الحقايق في محاسن الأخلاق 59

المقالة الثانية :

في مساوي الاخلاق وتهذيبها وفيها اربعة أبواب :
الباب الاول في معنى الخلق وتهذيبه

في معنى الخلق وتهذيبه ، اعلم أن الخلق عبارة عن هيئة راسخة في النفس تصدر عنها الأفعال بسهولة ويسر من غير حاجة إلى فكر وروية ، فان كان الهيئة بحيث يصدر عنها الأفعال الجميلة المحمودة عقلا وشرعا سمّيت الهيئة خلقا حسنا ، وإن كانت الصادر منها أفعالا قبيحة سميت خلقا سيّئا ، وإنما شرطنا الرسوخ لأن من يصدر عنه بذل المال مثلا على الندور بحادة عارضة لا يقال خلقه السخاء ما لم يثبت ذلك في نفسه ثبوت رسوخ ، وإنما شرطنا السهولة وعدم الروية لأن من تكلف بذل المال لا يقال خلقه السخاء وليس عبارة عن الفعل فربّ شخص خلقه السخاء ولا يبذل إما لفقد المال أو لمانع آخر ، وربّما يكون خلقه البخل وهو يبذل لباعث أو رياء فلا بد في الخلق الحسن من قوة العلم وقوة الغضب وقوة الشهوة وقوة العدل بين هذه القوى الثلاث .
أما قوة العلم فحسنها وصلاحها في أن تصير بحيث يسهل لها درك الفرق بين الصدق والكذب في الأقوال وبين الحق والباطل في الاعتقادات ، وبين الجميل والقبيح في الافعال ، فاذا تحصلت هذه القوة حصل منها ثمرة الحكمة ، والحكمة رأس الاخلاق الحسنة ، « ومن يؤتى الحكمة فقد اوتي خيرا كثيرا » .
وأما قوة الغضب والشهوة فحسنهما في أن يقتصر انقباضهما وانبساطهما على حد ما تقتضيه الحكم والدين .

الحقايق في محاسن الأخلاق 60

وأما قوة العدل فهي ضبط قوة الغضب والشهوة تحت إشارة العقل والشرع فالعقل منزلته منزلة الناصح المشير ، وقوته القدرة ومنزلتها منزلة المنفذ الممضى لاشارته والغضب والشهوة تنفذ فيهما الاشارة .
ومثال الغضب مثال كلب الصيد فانه يحتاج إلى أن يؤدّب حتى يكون استرساله وتوقفه بحسب الاشارة لا بحسب هيجان النفس .
والشهوة مثالها مثال الفرس الذي يركب في طلب الصيد فانه تارة يكون مروّضا وتارة يكون جموحا فمن استقرت فيه هذه الصفات واعتدلت فهو حسن الخلق مطلقا ومن اعتدل فيه بعضها دون بعض فهو حسن الخلق بالاضافة إلى ذلك المعنى خاصّة ، وحسن القوة الغضبية واعتدالها يعبّر عنه بالشجاعة ، وحسن قوة الشهوة واعتدالها يعبّر عنه بالعفّة فان مالت قوة الغضب عن الاعتدال إلى طرف الزيادة سمّي ذلك تهوّرا وإن مالت إلى الضعف سمّي جبنا وخورا(1) ، وان مالت قوة الشهوة إلى طرف الزيادة سمّي شرها وإن مالت الى النقصان سمّي خمودا ، والمحمود هو الوسط وهو العدل ، والطرفان رذيلتان مذمومتان ، والعدل اذا فات فليس له طرفان زيادة ونقصان بل له ضد واحد وهو الجور ، وأما الحكمة فيسمّى إفراطها عند الاستعمال في الاغراض الفاسدة خبّا(2) وجربزة ، ويسمّى تفريطها بلها ، والوسط هو الذي يختص باسم الحكمة .
فاذا امهات الاخلاق الحسنة الجميلة واصولها أربعة : الحكمة والشجاعة والعفة والعدل ولم يبلغ كمال الاعتدال في هذه الأربعة إلا رسول الله (ص) ولهذا قال الله تعالى مثنيا عليه : «وإنك لعلى خلق عظيم»(3) والناس بعده متفاوتون في القرب والبعد منه فينبغي أن يقتدي به فانه قال : «بعثت لاتمم مكارم الأخلاق»(4) .
وقد أشار القرآن إلى هذه الاخلاق في أوصاف المؤمنين فقال تعالى : «إنّما المؤمنون الذين آمنوا بالله ورسوله ثم لم يرتابوا وجاهدوا بأمواله وأنفسهم في سبيل الله اولئك هم الصادقون»(5) .
فالايمان بالله ورسوله من غير ارتياب هو قوة اليقين وهو ثمرة العقل ومنتهى الحكمة ، والمجاهدة بالمال هو السخاء الذي يرجع إلى ضبط قوة الشهوة ، والمجاهدة بالنفس هي

