الحقايق في محاسن الأخلاق 80

يبقى على ما كان فان أمكنه أن يزيد في الاحسان مجاهدة للنفس وإرغاما للشيطان فذلك مقام الصديقين .
قال رسول الله (ص) : «ألا أخبركم بخير خلايق الدنيا والآخرة ، العفو عمن ظلمك ، وتصل من قطعك ، والاحسان إلى من اساء اليك ، وإعطاء من حرمك»(1) وقال (ص) : «عليكم بالعفو فان العفو لا يزيد العبد إلا عزّا فتعافوا يعزّكم الله»(2) وقال الباقر (ع) : «الندامة على العفو أفضل وايسر من الندامة على العقوبة»(3) وعن النبي (ص) : «ان الرفق لم يوضع على شيء إلا زانه ، ولم ينزع من شيء إلا شانه»(4) وقال الباقر (ع) : «ان لكل شيء قفلا وقفل الايمان الرفق»(5) وقال (ع) : «إن الله رفيق يحب الرفق ويعطي على الرفق ما لا يعطي على العنف»(6) وقال الصادق (ع) : « من كان رفيقا في أمره نال ما يريد من الناس»(7) وقال الكاظم (ع) : «الرفق نصف العيش»(8) .
الفصل الرابع
الحسد من نتائج الحقد

واعلم أن الحسد من نتايج الحقد كما أن الحقد من نتايج الغضب ، ثم للحسد من الفروع الذميمة ما لا يكاد يحصى قال الله تعالى في معرض الانكار . «أم يحسدون الناس على ما آتيهم الله من فضله»(9) وقال عز وجل : «ود كثير من أهل الكتاب لو يردّونكم من بعد ايمانكم كفارا حسدا من عند أنفسهم»(10) وقال : «إن تمسسكم حسنة تسؤهم وإن تصبكم سيئة يفرحوا بها»(11) وذكر الله تعالى حسد اخوة يوسف وعبّر عما في قلوبهم وما اداهم اليه من الرضا بقتله ثم ما أصابهم من ذلك .
وقال رسول الله (ص) : «الحسد يأكل الحسنات كما تأكل النار الحطب»(12) قال

(1) الكافي : ج 2 ص 107 .
(2) الكافي : ج 2 ص 108 .
(3) الكافي : ج 2 ص 108 .
(4) الكافي : ج 2 ص 119 .
(5) الكافي : ج 2 ص 118 .
(6) احياء علوم الدين : ج 3 ص 175 والكافي : ج 2 ص 119 .
(7) الكافي : ج 2 ص 120 .
(8) تحف العقول : ص 45 .
(9) سورة آل عمران : الآية 120 .
(10) سورة البقرة : الآية 109 .
(11) سورة آل عمران : الآية 120 .
(12) تنبيه الخواطر : ج 1 ص 126 وارشاد القلوب : ص 130 والكافي : ج 2 ص 306 وكنز الفوائد : ج 1 ص 136 .
الحقايق في محاسن الأخلاق 81

(ص) : «قال الله تعالى لموسى بن عمران : يابن عمران لا تحسدن الناس على ما اتيتهم من فضلي ولا تمدّن عينيك الى ذلك ولا تتبعه فان الحسد ساخط لنعمي صاد لقسمي الذي قسمت بين عبادي ومن يك كذلك فلست منه وليس مني»(1) .
وقال (ص) : «استعينوا على قضاء الحوائج بالكتمان ، فان كل ذي نعمة محسود»(2) قال (ص) : «ثلاثة لا ينجو منهن أحد ، وفي رواية قلما ينجو منهن أحد : الظن ، والحسد ، والطيرة وساحدّثكم بالمخرج من ذلك إذا ظننت فلا تحقق وإذا تطيرت فامض ، فاذا حسدت فلا تبغ»(3) قال الصادق (ع) : «آفة الدين الحسد والعجب و الفخر»(4) .
وفي مصباح الشريعة قال الصادق (ع) «الحاسد مضر بنفسه قبل أن يضر بالمحسود كابليس أورث بحسده لنفسه اللعنة ولآدم (ع) الاجتباء والهدى والرفع إلى محل حقايق العهد والاصطفاء ، فكن محسودا ولا تكن حاسدا فان ميزان الحاسد أبدا خفيف بثقل ميزان المحسود ، والرزق مقسوم فماذا ينفع الحسد الحاسد وما يضر المحسود الحسد ، والحسد أصله من عمى القلب وجحود فضل الله وهما جناحان للكفر وبالحسد وقع ابن آدم في حسرة الأبد وهلك مهلكا لا ينجو منه ابدا ولا توبة للحاسد لأنه مصر عليه معتقد به مطبوع فيه يبدو بلا معارضة به ولا سبب والطبع لا يتغير عن الأصل وإن عولج»(5) .

