الحقايق في محاسن الأخلاق 49

على الوسايط بين الخلق وبين الله فلذلك ذمّهم لما قلدوا من قد عرفوا ومن قد علموا أنه لا يجوز قبول خبره ولا تصديقه في حكايته ولا العمل بما يؤدّيه إليهم عمّن لا يشاهدونه ووجب عليهم النظر بأنفسهم في أمر رسول الله (ص) إذ كانت دلايله أوضح من أن يخفى وأشهر من أن لا يظهر لهم .
وكذلك عوام امّتنا إذا عرفوا من فقهائهم الفسق الظاهر والعصبيّة الشديدة والتكالب على حطام الدنيا وحرامها وإهلاك من يتعصّبون عليه وإن كان لإصلاح أمره مستحقاً ، وبالترفق بالبر و الأحسان على من تعصّبوا له وإن كان للأذلال والاهانة مستحقا ، فمن قلد من عوامنا مثل هؤلاء الفقهاء فهم مثل اليهود الذين ذمّهم الله بالتقليد لفسقة علمائهم .
فاما من كان من الفقهاء صائنا لنفسه حافظا لدينه مخالفا لهواه مطيعا لأمر مولاه فللعوام أن يقلدوه ، وذلك لا يكون إلا بعض فقهاء الشيعة لا جميعهم فان من ركب القبايح والفواحش مراكب فسقة العامّة فلا تقبلوا منهم عنّا شيئا ولا كرامة لهم»(1) .
الباب الثالث
في معرفة النفس

في معرفة النفس ونعني بها الجوهر اللطيف الملكوتي الذي يستخدم هذا البدن الجسماني في حاجاته مسخّرا له تسخير المولى لخدمه ، وهو ذات الانسان وحقيقته العالمة بالمعلومات ، وله في هذا البدن جنود جسمانية هي الأعضاء ، وجنود روحانية هي القوى قال الله تعالى : «وفي أنفسكم أفلا تبصرون»(2) وقال نبينا (ص) : «من عرف نفسه فقد عرف ربه»(3) ، وقال «أعرفكم بنفسـه أعرفكـم بربّـه»(4) وقد يسمى هذا الجوهر الملكوتي بالروح لتوقف حياة البدن عليه ، وبالقلب لتقلبه في الخواطر ، وبالعقل لاكتسابه العلوم واتصافه بالمدركات وقد تستعمل هذه الالفاظ الأربعة في معان اخر تعرف بالقرائن .
ثم النفس توصف باوصاف مختلفة بحسب اختلاف أحوالها ، فاذا سكنت تحت الأوامر والنواهي وزايلها الاضطراب بسبب معارضة الشهوات سميت النفس المطمئنة قال الله

(1) الاحتجاج : ج 2 ص 262 ـ 263 .
(2) سورة الذاريات : آية 21 .
(3) مصباح الشريعة : ص 13 .
(4) روضة الواعظين : ص 20 .
الحقايق في محاسن الأخلاق 50

تعالى : «يا أيتها النفس المطمئنة ارجعي إلى ربك راضية مرضية»(1) وإذا لم يتم سكونها ولكنها صارت مدافعة للشهوة والغضب ومعترضة عليهما سمّيت النفس اللوامة لأنها تلوم صاحبها عند تقصيره في عبادة مولاها قال الله تعالى : «ولا اقسم بالنفس اللوامة»(2) وإن تركت الاعتراض وإذ عنت وأطاعت لمقتضى الشهوات ودواعي الشيطان سميت الامارة بالسوء ، قال الله تعالى اخبارا عن يوسف (ع) : «وما ابرئ نفسي إن النفس لأمارة بالسوء إلا ما رحم ربي»(3) .

