|
|
 |
| الحقايق في محاسن الأخلاق | |
39 |
|
 |
الأوصياء مع ما فطر الناس عليه من المعرفة ، قال الله تعالى : «فطرة الله التي فطر الناس عليها لا تبديل لخلق الله ذلك الدين القيّم»(1) فقد ورد ، أن المراد بها المعرفة ، وفي رواية التوحيد ، وفي الحديث النبوي (ص) : «كل مولود يولد على الفطرة فأبواه يهودانه وينصرانه ويمجسانه»(2) .
والفطرة في الاصل الجبلة ، وهي عبارة عن العقل المطبوع الذي هو شرع من داخل كما أن الشرع عقل من خارج ، فان العقل كالسراج والشرع كالزيت يمده فما لم يكن زيت لم يشعل السراج ، وما لم يكن سراج لم يضيء الزيت ، وأيضا العقل كالبصر والشرع كالشعاع ولم ينفع البصر ما لم يكن شعاع من خارج ولن يغني الشعاع ما لم يكن بصر «قد جاءكم من الله نور وكتاب مبين يهدي به الله من اتبع رضوانه سبل السلام ويخرجهم من الظلمات إلى النور بإذنه»(3) فسحقا لأقوام عزلوا عقولهم وأعرضوا عن رسلهم واتبعوا اهواءهم فضلوا وأضلوا .
ثم إن أعقل العقلاء نبينا (ص) وخير الشرايع شرعه وإنما أرسله الله وأنزل معه الكتاب ليقوم الناس بالقسط . فصدع بأمر الله وهدى الخلق إلى صراط الله ، وأرشدهم إلى معرفة صانعهم ويوم اخر هم ببيان وبرهان ناسبا عقولهم ، ونبّههم على أدلة وحجج بلغت إليها أفهامهم وأتى كل طائفة من ذلك بما يصلح لعقله وفهمه من برهان وخطابة وجدال بالتي هي أحسن ومعجزة لمن له المعجزة أبين ليكونوا على بصيرة من أمرهم وليهلك من هلك عن بيّنة ويحيى من حي عن بينة .
ثم أكمل لهم امور دينهم بحيث لم يحتج امّته إلى آثار السالفين فيما يهمهم ويعينهم من أمر الدين وليس لقائل أن يقول : إن ثبوت الأنبياء والشرايع يتوقف على ثبوت الصانع وصفاته الكمالية فكيف يعرف الصانع وصفاته بالأنبياء والشرايع وذلك لأنه لو لم يكن صاحب هذا الكلام والبيان مقبول القول ومعصوم الفعال لكان فيها الحجة من حيث مطابقتها لمقتضى العقول السليمة ، فان براهينه هي المتبعة وبيّناته وحججه هي الملزمة على أن ما يتوقف عليه الشرع من معرفة الصانع وصفاته يجري مجرى الضروريات التي يحكم بها كل من له أدنى مسكة ، قال الله عز وجل : «ولئن سألتهم من خلق السموات والأرض ليقولن الله»(4) .
|
(1) سورة الروم : آية 30 .
(2) احياء علوم الدين : ج 3 ص 15 .
(3) سورة المائدة : آية 16 .
(4) سورة لقمان : آية 25 .
|
 |
| الحقايق في محاسن الأخلاق | |
40 |
|
 |
فقد ثبت أن ما ورد في الشرع كاف في الاهتداء إلى سبيل الحق مع ما جبل عليه أهل السلامة من العقل المطبوع ، فلا حاجة إلى تكلفات المتكلفين على اختلاف طبقاتهم وتشعب آرائهم وتناقض أهوائهم في إبداء الأدلة وأنها من الحجج على امور الدين .
فإنهم جمعوا بين الجهل وسوء الأدب ، أما الجهل ، فلكونهم ما عرفوا موضع الدلالة فيما نصبه الحق دليلا ، وأما سوء الأدب فمعارضتهم له سبحانه بما دخلوا فيه ممّا يزعمونه دليلا فجعلوا نظرهم في الدين أتم في الدلالة ممّا دل عليه الحق تعالى عن ذلك ، أفأنزل الله دينا ناقصا فاستعان بهم على اتمامه أم أنزل الله دينا تاما فقصّر الرسول عن تبليغه وأدائه والله سبحانه يقول : «ما فرّطنا في الكتاب من شيء»(1) وفيه «تبيانا لكل شيء»(2) .