(1) الخور بالتحريك الضعف ، ص .
(2) الخب الخدعة .
(3) سورة القلم : آية 4 .
(4) احياء علوم الدين : ج 3 ص 48 وج 2 ص 143 وكنز العمال خ 5217 .
(5) سورة الحجرات : آية 15 .
الحقايق في محاسن الأخلاق 61

الشجاعة التي يرجع إلى استعمال قوة الغضب على شرط العقل وحد الاعتدال .
وقد وصف الله سبحانه قوما فقال : «اشداء على الكفار رحماء بينهم»(1) اشارة إلى إن للشدة موضعا وللرحمة موضعا ، وليس الكمال في الشدة بكل حال ولا في الرحمة بكل حال .

الفصل الاول
في ان الطباع هل تتغير ام لا

اعلم أن بعض من غلبت البطالة عليه استثقل المجاهدة والرياضة والاشتغال بتزكية النفس وتهذيب الاخلاق ولم تسمح نفسه بأن يكون ذلك لقصوره ونقصه ، فزعم أن الأخلاق لا يمكن تغييرها ، وأن الطباع لا يتغير ، واستدل عليه بأمرين :
أحدهما أن الخلق هو صورة الباطن كما ان الخلق هو الصورة الظاهرة ، فكما أن الخلقة الظاهرة لا يقدر على تغييرها فكذا الخلق الباطن .
والثاني أن حسن الخلق إنما يحصل بقمع الغضب والشهوة وحب الدنيا وغيرها وهذا أمر ممتنع والاشتغال به تضييع زمان بغير فائدة ، فان المطلوب هو قطع التفات القلب إلى حظو العاجلة وهو محال .
فنقول : لو كانت الاخلاق لا تقبل التغيير لبطلت الوصايا والمواعظ والتأديبات ولما قال الله تعالى : «قد أفلح من زكيها وقد خاب من دسّيها»(2) ولما قال رسول الله (ص) : «حسنوا أخلاقكم»(3) وكيف ينكر هذا في حق الآدمي وتغيير خلق البهيمة ممكن ، إذ ينقل الظبية من التوحش إلى الانس والكلب من شره الأكل من الصيد إلى التأدب والامساك ، والفرس من الجماح الى السلاسة والانقياد ، وكل ذلك تغيير الأخلاق .
والقول الكاشف للغطاء عن ذلك أن نقول : إن الموجودات منقسمة إلى ما لا مدخل للادمي واختياره في أصله وتفصيله كالسماء والكواكب بل أعضاء البدن داخلا وخارجا وبالجملة كل ما هو حاصل كامل وقع الفراغ من وجوده وكماله .
وإلى ما وجد وجودا ناقصا وجعل فيه قوة الكمال بعد أن وجد شرطه ، وشرطه قد يرتبط

(1) سورة الفتح : آية 29 .
(2) سورة الشمس : آية 9 ـ 10 .
(3) احياء علوم الدين : ج 3 ص 54 .
الحقايق في محاسن الأخلاق 62