الفصل الاول
في الغضب والشهوة

اعلم أن جند الغضب والشهوة قد ينقادان للقلب انقيادا تاما فيعينانه على طريقه الذي يسلكه ويحسنان مرافقته في السفر الذي هو بصدده ، وقد يستعصيان عليه استعصاء بغي وتمرّد حتى يهلكاه ويستعبداه ، وفي ذلك هلاكه وانقطاعه عن سفره الذي به وصوله إلى سعادة الأبد ، وللقلب جند آخر وهو العلم والحكمة والتفكر وحقه أن يستعين بهذا الجند ، فانه حزب الله على الجندين الآخرين فانهما قد يلتحقان بحزب الشيطان ، فان ترك الاستعانة وسلط على نفسه جند الغضب والشهوة هلك يقينا وخسر خسرانا مبينا ، وذلك حال أكثر الخلق فانّ عقولهم صارت مسخرة لشهواتهم في استنباط الحيل لقضاء الشهوة وكان ينبغي ان تكون الشهوة مسخرة لعقولهم فيما يفتقر العقل إليه .

الفصل الثاني
تركيب الانسان من اربع شوائب

ثم اعلم أن الانسان قد اصطحب في تركيبه وخلقته اربع شوائب فلذلك اجتمعت عليه أربعة أنواع من الأوصاف وهي الصفات السبعية والبهيمية ، والشيطانية ، والربانية .
فهو من حيث سلط عليه الغضب يتعاطى أفعال السباع من العداوة والبغضاء والتهجم على الناس بالضرب والشتم .
ومن حيث سلطت عليه الشهوة يتعاطى افعال البهايم من الشره والحرص والشبق وغيره .
ومن حيث انه في نفسه أمر ربّاني كما قال الله تعالى : «قل الروح من أمر ربّي»(4) فانه

(1) سورة الفجر : آية 28 .
(2) سورة القيامة : آية 2 .
(3) سورة يوسف : آية 53 .
(4) سورة الاسراء : آية 85 .
الحقايق في محاسن الأخلاق 51

يدعي لنفسه الربوبيّة ويحب الاستيلاء والاستعلاء والتخصيص والاستبداد بالامور كلها والتفرد بالربانية والانسلال عن ربقة العبودية والتواضع ، ويشتهي الاطلاع على العلوم كلها بل يدعي لنفسه العلم والمعرفة والاحاطة بحقايق الامور ويفرح إذا نسب إلى العلم ويحزن إذا قرن إلى الجهل والاحاطة بجميع الحقايق والاستيلاء بالقهر على جميع الخلايق من أوصاف الربوبية وفي الانسان حرص على ذلك .
ومن حيث يختص عن البهايم بالتميز مع مشاركته لها في الغضب والشهوة حصلت فيه شيطانية فصار شريرا يستعمل التميز في استنباط وجوه الحيل والشر ويتوصّل إلى الأغراض بالمكر والحيلة والخداع ، ويظهر الشر في معرض الخير وهذه أخلاق الشياطين .
وكل انسان ففيه شوب من هذه الاصول الأربعة أعني الربانية والشيطانية والسبعية والبهيمية وكل ذلك مجموع في القلب وكان المجموع في إهاب الإنسان خنزير ، وكلب ، وشيطان ، وحكيم .
فالخنزير هو الشهوة فانه لم يكن الخنزير مذموما للونه وشكله وصرته ، بل لجشعه وكلبه وحرصه .
والكلب هو الغضب فان السبع الضاري أو الكلب العقور ليسا كلبا ولا سبعا باعتبار الصورة وللون والشكل بل روح معنى السبعية الضراوة والعدوان والعقر ، وفي باطن الانسان ضراوة السبع وغضبه وحرص الخنزير وشبعه «شبقه خ» فالخنزير يدعو بالشره إلى الفحشاء والمنكر ، والسبع يدعو بالغضب إلى الظلم والإيذاء .
والشيطان لا يزال يهيّج شهوة الخنزير وغيظ السبع ويغري أحدهما بالاخر ويحسن لهما ما هما مجبولان عليه .
والحكيم الذي هو مثال العقل مأمور بأن يدفع كيد الشيطان ومكره بأن يكشف عن تلبيسه ببصيرته النافذة ونوره المشرق الواضح وأن يكسر شره هذا الخنزير بتسليط الكلب عليه ، إذ بالغضب يكسر سورة الشهوة ويدفع ضراوة الكلب بتسليط الخنزير عليه ويجعل الكل مقهورا تحت سياسته فان فعل ذلك وقدر عليه اعتدل الأمر وظهر العدل في مملكة البدن وجرى الكل على الصراط المستقيم ، وإن عجز عن قهرها قهروه واستخدموه فلا يزال في استنباط الحيل وتدقيق الفكر ليشبع الخنزير ويرضي الكلب فيكون دائما في عبادة كلب أو خنزير ، وهذا حال أكثر الناس مهما كان أكثر هممهم البطن والفرج ومناقشة «منافسة خ» الاعداء .

