الحقايق في محاسن الأخلاق 29

الحق مخافة أن يكون له عليك فيه حجة ، لأنك لا تدري كيف المخلص منه فذلك حرام على شيعتنا أن يصيروا فتنة على ضعفاء إخوانهم ، وعلى المبطلين أما المبطلون فيجعلون ضعف الضعيف منكم إذا تعاطى مجادلته وضعف في يده حجة له على باطله ، أمّا الضعفاء فتغتم قلوبهم لما يرون من ضعف المحق في يد المبطل .
وأما الجدال بالتي هي أحسن وهو ما أمر الله به نبيّه أن يجادل بها من جحد البعث بعد الموت واحياء الله له فقال الله حاكيا عنه : «وضرب لنا مثلا ونسي خلقه قال من يحيي العظام وهي رميم»(1) وقال الله في الرد عليه «قل» يا محمد : «يحييها الذي أنشأها أول مرة وهو بكل خلق عليم الذي جعل لكم من الشجر الأخضر نارا»(2) إلى آخر السورة ، فأراد الله من نبيّه أن يجادل المبطل الذي قال : كيف يجوز أن يبعث هذه العظام وهي رميم ؟ فقال الله : «قل يحييها الذي أنشأها أول مرة» أفيعجز من ابتدأه لا من شيء «من لا شيء خ» أن يعيده بعد أن يبلى ؟ بل ابتداؤه أصعب عندكم من إعادته .
ثم قال : «الذي جعل لكم من الشجر الأخضر نارا فإذا أنتم منه توقدون» (3) اي إذا كمن النار الحارة في الشجر الأخضر الرطب ثم يستخرجها فعرفكم أنه على إعادة ما بلى أقدر ، ثم قال : «أوليس الذي خلق السموات والأرض بقادر على أن يخلق مثلهم بلى وهو الخلاق العليم»(4) اي إذا كان خلق السموات والأرض اعظم وأبعد في أوهامكم وقدركم أن تقدروا عليه من إعادة البالي فكيف جوزتم من الله خلق هذا الأعجب عندكم والأصعب لديكم ولم تجوزوا منه ما هو أسهل عندكم من إعادة البالي .
قال الصادق (ع) : فهذا الجدال بالتي هي أحسن ، لأن فيها قطع عذر الكافرين ، وإزالة شبههم وأما الجدال بغير التي هي أحسن فان تجحد حقا لا يمكنك أن تفرق بينه وبين باطل من تجادله ، وإنما تدفعه عن باطله بأن تجحد الحق ، فهذا هو المحرم لأنك مثله جحد هو حقا وجحدت أنت حقا آخر»(5) .

(1) سورة يس : آية 78 .
(2) سورة يس : آية 79 ـ 80 .
(3) سورة يس : آية 80 .
(4) سورة يس : آية 81 .
(5) الاحتجاج : ج 1 ص 15 .
الحقايق في محاسن الأخلاق 30

الفصل الثامن
العلم النافع وعلاماته

وللعلم النافع صفات وعلامات وآداب فعن الصادق (ع) في قول الله تعالى : «إنما يخشى الله من عباده العلماء»(1) قال : «يعني بالعلماء من صدق فعله قوله ومن لم يصدّق فعله قوله فليس بعالم»(2) .
وعنه (ع) : «اطلبوا العلم وتزينوا معه بالحلم والوقار ، وتواضعوا لمن تعلمونه العلم ، وتواضعوا لمن طلبتم منه العلم ، ولا تكونوا علماء جبارين فيذهب باطلكم بحقكم»(3) .
وعن الرضا (ع) قال : «إن من علامات الفقه الحلم والصمت»(4) .
وعن الصادق «الرضا خ» (ع) قال قال أمير المؤمنين (ع) : «ألا أخبركم بالفقيه حق الفقيه ؟ من لم يقنط الناس من رحمة الله ، ولم يؤمنهم من عذاب الله ، ولم يرخص لهم في معاصي الله ، ولم يترك القرآن رغبة عنه إلى غيره ، الا لا خير في علم ليس فيه تفهم ، ألا لا خير في قراءة ليس فيها تدبر ، الا لا خير في عبادة لا فقه فيها ، ألا لا خير في نسك لا ورع فيه»(5) .
يعني أن الفقيه حقيقة ليس إلا من يكون عالما بالمراد من الوعد والوعيد جميعا عارفا بالمقصود من الأوامر والنواهي جملة بملاحظة بعضها إلى بعض ، وإنما عرف الفقيه بهذه العلامات السلبية لأن أكثر من يسمّى عند الجمهور بهذا الاسم في كل زمان يكون موصوفا بأضدادها ، فكانه (ع) عرض بالعلماء السوء والفقهاء الزور وقد أبطل بكل علامة مذهبا من المذاهب الباطلة أو أكثر في الاصول والفروع .