وقال أمير المؤمنين (ع) : «القرآن ظاهره أنيق وباطنه عميق لا تفنى عجائبه ولا تنقضي غرائبه ولا تنكشف الظلمات إلا به»(3) .
لما ثبت أن خير هاد إلى الله سبحانه نبينا (ص) وقد ثبت أنه ترك من بعده لخلافته الثقلين : كتاب الله ، وعترته المصطفين وما أوصى امّته في ذلك إلا بالتمسك بهما كما استفاض به الأخبار من طريقي العامة والخاصة جميعا على اختلاف في اللفظ واتفاق في المعنى .
وفي رواية «إني تارك فيكم ما إن تمسّكتم به لن تضلوا بعدي : كتاب الله وعترتي أهل بيتي فانهما لن يفترقا حتى يردا عليّ الحوض»(4) ومعنى عدم افتراقهما أن علم الكتاب كله هو عند العترة فمن تمسك بهم فقد تمسك بهما جميعا .
وفي رواية «إني امرؤ مقبوض واوشك أن ادعى فاجيب وقد تركت فيكم الثقلين»(5) ، وفي اخرى «الأكبر منهما كتاب الله طرف بيد الله وطرف بأيديكم فتمسّكوا به لا تزلوا ولا تضلوا ، والأصغر منهما عترتي لا تقتلوهم ولا تقهروهم فإني سألت اللطيف الخبير أن يردا عليّ الحوض
|
(1) سورة الأنعام : آية 38 .
(2) سورة النحل : آية 89 .
(3) ارشاد القلوب : ص 8 .
(4) اكمال الدين : ج 1 ص 237 .
(5) اكمال الدين : ج 1 ص 236 .
|
 |
| الحقايق في محاسن الأخلاق | |
41 |
|
 |
فأعطاني فقاهرهما قاهري وخاذلهما خاذلي ووليّهما وليّي وعدوّهما عدوّي»(1) وفي رواية «وهما الخليفتان بعدي»(2) .
وسئل أمير المؤمنين (ع) عن معنى الحديث من العترة ، فقال : «أنا والحسن والحسين والتسعة من ولد الحسين (عليهم السلام) تاسعهم مهديهم وقائمهم لا يفارقون كتاب الله ولا يفارقهم حتى يردا على رسول الله حوضه»(3) ، وفي رواية «من جعلهما أمامه قاداه إلى الجنة ومن جعلهما خلفه ساقاه إلى النار» .
وفي الخبر المستفيض : «إن مثل أهل بيتي كمثل سفينة نوح من ركبها نجا ومن تخلف عنها غرق»(4) .
وفي الكافي عن الباقر (ع) قال : قال رسول الله (ص) : «أنا أوّل وافد على العزيز الجبار يوم القيامة وكتابه وأهل بيتي ثم امّتي ثم أسالهم ما فعلتم بكتاب الله وأهل بيتي»(5) .
وعن الصادق (ع) عن آبائه قال : قال رسول الله (ص) : «أيها الناس إنكم في دار هدنة وأنتم على ظهر سفر والسير بكم سريع وقد رأيتم الليل والنهار والشمس والقمر يبليان كل جديد ويقربان كل بعيد ويأتيان بكل موعود ، فأعدّوا الجهاز لبعد المجاز ، قال : فقام المقداد بن الاسود فقال : يا رسول الله ما دار هدنة ؟ قال : دار بلاغ وانقطاع ، فاذا التبست عليكم الفتن كقطع الليل المظلم فعليكم بالقرآن فانه شافع مشفع وما حل(6) مصدّق ومن جعله أمامه قاده إلى الجنة ومن جعله خلفه ساقه إلى النار .
وهو الدليل يدل على خير سبيل ، وهو كتاب فيه تفصيل وبيان وتحصيل وهو الفصل ليس بالهزل ، وله ظهر وبطن فظاهره حكم وباطنه علم ظاهره أنيق وباطنه عميق ، له تخوم وعلى تخوم تخوم ، لا تحصى عجائبه ولا تبلى غرائبه ، فيه مصباح الهدى ومنار الحكمة ، ودليل على المعرفة لمن عرف الصفة فليجل جال بصره ، وليبلغ الصفة نظره ينج من عطب ، ويخلص من نشب ، فان التفكر حياة قلب البصير كما يمشي المستنير في الظلمات بالنور ، فعليكم
|
(1) الطرائف : ص 28 ـ 29 كما في البحار ج 23 ص 109 .
