الحقايق في محاسن الأخلاق 70

اللسان ، فانه لا تعب في تحريكه ولا مؤنة في إطلاقه وقد تساهل الخلق في الاحتراز عن آفاته وغوائله ، والحذر من مصائده وحبائله وأنه أعظم آلة الشيطان في استغواء الانسان .
ولذلك قال النبي (ص) : «من صمت نجا»(1) وقال (ص) : «الصمت حكم وقليل فاعله»(2) ، أي هو حكمة وحزم وقال (ص) : «امسك لسانك فانها صدقة تصدّق بها على نفسك ، ثم قال ولا يعرف عبد حقيقة الايمان حتى يحرس «يخزن خ» لسانه»(3) وقال (ص) : «من رأى موضع كلامه من عمله قل كلامه إلا فيما يعنيه»(4) .
ومر أمير المؤمنين برجل يتكلم بفضول الكلام فوقف (ع) فقال : «يا هذا فانك تملي على حافظيك كتابا إلى ربك فتكلم بما يعنيك ودع ما لا يعنيك»(5) .
وعن السجاد (ع) قال : «إن لسان ابن آدم يشرف على جميع جوارحه كل صباح فيقول : كيف أصبحتم ؟ فيقولون : بخير إن تركتنا ويقولون : الله الله فينا ويناشدونه ويقولون : إنما نثاب ونعاقب بك»(6) وعن الباقر (ع) : «إن شيعتنا الخرس»(7) .
وعن الصادق (ع) : «ان النوم راحة للبدن والنطق راحة للروح والسكوت راحة للعقل»(8) وقال : «في حكمة «حكم خ» آل داود على العاقل أن يكون عارفا بزمانه مقبلا على شانه حافظا للسانه»(9) ، وقال (ع) قال لقمان لابنه : «يا بني إن كنت زعمت أن الكلام من فضّة فان السكوت من ذهب»(10) وفي مصباح الشريعة قال الصادق (ع) : «الكلام إظهار ما في قلب المرء من الصفاء والكـدر والعلم والجهـل»(11) قال أمير المؤمنين (ع) : «المرء مخبؤ تحت لسانه»(12) .
فزن كلامك واعرضه على العقل والمعرفة فان كان لله وفي الله فتكلم وإن كان غير ذلك فالسكوت خير منه وليس على الجوارح عبادة أخف مؤنة وأفضل منزلة واعظم قدرا عند الله من الكلام في رضاء الله ولوجهه ونشر آلائه ونعمائه في عباده ألا ترى أن الله عز وجل لم يجعل فيما

(1) تنبيه الخواطر ج 1 ص 104 واحياء علوم الدين : ج 3 ص 103 وارشاد القلوب : ص 103 .
(2) تنبيه الخواطر ج 1 ص 104 واحياء علوم الدين : ج3 ص 103 .
(3) الكافي : ج 2 ص 114 .
(4) الكافي : ج 2 ص 116 .
(5) من لا يحضره الفقيه : ج 4 ص 282 .
(6) الكافي : ج 2 ص 115 والخصال : ج 1 ص 6 .
(7) الكافي : ج 2 ص 113 .
(8) من لا يحضره الفقيه : ج 4 ص 287 .
(9) تنبيه الخواطر : ج 1 ص 106 .
(10) الكافي : ج 2 ص 114 .
(11) مصباح الشريعة .
(12) روضة الواعظين : ج 1 ص 109 .
الحقايق في محاسن الأخلاق 71