(1) سورة فاطر : آية 28 .
(2) الكافي : ج 1 ص 36 وعدة الداعي ص 79 قوله : من صدق قوله فعله : المراد به من يكون ذا علم ومعرفة ثابتة مستقرة استقرارا لا يغلبه معه هواه والمعرفة الثابتة المستقرة كما تدعو إلى القول والإقرار باللسان تدعو الى الفعل والعمل بالأركان ، والعالم بهذا المنى له خشية من ربه تؤدبه الى الطاعة والانقياد قولا وفعلا (مرآة) .
(3) الكافي : ج 1 ص 36 وأمالي الصدوق ص 294 ج 9 وروضة الواعظين ص 10 ودعائم الاسلام ج 1 ص 80 .
(4) الكافي : ج 1 ص 36 .
(5) الكافي : ج 1 ص 36 ومعاني الاخبار ص 226 وتحف العقول ص 144 .
الحقايق في محاسن الأخلاق 31

فبالاولى أبطل مذهب المعتزلة القائلة بايجاب الوعيد وتخليد صاحب الكبيرة في النار ، ومذهب الخوارج المضيقين في التكاليف الشرعية .
وبالثانية مذهب المرجئة ومن يجري مجراهم من المغترين بالشفاعة وصحة الاعتقاد .
وبالثالثة مذهب الحنابلة والاشاعرة ومن يشبههم كأكثر المتصوفة .
وبالرابعة مذهب المتفلسفة الذين اعرضوا عن القرآن وأهله وحاولوا اكتساب العلم والعرفان من كتب قدماء الفلاسفة ومذهب الحنفيّة الذي عملوا بالقياس وتركوا القرآن والحديث ، والعلم الذي ليس فيه تفهم كالعلم الظني والتقليدي ومجرد حفظ الأقوال والروايات فانها ليس بعلم في الحقيقة .
وعن الباقر (ع) : «أنه سئل عن مسألة فاجاب فيها فقال الرجل : إن الفقهاء لا يقولون هذا فقال : يا ويحك فهل رأيت فقيها قط إن الفقيه حق الفقيه الزاهد في الدنيا والراغب في الاخرة المتمسك بسنة النبي (ص)»(1) .
وعن الصادق (ع) قال : «طلبة العلم ثلاثة فاعرفهم باعيانهم وصفاتهم : صنف يطلبه للجهل والمراء ، وصنف يطلبه للاستطالة والختل ، وصنف يطلبه للفقه والعقل .
فصاحب الجهل والمراء موذي مماري متعرض للمقال في أندية الرجال بتذاكر العلم وصفة الحلم قد تسربل بالخشوع وتخلى من الورع فدق الله من هذا خيشومه وقطع منه حيزومه .
وصاحب الاستطالة والختل ذو خب وملق يستطيل على مثله من أشباهه ويتواضع للاغنياء من دونه فهو لحلوائهم هاضم ولدينه «لدينهم خ» حاطم ، فأعمى الله على هذا خبره «خيره خ» وقطع من آثار العلماء أثره .
وصاحب الفقه والعقل ذو كآبة وحزن وسهر قد تحنك في برنسه ، وقام الليل في حندسه يعمل ويخشى وجلا داعيا مشفقا ، مقبلا على شأنه ، عارفا بأهل زمانه مستوحشا من أوثق إخوانه فشد الله من هذا أركانه ، وأعطاه يوم القيامة أمانه»(2) .
وعن النبي (ص) العلماء رجلان : «رجل عالم أخذ بعلمه فهذا ناج ، وعالم تارك لعلمه