الفصل الخامس
معنى الحسد

معنى الحسد كراهة النعمة على المحسود وحب زوالها منه فان من لم يحب زوالها ولا يكره دوامها عليه ولكن يشتهي لنفسه مثلها يسمى غبطة ، وقد يسمى منافسة قال الله تعالى : «وفي ذلك فليتنافس المتنافسون»(6) والغبطة إن كانت في الدنيا فمباح ، وإن كانت في الدين فمندوب اليها .

(1) الكافي : ج 2 ص 307 .
(2) تنبيه الخواطر : ج 1 ص 127 واحياء علوم الدين : ج 3 ص 177 وتحف العقول : ص 40 .
(3) احياء علوم الدين : ج 3 ص 177 .
(4) الكافي : ج 2 ص 307 .
(5) مصباح الشريعة : ص 104 .
(6) سورة المطففين : الآية 26 .
الحقايق في محاسن الأخلاق82

قال النبي (ص) : «المؤمن يغبط والمنافق يحسد»(1) وقال «لا حسد إلا في اثنين رجل آتاه الله مالا فسلطه على هلكته في الحق ، ورجل آتاه الله علما فهو يعمل به ويعلمه الناس»(2) سمّي الغبطة حسدا وهذا كما قد يسمى الحسد منافسة فان أصاب النعمة كافر أو فاجر وهو يستعين بها على تهيّج الفتنة وإفساد ذات البين وايذاء الخلق فلا يضر كراهتها عليه وحب زوالها منه من حيث إنه آلة للفساد لا من حيث إنها نعمة .
واسباب الحسد المذموم العداوة ، والتعزز ، والكبر ، والتعجب ، والخوف من فوت المقاصد المحبوبة ، وحب الرياسة ، وخبث النفس وبخلها ، فانه انما يكره النعمة عليه إما لأنه عدوّه فلا يريد له الخير ، وإما أن يكون من حيث يعلم أنه سيتكبر بالنعمة عليه إما لأنه عدوّه فلا يريد له الخير ، وإما أن يكون من حيث يعلم أنه سيتكبر بالنعمة عليه وهو لا يطيق احتمال كبره وتفاخره لعزة نفسه وهو المراد بالتعزّز ، واما ان تكون في طبعه أن يتكبر على المحسود ويمتنع ذلك عليه بنعمته وهو المراد بالتكبر ، وإما أن تكون النعمة عظيمة والمنصب كبيرا فيتعجب من فوز مثله بمثل تلك النعمة وهو المراد بالتعجب ، وإنما يخاف من فوات مقصده بسبب نعمته بأن يتوصل بها إلى مزاحمته في أغراضه ، وإما أن يكون بحب الرياسة التي يبتني على الاختصاص بنعمة لا يساوي فيها ، وإما أن لا يكون بسبب من هذه الاسباب بل لخبث النفس وشحّها بالخير لعباد الله وإن كانت النعمة لا تنتقل اليه .
وقد يجتمع هذه الاسباب أو أكثرها في شخص واحد ، فيعظم الحسد لذلك ويقوي قوة لا يقدر معها على الاختفاء والمجاملة فيهتك حجاب المجاملة ، ويظهر العداوة بالمكاشفة .