بينه وبين رسله معنى يكشف ما أسر اليهم من مكنونات علمه ومخزونات وحيه غير الكلام ، وكذلك بين الرسل والامم فثبت بهذا أنه أفضل الوسايل والطف العبادة ، وكذلك لا معصية اثقل على العبد وأسرع عقوبة عند الله وأشدّها ملامة وأعجلها سامة عند الخلق منه .
وسئل السجاد (ع) عن الكلام والسكوت أيهما أفضل ؟ فقال : «لكل واحد منهما آفات فاذا سلما من الآفات فالكلام أفضل من السكوت قيل : وكيف ذلك يابن رسول الله ؟ قال : لأن الله عز وجل ما بعث الأنبياء والأوصياء بالسكوت إنما بعثهم بالكلام ، ولا استحقت الجنة بالكسوت ، ولا استوجبت ولاية الله بالسكوت ولا توقيت النار بالسكوت ، ولا يجنب سخط الله بالسكوت إنما ذلك كله بالكلام ما كنت لأعدل القمر بالشمس إنك تصف فضل السكوت بالكلام ، ولست تصف فضـل الكـلام بالسكـوت»(1) .
اعلم أن آفات اللسان كثيرة منها الخطاء والكذب والغيبة الغيرالمأذون فيهما وخلف الوعد والنميمة والرياء والنفاق والفحش والمراء وتزكية النفس والخصومة والفضول والخوض في الباطل والتحريف والزيادة والنقصان وايذاء الخلق وهتك العورة وإفشاء السر والسخرية والاستهزاء وغير ذلك ، وهي سباقة إلى اللسان لا يثقل عليه ولها حلاوة في القلب وعليها بواعث من الطبع ومن الشيطان فالخائض فيها قلما يقدر على أن يلزم اللسان فيطلقه بما يجب ويكفه عمّا لا يجب ، فان ذلك من غوامض العلم وفي الخوض خطر وفي الصمت نجاة .
فلذلك عظم فضل الصمت مع ما فيه من جمع الهم ودوام الوقار والفراغ في الفكر والذكر والعبادة والسلامة من تبعات القول في الدنيا ومن حسابه في الآخرة قال الله تعالى : «ما يلفظ من قول إلا لديه رقيب عتيد»(2) وقال تعالى : «لا خير في كثير من نجويهم إلا من أمر بصدقة أو معروف أو إصلاح بين الناس»(3) وقال النبي (ص) : «طوبى لمن امسك الفضل من لسانه وأنفق الفضل من ماله»(4) .
الفصل الثالث
في الكذب والغيبة

إنما قيدنا الكذب والغيبة بغير المأذونين ، لأن من الكذب والغيبة ما يجوز قال الصادق

(1) الاحتجاج : ج 2 ص 45 .
(2) سورة ق : آية 18 .
(3) سورة النساء : آية 114 .
(4) احياء علوم الدين : ج 3 ص 109 .
الحقايق في محاسن الأخلاق 72

(ع) : «كل كذب مسؤول عن صاحبه إلا في ثلاثة : رجل كائد في حربه فهو موضوع عنه ، ورجل أصلح بين اثنين يلقى هذا بغير ما بغير ما يلقى به هذا يريد بذلك الاصلاح بينهما ، ورجل وعد أهله شيئا وهو لا يريد أن يتم لهم(1) ، وكذا ورد عن النبي (ص) وورد «أن في المعاريض لمندوحة عن الكذب»(2) يعني بالمعاريض التورية وذلك إذا اضطر إليها .
وقال النبي (ص) : «من ألقى جلباب الحياء عن وجهه فلا غيبة له»(3) ، وقال : «ليس لفاسق غيبة»(4) وقال : «ليّ الواجد يحل عرضه وعقوبته»(5) وقال : «لصاحب الحق مقال»(6) وقد مر الحديث في وجوب غيبة أهل البدع والريب ليحذرهم الناس ، وعن النبي (ص) : «أترعوون عن ذكر الفاجر حتى لا يعرفه الناس ، اذكروه بما فيه يحذره الناس»(7) .
وفي معنى الغيبة خفاء لا بد أن نكشف الغطاء عنه فقد روي عن النبي (ص) : «إنه قال هل تدرون الغيبة ؟ قالوا : الله ورسوله أعلم ، قال : ذكرك أخاك بما يكره ، قيل : أرأيت ان كان في أخي ما أقول ؟ قال : إن كان فيه ما تقول فقد اغتبته ، فان لم يكن فيه فقد بهته»(8) .
وفي مصباح الشريعة قال الصادق (ع) : «صفة الغيبة أن يذكر أحد بما ليس هو عند الله ويذم ما يحمده أهل العلم فيه وأمّا الخوض في ذكر غايب بما هو عند الله مذموم وصاحبه فيه ملوم فليس بغيبة وإن كره صاحبه إذا سمع به وكنت انت معافى عنه خاليا منه وتكون مبينا للحق من الباطل ببيان الله ورسوله ولكن على شرط أن لا يكون للقائل بذلك مراد غير بيان الحق والباطل في دين الله ، وأما إذا أراد به نقص المذكور بغير ذلك المعنى فهو مأخوذ بفاسد مراده وإن كان صوابا»(9) .
أقول : وينبغي تخصيص هذا الحديث بما إذا لم يكن صاحبه عالما بقبحه ساترا على نفسه كارها لظهوره ، ويدل على ذلك ما روي عنه (ع) أيضا أنه قال : «هو أن تقول لأخيك في دينه ما لم يفعل وتبث عليه أمرا قد ستره الله عليه لم يقم عليه فيه حدا»(10) .