(1) الكافي : ج 1 ص 70 .
(2) الكافي : ج 1 ص 49 .
الحقايق في محاسن الأخلاق 32

فهذا هالك ، وان أهل النار ليتاذّون من ريح العالم التارك لعلمه ، وان اشد أهل النار ندامة وحسرة رجل دعى عبدا إلى الله فاستجاب له وقبل منه فأطاع الله فأدخله الله الجنة ، وأدخل الداعي النار بتركه علمه واتباعه الهوى وطول الأمل أما اتباع الهوى فيصد عن الحق وطول الامل ينسي الآخرة(1) .
وعنه (ص) : «منهومان لا يشبعان طالب دنيا وطالب علم فمن اقتصر من الدنيا على ما أحل الله له سلم ، ومن تناولها من غير حلّها هلك إلا ان يتوب أو يراجع ، ومن أخذ العلم من أهله وعمل بعلمه نجا ، ومن أراد به الدنيا فهي حظه»(2) .
وعن السجاد (ع) : «مكتوب في الانجيل لا تطلبوا علم ما لا تعلمون ولما تعلموا بما علمتم ، فان العلم إذا لم يعمل به لم يزدد صاحبه إلا كفرا ، ولم يزدد من الله إلا بعدا»(3) .
وعن الباقر (ع) : «من طلب العلم ليباهي به العلماء أو يماري به السفهاء أو يصرف به وجوه الناس فليتبوأ مقعـده من النـار ، إن الرياسـة لا تصلـح إلا لأهلهـا»(4) .
وعن الصادق (ع) : «العلم مقرون بالعمل فمن علم عمل ومن عمل علم ، والعلم يهتف بالعمل فان أجابه وإلا ارتحل عنه»(5) .
وعنه (ع) : «إذا رأيتم العالم محبا للدنيا فاتهموه على دينكم فان كل محب لشيء يحوط ما أحب»(6) .

الفصل التاسع
في آداب المعلم

ينبغي للمتعلم أن يطهّر نفسه أولا من رذائل الأخلاق ومذموم الأوصاف إذ العلم عبادة القلب وصلاة السّر وقربة الباطن إلى الله ، فكما لا تصح الصلاة التي هي وظيفة الجوارح الظاهرة إلا بتطهير الظاهر عن الأحداث والأخبار فكذلك لا يصح عبادة الباطن وعمارة القلب بالعلم إلا بعد طهارته من خبائث الاخلاق وأنجاس الأوصاف .

(1) الكافي : ج 1 ص 44 .
(2) الكافي : ج 1 ص 46 .
(3) الكافي : ج 1 ص 44 .
(4) الكافي : ج 1 ص 47 .
(5) الكافي : ج 1 ص 44 عن الامام علي (ع) كما في عدة الداعي ص 78 .
(6) الكافي : ج 1 ص 46 .
الحقايق في محاسن الأخلاق 33

قال النبي (ص) : «بني الدين على النظافة»(1) وهو كذلك ظاهرا وباطنا وقال الله تعالى : «إنما المشركون نجس» تنبيها للعقول على أن الطهارة والنجاسة غير مقصورتين على الظواهر المدركة بالحس فالمشرك قد يكون نظيف الثوب مغسول البدن ولكنه نجس الجوهر أي باطنه ملطخ بالخبائث ، والنجاسة عبارة عما يجتنب ويطلب البعد منه وخبائث صفات الباطن أهم بالاجتناب فانها مع خبثها في الحال مهلكات في المال .
ولذلك قال رسول الله (ص) : «لا تدخل الملائكة بيتا فيه كلب»(2) والقلب بيت هو منزل الملائكة ومهبط أثرهم ومحل استقرارهم والصفات المردية مثل الغضب والشهوة والحقد والحسد والكبر والعجب وأخواتها كلاب نابحة فأنّى تدخله الملائكة وهو مشحون بالكلاب ، ونور العلم لا يقذفه الله عز وجل في القلب إلا بواسطة الملائكة .