الحقايق في محاسن الأخلاق 52

الفصل الثالث
نتائج الانقياد للشهوة والغضب

أما طاعة خنزير الشهوة فيصدر منها صفة الوقاحة والخبث والتبذير والتقتير والرياء والهتكة والمجانة والعبث والحرص والجشع والملق والحسد والشماتة وغيرها .
وأما طاعة كلب الغضب فينتشر منها إلى القلب صفة التهور والنذالة والبذخ والصلف والاستشاطة والتكبر والعجب والاستهزاء والغمز والاستخفاف وتحقير الخلق وإرادة الشر وشهوة الظلم وغيرها .
وأما طاعة الشيطان بطاعة الشهوة والغضب فيحصل منها صفة المكر والخداع والحيلة والدهاء والجربزة والتلبيس والغضب والخب والخناء وامثالها .
ولو عكس الأمر وقهر الجميع تحت سياسة الصفة الربانية لاستقر في القلب من الصفات الربانية العلم والحكمة واليقين والاحاطة بحقايق الأشياء ومعرفة الامور على ما هي عليه والاستيلاء على ذلك كله بقوة العلم والبصيرة واستحقاق التقدم على الخلق كمال العلم وجلالته ، ولاستغنى عن عبادة الشهوة والغضب ، ولانتشر إليه من ضبط خنزير الشهوة وردّه إلى حد الاعتدال صفات شريفة مثل العفة والقناعة والهدو والزهد والورع والتقوى والانبساط وحسن الهيئة والحياء والظرف(1) والمساعدة وأمثالها ، ويحصل فيه من ضبط قوة الغضب وقهرها وردّها إلى حد الواجب صفة الشجاعة والكرم والنجدة وضبط النفس والصبر والحلم والاحتمال والعفو والثبات والنبل والشهامة والوقار وغيرها .
والقلب في حكم مرآة قد اكتنفته هذه الأمور المؤثرة فيه وهذه الآثار على التوالي واصلة إلى القلب .
أما الاثار المحمودة التي ذكرناها فانها تزيده مرآة القلب صفاء «جلاء خ ل» واشراقا ونورا وضياء حتى يتلألأ فيه جلية الحق وينكشف فيه حقيقة الأمر المطلوب في الدين ، وإلى مثل هذا القلب الإشارة بقوله (ص) : «من كان له من قلبه واعظ كان عليه من الله حافظا»(2) ، وبقوله

(1) ظرف الرجل بالضم ظرافة فهو ظريف اذا حسن أدبه . م .
(2) احياء علوم الدين : ج 3 ص 12 .
الحقايق في محاسن الأخلاق 53