(1) الكافي : ج 2 ص 342 .
(2) كنز العمال : خ8249 و خ 8254 .
(3) تحف العقول : ص 38 والعوالي : ج 1 ص 264 ح 56 .
(4) كنز العمال خ 8071 .
(5) احياء علوم الدين : ج 3 ص 144 .
(6) احياء علوم الدين : ج 3 ص 144 .
(7) احياء علوم الدين : ج 3 ص 144 .
(8) تنبيه الخواطر : ج 1 ص 118 واحياء علوم الدين : ج 3 ص 136 والترغيب والترهيب ح 2 ص 515 .
(9) مصباح الشريعة : ص 204 .
(10) الكافي : ج 2 ص 357 .
الحقايق في محاسن الأخلاق 73

وعن الكاظم (ع) قال : «من ذكر رجلا من خلفه بما هو فيه مما عرفه الناس لم يغتبه ومن ذكره من خلفه بما هو فيه مما لا يعرفه الناس اغتابه ومن ذكره بما ليس فيه فقد بهته»(1) .
وعن الصادق (ع) : قال : «الغيبة أن تقول في أخيك ما ستره الله عليه وأما الامر الظاهر فيه مثل الحدة والعجلة فلا»(2) .
وخص بعض علمائنا تحريم الغيبة بغيبة من يعتقد الحق لأن أدلة الحكم غير متناولة لأهل الضلال فان الحكم فيها منوط بالمؤمنين وبالأخ والمراد إخوة الايمان فلا يتناول من لا يعتقد الحق ، وعن الصادق (ع) قال : «إن أصل الغيبة يتنوع بعشرة أنواع : شفاء غيظ ، ومساعدة قوم ، وتهمة ، وتصديق خبر بلا كشفه ، وسوء ظن ، وحسد ، وسخرية ، وتعجب ، وتبرّم ، وتزين»(3) قال : «وإن اغتبت فبلغ المغتاب فاستحل منه ، وإن لم تبلغه فاستغفر له»(4) ، وساير آفات اللسان مستغن عن البيان .

الباب الثالث
في الغضب

في الغضب والحقد والحسد اعلم أن الغضب شعلة نار اقتبست من نار الله الموقدة إلا أنها لا تطلع إلا على الأفئدة ، وأنها لمستكنة في طي الفؤاد استكنان الجمر تحت الرماد ، وتستخرجها حميّة الدين من قلوب المؤمنين أو حمية الجاهلية والكبر الدفين من قلوب الجبارين التي لها عرق إلى الشيطان اللعين ، حيث قال : « خلقتني من نار وخلقته من طين » ، فمن شأن الطين السكون والوقار ، ومن شأن النار التلظي والاشتغال(5) والحركة والاصطهار(6) ، ومن نتايج هذا الغضب الحقد والحسد ، وبهما هلك من هلك وفسد من فسد ، ومقتضيهما(7) مضغة إذا صلحت صلح لها ساير الجسد .