(2) اكمال الدين : ح 1 ص 236 .
(3) اكمال الدين : ج 1 ص 240 .
(4) امالي الطوسي : ص 59 .
(5) الكافي : ج 2 ص 600 .
(6) اي يمحل بصاحبه اذا لم يتبع ما فيه ، اعني يسعى به الى الله تعالى ، وقيل معناه خصم مجادل كذا في الصافي .
|
 |
| الحقايق في محاسن الأخلاق | |
42 |
|
 |
بحسن التخلص وقلة التربص»(1) .
وعنه (ع) قال : قال رسول الله (ص) : «القرآن هدى من الضلالة وتبيان من العمى واستقالة من العثرة ونور من الظلمة وضياء من الاحداث وعصمة من الهلكة ورشد من الغواية وبيان من الفتن وبلاغ من الدنيا إلى الآخرة ، وفيه كمال دينكم وما عدل أحد عن القرآن إلا إلى النار»(2) .
وعن الأئمة المعصومين سلام الله عليهم «من لم يعرف أمرنا من القرآن لم يتنكب الفتن»(3) .
وعنهم (ع) «من أخذ دينه من كتاب الله وسنة نبيه (ص) زالت الجبال قبل أن يزول ، ومن أخذ دينه من أفواه الرجال ردته الرجال»(4) .
وقال محمد بن يعقوب الكليني (ره) بعد نقل هذا الحديث : «ولهذه العلة انبثقت على أهل دهرنا بثوق هذه الأديان الفاسدة والمذاهب المستبشعة «المستشنعة خ» التي قد استوفت شرايط الكفر والشرك كلها ، وذلك بتوفيق الله عز وجل وخذلانه .
فمن أراد الله توفيقه وأن يكون ايمانه ثابتا مستقرا سبب له الأسباب التي تؤديه إلى أن يأخذ دينه من كتاب الله وسنة نبيه (ص) بعلم ويقين وبصيرة ، فذلك أثبت في دينه من الجبال الرواسي .
ومن أراد الله خذلانه وان يكون دينه معارا مستودعا نعوذ بالله منه سبب له أسباب الاستحسان والتقليد والتأويل من غير علم وبصيرة ، فذاك في المشيّة إن شاء الله تبارك وتعالى أتم إيمانه وإن شاء سلبه إياه ولا يؤمن عليه أن يصبح مؤمنا ويمسي كافرا ، ويمسي مؤمنا ويصبح كافرا ، لأنه كلما رأى كبيرا من الكبراء مال معه ، وكلما رأى شيئا استحسن ظاهره قبله .
وقد قال العالم (ع) : « إن الله تعالى خلق النبيين على النبوة فلا يكونون إلا أنبياء ، وخلق الأوصياء على الوصيّة فلا يكونون إلا أوصياء ، وأعار قوما ايمانا فان شاء تمّمه لهم وإن شـاء سلبهم إياه ، قـال : وفيه جرى قولـه : «فمستقـر ومستـودع»(5)»(6) .
|
(1) الكافي : ج 2 ص 598 .
(2) الكافي : ج 2 ص 600 .
(3) الكافي : ج 1 ص 7 .
(4) الكافي : ج 1 ص 7 .
(5) سورة الأنعام : آية 98 .
(6) الكافي : ج 1 ص 7 و 8 ..
|
 |
| الحقايق في محاسن الأخلاق | |
43 |
|
 |
وعن جابر بن عبد الله الأنصاري قال : «لما أنزل الله على نبيّه (ص) : «يا أيها الذين آمنوا أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولى الأمر منكم»(1) قلت : يا رسول الله عرفنا الله ورسوله فمن أولي الأمر الذي قرن الله طاعتهم بطاعتك ؟ فقال (ص) : هم خلفائي يا جابر وأئمة المسلمين بعدي أوّلهم علي بن أبي طالب ثم الحسن ثم الحسين ثم علي بن الحسين ثم محمد بن علي المعروف في التوراة بالباقر وستدركه يا جابر فاذا لقيته فاقرأه مني السلام ثم الصادق جعفر بن محمد ثم موسى بن جعفر ثم علي بن موسى ثم محمد بن علي ثم علي بن محمد ثم الحسن بن علي ثم كنيي وسميّي حجة الله في أرضه وبقيته في عباده ، ابن الحسن بن علي ذلك الذي يفتح الله تعالى ذكره على يده مشارق الأرض ومغاربها ، ذاك الذي يغيب عن شيعته وأوليائه غيبة لا يثبت فيها على القول بامامته إلا من امتحن الله قلبه للإيمان .
