»(2) .
وقال رسول الله (ص) : «لا يدخل الجنة من كان في قلبه مثقال حبّة من خردل من كبر»(3) وقال : «من تعظم في نفسه واختال في مشيه لقي الله وهو عليه غضبان»(4) وقال الباقر (ع) : «الكبر رداء الله والمتكبر ينازع الله رداءه»(5) وقال الصادق (ع) : «الكبر أن تغمص الناس وتسفه الحق»(6) ، وفسر (ع) في رواية أخرى «سفه الحق بأن يجهل الحق ويطعن على أهله»(7) والغمص بتحقير «تحقير خ» الناس والتجبّر عليهم .
وقال (ع) : «ما من أحد تكبر أو تجبّر إلا لذلة وجدها في نفسه»(8) وقال : «إن في جهنم لواديا للمتكبرين يقال له سقر شكى إلى الله شدة حرّه وسأله أن يأذن له أن يتنفس فتنفس فاحرق جهنم»(9) وقال «إن المتكبرين يجعلون في صور الذر(10) يتوطأهم الناس حتى يفرغ الله من الحساب»(11) وقال (ع) : «إن في السماء ملكين موكلين بالعباد فمن تواضع رفعاه ومن تكبر وضعاه»(12) .
وعن النبي (ص) : «ما تواضع احد لله إلا رفعه الله تعالى»(13) وعنه (ص) قال : «إنه ليعجبني أن يحمل الرجل الشيء في يده فيكون مهنة(14) لأهله يدفع به الكبر عن نفسه»(15) وعنه (ص) : «انه قال لأصحابه : ما لي لا أرى عليكم حلاوة العبادة قالوا : وما حلاوة العبادة قال : التواضع»(16) وعنه (ص) قال : «إذا رأيتم المتواضعين من امتي فتواضعوا لهم ، وإذا رأيتم

(1) سورة الأعراف : آية 146 .
(2) سورة غافر : آية 35 .
(3) الكافي : ج 2 ص 310 واحياء علوم الدين : ج 3 ص 314 وتنبيه الخواطر : ج 1 ص 198 .
(4) احياء علوم الدين : ج 3 ص 317 .
(5) الكافي : ج 2 ص 309 .
(6) الكافي : ج 2 ص 310 .
(7) الكافي : ج 2 ص 309 .
(8) الكافي : ج 2 ص 312 .
(9) الكافي : ج 2 ص 310 والمحاسن : ج 1 ص 123 .
(10) الذر صغار النمل بحيث لا تكاد ترى .
(11) الكافي : ج 2 ص 311 والمحاسن : ج 1 ص 123 .
(12) المحاسن : ج 1 ص 123 والكافي : ج 2 ص 122 .
(13) امالي الطوسي : ص 56 .
(14) المهنة الخدمة يقال : هو في مهنة اهله أي في خدمتهم .
(15) تنبيه الخواطر : ج 1 ص 201 واحياء علوم الدين ج 3 ص 319 .
(16) تنبيه الخواطر : ج 1 ص 201 واحياء علوم الدين ج 3 ص 319 .
الحقايق في محاسن الأخلاق91