(1) الكافي : ج 2 ص 358 .
(2) الكافي : ج 2 ص 358 .
(3) مصباح الشريعة : ص 205 .
(4) مصباح الشريعة : ص 205 .
(5) في النسخة المخطوطة المصححة الاستعار بدل الاشتغال وهو الموافق للقافية واستعيرت النار توقدت وتسعرت أيضا قال تعالى : « وإذا الجحيم سعرت ».
(6) الاصطهار الاذابة ، ومنه قوله تعالى : « يصهر به ما في بطونهم والجلود ».
(7) في المخطوطة ومقيضهما وفي المخطوطة الاخرى ومقبضهما .
الحقايق في محاسن الأخلاق 74

قال رسول الله (ص) : «الغضب يفسد الايمان كما يفسد الخل العسل»(1) ، وقال : «من كف غضبه كف الله عنه عذابه»(2) .
قال الباقر (ع) : «إن هذا الغضب جمرة من الشيطان توقد في جوف ابن آدم وإن أحدكم إذا غضب احمرّت عيناه وانتفخت أوداجه ودخل الشيطان فيه فاذا خاف أحدكم ذلك من نفسه فليلزم الأرض فان رجز الشيطان يذهب عنه عند ذلك»(3) .
وقال «ايّما رجل غضب على ذي رحم فليدن منه وليمسه فان الرحم إذا مسّت سكنت»(4) .
قال (ع) : «وكان أبي يقول : أي شيء أشد من الغضب إن الرجل ليغضب فيقتل النفس التي حرم الله ويقذف المحصنة»(5) ، وقال (ع) : «من كف غضبه ستر الله عورته»(6) وقال : «ان في التوراة مكتوب يا ابن آدم اذكرني حين تغضب أذكرك حين غضبي»(7) .
وقال الصادق (ع) : «الغضب مفتاح كل شر»(8) .
وإنما ينبسط الدم عند الغضب إذا غضب الانسان على من دونه واستشعر القدرة عليه فان صدر الغضب على من فوقه وكان معه يأس من الانتقام تولد منه انقباض الدم من ظاهر الجلد إلى جوف القلب وصار خوفا ولذلك يصفر اللون ، وإن كان على نظير يشك فيه تردد بين انقباض وانبساط فيحمر ويصفر ويضطرب لطلب الانتقام وإنما تتوجه هذه القوة عند ثورانها إلى دفع الموذيات الذي خلقت لأجله قبل وقوعها وإلى التشفي والانتقام بعد وقوعها . والانتقام قوة هذه القوة وشهوتها وفيه لذتها ولا تسكن إلا به ، والناس في هذه القوة على درجات ثلاث في أول الفطرة من التفريط والافراط والاعتدال .
أما التفريط فبفقد هذه القوة أو ضعفها وذلك مذموم وهو الذي يقال فيه إنه لا حمية له ، وهو ناقص جدا ومن ثمراته عدم الغيرة على الحرم واحتمال الذل من الاخساء وصغر النفس ،

(1) الكافي : ج 2 ص 302 واحياء علوم الدين : ج 3 ص 156 .
(2) الكافي : ج 2 ص 305 وفيه «من كف غضبه عن الناس كف الله تبارك وتعالى عنه عذاب يوم القيامة» .
(3) الكافي : ج 2 ص 304 .
(4) الكافي : ج 2 ص 302 .
(5) الكافي : ج 2 ص 303 .
(6) الكافي : ج 2 ص 303 وثواب الأعمال : ص 163 .
(7) الكافي : ج 2 ص 303 .
(8) الكافي : ج 2 ص 303 وتحف العقول : ص 362 .
الحقايق في محاسن الأخلاق 75