الفصل العاشر
الاخلاص بالعلم لله

وينبغي للمعلم أن يخلص تعليمه لله من غير طمع ، وأن يشفق على المتعلم وينصحه ويقتصر على قدر فهمه ، وأن يبذل العلم لأهله ويمنع غير أهله .
فعن الصادق (ع) قال : «قام عيسى بن مريم خطيبا في بني إسرائيل فقال : يا بني إسرائيل لا تحدثوا الجهال بالحكمة فتظلموها ولا تمنعوها أهلها فتظلموهم»(3) وأن لا يقول ما لا يعلم .
سئل الباقر (ع) : «ما حق الله على العباد ؟ قال : «أن يقولوا ما يعلمون ويقفوا عند ما لا يعلمون»(4) وعن الصادق (ع) قال : «إن الله خص عباده بآيتين من كتابه أن لا يقولوا حتى يعلموا ولا يردّوا مالا يعلموا» وقال : «الم يؤخذ عليهم ميثاق الكتاب أن لا يقولوا على الله إلا الحق»(5) وقال : «بل كذبوا بما لم يحيطوا بعلمه ولما يأتهم تأويله»(6)»(7) .

(1) احياء علوم الدين : ج 1 ص 48 .
(2) من لا يحضره الفقيه : ج 1 ص 159 .
(3) الكافي : ج 1 ص 42 .
(4) الكافي : ج 1 ص 43 والمحاسن : ص 204 .
(5) سورة الأعراف : آية 169 .
(6) سورة يونس : آية 39 .
(7) الكافي : ج 1 ص 43 .
الحقايق في محاسن الأخلاق 34

وعنه (ع) : «إياك وخصلتين ففيهما هلك من هلك : إياك أن تفتي الناس برأيك ، وأن تدين بما لا تعلم»(1) .
وعن الباقر (ع) : «من أفتى الناس بغير علم ولا هدى من الله لعنته ملائكة الرحمة وملائكة العذاب ولحقه وزر من عمل بفتياه»(2) .
اريد بالعلم ما يستفاد من الأنوار الالهية والالهامات الحقّة كما هو للائمة (ع) ، وبالهدى ما يسمع من أهل بيت النبوة كما هو لنا ، وبملائكة الرحمة الهادون لنفوس الأخيار الى مقاماتهم في درجات الجنان ، وبملائكة العذاب السائقون لنفوس الأشرار إلى منازلهم في دركات الجحيم والنيران .
وعن الصادق (ع) «إذا سئل رجل منكم عما لا يعلم فليقل لا أدري ولا يقل الله اعلم فيوقع في قلب صاحبه شكا ، وإذا قـال المسـؤول لا أدري فـلا يتّهمـه السائـل»(3) .

الفصل الحادي عشر
في آداب المتعبد

وينبغي لمن أراد العبادة لله سبحانه أن يحصل أولا العلم بكيفية تلك العبادة من مأخذه ، ومأخذ العلوم جميعا أهل بيت النبوة الذين هم مهابط الوحي وينابيع الحكمة الآخذين علومهم من الله سبحانه .
سئل الباقر (ع) عن قول الله تعالى : «فلينظر الانسان إلى طعامه» (4) ما طعامه ؟ قال (ع) : «علمه الذين يأخذه عمن يأخذه»(5) ولما كان تفسير الآية ظاهرا لم يتعرض له وإنما تعرض لتأويلها .
وعن النبي (ص) : «من عمل بغير علم كان ما يفسد أكثر مما يصلح»(6) .
وعن الصادق (ع) : «العامل على غير بصيرة كالسائر على غير الطريق لا يزيده سرعة السير

(1) الكافي : ج 1 ص 42 والمحاسن : ص 204 .
(2) الكافي : ج 1 ص 42 والمحاسن : ص 205 .
(3) الكافي : ج 1 ص 42 والمحاسن : ص 206 .
(4) سورة عبس : آية 24 .
(5) الكافي : ج 1 ص 50 .
(6) الكافي : ج 1 ص 44 .
الحقايق في محاسن الأخلاق 35