قال جابر : قلت له : يا رسول الله فهل ينتفع شيعته به في غيبته قال اي والذي بعثني بالنبوة يستضيئون بنوره وينتفعون بولايته في غيبته كانتفاع الناس بالشمس وإن تجللها سحاب يا جابر هذا من مكنون سر الله ومخـزون علم الله فاكتمـه إلا عن أهلـه»(2) .
|
الفصل الثاني في طريق فهم العقايد
|
اعلم أن الناس في فهم العقايد وقبولها على طبقات ومنازل بعضها فوق بعض ليسوا في درجة واحدة . وإنما كلف الله عباده بقدرما أعطاهم من العقل والفهم والوسع .
قال الباقر (ع) : «إن المؤمنين على منازل ، منهم على واحدة ، ومنهم على اثنتين ومنهم على ثلاث ، ومنهم على أربع ، ومنهم على خمس ، ومنهم على ست ، ومنهم على سبع ، فلو ذهبت تحمل على صاحب الواحدة ثنتين لم يقو ، وعلى صاحب الثنتين ثلاثا لم يقو»(3) وساق الحديث .
وقال الصادق (ع) : «الايمان حالات ودرجات وطبقات ومنازل ، فمنه التام المنتهي تمامه ، ومنه الناقص البيّن نقصانه ، ومنه الراجح الزائد رجحانه»(4) .
|
(1) سورة النساء : آية 59 .
(2) كمال الدين : ج 1 ص 253 .
(3) الكافي : ج 2 ص 45 .
(4) الكافي : ج 2 ص 34 .
|
 |
| الحقايق في محاسن الأخلاق | |
44 |
|
 |
وقال أيضا «لو علم الناس كيف خلق الله هذا الخلق لم يلم أحد أحدا»(1) .
فينبغي أن يقدم إلى الصبي في أول نشوه وتميزه «خ ل» ترجمة العقايد ليحفظها حفظا ثم لا يزال ينكشف معناه في كبره شيئا فشيئا فابتداؤه الحفظ ، ثم الفهم ، ثم الاعتقاد والايقان والتصديق به وذلك ممّا يحصل في الصبي بغير برهان ، فمن فضل الله على قلب الانسان شرحه في أول نشوه للايمان من غيرحاجة إلى حجة وبرهان وكيف ينكر ذلك وجميع عقايد العوام مباديها التلقين المجرد والتعليم المحض .
نعم يكون الاعتقاد الحاصل بمجرد التقليد غير خال عن نوع من الضعف في الابتداء على معنى أنه يقبل الازالة بنقيضه لو القى إليه ولا بد من تقويته وإثباته في نفس الصبي والعامي حتى يترشح به ولا يتزلزل ، وليس الطريق في تقويته وإثباته أن يعلم صنعة الجدل والكلام ، بل يشتغل بتلاوة القرآن وتفسيره ، وقراءة الحديث ومعانيه ، ويشتغل بوظائف العبادات .
فلا يزال يقوى اعتقاده ويزداد رسوخا بما يقرع سمعه من أدلة القرآن وحججه ، وبما يرد عليه من شواهد الأحاديث وفوائدها ، وبما يسطع عليه من أنوار العبادات ووظائفها ، وما يسري إليه من مشاهدة الصالحين ومجالستهم ورؤية سيماهم وسيرتهم وهيئاتهم في الخضوع لله والخوف منه والاستكانة له ، فيكون أول التلقين كالقاء بذر في الصدر وتكون هذه الأسباب كالسّقي والتربية له حتى ينمو ذلك البذر ويقوي ويرتفع شجرة طيبة راسخة أصلها ثابت وفرعها في السماء .