والخور والسكون عند مشاهدة المنكرات ، وقد وصف الله تعالى خيار الصحابة بالشدة والحمية فقال : «أشدّاء على الكفار رحماء بينهم»(1) وقال : «يا أيها النبي جاهد الكفار والمنافقين واغلظ عليهم»(2) وإنما الشدة والغلظة من آثار قوة الغضب .
وأما الافراط فهو أن تغلب هذه الصفة حتى تخرج من سياسة العقل والدين وطاعتهما فلا يبقى للمرء معها بصيرة ونظر وفكر ولا اختيار ، وسبب غلبتها قد يكون فطريا ، وقد يكون اعتياديا بأن يخالط قوما يتبجحون(3) بتشفي الغيظ وطاعة الغضب ويسمون ذلك شجاعة ورجولية فيقول أحدهم : أنا الذي لا أصبر على المحال ولا احتمل من أحد أمرا ومعناه لا عقل لي ثم يذكره في معرض الفخر بجهله فمن سمعه فيرسخ في نفسه حسن الغضب وحب التشبّه بالقوم فيعمى ويصم عن كل موعظة ولا يقدر الاستضاءة بنور عقله لانطفائه بدخان الغضب .
ومن آثار هذا الغضب في الظاهر تغير اللون وشدّة الرعدة في الأطراف وخروج الأفعال من الترتيب والنظام واضطراب الحركة والكلام حتى يظهر الزبد على الاشداق وتحمر الأحداق وتنقلب المناخر وتستحيل الخلقة ولو رأى الغضبان في حال غضبه قبح صورته ليسكن غضبه حياء من قبح صورته وقبح باطنه أعظم من قبح ظاهره ، فان الظاهر عنوان الباطن وإنما قبحت صورة الباطن أولا ثم انتشر قبحها إلى الظاهر ثانيا فهذا أثره في الجسد .
وأما اثره في اللسان فانطلاقه بالشتم والفحش وقبح الكلام الذي يستحيي منه ذوو العقول ويستحيي منه قائله عند فتور الغضب وذلك مع تخبط النظم واضطراب اللفظ .
وأما أثره على الأعضاء فالضرب والتهجّم والتمزيق والقتل عند التمكن من غير مبالاة فان هرب منه المغضوب عليه أو فاته بسبب وعجز عن التشفي رجع الغضب على صاحبه فيمزّق ثوب نفسه ويلطم وجهه وقد يعدو عدو الواله السكران والمدهوش المتحير ؛ وربّما سقط سريعا لا يطيق العدو والنهوض لشدة الغضب ويعتريه شبه الغشية ، وربما يضرب الجمادات والحيوان فيضرب القصعة على الأرض ويكسر المائدة إذا غضب عليها وقد يتعاطى أفعال المجانين فيشتم البهيمة والجماد ويخاطبهما ويقول : إلى متى منك كانه يخاطب عاقلا .
وأما أثره في القلب فالحقد والحسد واظهار السوء والشماتة بالمساءة والحزن بالسرور

(1) سورة الفتح : آية 29 .
(2) سورة التوبة : آية 73 وسورة التحريم : آية 9 .
(3) تبجح بتقديم المعجمة المشددة على المهملة : افتخر وتعظم وباهى .
الحقايق في محاسن الأخلاق 76

والعزم على إفشاء المر وهتك الاستار وغير ذلك من القبايح فهذه ثمرة الغضب المفرط وينبغي لصاحبه أن يعالج نفسه من سورة الغضب ويقف على الوسط الحق بين الطرفين فهو الصراط المستقيم وهو أدق من الشعر وأحد من السيف ، فان عجز فليطلب القرب منه قال الله تعالى : «ولن تستطيعوا أن تعدلوا بين النساء ولو حرصتم فلا تميلوا كل الميل فتذروها كالمعلقة»(1) فليس كل من عجز عن الاتيان بالخير كله ينبغي أن يأتي بالشر كله ، ولكن بعض الشر أهون من بعض وبعض الخير أرفع من بعض .