المتكبرين فتكبّروا عليهم ، فان ذلك لهم مذلة وصغار»(1) .
وعن السجاد (ع) : «أنه مرّ على المجذومين وهو راكب حماره وهم يتغذون فدعوه إلى الغذاء فقال : أما لو لا أني صائم لفعلت ، فلما صار إلى منزله أمر بطعام فصنع وأمر أن يتنوقوا(2) فيه ثم دعاهم فتغذوا عنده وتغذى معهم(3) وعن الكاظم (ع) قال : «إن التواضع أن تعطي الناس ما تحب أن تعطاه»(4) .
وفي مصباح الشريعة قال الصادق (ع) : «التواضع اصل كل شرف نفيس ومرتبة رفيعة ، ولو كان للتواضع لغة يفهمها الخلق لنطق عن حقايق ما في مخفيّات العواقب والتواضع ما يكون لله وفي الله وما سواه مكر ومن تواضع لله شرفه الله على كثير من عباده ولأهل التواضع علامات يعرفها أهل السماوات من الملائكة وأهل الارض من العارفين قال الله تعالى : «وعلـى الأعـراف رجـال يعرفون كـلا بسيماهـم»(5) وأصل التواضع من إجلال الله وهيبته وعظمته وليس لله عبادة يرضاها ويقبلها إلا وبابها التواضع ، ولا يعرف ما في حقيقة التواضع إلا المقربون من عباده المتصلين بوحدانيّته قال الله تعالى : «وعباد الرحمن الذين يمشون على الأرض هونا وإذا خاطبهم الجاهلون قالوا سلاما»(6) وقد امر الله عز وجل خير خلقه وسيد بريّته محمدا (ص) بالتواضع فقال عز وجل : «واخفض جناحك لمن اتبعك من المؤمنين»(7) والتواضع مزرعة الخضوع والخشوع والخشية والحياء وأنّهن لا يأتين إلا منها ولا يسلم الشرف التام الحقيقـي إلا للمتواضـع فـي ذات الله»(8) .
الفصل الرابع
في التكبر

التكبر قد يكون على الله كما كان لنمرود وفرعون ، وقد يكون على رسله كما كان لمن كان يقول : أهؤلاء منّ الله عليهم من بيننا ، وقد يكون على سائر الناس بأن يستعظم نفسه ويستصغر غيره فإذا سمع الحق من عبد من عباد الله استنكف من قبوله واشمأز بجحده كما يكون لأكثر المناظرين في العلوم للغلبة والافحام ، ثم قد يكون بالعلم ، وقد يكون بالعبادة والورع ، وقد يكون بالحسب والنسب والجمال والمال والقوة وكثرة الانصار والاتباع .

(1) تنبيه الخواطر : ج 1 ص 210 واحياء علوم الدين ج 3 ص 319 .
(2) تنوق في مطعمه وملبسه تجود وبالغ ، وفي الحديث : تنوقوا بأكفانكم فانكم تبعثون بها .
(3) الكافي : ج 2 ص 123 .
(4) الكافي : ج 2 ص 124 .
(5) سورة الاعراف : آية 46 .
(6) سورة الفرقان : آية 63 .
(7) سورة الشعراء : آية 215 .
(8) مصباح الشريعة : ص 72 .
الحقايق في محاسن الأخلاق92