وينبغي أن يحرس سمعه من الجدل والكلام غاية الحراسة فان ما يشوشها الجدل أكثر مما يمهّده ، وما يفسده أكثر ممّا يصلحه ، والمشاهدة تفكيك في هذا بيانا وناهيك بالعيان برهانا ، فقس عقيدة أهل الصلاح والتقى من عوام الناس بعقيدة المتكلمين والمتجادلين ، فترى اعتقادهم العامي في الثبات كالطود الشامخ لا تحركه الدواعي «الدواهي خ» والصواعق وعقيدة المتكلم الحارس اعتقاده بتقسيمات الجدل كخيط مرسل في الهواء تفيأه الريح مرة هكذا ومرة هكذا إلا من سمع منهم دليل الاعتقاد فتلقفه تقليدا كما تلقف نفس الاعتقاد تقليدا ، ولا فرق بين التقليد في تعلم الدليل أو تعلم المدلول فتلقن الدليل شيء والاستقلال بالنظر شيء آخر بعيد عنه .
| |
(1) الكافي : ج 1 ص 44 ح 1 .
|
 |
| الحقايق في محاسن الأخلاق | |
45 |
|
 |
ثم الصبي إذا وقع نشؤه على هذه العقايد إن اشتغل بكسب الدنيا لم ينفتح له غيرها ، ولكنه سلم في الآخرة باعتقاد الحق إذ لم يكلف الشرع العرب أكثر من التصديق الجزم بظاهر هذه العقايد ، فامّا البحث والتفتيش وتكلف نظم الأدلة فلم يكلفوا أصلا .
وإن اراد أن يكون من سالكي طريق الآخرة وكان أهلا لذلك وساعده التوفيق حتى اشتغل بالعمل ولازم التقوى ونهى النفس عن الهوى واشتغل بالرياضة والمجاهدة ، انفتح له أبواب «من خ ل» الهداية ويكشف عن حقايق هذه العقيدة بنور إلهي يقذف في قلبه بسبب المجاهدة تحقيقا لوعده تعالى إذ قال : «والذين جاهدوا فينا لنهدينّهم سبلنا»(1) وهو الجوهر النفيس الذي هو غاية مقصد الصديقين والمقربين ، وله درجات بحسب درجات المجاهدة ودرجات الباطن في النظافة والطهارة عما سوى الله وفي الاستضاءة بنور اليقين .
وذلك كتفاوت الخلق في أسرار الطب والفقه وسائر العلوم ، إذ تختلف ذلك باختلاف الاجتهاد واختلاف الفطر في الذكاء والفطنة ، فكما لا تنحصر تلك الدرجات فكذلك هذه ، وأما تفصيل متعلقات العقايد للخواص وكيفية المجاهدة لهم فقد أشرنا إليهما في الفصل الثالث من الباب الأول .
|
الفصل الثالث اقل ما يجب اعتقاده
|
قال حجة الفرقة الناجية نصير الحق والدين محمد بن الحسن الطوسي طاب ثراه : أقل ما يجب اعتقاده على المكلف هو ما ترجمه قول لا إله إلا الله محمد رسول الله (ص) ثم إذا صدّق الرسول فينبغي أن يصدّقه في صفات الله واليوم الآخر وتعيين الامام المعصوم ، كل ذلك بما يشتمل عليه القرآن من غير مزيد وبرهان .
أمّا في صفات الله فبأنه حي قادر عالم مريد متكلم ليس كمثله شيء وهو السميع البصير ، وأما في الآخرة فبالايمان بالجنة والنار والصراط والميزان والحساب والشفاعة وغيرها ، ولا يجب عليه أن يبحث عن حقيقة الصفات وأن الكلام والعلم وغيرهما حادث أو قديم ، بل لو لم تخطر هذه بباله ومات مات مؤمنا ، فان غلب على قلبه شك أو إشكال فان أمكن إزالته بكلام قريب
| |
(1) سورة العنكبوت : آية 69 .
|
 |
| الحقايق في محاسن الأخلاق | |
46 |
|
 |
من الافهام وإن لم يكن قويا عند المتكلمين ، ولا مرضيّا ، فذاك كاف ولا حاجة إلى تحقيق الدليل .
فان الدليل لا يتم إلا بذكر الشبهة والجواب ومهما ذكرت الشبهة لا يؤمن أن يتشبّث بالخاطر والقلب فيظنها حقّة لقصوره عن إدراك جوابها ، إذا الشبهة قد تكون جليّة والجواب دقيقا لا يحتمل عقله ، ولهذا ورد الزجر عن البحث والتفتيش والكلام وإنما زجروا ضعفاء العوام وأما أئمة الدين فلهم الخوض في غمرة الاشكالات .