الفصل السادس
منشأ الحسد حب الدنيا

هذه الاسباب إنما تكثر بين أقوام تجمعهم روابط يجتمعون بسببها في مجالس المخاطبات ويتواردون على الأغراض فاذا خالف واحد صاحبه في غرض من أغراضه نفر طبعه وأبغضه وثبت الحقد فيه . فعند ذلك يريد أن يستحقره ويتكبر عليه ويكافيه على مخالفته لغرضه ويكره تمكنه من النعمة التي توصله إلى أغراضه ، وإذ لا رابطة بين شخصين في بلدتين متباينتين فلا يكون

(1) الكافي : ج 2 ص 307 وفيه «المؤمن يغبط ولا يحسد والمنافق يحسد ولا يغبط» .
(2) أخرجه ابن ماجة تحت رقم 4208 من حديث عبد الله بن مسعود .
الحقايق في محاسن الأخلاق83

بينهما محاسدة ، نعم إذا تجاوروا في مسكن أو سوق أو مسجد أو مدرسة تواردوا على مقاصد تتناقض فيها أغراضهم فيثور من التناقض التنافر والتباغض ، ومنه تثور بقية الاسباب .
فلذلك ترى العالم يحسد العالم دون العابد ، والعابد يحسد العابد دون العالم ، والتاجر يحسد التاجر دون غيره إلا بسبب آخر سوى الاجتماع في الحرفة ، ويحسد الرجل أخاه وابن عمّه أكثر ممّا يحسد الأجانب ، والمرأة تحسد ضرّتها وسرية زوجها أكثر مما تحسد ام الزوج وابنته ، وذلك للتزاحم على المقاصد ، نعم من اشتد حرصه على الجاه وأحب الصيت في جميع أطراف العالم بما هو فيه فانه يحسد كل من هو في العالم ممن يساهمه في الخصلة التي يتفاخر لها .
ومنشأ جميع ذلك كله حب الدنيا ، فان الدنيا هي التي تضيق على المتزاحمين ، أما الآخرة فلا ضيق فيها وإنما مثال الآخرة نعمة علم الآخرة فلا جرم من يحب معرفة الله تعالى وصفاته وملائكته وأنبيائه وملكوت أرضه وسمائه لم يحسد غيره إذا عرف ذلك ايضا ، لأن المعرفة لا تضيق على العارفين بل المعلوم الواحد يعرف ألف ألف عالم ويفرح بمعرفته ويلتذ ولا تنقص لذة أحد بسبب غيره ، بل يحصل بكثرة العارفين زيادة الانس وثمرة الافادة والاستفادة ، إذ معرفة الله بحر واسع لا ضيق فيه ، والمنزلة عند الله أيضا لا ضيق فيها لان أجل ما عند الله من النعم لذة لقائه وليس فيها ممانعة ولا مزاحمة ، بل يزيد الانس بكثرتهم .
نعم إذا قصد العلماء بالعلم المال والجاه تحاسدوا ، لأن المال هو أعيان وأجسام إذا وقعت في يد واحد خلت عنها يد الآخرين ، ومعنى الجاه ملك القلوب ومهما امتلأ شخص بتعظيم عالم انصرف عن تعظيم الآخر أو نقص عنه لا محالة فيكون ذلك سببا للمحاسدة .

الفصل السابع
الحسد من الأمراض العظيمة

اعلم أن الحسد من الأمراض العظيمة للقلوب ولا يداوي أمراض القلب إلا بالعلم والعمل ، والعلم النافع لمرض الحسد أن تعرف تحقيقا أن الحسد ضرر عليك في الدين والدنيا ، وأنه لا ضرر به على المحسود في الدين ولا في الدنيا ، بل ينتفع به فيهما ، ومهما عرفت هذا عن بصيرة ولم تكن عدو نفسك ولا صديق عدوّك فارقت الحسد لا محالة .
أما كونه ضررا عليك في الدين فهو أنك بالحسد سخطت قضاء الله وكرهت نعمته التي