والتكبر بالعلم له سببان : أحدهما أن يكون اشتغاله بما يسمى علما وليس بعلم حقيقي والثاني أن يخوض في العلم وهو خبيث النفس ردي الأخلاق لم يهذب نفسه أولا ولم يزكها بالمجاهدات ولم يروض نفسه في عبادة ربه ، فبقي خبيث الجوهر فاذا خاض في العلم أي علم كان ، صادف العلم من قلبه منزلا خبيثا فلم يطب ثمره ولم يظهر في الخير أثره .
وعلاجه أن يعلم أن الكبر لا يليق إلا بالله تعالى وحده ، وأنه إذا تكبر صار ممقوتا عند الله بغيضا ، وقد أحب الله منه أن يتواضع فلا بد أن يكلف نفسه ما يحب مولاه وأن يعلم أن حجة الله على أهل العلم أوكد وأنه يحتمل من الجهل ما لا يحتمل عشرة من العالم ، وأنه من عصى الله من معرفة وعلم فجنايته أفحش إذ لم يقض حق نعمة الله عليه في العلم .
ولذلك قال رسول الله (ص) : «يؤتى بالعالم يوم القيامة فيلقى في النار فيندلق اقتابه فيدور بها كما يدور الحمار بالرحى فيطيف به اهل النار فيقول مالك ؟ فيقول : كنت آمر بالخير ولا آتيه ، وأنهى عن الشر وآتيه»(1) ، وقد مثل الله علماء اليهود بالحمار(2) ، وبلعم بن باعورا بالكلب(3) ، وقال عيسى بن مريم : «ويل للعلماء السوء كيف يتلظى عليهم النار»(4) وقال الصادق (ع) : «يغفر للجاهل سبعون ذنبا قبل أن يغفر للعالم ذنب واحد»(5) .
وعلى العابد الورع أن يعلم أن من يتقدّم عليه بالعلم لا ينبغي أن يتكبر عليه لما عرف من فضيلة العلم وكما أن العلم يمكن أن يكون حجة على العالم ، يمكن أن يكون وسيلة له وكفارة لذنوبه إن الحسنات يذهبن السيئات ، وأمر غير العالم في حقه مستور وإنما المدار على الخاتمة فعليه إن رأى من هو شر منه أن يقول : لعل هذا ينجو وأهلك أنا ، فلا يراه شرا منه خائفا من العاقبة ، ويقول : لعل بر هذا باطن فذلك خير له ولا أدري لعل فيه خلق كريم بينه وبين الله عز وجل فيرحمه ويتوب عليه ، ويختم له بأحسن الأعمال وبرّي ظاهر وذلك شر لي لا امن فيها اظهر من الطاعة أن يكون دخلتها الآفات فاحبطتها .
وبالجملة من جوز أن يكون عند الله شقيا وقد سبق القضاء الازلي بشقوته فما له سبيل إلى

(1) احياء علوم الدين : ج 3 ص 339 .
(2) ـ حيث قال : مثل الذين حملو التوراة ثم لم يحملوها كمثل الحمار يحمل أسفارا .
(3) ـ في قوله تعالى : « مثله كمثل الكلب ان تحمل عليه يلهث أو تتركه يلهث » الخ .
(4) ـ الكافي : ج 1 ص 47 .
(5) الكافي : ج 1 ص 47 .
الحقايق في محاسن الأخلاق93

أن يتكبّر بحال من الأحوال ، نعم إذا غلبه الخوف رأى كل احد خيرا من نفسه ، وذلك هو الفضيلة قال الله تعالى : «والذين يؤتون ما آتوا وقلوبهم وجلة»(1) ، أي يؤتون بالطاعات وهم على وجل عظيم من قبولها .
ومن يعتريه الكبر من جهة النسب فليداوِ قلبه بمعرفة أمرين أحدهما أن هذا جهل من حيث تعززه بكمال غيره ولذلك قيل :
لان فخرت بآباء ذوي شرف لقد صدقت ولكن بئس ما ولدوا