الفصل الأول
دوافع الغضب

اعلم الانسان ما دم يحب ما يوافقه ويحتاج إليه ويكره ما يخالفه ويتاذى منه فلا يخلو عن الغيظ والغضب بجبلة طبعه فانه مهما اخذ منه محبوبه او قصد بمكروه غضب لا محالة ، وهذا يختلف باختلاف الأشخاص وإنما المحبوب الضروري لكل أحد ما أشار إليه رسول الله (ص) بقوله : «من أصبح آمنا في سر به معافا في بدنه ، وله قوت يومه ، فكأنما خيّرت «حيزت خ» له الدنيا بحذافيرها»(2) .
فمن كان بصيرا بحقايق الامور وسلمت له هذه الثلاث وكل ما كان ضروريا له خاصّة يتصور أن لا يغضب في غيرها أعني يقدر على أن لا يطيع الغضب ولا يستعمله في الظاهر إلا على حد يستحبه الشرع ويستحسنه العقل ، وذلك بالمجاهدة وتكلف التحلم والاحتمال مدّة حتى يصير الحلم والاحتمال خلقا راسخا فاما قمع أصل الغيظ من القلب وذلك مقتضى الطبع فهو غير ممكن ، نعم يمكن كسر سورته وتضعيفه حتى لا يشتد هيجان الغيظ في الباطن وينتهي ضعفه إلى أن لا يظهر أثره في الوجه ولكن ذلك شديد جدا .
إن قيل : إنما الواجب التألم بفوات المحتاج إليه دون الغضب ، فمن له شاة مثلا وهي قوته فماتت فلا يغضب على أحد وإن كان يحصل فيه كراهة وليس من ضرورة كل كراهة غضب فان الانسان يتألم بالفصد والحجامة ولا يغضب على الفصاد والحجام ، فمن غلب عليه التوحيد حتى يرى الأشياء كلها من الله تعالى فلا يغضب على أحد من خلقه ، إذ يراهم مسخرين في قبضة قدرته كالقلم في يد الكاتب ، ومن وقع عليه ملك يضرب رقبته لم يغضب على القلم

(1) سورة النساء : آية 129 .
(2) احياء علوم الدين : ج 3 ص 161 وامالي الطوسي : ص 599 .
الحقايق في محاسن الأخلاق 77

فيندفع الغضب بغلبة التوحيد ويندفع أيضا بحسن الظن بالله ، وهو أن يرى أن الكل من الله تعالى وأن الله لا يقدر له إلا بما فيه الخيرة ، وربّما تكون الخيرة في جوعه ومرضه وجرحه وقتله فلا يغضب كما لا يغضب على الفصاد ، لانه يرى أن الخيرة فيه .
فنقول : إن هذا على هذا الوجه غير محال ، ولكن غلبة التوحيد على هذا الوجه إنما يكون كالبرق الخاطف لا يدوم ويرجع القلب إلى الالتفات إلى الوسايط رجوعا طبيعيا لا يندفع عنه ، ولو تصور ذلك على الدوام لبشر لتصور رسول الله (ص) .
وعن أمير المؤمنين (ع) قال : «كان النبي (ص) لا يغضب للدنيا فاذا أغضبه الحق لم يعرفه أحد ولم يقم على غضبه شيء حتى ينتصر له»(1) ، فكان يغضب على الحق وإن كان غضبه لله فهو التفات إلى الوسايط على الجملة بل كل من غضب على من يأخذه ضرورة قوته وحاجته التي لا بد له في دينه منها ، فانما غضب لله فلا يمكن الانفكاك عنه نعم قد يفقد أصل الغيظ فيما هو ضروري إذا كان القلب مشغولا بضروري أهم منه ، فلا يكون في القلب متّسع للغضب ، لاشتغاله بغيره ، فان اشتغل القلب ببعض المهمّات يمنع الاحساس بما عداه .
وهذا كما أن سلمان (رض) لما شتم قال : إن خفت موازيني فأنا شر مما تقول ، وإن ثقلت موازيني لم يضرّني ما تقول ، فقد كان همه مصروفا إلى الآخرة فلم يتأثر قلبه بالشتم ، فاذا يتصور فقد الغيظ إما باشتغال القلب بمهم ، أو بغلبة نظر التوحيد ، أو بسبب ثالث وهو أن يعلم أن الله يحب منه أن لا يغتاظ فيطفي شدة حبه لله غيظه ، وذلك غير محال في أحوال نادرة .