ومنع العوام عن الكلام يجري مجرى منع الصبيان عن شاطئ الدجلة خوفا من الغرق ، ورخصة الأقوياء فيه تضاهي رخصة الماهر في صنعة السباحة إلا أن ههنا موضع غرور ومزلة قدم ، وهو أن كل ضعيف في عقله يظن انه يقدر على إدراك الحقايق كلها وانه من جملة الأقوياء ، فربما يخوضون ويغرقون في بحر الجهالات من حيث لا يشعرون ، والصواب منع الخلق كلهم إلا الشاذ النادر الذي لا يسمح الأعصار إلا بواحد منهم أو اثنين من «ممن خ» تجاوز سلوك أهل العلم في الإيمان المرسل والتصديق المجمل بكل ما أنزل الله وأخبر به رسول الله (ص) فمن اشتغل في الخوض فيه فقد أوقع نفسه في شغل شاغل .
إذ قال رسول الله (ص) حيث رأى أصحابه يخوضون بعد أن غضب حتى احمرت وجنتاه : أفبهذا امرتم ؟ تضربون كتاب الله بعضه ببعض انظروا فما أمركم الله به فافعلوا وما نهاكم عنه فانتهوا . فهذه تنبيه على منهج الحق .
وفي مصباح الشريعة قال الصادق (ع) : «اتق الله وكن حيث شئت ومن أيّ قوم شئت فانه لا خلاف لأحد في التقوى والمتقى محبوب عند كل فريق وفيها جماع كل خير ورشد إلى أن قال :
فالزم ما أجمع عليه أهل الصفاء والتقى من اصول الدين وحقايق اليقين والرضا والتسليم ولا تدخل في اختلاف الخلق ومقالاتهم فيصعب عليك ، وقد اجتمعت الامة المختارة بأن الله واحد ليس كمثله شيء وأنه عدل في حكمه يفعل ما يشاء ويحكم ما يريد ولا يقال له في شيء من صنعه لم ولا كان ولا يكون شيء إلا بمشيّته وانّه قادر على ما يشاء ، وصادق في وعده ووعيده وأن القرآن كلامه ، وأنه كان قبل الكون والمكان والزمان ، وأن إحداثه وافناءه غيره سواء لا يزداد باحداثه علما ولا ينقص بافنائه «بفنائه خ ل» ملكه عز سلطانه وجل سبحانه ، فمن أورد
 |
| الحقايق في محاسن الأخلاق | |
47 |
|
 |
عليك ما ينقض هذا الاصل فلا تقبله وجرد باطنك لذلك ترى بركاته وتفوز مع الفائزين»(1) .
|
الفصل الرابع في الاسرار التي يكتمها العلماء
|
اعلم أن الاسرار التي يكتمها العلماء «عن خ ل» من العوام ، منها ما يقصر عن إدراكه أفهامهم ولا يبلغ إليه عقولهم وذلك كالروح فانه من عالم الملكوت ، والعوام لم يتجاوز علمهم عن عالم الملك فاذا أفشوه إليهم يصير فتنة لهم قال الله تعالى : «ويسئلونك عن الروح قل الروح من أمر ربي وما اوتيتم من العلم إلا قليلا» (2) .
ومنها ما هو مفهوم في نفسه لا يكل الفهم عنه ولكن ذكره يضر باكثر المستمعين وسر القدر من هذا القبيل ولهذا منع من افشائه ، ولا استبعاد في أن يكون ذكر بعض الحقايق مضرا ببعض الخلق كما يضر نور الشمس بابصار الخفافيش ، وكما يضر ريح الورد بالجعل .
ومنها ما يكون بحيث لو ذكر صريحا لفهم ولم يكن فيه ضرر ولكن يكنى عنه على سبيل الاستعارة والرمز ليكون وقعه في قلب المستمع أغلب وله مصلحة في أن يعظم وقع ذلك الأمر في قلبه كما لو قال قائل : رأيت فلانا يقلّد الدر في أعناق الخنازير وكنى به عن افشاء العلم وبث الحكمة إلى غير أهلها ، فالمستمع قد يسبق إلى فهمه ظاهره والمحقق إذا نظر وعلم أن ذلك الانسان لم يكن معه در ولا كان في موضعه خنزير تفطن لدرك السر والباطن فيتفاوت الناس بذلك .