الحقايق في محاسن الأخلاق84

قسمها لعباده وعدله الذي أقامه في مملكته بخفي حكمته ، واستنكرت ذلك واستبشعته وهذه جناية على حدقة التوحيد وقذى في عين الايمان .
وناهيك بها جناية على الدين وقد انضاف إليه أنك غششت رجلا من المؤمنين ، وتركت نصيحته وفارقت أولياء الله وأنبيائه في حبهم الخير لعباد الله ، وشاركت إبليس وساير الكفار في حبهم للمؤمنين البلايا وزوال النعم ، وهذه خبائث في القلب تأكل حسنات القلب كما تأكل النار الحطب وتمحوها كما يمحو الليل النهار .
واما كونه ضررا في الدنيا عليك فهو أنك تتألم بحسدك وتتعذب به ولا تزال في كد وغم ، إذ اعداؤك لا يخليهم الله عن نعم يفضيها عليهم ، فلا تزال تتعذب بكل نعمة تريها ، وتتألم بكل بليّة تنصرف عنهم ، فتبقى محزونا مغموما متشعّب القلب ضيق النفس كما تشتهيه لأعدائك وكما يشتهي أعداؤك لك ، فقد كنت تريد المحنة لعدوّك فتنجزت في الحال محنتك نقدا ولا تزول النعمة من المحسود بحسدك ، إذ لو كانت النعم تزول بالحسد لم يبق الله عليك نعمة ولا على الخلق ولا نعمة الايمان أيضا لأن الكفار يحسدون المؤمنين على الايمان قال الله تعالى : «ودّت طائفة من أهل الكتاب لو يضلّونكم وما يضلون إلا أنفسهم وما يشعرون»(1)بل ما قدره الله من إقبال ونعمة فلا بد أن يدوم إلى أجل قدره الله ولا حيلة في دفعه ، بل كل شيء عنده بمقدار ، ولكل أجل كتاب ، ومهما لم تزل النعمة بالحسد لم يكن على المحسود ضرر في الدنيا ، ولم يكن عليه إثم في الآخرة .
وأما أن المحسود ينتفع في الدين و الدنيا فواضح ، أما منفعته في الدين فهو أنه مظلوم من جهتك لا سيّما إذا أخرجك الحسد إلى القول والفعل بالغيبة والقدح فيه وهتك ستره وذكر مساويه ، فهذه هدايا تهديها إليه بانتقاله حسناتك إلى ديوانه حتى تلقيه مفلسا محروما عن النعمة كما حرمت في الدنيا عن النعمة فأضفت له نعمة إلى نعمة ، وأضفت لنفسك شقاوة إلى شقاوتك .
وأما منفعته في الدنيا فهو أن أهم أغراض الخلق مساءة الأعداء وغمّهم وشقاوتهم وكونهم معذبين مغمومين ، ولا عذاب أعظم مما أنت فيه من ألم الحسد ، وقد فعلت بنفسك ما هو مرادهم ، فالحسد ينبغي أن يحكم الحسد فكلما يتقاضاه من قول وفعل ينبغي أن يكلف نفسه

(1) سورة آل عمران : آية 69 .
الحقايق في محاسن الأخلاق85

بنقيضها ، فان بعثه الحسد على القدح فيه كلف لسان المدح له والثناء عليه ، وإن حمله على التكبر ألزم نفسه التواضع له والاعتذار إليه ، وإن بعثه على كف الانعام عنه الزم نفسه الزيادة في الانعام ، فمهما فعل ذلك عن تكلف وعرفه المحسود طاب قلبه وأحبّه ، ومهما أحبّه عاد الحاسد وأحبّه وتولد بينهما الموافقة التي تقطع مادة الحسد ويصير ما تكلفه اولا طبعا آخر ، والأصل في العلاج قمع أسباب الحسد من الكبر وعزة النفس وشدة الحرص على ما لا يعني كما يأتي بيانه .

الباب الرابع
في الرياء والكبر والعجب وعلاجهم

في الرياء والكبر والعجب اعلم أن الرياء بالعبادة حرام وصاحبه ممقوت عند الله قال الله تعالى : «ويل للمصلين الذين هم عن صلاتهم ساهون الذين هم يراؤن ويمنعون الماعون»(1) وقال تعالى : «يراؤن الناس ولا يذكرون الله إلا قليلا»(2) وقال عز وجل : «كالذي ينفق ماله رئاء الناس»(3) .
وقال رسول الله (ص) : يقول الله تعالى : «من عمل عملا اشرك فيه غيري فهو له كله وأنا منه بريء وأنا أغنى الاغنياء عن الشرك»(4) قال (ص) : «ان أدنى الرياء شرك»(5) وقال «سيأتي على الناس زمان تخبث فيه سرائرهم وتحسن فيه علانيتهم طمعا في الدنيا لا يريدون به ما عند ربهم يكون دينهم رياء لا يخالطهم خوف فيعمّهم الله بعقاب فيدعونه دعاء الغريق فلا يستجاب لهم»(6) وقال (ص) : «إن الملك ليصعد بعمل العبد متبهّجا به فاذا صعد بحسناته يقول الله تعالى : اجعلوها في سجين إنه ليس إياي أراد بها»(7) .
وقال امير المؤمنين (ع) : «اخشوا الله خشية ليست بتعذير واعملوا لله في غير رياء ولا سمعة فانه من عمل لغير الله وكله الله إلى عمله»(8) وقال (ع) : «ثلاث علامات للمرائي ينشط إذا رأى الناس ، ويكسل إذا كان وحده ، ويحب أن يحمد في جميع اموره»(9) .