إلا بعدا»(1) .
والسر في ذلك أن إصلاح القلب وتطهيره بالعبادات الجسمانية وتصفية النفس وتهذيبها بالأعمال البدنية ليست مقصودة بالذات ، لأنها كالاعدام للملكات ، والعدم لا يكون مطلوبا إلا بالعرض إنما المطلوب أن ينكشف له المعارف الحقيقيّة من العلم بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر لكل إنسان بحسب عقله وفهمه على تفاوت مراتبهم في ذلك ، ولا تنكشف هذه المعارف إلا بأن يقع ذلك الاصلاح والتطهير على وجهه مأخوذا عن صاحب الشرع وصلوات الله عليه مع اعتقاد صحيح ولو بالسماع منه ، فمن اقتصر في سلوكه على مجرّد العمل والرياضة والمجاهدة من غير بصيرة ولا معرفة ، فالتصفية تصير وبالا عليه إذ تتحرك النفس بالخواطر الوهميّة ويستولي عليها الوساوس النفسانية ، فيشوش القلب حيث لم يتقدم له رياضة النفس بالعلوم الحقة ، والأفكار الصحيحة ولم يأخذ كيفية العبادة عن صاحب الشرع وخلفائه (ص) ، فيتشبث بالقلب خيالات ، فاسدة وتصورات باطلة وأوهام كاذبة وربّما يتخيّل في ذات الله سبحانه وصفاته اعتقادات فاسدة من باب الكفر والزندقة وفي زعمه أنها صحيحة حقة نعوذ بالله منه ، وربّما يقتدي به غيره فيتعدى شره ويصير من الجاهلين المتنسكين القاصمين للظهر .
ثم مع ذلك قل ما يخلو من إعجاب بنفسه وافتخار بعلمه واغترار بعبادته ونظرا إلى سائر الناس بعين الاحتقار والازدراء وربّما يتشحن باطنه بأمراض نفسانية وهو غافل عنها غير ملتفت إلى معالجتها وإزالتها ، وربما يظن الرزايل فضايل والعيوب كمالات كما أخبر الله سبحانه : «قل هل ننبّئكم بالأخسرين أعمالا الذين ضل سعيهم في الحياة الدنيا وهم يحسبون أنهم يحسنون صنعا»(2) .
قال أمير المؤمنين (ع) : «قصم ظهري رجلان عالم متهتّك وجاهل متنسّك فالجاهل يغير «يغتر خ ل» الناس بتنسّكه والعالم ينفرهم بتهتكه»(3) .
وقال الصادق (ع) : «لا يقبل الله عملا إلا بمعرفة ولا معرفة إلا بالعمل «بعمل» فمن عرف دلته المعرفة على العمل ، ومن لم يعمل فلا معرفة له ألا إن الايمان بعضه من بعض»(4) .

(1) الكافي : ج 1 ص 43 وأمالي الشيخ المفيد : ص 42 وعن رسول الله (ص) « والعامل على غير بصيرة كالسائر على غير طريق لا يزيده سرعة السير من الطريق إلا بعدا» عدة الداعي ص 74 .
(2) سورة الكهف : آية 103 ـ 104 .
(3) العوالي : ج 4 ص 77 ح 64 .
(4) امالي الصدوق : ص 344 ح 19 .
الحقايق في محاسن الأخلاق 36

معناه أن كل معرفة تثمر حالا وصفاء في النفس ، وكل حال تحمل صاحبه على عمل وعبادة ، وكل عبادة تثمر حالا آخر وصفاء غير الأول ، وهو يثمر معرفة أخرى سوى الاولى ، وهكذا يتكامل ايمان المرء بالمعرفة والعبادة حتى بلغ الغاية وخلص من التعب والمشقة واستقر في مقام الأمن والراحة واصلا إلى عين اليقين .
ومثل ذلك مثل من يمشي بسراج في ظلمه ، فكلّما أضاء له من الطريق قطعة مشى فيها فيصير ذلك المشي سببا لاضاءة قطعة اخرى منه وهكذا ، وفي الحديث النبوي (ص) : «من عمل بما علم ورثه الله علم ما لا يعلم»(1) .