والمتكبر بالنسب إن كان خسيسا في صفات ذاته فمن أين يجبر خسته كمال غيره ، بل لو كان الذي ينسب إليه حيّا لكان أن يقول الفضل لي ومن أنت إنما أنت دودة خلقت من فضلتي والثاني أن يعرف نسبه الحقيقي فيعرف أباه وجدّه ، فان أباه القريب نطفة قذرة وجدّه البعيد تراب ذليل ، وعرف الله نسبه فقال : «الذي أحسن كل شيء خلقه وبدا خلق الانسان من طين ثم جعل نسله من سلالة من ماء مهين»(2) وأما الكبر بالجمال فدواؤه ان ينظر إلى باطنه نظر العقلاء ليرى من الفضايح ما يكدر عليه التعزّز بجماله ، فانه وكل به الاقذار في جميع أجزائه : الرجيع في أمعائه ، والبول في مثانته ، والمخاط في أنفه ، والبصاق في فيه ، والوسخ في اذنه ، والدم في عروقه ، والصديد تحت بشرته ، والصنان(3) تحت إبطه ، يغسل الغايط كل يوم دفعة أو دفعتين بيده ، يتردّد إلى الخلاء كل يوم مرة أو مرتين ليخرج من باطنه ما لو رآه بعينه لاستقذره فضلا أن يمسّه أو يشمه ، وفي أول أمره خلق من الاقذار الشنيعة الصّور ، من النطفة ودم الحيض ، وخرج من مجرى البول إلى الرحم مفيض دم الحيض ثم مجرى القذر ، ولو ترك نفسه في حياته يوما لم يتعهده بالتنظيف والغسل لثارت منه الانتان والاقذار ، وسيموت فيصير جيفة اقذر من جميع الاقذار .
وأما التكبر بالقوة ، فيمنعه من ذلك أن يعلم ما سلّط عليه من العلل والأمراض وأنه لو توجّع عرق واحد من بدنه لصار أعجز من كل عاجز وأذل من كل ذليل ، وانه لو سلب الذباب شيئا لم يستنقذه منه ، وان بقة لو دخلت في أنفه أو نملة دخلت في اذنه لقتله ، وان شوكة لو دخلت رجله لأعجزته ؛ وأن حمى يوم تحلل من قوّته ما لا ينجبر في مدّة ، ثم إن أقوى إنسان لا
(1) سورة المؤمنون : آية 60 .
(2) سورة السجدة : آية 7 و 8 .
(3) الصنان ؛ ذفر الابط بالخصوص ، ورائحة معاطن الجسد اذا تغيرت ؛ ومنه الحديث نعم البيت الحمام يذهب بالصنة .
الحقايق في محاسن الأخلاق94

يكون أقوى من حمار أو فيل أو جمل أو بقر ، وأي افتخار في صفة تسبقه البهايم فيها .
وأما التكبر بالغنى وكثرة المال والاتباع فذلك تكبر بمعنى خارج من ذات الانسان ، لا كالجمال والقوة والعمل ، وهذا أقبح أنواع التكبر ، فأفّ لشرف يسبقه اليهود ، وأفّ لشرف يأخذه السارق والمتكبر بتمكن السلطان بناء امره على قلب هو اشد غليانا من القدر فان تغير عليه كان اذل الخلق وكل متكبر بأم خارج من ذاته فهو ظاهر الجهل .

الفصل الخامس
الشفاء من الكبر

اعلم أنه لا يتم الشفاء من الكبر إلا باستئصال اصله من سنخه وقلع شجرته من مغرسه في القلب وذلك بان يعرف ربه وأنه لا تليق العظمة والكبرياء إلا به ، وأن يعرف نفسه حق المعرفة ليعلم أنه بذاته أذل من كل ذليل وأقل من كل قليل ، ولا يليق به إلا التواضع والذل والمهانة وتكفيه آية واحدة من كتاب الله عز وجل ان فتحت بصيرته ، قال الله تعالى : «قتل الانسان ما أكفره من أي شيء خلقه ، من نطفة خلقه ، فقدّره ،ثم السبيل يسّره ، ثم أماته فأقبره ، ثمّ إذا شاء أنشره» (1) نعم لو أكمله وفوض إليه الأمر وأدام له الوجود باختياره لجاز أن يطغى وينسى المبدء والمنتهى ، ولكنه سلط عليه في دوام وجوده الأمراض الهائلة والأسقام العظيمة والآفات المختلفة والطبايع المتضادة ، من المرة والبلغم والريح والدم ليهدم البعض من اجزائه البعض شاء أم أبى ، رضى أم سخط .
فيجوع كرها ويعطش كرها ويمرض كرها ويموت كرها ، لا يملك لنفسه نفعا ولا ضرا ولا خيرا ولا شرا يريد أن يعلم الشيء فيجهله ، ويريد أن يذكر الشيء فينساه ، ويريد أن ينسى الشيء فيغفل عنه فلا يغفل ويريد أن ينصرف قلبه إلى ما يهمه فيحول في أودية الوسواس والأفكار بالاضطرار ، فلا يملك قلبه قلبه ولا نفسه نفسه يشتهي الشيء وربما يكون هلاكه فيه ، ويكره الشيء ويكون حياته فيه ، يستلذ الأطعمة فتهلكه وترديه ، ويستبشع الأدوية وهي تنفعه وتحييه ، ولا يأمن في لحظة من ليله ونهاره أن يسلب سمعه وبصره وعلمه وقدرته وتفلج أعضائه ويختلس عقله ويختطف روحه ويسلب جميع ما يهواه في دنياه ، وهو مضطر ذليل إن ترك ، وإن