(1) سورة الماعون : آية 4 ـ 7 .
(2) سورة النساء : آية 142 .
(3) سورة البقرة : آية 264 .
(4) احياء علوم الدين : ج 3 ص 275 .
(5) احياء علوم الدين : ج 3 ص 275 .
(6) الكافي : ج 2 ص 296 .
(7) الكافي : ج 2 ص 295 .
(8) الكافي : ج 2 ص 297 .
(9) الكافي : ج 2 ص 295 .
الحقايق في محاسن الأخلاق86

وعن الباقر (ع) : «الابقاء على العمل أشد من العمل ، قيل : وما الابقاء على العمل ؟ قال أن يصل الرجل بصلة وينفق نفقة لله وحده لا شريك له فكتبت له سرا ، ثم يذكرها فتمحى فتكتب له علانية ، ثم يذكرها فتمحى وتكتب له رياء»(1) .
وقال الصادق (ع) : «قال الله تعالى : أنا خير شريك من أشرك معي غيري في عمل عمله لم أقبله إلا ما كان لي خالصا»(2) وقال : «كل رياء شرك إنه من عمل للناس كان ثوابه على الناس ، ومن عمل لله كان ثوابه على الله»(3) وقال (ع) في قول الله تعالى : «فمن كان يرجوا لقاء ربه فليعمل عملا صالحا ولا يشرك بعبادة ربه أحدا»(4) قال «الرجل يعمل شيئا من الثواب لا يطلب به وجه الله إنما يطلب تزكية الناس يشتهي أن يسمع به الناس فهذا الذي أشرك بعبادة ربه ثم قال : ما من عبد أسر خيرا فذهبت الايام أبدا حتى يظهر الله له خيرا ، وما من عبد يسر شرا فذهبت الأيام حتى يظهر الله له شرا»(5) .
وقال (ع) : «ما يصنع أحدكم أن يظهر حسنا ويسر سيئا أليس يرجع إلى نفسه فيعلم أن ذلك ليس كذلك والله عز وجل يقول : «بل الانسان على نفسه بصيرة»(6) إن السريرة إذا صحت قويت العلانية»(7) .
وقال : «من أراد الله بالقليل من عمله أظهر الله أكثر مما أراد ومن أراد الناس بالكثير من عمله في تعب من بدنه وسهر من ليله أبى الله عز وجل إلا أن يقلّله في عين من سمعه»(8) .
ولا بأس بالسرور إذا كان قصده إخفاء الطاعة والاخلاص لله لكن لما اطلع الله عليه الخلق وعلم أن الله اطلعهم عليه وأظهر الجميل من حاله فيستدل به على حسن صنيع الله به ونظره له وألطافه به فانّه يستر الطاعة والمعصية ثم الله يستر عليه المعصية ويظهر الطاعة فيكون فرحه بجميل نظر الله له لا بحمد الناس قيام المنزلة في قلوبهم وقد قال : «قل بفضل الله وبرحمته فبذلك فليفرحوا»(9) .
وكذلك إذا استدل باظهار الله تعالى الجميل وستره القبيح عليه في الدنيا أنه كذلك يفعل

(1) الكافي : ج 2 ص 296 .
(2) الكافي : ج 2 ص 295 وتفسير العياشي : ج 2 ص 353 .
(3) الكافي : ج 2 ص 293 .
(4) سورة الكهف : آية 110 .
(5) الكافي : ج 2 ص 293 .
(6) سورة القيامة : الآية 14 .
(7) الكافي : ج 2 ص 295 .
(8) الكافي : ج 2 ص 296 .
(9) سورة يونس : آية 58 .
الحقايق في محاسن الأخلاق87