وكذلك ما ورد في الحديث «أما يخشى الذي رفع رأسه قبل الامام أن يحول الله رأسه رأس حمار ؟»(3) وذلك من حيث الصورة لم يكن ولا يكون ولكن من حيث المعنى وهو كائن إذ حقيقة الحمار وخاصيته هي البلادة والحمق وهو المقصود دون الشكل الذي هو قالب المعنى إذ من غاية الحمق أن يجمع بين الاقتداء وبين التقدم فانّهما متناقضان ، وهذا النوع يرجع إلى التعبير عن المعنى بالصورة التي تتضمن عين المعنى أو مثله .
ومن هذا القبيل قوله تعالى : «فقال لها وللأرض ائتيا طوعا أو كرها قالتا أتينا طائعين»(4) فانه تمثيل لتأثير قدرته فيهما وتأثرهما بالذات عنها بأمر المطاع وإجابة المطيع والطائع .
|
(1) مصباح الشريعة : ص 59 .
(2) سورة الإسراء ص 85 .
(3) إحياء علوم الدين : ج 1 ص 94 .
(4) سورة فصلت : آية 11 .
|
 |
| الحقايق في محاسن الأخلاق | |
48 |
|
 |
ومنه قوله عز وجل : «إنما قولنا لشيء إذا أدرناه أن نقول له كن فيكون»(1) وهو نوع من الكلام باطنا من دون حرف وصوت ، ومنع التعبير عن الصراط بالجسر الممدود بين الجنة والنار وعن الميزان بذي الكفتين إلى غير ذلك .
ومنها مثل ما يدرك الانسان الشيء جملة ثم يدركه تفصيلا بالتحقيق والذوق بأن يصير حالا ملابسا له متفاوت العلمان ، فيكون الأول كالقشر والثاني كاللب والأول كالظاهر والاخر كالباطن ، وذلك كما يتمثل للانسان في عينه شخص في الظلمة أو على البعد فيحصل له نوع علم فاذا رآه بالقرب أو بعد زوال الظلمة أدرك تفرقة بينهما ولا يكون الأخير ضد الأول ، بل هو استكمال له فكذلك في العلم والإيمان والتصديق ومن هذا القبيل أكثر العقايد .
|
الفصل الخامس في تقليد العوام للعلماء
|
في تفسير الامام أبي محمد العسكري (ع) : «في قوله تعالى : «ومنهم اميّون لا يعلمون الكتاب إلا أماني»(2) قال رجل للصادق (ع) «إذا كان هؤلاء القوم من اليهود لا يعرفون الكتاب إلا بما يسمعونه من علمائهم لا سبيل لهم إلى غيره فكيف ذمّهم الله بتقليدهم والقول من علمائهم ؟ وهل عوام اليهود إلا كعوامنا يقلّدون علمائهم ، فاذا لم يجز لأولئك القبول من علمائهم لم يجز لهؤلاء القبول من علمائهم .
فقال (ع) : بين عوامنا وعلمائنا وبني عوام اليهود وعلمائهم فرق من جهة وتسوية من جهة ، فأما من حيث استووا فان الله قد ذم عوامنا بتقليدهم علمائهم كما ذم عوامهم ، وأما من حيث افترقوا فلا قال : بين لي يا بن رسول الله :
قال (ع) : إن عوام اليهود كانوا قد عرفوا علمائهم بالكذب الصراح وبأكل الحرام والرشى وبتغيير الأحكام عن واجبها بالشفاعات والعنايات والمصانعات وعرفوهم بالتعصب الشديد الذي يفارقون به أديانهم وأنه إذا تعصّبوا أزالوا حقوق من تعصبوا عليه واعطوا ما لا يستحقه من تعصّبوا له من أموال غيرهم وظلموهم من أجلهم وعرفوهم يقارفون المحرمات واضطروا بمعارف قلوبهم إلى أن من فعل «مثل خ ل» ما يفعلونه فهو فاسق ، ولا يجوز أن يصدق على الله ولا
|
(1) سورة النحل : آية 40 .
(2) سورة البقرة : آية 78 .
|
| |