(1) سورة عبس : الآية 17 ـ 22 .
الحقايق في محاسن الأخلاق95

اختطف فهو عبد مملوك لا يقدر على شيء من نفسه ولا من غيره ، فأي شيء أذل منه لو عرف نفسه ، وأنى يليق الكبر به لو لا جهله ، فهذا وسط أحواله فليتأمل .
وأما آخره ومورده فهو الموت المشار إليه بقوله : «ثم أماته فأقبره»(1) فيصير جيفة منتنة قذرة ، ثم تبلى أعضاؤه وصورته ، وتفتت أجزاؤه وتنخر عظامه فتصير رميما رفاتا ثم يصير روثا في أجواف الديدان ، يهرب منه الحيوان ويستقذره كل إنسان وأحسن أحواله أن يعود إلى ما كان ، فيصير ترابا يعمل منه الكيزان ويعمر به البنيان ، فما أحسنه لو ترك ترابا بل يحيى بعد طول البلى ليقاسي شدائد البلاء ، فيخرج من قبره بعد جمع أجزائه المتفرقة ، ويخرج إلى أهوال القيامة فينظر إلى قيامة قائمة ، وسماء ممزّقة مشققة ، وأرض مبدلة ، وجبال ميسرة ، ونجوم منكدرة ، وشمس منكسفة ، وأحوال مظلمة وملائكة غلاظ شداد ، وجحيم تزفر ، وجنة ينظر إليها المجرم فيتحسّر ، ويرى صحايف منشورة كتب فيها ما نطق به وعمل من قليل وكثير ونقير وقطمير ، وهو معنى قوله عز وجل : «ثم إذا شاء أنشره»(2) فما لمن هذا حاله والتكبر ، بل ما له وللفرح في لحظة فضلا عن البطر والتجبر .
وأما العلاج العملي فهو التواضع بالفعل لله تعالى ، ولسائر الخلق بالمواظبة على أخلاق المتواضعين .
فقد ورد أن رسول الله (ص) : «كان يأكل على الأرض ويقول : إنما أنا عبد اكل كما يأكل العبد»(3) .
وقيل لسلمان : لم لا تلبس جيّدا ؟ فقال : إنما أنا عبد فاذا اعتقت يوما لبست أشار به إلى العتق في الآخرة ، وللمتواضع امتحانات يعرف لها تواضعه فلا بد أن يمتحن نفسه بها حتى يطمئن بأنه متواضع ، فانه قد يضمر التواضع ويدعي البراءة من الكبر فاذا وقعت الواقعة عادت النفس إلى طبعها ، ونسيت وعدها ، ثم المحمود أن يتواضع في غير مذلة ومن غير تخاسر ، فان كلا طرفي الامور ذميم ، وأحب الامور إلى الله أوسطها ، وهو أن يعطى كل ذي حق حقه وهو العدل .
(1) سورة عبس آية 21 .
(2) سورة عبس آية 22 .
(3) احياء علوم الدين : ج 3 ص 336 .
الحقايق في محاسن الأخلاق96