الفصل الثاني عشر
في ذم اهل البدع والاهواء

قد ورد في ذم أهل البدع والاهواء والجهّال المتشبهين بالعلماء أخبار كثيرة عن أئمة الهدى سلام الله عليهم ولنورد منها نبذا تكون نموذجا لما سواها .
فعن الصادق (ع) قال : «قال رسول الله (ص) : إذا رأيتم أهل البدع والريب من بعدي فأظهروا البراءة منهم وأكثروا من سبّهم والقول فيهم والوقيعة ، وباهتوهم حتى لا يطمعوا في الفساد في الاسلام ويحذرهم الناس ولا يتعلّمون من بدعهم يكتب الله تعالى لكم بذلك الحسنات ويرفع لكم به الدرجات»(2) .
وقال (ص) : «إذا ظهرت البدع في امتي فليظهر العالم علمه فمن لم يفعل فعليه لعنة لله»(3) .
وقال (ص) : «إن عند كل بدعة تكون من بعدي يكاد بها الايمان وليا من أهل بيتي «موكلا به خ» يذب عنه ينطق بالهام من الله ويعلن الحق وينوره ويرد كيد الكائدين يعبر عن الضعفاء فاعتبروا يا اولي الابصار وتوكلوا على الله»(4) .
وقال (ص) : «كل بدعة ضلالة وكل ضلالة في النار»(5) .

(1) البحار : ج 40 ص 128 .
(2) الكافي : ج 2 ص 375 . تنبيه الخواطر ص 397 .
(3) الكافي : ج 1 ص 54 .
(4) الكافي : ج 1 ص 54 .
(5) الكافي : ج 1 ص 56 وأمالي المفيد : ص 11 .
الحقايق في محاسن الأخلاق 37

وقال أمير المؤمنين (ع) في خطبة له : «إنما بدؤ وقوع الفتن اهواء تتبع وأحكام تبتدع يخالف فيها كتاب الله يتولى فيها رجال رجالا ، فلو أن الباطل خلص لم يخف على ذي حجى ، ولو أن الحق خلص لم يكن اختلاف ولكن يؤخذ من هذا ضغث ومن هذا ضغث فيمزجان ويجيئان معا ، فهنالك استحوذ الشيطان على أوليائه ونجى الذين سبقت لهم من الله الحسنى»(1) .
وقال (ع) : «إن من أبغض الخلق إلى الله تعالى لرجلين : رجل وكله الله إلى نفسه فهو جائر عن قصد السبيل مشعوف بكلام بدعة(2) قد لهج بالصوم والصلاة فهو فتنة لمن افتتن به ضال عن هدى من كان قلبه ، مضل لمن اقتدى به في حياته وبعد موته حمّال خطايا غيره رهن بخطيئته .
ورجل قمش(3) جهلا في جهال الناس عان(4) بأغباش الفتنة قد سمّاه أشباه الناس عالما ولم يغن فيه يوما سالما ، بكر فاستكثر ما قل منه خير ممّا كثر حتى إذا ارتوى من آجن(5) واكتنز من غير طائل جلس بين الناس قاضيا ضامنا لتخليص ما التبس على غيره ، وإن خالف قاضيا سبقه لم يأمن ان ينقض حكمه من يأتي بعده كفعله بمن كان قبله ، وإن نزلت به احدى المبهمات المعضلات هيّأ لها حشوا من رأيه ثم قطع به ، فهو من لبس الشبهات في مثل غزل العنكبوت لا يدري أصاب أم أخطأ لا يحسب العلم في شيء ممّا انكر ، ولا يرى أن وراء ما بلغ فيه مذهبا ، إن قاس شيئا بشيء لم يكذب نظره ، وإن أظلم عليه امر اكتتم به لما يعلم من جهل نفسه ، يكنّ الصواب لكيلا يقال له لا يعلم ، ثم جسر فقضى .
فهو مفتاح عشوات ، ركاب شبهات ، خبّاط جهلات ، لا يعتذر فيما لا يعلم فيسلم ، ولا