باختيار العبد فان النواة ليست بتفاح ولا نخل إلا أنها خلقت خلقة يمكن أن تصير نخلا إن انضاف إليها التربية ولا تصير تفاحا أصلا ولا بالتربية فاذا صارت النواة متأثرة بالاختيار حتى تقبل بعض الأحوال دون بعض فكذلك الغضب والشهوة لو أردنا قمعهما وقهرهمها بالكلية حتى لا يبقى لهما أثر لم نقدر عليه أصلا ولو اردنا سلاستهما وقودهما بالرياضة والمجاهدة قدرنا عليه وقد امرنا بذلك وصار ذلك سبب نجاتنا ووصولنا إلى الله وليس المطلوب إلا ذلك دون القمع بالكلية .
وهيهات فان الشهوة خلقت لفائدة وهي ضرورية في الجبلة ولو انقطع شهوة الطعام لهلك الانسان ، ولو انقطع شهوة الوقاع لانقطع النسل ، ولو انعدم الغضب بالكلية لم يدفع الانسان عن نفسه ما يهلكه ، ومهما بقي أصل الشهوة فيبقى لا محالة حب المال الذي يوصل إلى الشهوة حتى يحمل ذلك على امساك المال وليس المطلوب إماطة ذلك بالكلية بل المطلوب ردّها إلى الاعتدال الذي هو وسط بين الافراط والتفريط .
فالمطلوب في صفة الغضب حسن الحمية وذلك بان يخلو عن التهور وعن الجبن جميعا وبالجملة أن يكون في نفسه قويا ومع قوته منقادا للعقل ، ولو بطل الغضب لامتنع جهاد الكفار وكيف يقصد قلع الغضب والشهوة بالكلية والأنبياء (عليهم السلام) لم ينفكوا عن ذلك قال سيّدهم (ص) : «إنّما أنا بشر أغضب كما يغضب البشر»(1) وكان يتكلم بين يديه بما يكرهه فيغضب حتى يحمر وجنتاه ولكن لا يقول إلا حقا فكان الغضب لا يخرجه عن الحق قال الله تعالى : «والكاظمين الغيظ»(2) ولم يقل والفاقدين الغيظ .
وربما تستولي الشهوة على الانسان بحيث لا يقوى عقله على دفعها عن الانبساط إلى الفواحش ، وبالرياضة تعود إلى الاعتدال فدل على أن ذلك ممكن والتجربة والمشاهدة تدل على ذلك دلالة لا شك فيها .

الفصل الثاني
تهذيب الاخلاق بالمجاهدة

قد يكون اعتدال القوتين فطريا بحيث يخلق الانسان وينشأ كامل العقل حسن الخلق قد كفى

(1) احياء علوم الدين : ج 3 ص 55 .
(2) سورة آل عمران : آية 134 .
الحقايق في محاسن الأخلاق 63