الفصل السادس
في العجب

وأما العجب فهو إعظام النعمة والركون إليها مع نسيان إضافتها إلى المنعم فان كان خائفا على زوالها مشفقا على تكدّرها ، أو يكون فرحه بها من حيث إنه من الله من دون إضافتها إلى نفسه فليس بمعجب ، فان أضاف إلى ذلك أن غلب على نفسه ان له عند الله حقا وأنه منه بمكان ويستبعد أن يجري عليه مكروه سمي إدلالا بالعمل ، فكأنه يرى لنفسه على الله دالة ، وكذلك قد يعطي غيره شيئا فيستعظمه ويمن عليه ، فيكون معجبا فان استخدمه أو اقترح عليه الاقتراحات أو استبعد تخلّفه عن قضاء حقوقه كان مدلا عليه قال الله تعالى في معرض الانكار : «ويوم حنين إذ أعجبتكم كثرتكم»(1) وقال عز وجل : «وظنوا أنهم مانعتهم حصونهم من الله فأتاهم الله من حيث لم يحتسبوا»(2) وقال تعالى : «وهم يحسبون أنهم يحسنون صنعا»(3) وهذا أيضا يرجع إلى العجب بالعمل ، وقد يعجب الانسان بعمل هو مخطئ فيه كما يعجب بعمل هو مصيب فيه قال الله تعالى : «أفمن زين له سوء عمله فرءاه حسنا»(4) وقال النبي (ص) : «ثلاث مهلكات : شح مطاع ، وهوى متّبع ، واعجاب المرء بنفسه»(5) وقال (ص) : «إذا رأيت شحا مطاعا وهوى متبعا وإعجاب كل ذي رأي برايه ، فعليك بخاصة نفسك»(6) وقال (ص) : «لو لم تذنبوا لخشيت عليكم ما هو أكبر من ذلك العجب العجب»(7) .
وقال الصادق (ع) : «إن الله تعالى علم أن الذنب خير للمؤمن من العجب ولولا ذلك ما ابتلى مؤمنا بذنب أبدا»(8) وقال «ان الرجل ليذنب الذنب فيندم عليه ويعمل العمل فيسرّه ذلك فيتراخى عن حاله تلك فلان يكون على حاله تلك خير له ممّا دخل فيه»(9) وعنه (ع) قال : «اتى عالم عابدا فقال له : كيف صلاتك ؟ فقال : مثلي يسأل عن صلاته وأنا أعبد الله منذ كذا وكذا قال : وكيف بكاؤك ؟ قال : أبكي حتى تجري دموعي فقال العالم إن ضحكك وأنت خائف أفضل من بكائك وأنت مدل إن المدل لا يصعد من عمله شيء»(10) .

(1) سورة التوبة : آية 25 .
(2) سورة الحشر : آية 2 .
(3) سورة الكهف : آية 104 .
(4) سورة فاطر : آية 8 .
(5) العوالي : ج 1 ص 273 واحياء علوم الدين : ج 3 ص 344 .
(6) احياء علوم الدين : ج 3 ص 344 .
(7) احياء علوم الدين : ج 3 ص 345 .
(8) الكافي : ج 2 ص 313 والاختصاص : ص 242 .
(9) الكافي : ج 2 ص 313 .
(10) الكافي : ج 2 ص 313 .
الحقايق في محاسن الأخلاق97