(ص) : «إذا أراد الله بعبده خيرا جعل له واعظا من قلبه»(1) وهذا القلب هو الذي يستقر فيه الذكر قال الله تعالى : «ألا بذكر الله تطمئن القلوب»(2) .
وأما الآثار المذمومة فانّها مثل دخان مظلم يتصاعد إلى مرآة القلب ولا يزال يتراكم عليه مرة بعد اخرى إلى أن يسود ويظلم ويصير بالكلية محجوبا عن الله تعالى ، وهو الطبع والرين قال الله تعالى : «كـلا بـل ران علـى قلوبهـم مـا كانـوا يكسبـون»(3) وقال الله «ان لو نشاء أصبناهم بذنوبهم ونطبع على قلوبهم فهم لا يسمعون»(4) فربط عدم السماع والطبع بالذنوب كما ربط السماع بالتقوى حيث قال تعالى : «واتقوا الله واسمعوا»(5) «فاتقوا الله وأطيعون»(6) «واتقوا الله ويعلمكم الله»(7) .
ومهما تراكمت الذنوب طبع على القلب وعند ذلك يعمى القلب عن إدراك الحق وصلاح الدين ويستهين بالآخرة ويستعظم أمر الدنيا ويصير مقصور الهم عليه فاذا قرع سمعه أمر الاخرة وما فيها من الأخطار دخل من اذن وخرج من الاخرى ولم يستقر في القلب ولم يحركه إلى التوبة والتدارك ، اولئك الذين يئسوا من الاخرة كما يئس الكفار من أصحاب القبور وهذا هو معنى اسوداد القلب بالذنوب كما نطق به القرآن والسنة .
قال أمير المؤمنين (ع) : «إن الإيمان ليبدو لمعة بيضاء فاذا عمل العبد الصالحات نما وزاد حتى يبيض القلب كله ، وإن النفاق ليبدو نكتة سوداء فاذا انتهك الحرمات زادت حتى يسود القلب كله فيطبع على قلبه فذلك الختم ، وتلا : «كلا بل ران على قلوبهم ما كانوا يكسبون»(8) .
وقال الباقر (ع) : «إن القلوب ثلاثة : قلب منكوس لا يعي شيئا من الخير وهو قلب الكافر ، وقلب فيه نكتة سوداء والخير والشر فيه يعتلجان فأيّهما كانت منه غلب عليه ، وقلب مفتوح فيه مصابيح تزهر لا يطفى نوره إلى يوم القيامة وهو قلب المؤمن»(9) .
وقال الصادق (ع) : «إن القلب ليكون في الساعة من الليل والنهار ليس فيه ايمان ولا كفر

(1) إحياء علوم الدين : ج 3 ص 12 .
(2) سورة الرعد : آية 28 .
(3) سورة المطففين : آية 14 .
(4) سورة الاعراف : آية 100 .
(5) سورة المائدة : آية 108 .
(6) سورة الشعراء : آية 108 .
(7) سورة البقرة : آية 282 .
(8) اورد صدر الحديث الشريف الرضي (رحمه الله) في النهج باب مختار غريب كلامه تحت رقم 5 وفي كنز العمال ح 1734 .
(9) معاني الأخبار ص 395 والكافي : ج 2 ص 423 .
الحقايق في محاسن الأخلاق 54

كالثوب الخلق ثم قال إذا «أماخ» تجد ذلك من نفسك قال : ثم تكون النكتة من الله في القلب بما شاء من كفر وايمان»(1) .

الفصل الرابع
القلب مثال قبة لها ابواب

إن القلب مثاله مثال قبة لها أبواب تنصب إليه الأحوال من كل باب ، أو مثال هدف تنصب إليه السهام من الجوانب ، أو مثال مرآة منصوبة يجتاز عليها أصناف الصور المختلفة فيتراءى فيها صورة بعد صورة أو مثال حوض ينصب فيه مياه مختلفة من أنهار مفتوحة إليه ومداخل هذه الآثار المتجددة فيه في كل حال إما من الظاهر فالحواس الخمس ، وإما من الباطن فالخيال والشهوة والغضب والاخلاق المركبة في مزاج الانسان ، فانه إذا أدرك بالحواس شيئا حصل منه أثر في القلب ، وكذلك إذا هاجت الشهوة مثلا بسبب كثرة الاكل أو بقوة المزاج ، والآثار تبقى وينتقل الخيال من شيء إلى شيء وبحسب انتقال الخيال ينتقل القلب من حال إلى حال .
فالقلب دائما في التغير والتأثر من هذه الاسباب ، وأخص الآثار الحاصلة فيه هي الخواطر ، وأعني بالخواطر ما يعرض فيه الافكار والأذكار اما على سبيل التجدد ، وإما على سبيل التذكر ، والخواطر هي المحركات للارادات ، فان النية والعزم والارادة إنما تكون بعد خطور المنويّ بالبال لا محالة ، فمبدء الافعال الخواطر ، ثم الخاطر يحرك الرغبة والرغبة تحرك النية والعزم ، والعزم والنية تحركان الاعضاء .
والخواطر المحركة للرغبة تنقسم إلى ما يدعو إلى الشر أعني ما يضر في العاقبة ، وإلى ما يدعو إلى الخير أعني ما ينفع في الآخرة ، فهما خاطران مختلفان فالخاطر المحمود يسمّى إلهاما والمذموم يسمى وسوسة وسبب الخاطر الداعي إلى الخير يسمّى ملكا ، والسبب الداعي إلى الشر يسمى شيطانا ، واللطف الذي به يتهيّأ القلب لقبول إلهام الملك يسمى توفيقا ، والذي به يتهيّأ لقبول وساوس الشيطان يسمى إغواء وخذلانا ، والملك عبارة عن خلق خلقه الله لافاضة الخير وإفادة العلم وكشف الحق والوعد بالمعروف ، والشيطان عبارة عن خلق شأنه الوعد بالشر والأمر بالفحشاء والتخويف عند الهم بالخير والفقر ، والقلب متجاذب بينهما .