سلطان الشهوة والغضب على عقله كالأنبياء والأئمة (ع) ، وقد يكون مكتسبا بالمجاهدة والرياضة بحمل النفس على الأعمال التي يقتضيها الخلق المطلوب .
فمن أراد أن يحصل لنفسه خلق الجود مثلا فطريقه أن يتعاطى فعل الجواد وهو بذل المال فلا يزال يواظب عليه تكلّفا مجاهدا لنفسه فيه حتى يصير ذلك له طبعا ويتيسر عليه فتصير نفسه جوادا ، ومن أراد خلق التواضع وغلب عليه الكبر فطريقه ان يواظب على افعال المتواضعين مدة مديدة وهو فيها يجاهد نفسه ، ويتكلف إلى أن يصير ذلك خلقا وطبعا .
وجميع الاخلاق المحمودة شرعا يحصل بهذا الطريق وغايتها أن يصير الفعل الصادر منه لذيذا ، فالسخي هو الذي يستلذ بذل المال دون الذي يبذل عن كراهية ، والمتواضع هو الذي يستلذ التواضع ، ولن ترسخ الأخلاق الدينية في النفس ما لم يتعود جميع العادات الحسنة ولم يترك جميع العادات السيئة ، وما لم يواظب عليها مواظبة من يشتاق معها إلى الأفعال الجميلة ويتنعّم بها ، ويكره الأفعال القبيحة ويتألم بها كما قال رسول الله (ص) : «جعلت قرة عيني في الصلاة»(1) ومهما كانت العبادات وترك المحظورات مع كراهية واستثقال ، فهو لنقصان ولا ينال كمال السعادة به .
نعم المواظبة عليه بالمجاهدة خير ولكن بالاضافة إلى تركه لا بالاضافة إلى فعله عن طوع ، ولذلك قال الله تعالى : «وإنها لكبيرة إلا على الخاشعين»(2) وقال النبي (ص) : «اعبد الله في الرضا فان لم تستطع ففي السر على ما تكره خير كثير»(3) ثم لا يكفي في نيل السعادة الموعودة على حسن الخلق استلذاذ الطاعة واستكراه المعصية في زمان دون زمان ، بل ينبغي أن يكون كذلك على الدوام وفي جملة العمر ، وكلما كان العمر أطول كانت الفضيلة أرسخ وأكمل ، ولذلك «سئل رسول الله (ص) عن السعادة فقال : طول العمر في طاعة الله»(4) .
ولذلك كره الأنبياء والأولياء الموت ، فان الدنيا مزرعة الآخرة ، وكلما كانت العبادات أكثر

(1) تنبيه الخواطر : ج 1 ص 91 واحياء علوم الدين : ج 3 ص 57 والكافي : ج 5 ص 321 .
(2) سورة البقرة : آية 45 .
(3) تنبيه الخواطر : ج 1 ص 91 واحياء علوم الدين : ج 3 ص 57 .
(4) تنبيه الخواطر : ج 1 ص 92 واحياء علوم الدين : ج 3 ص 57 .
الحقايق في محاسن الأخلاق 64

لطول العمر كان الثواب أجزل والنفس أزكى وأطهر والأخلاق أقوى وأرسخ وإنما مقصود العبادات تاثيرها في القلب وإنما تتاكد آثارها بكثرة المواظبة على العبادات ، وغاية هذه الاخلاق أن ينقلع عن النفس حب الدنيا ويترسخ فيها حب الله تعالى ، فلا شيء أحب إليه من الله تعالى ومن لقائه ، وكل صفة تظهر في القلب يفيض أثرها على الجوارح حتى يتحرك لا محالة على وفقها ، وكل فعل يجري على الجوارح فانه يرتفع منه أثر على القلب .
وطالب تزكية النفس لا ينالها بعبادة يوم ولا يحرمها بعصيان يوم ولكن العطلة في يوم واحد تدعو إلى مثلها ثم تتداعى قليلا قليلا حتى تأنس النفس بالكسل وتهجر التحصيل راسا ، وصغار المعاصي يجر بعضها إلى بعض حتى يفوت أصل السعادة بهدم أصل الايمان عند الخاتمة ، فلا ينبغي أن يستهان بقليل الطاعة ولا بصغر المعصية ، فان الجملة الكثيرة منها مؤثرة وإنما اجتمعت الجملة من الاحاد فلكل واحدة تأثير ، وربّما تحصل الأخلاق الحسنة بمشاهدة أرباب الأفعال الجميلة ومصاحبتهم وهم قرناء الخير ، والأخلاق السيئة بمشاهدة أرباب الأعمال السيئة ومصاحبتهم وهم قرناء السوء ، فان الطبع يسرق من الطبع الخير والشر جميعا .
فمن تظاهرت في حقه الجهات الثلاث حتى صار ذا فضيلة طبعا واعتيادا وتعلّما فهو في غاية الفضيلة ، ومن كان رذلا بالطبع واتفق له اقران السوء فتعلم منهم وتيسرت له أسباب الشر حتى تعوّدها في غاية البعد من الله تعالى ، وبين الرتبتين من اختلفت به هذه الجهات ولكل درجة في القرب والبعد بحسب ما يقتضيه صفته وحالته «فمن يعمل مثقال ذرة خيرا يره ومن يعمل مثقال ذرة شرا يره»(1) «وما ظلمهم الله ولكن كانوا أنفسهم يظلمون»(2) .