الفصل الثاني
علاج الغضب

قد ثبت أن علاج كل علة بحسم مادتها وازالة أسبابها ، والاسباب المهيجة للغضب هي : الزهو(2) ، والعجب والفخر ، والهزل ، والهزء(3) والذل ، والتعيير ، والمماراة ، والمضادة ،

(1) أخرجه الترمذي في الشمائل .
(2) الزهو ؛ الكبر والفخر ومنه حديث الشيعة لولا أن يدخل الناس زهو لسلمت عليكم الملائكة قبلا .
(3) هزل في كلامه من باب ضرب ؛ مزح وهو ضد الجد قال تعالى «وما هو بالهزل» . والهزؤ : السخرية والاستخفاف قال تعالى : «لا تتخذوا آيات الله هزوا» .
الحقايق في محاسن الأخلاق 78

والغدر ، وشدة الحرص على فضول المال والجاه ، وهي بأجمعها أخلاق ردّية مذمومة شرعا ، ولا خلاص من الغضب مع بقاء هذه الأسباب فلا بد من إزالتها بأضدادها .
فينبغي أن تميت الزهو بالتواضع ، والعجب بالمعرفة بنفسك ، والفخر بمعرفة أنه من الرذايل وإنما الفخر بالفضايل ، وأما الهزل فتزيله بالجد في طلب الفضايل والاخلاق الحسنة ، وأما الهزء فتزيله بالتكرم عن ايذاء الناس وبصيانة النفس عن أن يستهزء بك ، وأما التعيير فبالحذر من قول القبيح وصيانة النفس عن مر الجواب وأما شدة الحرص على مزايا العيش فتزال بالقناعة بقدر الضرورة طلبا لعز الاستغناء وترفعا عن ذل الحاجة .
وكل خلق من هذه الاخلاق وصفة من هذه الصفات يفتقر في علاجها إلى رياضة وتحمل مشقة ، وحاصل رياضتها يرجع إلى معرفة غوائلها لترغب النفس عنها وتنفر عن قبحها ، ثم المواظبة على مباشرة الأضداد مدة مديدة حتى تصير بالعادة معروفة وهينة على النفس ، فاذا انمحت عن النفس فقد زكت وطهرت عن هذه الرذايل وتخلصت عن الغضب الذي يتولد منها .
وعلاجه عند هيجانه الاستعاذة من الشيطان والجلوس إن كان قائما والاضطجاع إن كان جالسا ، والوضوء والغسل بالماء البارد فان الغضب من النار كذا ورد في الحديث النبوي (ص) وأن يتفكر فيما ورد في فضائل كظم الغيظ والعفو والحلم والاحتمال قال الله تعالى : «خذ العفو وأمر بالعرف وأعرض عن الجاهلين»(1) وقال : «الكاظمين الغيظ والعافين عن الناس والله يحب المحسنين»(2) وقال : «ادفع بالتي هي أسحن فاذا الذي بينك وبينه عداوة كانه ولي حميم وما يلقيها إلا الذين صبروا وما يلقيها إلا ذو حظ عظيم»(3) .
وقال النبي (ص) : «ما جرع عبد جرعة أعظم قدرا من جرعة غيظ كظمها ابتغاء وجه الله»(4) ، وقال الباقر (ع) : «من كظم غيظا وهو يقدر على إمضائه حشى الله قلبه أمنا وايمانا»(5) وقال الصادق (ع) : «ما من عبد كظم غيظا إلا زاده الله عزا في الدنيا والآخرة»(6) وقال (ع) : «كفى بالحلم ناصرا»(7) وقال «اذا لم تكن حليما فتحلم»(8) .