وعن الباقر (ع) : «دخل رجلان المسجد أحدهمها عابد والآخر فاسق فخرجا من المسجد والفاسق صديق والعابد فاسق ، وذلك إنه دخل العابد المسجد مدلا بعبادته يدل بها فتكون فكرته في ذلك ، وتكون فكرة الفاسق في الندم على فسقه ويستغفر الله مما صنع من الذنب»(1) .
وقال النبي (ص) : قال موسى لابليس : «أخبرني بالذنب الذي إذا أذنبه ابن آدم استحوذت عليه فقال : إذا أعجبته نفسه ، واستكثر «واستكبر خ» عمله ، وصغر في عينه ذنبه»(2) وقال (ص) : «قال الله تعالى لداود : «بشّر المذنبين وأنذر الصديقين» قال داود : كيف ابشر المذنبين وانذر الصديقين ؟ قال : يا داود بشر المذنبين أني أقبل التوبة وأعفو عن الذنب ، وأنذر الصديقين أن لا يعجبوا بأعمالهم ، فانّه ليس عبد أنصبه للحساب إلا هلك»(3) .
وعن الكاظم (ع) أنّه سئل عن العجب الذي يفسد العمل ، قال (ع) : «العجب درجات منها أن يزيّن للعبد سوء عمله فرآه حسنا فيعجبه فيحسب أنه يسحن صنعا ومنها أن يؤمن العبد بربه فيمنّ على الله ولله عليه فيه المن»(4) .
وفي مصباح الشريعة قال الصادق (ع) : «العجب كل العجب ممن يعجب بعمله وهو لا يدري بم يختم له ، فمن أعجب بنفسه وفعله فقد ضل عن نهج الرشاد وادعى ما ليس له ، والمدعي من غير حق كاذب وإن خفى دعواه وطال دهره فانه أوّل ما يفعل بالمعجب نزع ما اعجب به ليعلم أنه عاجز فقير ويشهد على نفسه لتكون الحجة عليه أوكد كما فعل ابليس والعجب نبات حبّها الكفر وأرضها النفاق وماؤها البغي وأغصانها الجهل وورقها الضلالة وثمرها اللعنة والخلود في النار ، فمن اختار العجب فقد بذر الكفر وزرع النفاق ولا بد من أن يثمر ويصير إلى النار»(5) .

الفصل السابع
آفات العجب

اعلم أن آفات العجب كثيرة منها أنه يدعو إلى الكبر لأنه أحد أسبابه كما أشرنا إليه ومنها أنه يدعو الى نسيان الذنوب وما يتذكر منها فيستصغرها ولا يستعظمها فلا يجتهد في تداركها

(1) الكافي : ج 2 ص 414 .
(2) الكافي : ج 2 ص 314 .
(3) الكافي : ج 2 ص 314 .
(4) الكافي : ج 2 ص 313 .
(5) مصباح الشريعة : ص 81 .
الحقايق في محاسن الأخلاق98

وتلافيها بل يظن أنها تغفر له وأما العبادات فيستعظمها ويتبجح بها ويمن على الله بفعلها وينسى نعمة الله عليه بالتوفيق والتمكين منها ، ثم إذا أعجب بها عمي عن آفاتها ومن لم يتفقد آفات الأعمال كان أكثر سعيه ضايعا ، فان الأعمال الظاهرة إذا لم تكن خالصة نقيّة عن الشوايب قلّما تنفع .
وإنما يتفقد من يغلب عليه الاشفاق والخوف دون العجب والمعجب يغتر بنفسه وبربه ، ويأمن مكر الله وعذابه ويظن أنه عند الله بمكان وان له عند الله منّة وحقا بأعماله التي هي نعمة من نعمه وعطيّة من عطاياه ويحوجه العجب إلى أن يثنى على نفسه ويحمدها ويزكيها فان أعجب برأيه وعلمه وعقله منعه ذلك من الاستفادة والاستشارة والسؤال فيستند بنفسه وبرأيه ويستنكف عن سؤال من هو أعلم منه .
وربما يعجب بالرأي الخطاء الذي خطر له فيفرح بكونه من خواطره ولا يفرح بخاطر غيره ، فيصر عليه ولا يسمع نصح ناصح ولا وعظ واعظ بل ينظر إلى غيره بعين الاستجهال ولو اتهم نفسه ولم يثق برأيه واستضاء بنور القرآن واستعان بعلماء الدين وواظب على مدارسة العلم وسؤال أهل البصيرة لكان ذلك يوصله إلى الحق ، فهذا وأمثاله من آفات العجب ولذلك كان من المهلكات .
ومن أعظم آفاته أنه يفتر في السعي لظنه أنه قد فاز واستغنى وهو الهلاك الصريح الذي لا شبهة فيه .