الفصل الثالث
في عيوب النفس والبصيرة بها

اعلم أن الله إذا أراد بعبد خيرا بصره بعيوب نفسه فمن كملت له بصيرته لم تخف عليه عيوبه ، وإذا عرف العيوب أمكنه العلاج ولكن أكثر الناس جاهلون بعيوب أنفسهم يرى أحدهم القذى في عين أخيه ولا يرى الجذع في عين نفسه ، فمن أراد أن يقف على عيب نفسه فليطلب صديقا صدوقا بصيرا متدينا فينصبه رقيبا على نفسه ليراقب أحواله وأفعاله ، فما يكرهه من أخلاقه وافعاله وعيوبه الباطنة والظاهرة ينبّهه عليه أو يستفيد معرفة عيوب نفسه من لسان

(1) سورة الزلزلة : آية 7 ـ 8 .
(2) سورة النخل : آية 33 .
الحقايق في محاسن الأخلاق 65

أعدائه ، فان عين السخط تبدي المساوي كما قيل :
وعين الرضا عن كل عيب كليلة ولكن عين السخط تبدي المساويا

ولعل انتفاع الانسان بعدوّ شاحن يذكر عيوبه أكثر من انتفاعه بصديق مداهن يثني عليه ويمدحه ويخفي عنه عيوبه إلا أن الطبع مجبول على تكذيب العدو وحمل ما يقوله على الحسد ، ولكن البصير لا يخلو عن الانتفاع بقول أعدائه فان مساويه لا بد وأن تنتشر على ألسنتهم ، أو يخالط الناس فكل ما يراه مذموما فيما بين الخلق فيطالب نفسه بتركه ؛ وما يراه محمودا يطالب نفسه به وينسب نفسه إليه ، فان المؤمن مرآة المؤمن فيرى في عيوب غيره عيوب نفسه .
وليعلم أن الطباع متقاربة في اتباع الهوى فما يتّصف به واحد من الأقران لا ينفك القرين الاخر عن مثله أو عن أعظم منه أو عن شيء منه ، فيتفقد نفسه ويطهرها عن كل ما يذمه من غيره ، وناهيك بهذا تاديبا ، فلو ترك الناس كلهم ما يكرهونه من غيرهم لاستغنوا عن المؤدب قيل لعيسى (ع) : «من أدّبك ؟ فقال : ما أدّبني أحد رأيت قبح الجاهل فجانبته»(1) .

الباب الثاني
فيما يؤدي الى مساوي الاخلاق

فيما يؤدي إلى مساوي الاخلاق من البطن والفرج واللسان ، اعلم أن الأخلاق إنما تترسّخ في النفس بتكرير الأعمال ، والأعمال إنما تصدر من القلب بتوسّط الجوارح وكل جارحة تصلح لأن يصدر منه الأعمال الحسنة الجالبة للاخلاق الجميلة وأن يصدر منه الأعمال القبيحة المورثة للاخلاق السيئة ، فلا بد من مراعاة القلب والجوارح بصرفهما إلى الخيرات ومنعهما من الشرور ، وأعظم المهلكات لابن آدم شهوة البطن والفرج واللسان .
ففي الحديث النبوي (ص) : «من وقى شر قبقبه وذبذبه ولقلقه فقد وقى»(2) والقبقب البطن ، والذبذب الفرج ، واللقلق اللسان أما شهوة البطن فبها اخرج آدم وحوا من دار القرار

(1) تنبيه الخواطر : ج 1 ص 96 .
(2) تبنيه الخواطر : ج 1 ص 105 واحياء علوم الدين : ج 3 ص 104 وارشاد القلوب : ص 103 .
الحقايق في محاسن الأخلاق 66