(1) الكافي : ج 1 ص 54 .
(2) في نهج البلاغة هكذا مشغوف بكلام بدعة ودعاء ضلالة ، فهو الخ وبالمعجمة والمهملة ما قرء أيضا قوله تعالى : «قد شغفها حبا» .
والظاهر أن المصنف (ره) نقل هذا الحديث عن الكافي وكم من اختلاف فيه بين ما نقله الكليني (قد) وما نقله السيد (ره) في النهج .
(3) القمش جمع المتفرق من هاهنا وهاهنا .
(4) من قولهم عنى فيهم أسيرا أي أقام فيهم على اسارة أو من عنى بمعنى تعب وفي بعض نسخ النهج غار من الغرور وهو الغفلة وفي بعضها عاد من العدو بمعنى السعي أو من العدوان والاغباش ظلمة آخر الليل .
(5) في نسخ النهج من ماء آجن ، والماء الاجن المتغير الطعم واللون .
الحقايق في محاسن الأخلاق 38

يغض في العلم بضرس قاطع فيغنم ، يذري الروايات ذرو الريح الهشيم(1) تبكي منه المواريث ، وتصرخ منه الدماء ، ويستحل بقضائه الفرج الحرام ، ويحرّم بقضائه الفرج الحلال ، لاملئ باصدار ما عليه ورد ولا هو أهل «ابهل خ» لما منه فرط من ادعائه علم الحق»(2) وقال (ع) : «إلى الله أشكو من معشر يعيشون جهالا ويموتون ضلالا ، ليس فيهم سلعة أبور من الكتاب إذا تلى حق تلاوته ، ولا أنفق سلعة وأغلا ثمنا من الكتاب إذا حرّف عن مواضعه ، ولا عندهم أنكر من المعروف ، ولا أعرف من المنكر»(3) .
وعن الصادق (ع) : «إن اصحاب المقائيس طلبوا العلم بالمقائيس فلم يزدهم المقائيس من الحق إلا بعدا ، وإن دين الله لا يصاب بالمقائيس»(4) .
وعن الكاظم (ع) : «من نظر برأيه هلك ومن ترك كتاب الله وقـول نبيّـه كفـر»(5) .
ولما كان غرضنا في هذا الكتاب مقصورا على حقايق العلوم الدينية اكتفينا بذلك ولم نتعرّض لأزيد منه ولا للعلوم الاخر .
وعن أمير المؤمنين (ع) أنه قال : «العلم اكثر من أن يحاط به فخذوا من كل علم أحسنه»(6) وزاد في رواية أخرى : «فان النحل يأكل من كل زهر أزينه فيتولد جوهران : أحدهما فيه شفاء للناس ، والآخر يستضاء به»(7) .
أقول : وتصديق ذلك في قول الله سبحانه : «فبشر عباد الذين يستمعون القول فيتبعون أحسنه اولئك الذين هديهم الله واولئك هم أولوا الألباب»(8) .

الباب الثاني
في العقايد

في العقايد اعلم أن العقايد لا يجوز أخذها إلا بوحي من الله سبحانه وبواسطة الأنبياء ثم

(1) وفي بعض الروايات يذرو بالواو والهشيم النبت اليابس المنكسر ؛ فالمعنى أن الريح كمالا تبالي في اطارة الهشيم وتبديده وتمزيقه كذلك يفعل هذا الجاهل في الروايات .
(2) الكافي : ج 1 ص 55 .
(3) نهج البلاغة : ص 60 خطبة رقم 17 .
(4) الكافي : ج 1 ص 56 والمحاسن : ص 211 .
(5) الكافي : ج 1 ص 56 .
(6) غرر الحكم : ص 83 ح 1899 .
(7) غرر الحكم : ص 273 ح 5168 .
(8) سورة الزمر : الآية 17 ـ 18 .

السابق السابق الفهرس التالي التالي