الفصل الثامن
الاعجاب بأسباب التكبر

اعلم أن الإنسان قد يعجب بالأسباب التي بها يتكبر ، وعلاجه ما ذكرنا في الكبر ، وقد يعجب بما لا يتكبر به كعجبه بالرأي الخطاء الذي يزين له بجهله وقد أخبر رسول الله (ص) أن ذلك يغلب على آخر هذه الأمة وبذلك هلك الامم إذا افترقت فرقا ، وكل معجب برأيه وكل حزب بما لديهم فرحون ، وجميع أهل البدع والضلال إنما أصرّوا عليها لعجبهم بآرائهم وهو ما يسوق إليه الهوى والشبهة مع كون ظنه حقا .
وعلاج هذا العجب أشد من غيره لأن صاحب الرأي الخطاء جاهل بخطائه ولو عرفه لتركه ولا يعالج الداء الذي لا يعرف ، والعارف يقدر على أن يبيّن للجاهل جهله ويزيله عنه إلا إذا

الحقايق في محاسن الأخلاق99

كان معجبا برأيه وجهله ، فانه لا يصغي إلى العارف ويتهمه ، وقد سلط الله عليه بلية مهلكة وهو يظنها نعمة ، وكيف يمكن الهرب مما هو سبب سعادته في اعتقاده .
وإنما علاجه في الجملة أن يكون متّهما لرأيه أبدا لا يغتر به إلا أن يشهد له قاطع من كتاب الله العزيز أو سنّة رسوله (ص) أو دليل عقلي صحيح جامع لشروط الأدلة ، ولن يعرف الانسان أدلة الشرع والعقل وشروطها ومكان الغلط فيها إلا بقريحة تامّة وعقل ثابت وجد وتشمير في الطلب وممارسة الكتاب والسنة ومجالسة لأهل العلم طول العمر ومدارسة للعلوم ، ومع ذلك فلا يؤمن عليه الغلط في بعض الأمور .
والصواب لمن لم يتفرغ لاستغراق عمره في العلم أن لا يخوض في المذاهب ولا يصغي إليها ولا يسمعها ولكن يعتقد أن الله واحدا لا شريك له ، وأنه ليس كمثله شيء وهو السميع البصير ، وأن رسوله صادق فيما أخبره به ويتبع أئمة الهدى من اهل بيت النبي صلوات الله وسلامه عليه وعليهم ، ويؤمن بجملة ما جاء به الكتاب والسنة من غير بحث وتفتيش ويشتغل بالتقوى واجتناب المعاصي والشفقة على المسلمين وساير الأعمال المرضية .

الفصل التاسع
علاج العجب

ولما كان علاج كل علّة بمقابلة سببها بضده ، وعلة العجب الجهل المحض فعلاجه المعرفة المضادة لذلك الجهل فقط ، فلنفرض العجب بفعل داخل تحت اختيار العبد كالعبادات ، فان العجب بهذا أغلب من العجب بالجمال والقوة والنسب وما لا يدخل تحت اختياره ولا يراه من نفسه فنقول :
الورع والتقوى والعبادة والعمل الذي به يعجب إما أن يكون يعجب به من حيث إنه فيه وهو محلّه ومجراه ، أو من حيث إنه منه وبسببه وقدرته وقوته ، فان كان الأول فهو جهل لان المحل مسخر وإنما يجري فيه وعليه من جهة غيره لا مدخل له في الايجاد والتحصيل فكيف يعجب بما ليس إليه ، وإن كان الثاني فينبغي أن يتأمل في قدرته وإرادته وأعضائه وساير الأسباب التي تم بها عمله أنها من أين كانت له فان كان علم أن جميع ذلك نعمة من الله إليه من غير حق سبق له ومن غير وسيلة يدلى بها فينبغي أن يكون إعجابه بجود الله تعالى وكرمه وفضله إذ افاض عليه ما لا يستحقه وآثره به على غيره من غير سابقة ووسيلة فان قال وفقني للعبادة لحبي له

السابق السابق الفهرس التالي التالي