إلى دار الذل والافتقار إذ نهيا عن أكل الشجرة فغلبتهما شهوتهما حتى أكلا منها فبدت لهما سوآتهما .
والبطن على التحقيق ينبوع الشهوات ومنبت الادواء والآفات ، إذ يتبعها شهوة الفرج وشدّة الشبق إلى المنكوحات ، ثم يتبع شهوة المطعم والمنكح شدة الرغبة في المال والجاه الذين هما الوسيلة الى التوسع في المطعومات والمنكوحات ثم يتبع استكثار المال والجاه أنواع الرعونات وضروب المنافسات والمحاسدات ، ثم يتولد من ذلك آفة الرياء وغائلة التفاخر والتكاثر والكبرياء ، ثم يتداعى ذلك إلى الحقد والعداوة والبغضاء ، ثم يقضي ذلك بصاحبه إلى اقتحام البغي والمنكر والفحشاء .
وكل ذلك ثمرة إهمال المعدة وما يتولد من بطر الشبع والامتلاء ، ولو ذلل العبد نفسه بالجوع وضيق مجاري الشيطان لأذعنت لطاعة الله ولم تسلك سبيل البطر والطغيان ولم ينجر به ذلك إلى الانهماك في الدينا وايثار العاجلة على العقبى ، ولم يتكالب كل هذا التكالب على الدنيا .
قال النبي (ص) : «ما ملأ ابن آدم وعاء شرا من بطنه حسب ابن آدم لقيمات يقمن صلبه وان كان هو فاعلا لا محالة فثلـث لطعامه ، وثلـث لشرابه وثلـث لنفسـه»(1) .
وقال (ص) : «لا تميلوا القلوب بكثرة الطعام والشراب فان القلب كالزرع يموت إذا كثر عليه الماء»(2) .
وقال (ص) : «أفضلكم منزلة عند الله أطولكم جوعا وتفكرا وأبغضكم إلى الله تعالى كل نؤوم أكول شروب»(3) .
وقال الصادق (ع) : «إن البطن ليطغى من اكلة ، وأقرب ما يكون العبد إلى الله إذا خف بطنه وأبغض ما يكون العبد إلى الله إذا امتلأ بطنه»(4) .
وفي مصباح الشريعة قال الصادق (ع) : «ما من شيء أضر لقلب المؤمن من كثرة الأكل وهي مورثة شيئين : قسوة القلب وهيجان الشهوة ، والجوع ادام للمؤمن وغذاء للروح وطعام

(1) تنبيه الخواطر : ج 1 ص 46 واحياء علوم الدين : ج 3 ص 77 .
(2) تنبيه الخواطر : ج 1 ص 46 واحياء علوم الدين : ج 3 ص 77 .
(3) احياء علوم الدين : ج 3 ص 77 .
(4) الكافي : ج 6 ص 269 .
الحقايق في محاسن الأخلاق 67

للقلب وصحة للبدن»(1) .
وقال لقمان لابنه : «يا بني إذا امتلأت المعدة نامت الفكرة وخرست الحكمة وقعدت الأعضاء عن العبادة»(2) .
وبالجملة ففوايد الجوع كثيرة منها صفاء القلب ورقّته والاستلذاذ بالطاعة ، والانكسار المانع عن المعصية والغفلة ، وذكر جوع يوم القيامة ، وكسر شهوة الفرج المستولية بالشبع ، ودفع النوم الذي يكل الطبع ويضيّع العمر ويفوت القيام والتهجد وتيسر المواظبة على الطاعة لخفة البدن والفراغ عن الاهتمام بالتحصيل والاعداد والأكل ودفع الأمراض الشاغلة عنها ، فورد في الحديث : «المعدة بيت الداء والحمية رأس كل دواء»(3) .