(1) الكافي : ج 2 ص 420 .
الحقايق في محاسن الأخلاق 55

قال النبي (ص) : «في القلب لمّتان : لمة(1) من الملك إيعاد بالخير وتصديق بالحق فمن وجد ذلك فليعلم أنه من الله فليحمد الله ، ولمّة من العدو ايعاد بالشر وتكذيب بالحق ونهي عن الخير ومن وجد ذلك فليتعوّذ من الشيطان ثم تلا : «الشيطان يعدكم الفقر»(2) الآية»(3) .
وقال (ص) : «قلب المؤمن بين اصبعين من أصابع الرحمان»(4) يقلبه كيف يشاء . كنّى به عن سرعة التقلب والقدرة على التحريك والتغيير باستسخار الملك والشيطان ، فانّهما مسخّران بقدرته في تقليب القلوب كما أن أصابعك مسخرة لك في تقليب الأجسام مثلا .
والقلب بأصل الفطرة صالح لقبول آثار الملائكة ولقبول آثار الشيطان قبولا متساويا ، وإنّما يترجح أحدهما على الآخر باتباع الهوى والاكباب على الشهوات وبمخالفتهما فمهما غلب على القلب ذكر الدنيا ومقتضيات الهوى وجد الشيطان مجالا فوسوس ، ومهما انصرف إلى ذكر الله ارتحل الشيطان وضاق مجاله وأقبل الملك وألهم ، فالتطارد بين جندي الملائكة والشيطان في معركة القلب دائم إلى ان ينفتح القلب لأحدهما فيسكن ولا يستوحش ويكون اجتياز الثاني اختلاسا ، قال الله تعالى : «إن الذين اتقوا إذا مسهم طائف من الشيطان تذكروا فإذا هم مبصرون»(5) .

الفصل الخامس
مكائد الشيطان

اعلم أنه قد تلتبس لمّة الشيطان بلمّة الملك فان من مكايد الشيطان أن يعرض الشر في مكان «معرض خ» الخير كما يقول للعالم بطريق الوعظ أما تنظر إلى الخلق وهم موتى من الجهل هلكى من الغفلة قد أشرفوا على النار ؟ أما لك رحمة على عباد الله تنقذهم من المعاطب بنصحك ووعظك ؟ وقد أنعم الله عليك بقلب بصير ولسان زلق ولهجة مقبولة فيكف تكفّر نعمه وتتعرض لسخطه وتسكت عن إشاعة العلم ودعوة خلق الله سبحانه إلى الصراط المستقيم ؟ فلا يزال يقرر ذلك في نفسه ويستجرّه بلطائف الحيل إلى أن يشغل بوعظ الناس .

(1) معناه النزول به والقرب منه ، وقيل : اللمة الهمة تقع في القلب فما كان من خطرات الخير فهو من الملك ، وما كان من خطرات الشر فهو من الشيطان (مجمع) .
(2) سورة البقرة : آية 268 .
(3) إحياء علوم الدين : ج 3 ص 27 .
(4) العوالي : ج 1 ص 48 وإحياء علوم الدين : ج 1 ص 94 .
(5) سورة الأعراف : آية 201 .
الحقايق في محاسن الأخلاق 56