(1) سورة الاعراف : آية 199 .
(2) سورة آل عمران : آية 134 .
(3) سورة فصلت : آية 34 ـ 35 .
(4) احياء علوم الدين : ج 3 ص 166 وتنبيه الخواطر ج 1 ص 124 .
(5) الكافي : ج 2 ص 110 وتنبيه الخواطر : ج 1 ص 124 .
(6) الكافي : ج 2 ص 110 .
(7) الكافي : ج 2 ص 112 .
(8) الكافي : ج 2 ص 112 .
الحقايق في محاسن الأخلاق 79

وأن يخوف نفسه بعقاب الله أحوج ما يكون إلى العفو ، وأن يحدّث نفسه عاقبة العداوة والانتقام وتشمّر العدو لمقابلته ، وأن يتفكر في قبح صورته عند غضبه بأن يتذكر صورة غيره في حالة الغضب وأن يعلم أن غضبه من تعجبه من جريان الشيء على وفق مراد الله لا على وفق مراده .
وعن النبي (ص) : «ألا إن بني آدم خلقوا على طبقات شتى : منهم بطيء الغضب سريع الفيء(1) فتلك بتلك ، ومنهم سريع الغضب بطيء الفيء ، ألا وإن خيرهم البطيء الغضب السريع الفيء وشرهم السريع الغضب البطيء الفيء»(2) .

الفصل الثالث
الحقد من نتائج الغضب

اعلم ان الغضب إذا لزم كظمه لعجز عن التشفي في الحال رجع إلى الباطن واحتقن فيه فصار حقدا ، ومعنى الحقد أن يلزم قلبه استثقاله والبغضة له والنفار عنه ، وأن يدوم على ذلك ويبقى قال رسول الله (ص) : «المؤمن ليس بحقود»(3) .
والحقد يثمر امورا منها الحسد وهو أن يحمله الحقد على أن يتمنى زوال النعمة عنه فيغتم بنعمته ان أصابها ويسر بمصيبته إن نزلت به ، ومنها أن يزيد على إضمار الحسد في الباطن فيشمت بما يصيبه من البلاء ومنها أن يهجره وينقطع عنه وان طلبه المحقود وأقبل عليه ومنها أن يتكلم فيه بما لا يحل من كذب وغيبة وإفشاء سر وهتك ستر وغيره ومنها أن يحاكيه استهزاء به وسخرية منه ومنها ايذاؤه بالضرب وما لم يولم بدنه ومنها أن يمنعه حقه من صلة الرحم أو قضاء الدين أو رد مظلمة ، وكل ذلك حرام .
واقل درجات الحقد أن يحترز من هذه الآفات ولكن يستثقله بالباطن ولا ينتهي قلبه عن بغضه حتى يمتنع عما كان يتطوع به من البشاشة والرفق والعناية والقيام لحاجاته والمجالسة معه على ذكر الله والمعاونة على المنفعة له أو بترك الدعاء له والثناء عليه والتحريص على بره ومواساته ، فهذا كله ممّا تنقص من درجته في الدين ، ويحول بينه وبين فضل عظيم والأولى أن

(1) في المخطوطتين هنا زيادة : ومنهم سريع الغضب سريع الفيء . ولفظ الحديث مع ذلك لا يخلو من تشويش .
(2) احياء علوم الدين : ج 3 ص 171 .
(3) احياء علوم الدين : ج 3 ص 171 .

السابق السابق الفهرس التالي التالي