الفصل الأول
الاعتدال في شهوتي البطن والفرج

قد علمت أن المقصد الأقصى في جميع الأحوال والأخلاق هو الوسط وما ذكر في فضايل الجوع ربّما يومي إلى أن الافراط فيه مطلوب وهيهات ولكن من أسرار حكمة الشريعة أن كل ما يطلب الطبع فيه الطرف الاقصى وكان فيه فساد جاء الشرع بالمبالغة والمنع منه على وجه يؤمي عند الجاهل إلى أن المطلوب مضادة ما يقتضيه الطبع بغاية الامكان ، والعالم يدرك أن المقصود هو الوسط لأن الطبع إذا طلب غاية الشبع فالشرع ينبغي أن يطلب غاية الجوع حتى يكون الطبع باعثا والشرع مانعا فيتقاومان ويحصل الاعتدال ولما بالغ النبي (ص) في الثناء على قيام الليل وصيام النهار ثم علم من حال بعضهم أنه يصوم الدهر كله ويقوم الليل كله نهى عنه .
فاذا عرفت هذا فاعلم أن الأفضل بالاضافة إلى الطبع المعتدل أن يأكل بحيث لا يحس بثقل المعدة ولا يحس بألم الجوع بل ينسى بطنه فلا يؤثر فيه أصلا فان مقصود الأكل بقاء الحياة وقوة العبادة ، وثقل الطعام يمنع العبادة وألم الجوع أيضا يشغل القلب ويمنع منها ، فالمقصود أن يأكل أكلا معتدلا بحيث لا يبقى للأكل فيه أثر ليكون متشبها بالملائكة ، فانّهم مقدّسون عن ثقل الطعام وألم الجوع ، وإليه الاشارة بقوله تعالى : «كلوا واشربوا ولا تسرفوا»(4) والقوام فيه أن لا ياكل طعاما حتى يشتهيه ويرفع يده عنه وهو يشتهيه .

(1) مصباح الشريعة : ص 77 .
(2) تنبيه الخواطر : ج 1 ص 102 .
(3) مكارم الأخلاق : ص 362 .
(4) سورة الاعراف : آية 31 .
الحقايق في محاسن الأخلاق 68

وأما شهوة الفرج فانّما سلطت على الانسان لبقاء النسل ودوام الوجود ولان يدرك لذته فيقيس بها لذّات الآخرة ، فان لذة الوقاع لو دامت لكانت أقوى لذات الأجسام كما أن ألم النار أعظم آلام الجسد ، فالترهيب والترغيب يسوقان الخلق غلى سعادتهم وليس ذلك إلا بألم محسوس ولذة مدركة فهذه فائدتها ، ولكن فيها من الآفة ما يهلك الدين والدنيا إن لم تضبط ولم تقهر ولم ترد إلى حد الاعتدال فان لها أيضا إفراطا وتفريطا .
فافراطها ما يقهر العقل حتى يصرف همّة الرجل إلى التمتع بالنساء والجواري فيحرم عن سلوك طريق الآخرة ، أو يقهر الدين حتى يجر إلى اقتحام الفواحش وقد ينتهي هذه الشهوة بمن غلب وهمه على عقله إلى العشق البهيمي الذي ينشأ من استيلاء الشهوة فيسخر الوهم العقل لخدمة الشهوة وقد خلق العقل ليكون مطاعا لا ليكون خادما للشهوة محتالا لأجلها ، وهو مرض قلب فارغ لا همة له وإنما يجب الاحتراز من أوائله بترك معاودة النظر والفكر وإلا فاذا استحكم عسر دفعه .
وتفريط هذه الشهوة إما بالعفة الخارجة عن الاعتدال أو بالضعف عن امتناع المنكوحة وهو أيضا مذموم وانما المحمود ان تكون معتدلة ومطيعة للعقل والشرع في انبساطها وانقباضها ، ومهما افرطت فكسرها يكون بالجوع والنكاح قال رسول الله (ص) : «معاشر الشباب عليكم بالباءة فمن لم يستطع فعليه بالصوم فان الصوم له وجاء»(1) .
اعلم أن هذه الشهوة أغلب الشهوات على الانسان وأعصاها عند الهيجان على العقل إلا أن مقتضاها قبيح يستحيى منه ويخشى من اقتحامه ، وامتناع أكثر الناس عن مقتضاها إما لعجز أو لخوف أو لحياء أو لمحافظة على حشمة ، وليس في شيء من ذلك ثواب ، فانه ايثار حظ من حظوظ النفس على حظ آخر نعم من العصمة أن لا يقدر ففي هذه العوايق فائدة وهو دفع الاثم فان من ترك الزنا اندفع عنه اثمه باي سبب كان تركه وإنما الفضل والثواب الجزيل في تركه خوفا من الله تعالى مع القدرة عليه وارتفاع الموانع وتيسّر الأسباب لا سيّما عند صدق الشهوة ، وهذه درجة الصديقين .
ولذلك قال رسول الله (ص) : «من عشق فعف وكتم فمات فهو شهيد»(2) وقال : «سبعة