ثم يدعوه إلى أن يتزين لهم ويتصنّع بتحسين اللفظ وإظهار الخير ويقول : إن لم تفعل ذلك سقط وقع كلامك عن قلوبهم ولم يهتدوا إلى الحق ، فلا يزال يقرّر ذلك وهو في أثنائه يؤكد شوائب الريا وقبول الخلق ولذة الجاه والتعزز بكثرة العلم والنظر الى الخلق بعين الإحتقار ، فيستدرج المسكين بالنّصح إلى الهلاك فيتكلم وهو يظن ان قصده الخير وإنما قصده الجاه والقبول ، فيهلك بسببه وهو يظن أنه عند الله تعالى بمكان وهو عند الله ممّن قال فيهم رسول الله (ص) : «إن الله ليؤيد هذا الدين بأقوام لا خلاق لهم ، وإن الله ليؤيد هذا الدين بالرجل الفاجر»(1) .

الفصل السادس
في القلب لمتان

قال بعض أهل المعرفة إن الهام الملك ووسوسة الشيطان يقع في النفوس على وجوه وعلامات :
أحدها كالعلم واليقين الحاصلين من جانب يمين النفس ، ويقابله الهوى والشهوة الحاصلتان من جانب الشمال .
وثانيها كالنظر إلى آيات الآفاق والأنفس على سبيل النظام والاحكام المزيل للشكوك والاوهام ، والمحصّل للمعرفة والحكمة في القوة العاقلة التي هي على الجانب الأيمن من النفس ، ويقابله النظر إليها على سبيل الاشتباه والغفلة والاعراض عنها الناشية منها الشبهة والوسواس في الواهمة والمتخيلة التي على جانب الايسر منها ، فان الآيات المحكمات بمنزلة الملائكة المقدسة من العقول والنفوس الكلية لأنها مبادي العلوم اليقينيّة ، والمتشابهات الوهميّات بمنزلة الشياطين والنفوس الوهمانية لأنها مبادي المقدمات السفسطية .
وثالثها كطاعة الرسول المختار والأئمة الأطهار في مقابلة أهل الجحود والانكار وأهل التعطيل والتشبيه من الكفار ، فكل من سلك سبيل الهداية فهو بمنزلة الملائكة الملهمين للخير ، ومن سلك سبيل الضلال فهو بمنزلة الشياطين المغوين بالشرور .

(1) احياء علوم الدين : ج 3 ص 29 .
الحقايق في محاسن الأخلاق 57

ورابعها كتحصيل العلوم والادراكات التي هي في الموضوعات العالية والأعيان الشريفة كالايمان بالله وملائكته ورسله واليوم الآخر والبعث وقيام الساعة ومثول الخلايق بين يدي الله وحضور الملائكة والنبيين والشهداء والصالحين ، في مقابلة تحصيل العلوم والادراكات التي هي من باب الحيل والخديعة والسفسطة والتامل في الامور الدنياوية الغير الخارجة عن دار المحسوسات ، فان الأول يشبه الملائكة الروحانية وجنود الرحمان الذين هم سكان عالم الملكوت السماوي ، والثاني يشبه الابالسة المطرودة عن باب الله الممنوعة من ولوج السماوات المحبوسة في الظلمات المحرومة في الدنيا عن الارتقاء المحجوبة في الآخرة عن دار النعيم .