به في الآخرة قال رسول الله (ص) : «ما ستر الله على عبد في الدنيا إلا ستر عليه في الآخرة ، فيكون الأول فرحا بالقبول في الحال وهذا التفاوت إلى المستقبل»(1) وكذا إذا ظن رغبة المطلعين على الاقتداء به في الطاعة فيتضاعف بذلك أجره فيكون له أجر العلانية بما ظهر آخرا ، وأجر السر بما قصده أولا ، ومن اقتدى به في طاعة فله أجر أعمال المقتدين به من غير أن ينقص من اجورهم شيء ، وكذا إذا فرح بطاعتهم لله في مدحتهم وبحبّهم للمطيع وبميل قلوبهم إلى الطاعة .
روى أن رجلا قال لرسول الله (ص) : «يا رسول الله اسر العمل لا احب أن يطلع عليه أحد فيطلع عليه فيسرني ، قال : لك أجران أجر السر وأجر العلانية»(2) وعن الباقر (ع) : «أنه سئل عن الرجل يعمل الشيء من الخير فيراه إنسان فيسرّه ذلك قال : لا بأس ما من أحد إلا وهو يحب أن يظهر الله له في الناس الخير إذا لم يكن صنع ذلك لذلك»(3) .
وكذا الكلام في كتمان المعاصي لا لأن يعتقد فيه الورع بل للتحامي عن الهتك أو لأن الستر مأمور به ويعرف بكراهة ظهورها من الغير أو لأنه يتألم بالذم فهو مباح لكونه جليّا أو لأن الناس شهداءه كما ورد ، أو لأن الذام يصير عاصيا ويعرف بتسوية ذمّه وذم غيره أو لخوف أن يقصد بسوء أو للحياء فهو كرم الطبع كما ورد : الحياء كله خير ، الحياء شعبة من الايمان ، أو لأن لا يقتدي به الغير أو حبّه محبّة الناس له ليعلم محبة الله له فان من أحبّه الله تعالى جعله محبوبا في قلوب الناس .

الفصل الاول
الرياء في العبادة

اعلم أن الرياء بالعبادة إنما ينشأ من حب لذة الحمد والفرار من ألم المذمة والطمع لما في أيدي الناس فمهما عرف العبد مضرّة الرياء وما يفوته من صلاح قلبه وما يحرم عنه في الحال من التوفيق وفي الآخرة من المنزلة عند الله وما يتعرّض له من العقاب والمقت والخزي ، وقابل ما يحصل له من العباد والتزين لهم في الدنيا بما يفوته من الآخرة وما يحبط عليه من ثواب

(1) تنبيه الخواطر : ج 1 ص 189 وفي احياء علوم الدين ج 3 ص 287 .
(2) احياء علوم الدين ج 3 ص 288 .
(3) الكافي : ج 2 ص 297 .
الحقايق في محاسن الأخلاق88