(1) العوالي : ج 1 ص 257 ح 27 وصحيح البخاري : ج 7 ص 3 وإحياء علوم الدين : ج 3 ص 96 .
(2) احياء علوم الدين : ج 3 ص 100 .
الحقايق في محاسن الأخلاق 69

يظلّهم الله يوم لا ظل إلا ظله ، وعد منهم رجلا دعته امرأة ذات حسب وجمال إلى نفسها فقال : إني أخاف الله رب العالمين وقصة يوسف وامتناعه عن زليخا مع القدرة ورغبتها معروفة ، وقد أثنى الله تعالى بذلك عليه في كتابه وهو امام كل من وفق لمجاهدة الشيطان في هذه الشهوة العظيمة قال الله تعالى : «قل للمؤمنين يغضوا من أبصارهم ويحفظوا فروجهم»(1)»(2) .
وقال النبي (ص) : «النظرة سهم مسموم من سهام إبليس فمن تركها خوفا من الله أعطاه الله ايمانا يجد حلاوته في قلبه»(3) ، وقال «اتقوا فتنة الدنيا وفتنة النساء فان أول فتنة بني اسرائيل كانت من النساء»(4) .

الفصل الثاني
في اللسان وآفاته

وأما اللسان فانه من نعم الله العظيمة ولطايف صنعه الغريبة فانه صغير جرمه عظيم طاعته وجرمه إذ لا يتبين الايمان والكفر إلا بشهادة اللسان وهما غاية الطاعة والطغيان ، ثم إنه ما من موجود أو معدوم خالق أو مخلوق متخيل أو معلوم مظنون أو موهوم إلا واللسان يتناوله ويتعرض له باثبات أو نفي فان كل ما يتناوله العلم يعبر عنه اللسان إما بحق أو باطل ولا شيء إلا والعلم متناوله وهذه خاصيّة لا توجد في ساير الاعضاء ، فان العين لا تصل إلى غير الألوان والصور ، والاذن لا تصل إلى غير الأصوات ، واليد لا تصل إلى غير الاجسام وكذا ساير الاعضاء .
واللسان رحب الميدان ليس له مرد ، ولا لمجاله منتهى ولا حد ، فله في الخير مجال رحب وله في الشر مجرى سحب ، فمن اطلق عذبة اللسان وأهمله مرخى العنان سلك به الشيطان في كل ميدان وساقه إلى شفا جرف هار إلى أن يضطره إلى البوار ولا يكب الناس على مناخيرهم في النار إلا حصائد ألسنتهم كما ورد في الحديث النبوي (ص) .
ولا ينجي من شر اللسان إلا أن يقيد بلجام المشرع فلا يطلق إلا فيما ينفع في الدنيا والآخرة ويكف عن كل ما يخشى غايلته في عاجله وآجله ، وعلم ما يحمد إطلاق اللسان فيه أو يذم غامض عزيز ، والعمل بمقتضاه على من عرفه ثقيل عسير وأعصى الأعضاء على الانسان

(1) سورة النور : آية 30 .
(2) احياء علوم الدين : ج 3 ص 100 .
(3) احياء علوم الدين : ج 3 ص 97 .
(4) احياء علوم الدين : ج 3 ص 97 .

السابق السابق الفهرس التالي التالي