الفصل السابع
في ان الهم بالفعل يؤاخذ به أم لا

اعلم أن ما يخطر بالبال من السيئة فلا مؤاخذة عليه ، لأنه لا يدخل تحت الاختيار وكذلك الميل والهيجان لأنهما أيضا لا يدخلان تحت الأختيار ، وأما الاعتقاد وحكم القلب بانه ينبغي أن يفعل فهذا مردّد بين أن يكون اضطرارا أو اختيارا ، والأحوال تختلف فيه فالاختيار منه يؤاخذ به والاضطراري منه لا يؤاخذ به .
وأما الهم بالفعل فانه يؤاخذ به إلا أنه إن لم تفعل فان تركه خوفا من الله وندم على همّه كتبت له حسنة لأن همّه سيئة وامتناعه ومجاهدته نفسه حسنة ، والهم على وفق الطبع لا يدل على تمام الغفلة عن الله ، والامتناع بالمجاهدة على خلاف الطبع يحتاج إلى قوة عظيمة فجده في مخالفة الطبع وهو العمل لله سبحانه أشد من جدّه في موافقة الشيطان بموافقة الطبع ، فكتبت له حسنة لانه يرجح جهده في الامتناع وهمّه به على همّه بالفعل ، وان تعوّق الفعل لعائق او تركه لعذر لا خوفا من الله تعالى كتبت عليه سيئة ، فانّ همّه فعل من القلب اختياري .
والدليل على هذا التفصيل ما ورد عن النبي (ص) : «قالت الملائكة : رب ذاك عبدك يريد أن يعمل سيئة وهو أبصر فقال : ارقبوه فان عملها فاكتبوه عليه بمثلها ، وإن تركها فاكتبوه له حسنة إنما تركها لأجلي»(1) .
وعن أمير المؤمنين (ع) في قوله سبحانه : «ان تبدوا ما في أنفسكم أو تخفوه يحاسبكم به الله»(2) إن هذه الآية عرضت على الأنبياء والامم السابقة فأبوا أن يقبلوها من ثقلها ، وقبلها

(1) صحيح مسلم : ج 1 ص 118 .
(2) سورة البقرة : آية 284 .
الحقايق في محاسن الأخلاق 58

رسول الله (ص) وعرضها على امّته فقبلوها ، فلما رأى الله عز وجل منهم القبول على أنهم لا يطيقونها قال : أما إذا قبلت الآية بتشديدها وعظم ما فيها وقد عرضتها على الامم فابوا ان يقبلوها وقبلتها امّتك فحق علي أن أرفعها عن امتك وقال : « لا يكلف الله نفسا إلا وسعها » ، فظهر ان ما لا تدخل تحت الوسع لا يؤاخذ به»(1) .
وعن النبي (ص) «وضع عن امتي تسع خصال : الخطأ ، والنسيان ، وما لا يعلمون ، وما لا يطيقون ، وما اضطروا إليه ، وما استكرهوا عليه ، والطيرة ، والوسوسة في التفكر في الخلق ، والحسد ما لم يظهر بلسان أو يد»(2) .
وعن الباقر (ع) : «إن الله تعالى جعل لآدم في ذريته من همّ بحسنة ولم يعملها كتبت له حسنة ومن همّ بحسنة وعملها كتبت له عشرا ومن همّ بسيئة ولم يعملها لم تكتب عليه ، ومن عملها كتبت له سيئة»(3) .
وفي رواية «إن العبد إذ أذنب ذنبا اجل من غدوة إلى الليل ، فان استغفر الله لم يكتب عليه»(4) .
وسئل الصادق (ع) عن رجل يجيء منه الشيء على حد الغضب يؤاخذه الله به ؟ فقال : «الله أكرم من أن يستغلق على عبده»(5) .
وعنه (ع) «ما من مؤمن إلا وله ذنب يهجره زمانا ثم يلم به ، وذلك قوله تعالى : «إلا اللمم»(6) قال : واللمم الرجل يلم بالذنب فيستغفر الله منه»(7) .
وعن الكاظم (ع) «إن الله أيد المؤمن بروح تحضره في كل وقت يحسن فيه ويتقي ، ويغيب عنه في كل وقت يذنب فيه ويعتدي ، فهي معه تهتز سرورا عند إحسانه وتسيّخ في الثرى عند اساءته ، فتعاهدوا عباد الله نعمه باصلاحكم أنفسكم تزدادوا يقينا وتربحوا نفيسا ثمينا ، رحم الله امرءا هم بخير فعمله أو هم بشر فارتدع عنه ، ثم قال : نحن نؤيد الروح بالطاعة لله والعمل له»(8) .

(1) الاحتجاج : ج 1 ص 327 .
(2) الكافي : ج 2 ص 463 .
(3) الكافي : ج 2 ص 428 .
(4) الكافي : ج 2 ص 437 .
(5) الكافي : ج 8 ص 254 ح 360 .
(6) سورة النجم : آية 32 . واللمم مقاربة الذنب كما في المصباح وصغار الذنوب كما في القاموس .
(7) الكافي ج 2 ص 442 .
(8) الكافي : ج 2 ص 268 .

السابق السابق الفهرس التالي التالي