الأعمال لترك الرياء لا محالة مع أن العمل الواحد ربّما كان يترجح به ميزان حسناته لو خلص ، فاذا فسد بالرياء حوّل إلى كفة السيئات فترجح به ويهوي إلى النار هذا .
مع ما يتعرض له في الدنيا من تشتّت الهم بسبب ملاحظة قلوب الخلق ، فان رضاء الناس غاية لا تدرك وكل ما يرضى به فريق يسخط فريق آخر ورضاء بعضهم في سخط بعض ، ومن طلب رضاهم في سخط الله سخط الله عليه وأسخطهم أيضا عليه ثم أي غرض له في مدحهم وايثار ذم الله لأجل حمدهم ولا يزيد حمدهم رزقا ولا أجلا ولا ينفعه يوم فقره وفاقته وهو يوم القيامة .
وأما الطمع بما في أيديهم فبأن يعلم أن الله تعالى هو مسخر للقلوب بالمنع والاعطاء ، وأن الخلق مضطرون فيه ولا رازق إلا الله ، ومن طمع في الخلق لم يخل عن الذل والخسّة ، وإن وصل إلى المراد لم يخل عن المنة والمهانة ، فاذا قرّر في قلبه آفة هذه الأسباب وضررها فترت رغبته وأقبل على الله قلبه ، ويكفيه أن الناس لو علموا ما في باطنه من قصد الرياء واظهار الاخلاص لمقتوه ، وسيكشف الله عن سرّه حتى يبغضه إلى الناس ، ولو أخلص لله لكشف الله لهم اخلاصه وحبّبه إليهم وسخّرهم له وأطلق ألسنتهم بحمده والثناء عليه ، مع أنّه لا كمال في مدحهم ولا نقصان في ذمهم .
ثم ينبغي أن يعود نفسه إخفاء العبادات وإغلاق الأبواب دونها كما تغلق الأبواب دون الفواحش حتى يقنع قلبه بعلم الله واطلاعه على عبادته ، ولا تنازعه النفس إلى طلب علم غير الله به ، وذلك وإن شق في بداية المجاهدة ، لكن إذا صبر عليه مدة بالتكليف سقط عنه ثقله وهان عليه بتوسّط ألطاف الله وما يمدّه به عباده من حسن التوفيق والتأييد ، ولكن الله لا يغيّر ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم ، فمن العبد المجاهدة ومن الله الهداية والله لا يضيع أجر المحسنين .
وفي مصباح الشريعة قال الصادق (ع) : «أكثر ما يقع الرياء في النظر والأكل والكلام والمشي والمجالسة واللباس والضحك والصلاة والحج والجهاد وقراءة القرآن وساير العبادات الظاهرة ، ومن أخلص لله باطنه وخشع له قلبه ورأى نفسه مقصّرا بعد بذل المجهود ، وجد الشكر عليه حاصلا ويكون ممن يرجى له الخلاص من الرياء والنفاق إذا استقام على ذلك في كل حال»(1) .

(1) مصباح الشريعة : ص 32 .
الحقايق في محاسن الأخلاق89

الفصل الثاني
الرياء في امور أخرى

وأما الرياء بغير العبادات فقد يكون مستحبا وقد يكون واجبا إذ يجب على المؤمن صيانة عرضه وأن لا يفعل ما يعاب عليه ، فلا يليق بذوي المروات أن يرتكبوا الامور الخسيسة بأنفسهم عند مشاهدة الناس وإن جاز له في الخلوة إلا أن ذلك يختلف باختلاف الأزمنة والبلاد والأشخاص من العباد ، فلا بد من مراعاة ذلك .
فعن الصادق (ع) : «أنه نظر إلى رجل من أهل المدينة قد اشترى لعياله شيئا وهو يحمله ، فلما رآه الرجل استحيى منه فقال (ع) : اشتريته لعيالك وحملته إليهم ، أما والله لولا أهل المدينة لأحببت أن أشتري لعيالي الشيء ثم أحمله إليهم»(1) .
أراد (ع) لو لا مخالفة أن يعيبوني على ذلك ، مع أن جده امير المؤمنين (ع) كان يفعل مثله إلا أنه لما كان في زمان لا يعاب عليه بمثله جاز له أن يرتكبه وكان منقبة له وتعليما .
وروي «أن رسول الله (ص) أراد يوما أن يخرج على أصحابه فكان ينظر في حب من الماء ويسوّي عمامته وشعره فقيل له : أوتفعل ذلك يا رسول الله ؟ فقال : نعم إن الله يحب من العبد أن يتزين لإخوانه إذا خرج إليهم»(2) .
وقال أمير المؤمنين (ع) : «ليتزين أحدكم لأخيه المسلم كما تزين للغريب الذي يحب ان يراه في أحسن الهيئة»(3) .
وقال الصادق (ع) : «الثوب النّقي يكبت العدو»(4) ، وكل ذلك رياء محبوب .

الفصل الثالث
في الكبر وعلاجه

وأما الكبر فانه من نتايج العجب والتكبر ينشأ من الحقد أو الحسد أو الرياء وقد ذم الله التكبر في مواضع من كتابه .

(1) الكافي : ج 2 ص 123 .
(2) مكارم الأخلاق : ص 34 .
(3) الخصال : ج 2 ص 612 (في حديث الاربعمائة) .
(4) الكافي : ج 6 ص 441 .

السابق السابق الفهرس التالي التالي