|
|
 |
| الحقايق في محاسن الأخلاق | |
19 |
|
 |
|
الفصل الثالث العلم المقصود للعمل
|
وأما العلم المقصود للعمل ليتوسّل به إلى العلم المقصود لذاته فقسمان : أحدهما علم الاخلاق ، والثاني علم الشرايع أما علم الاخلاق فهو علم أحوال القلب .
أما ما يحمد منها فكالصبر والشكر والخوف والرجاء والتسليم والرضا والزهد والتقوى والقناعة والسخاء والعفو والاحسان وحسن الظن وحسن المعاشرة وأداء الأمانة الصدق والاخلاص ومعرفة المنة لله في جميع الأحوال ، فمعرفة حقايق هذه الاحوال وحدودها وأسبابها التي بها تكتسب وثمراتها وعلاماتها ومعالجة ما ضعف منها حتى يقوى من علم الاخرة .
وأما ما يذم فخوف الفقر وسخط المقدور ، والغل ، والحقد والحسد ، والغش وطلب العلو ، وحب الثناء ، وحب طول البقاء في الدنيا للتمتع ، والكبر ، والرياء والغضب ، والانفة ، والعداوة ، والبغضاء ، والطمع ، والبخل ، والرغبة ، والبذخ ، والاشر ، والبطر ، وتعظيم الأغنياء ، والاستهانة بالفقراء ، والفخر ، والخيلاء ، والتنافس والمباهاة ، والاستكبار عن الحق ، والخوض فيما لا يعني ، وحب كثرة الكلام ، والصّلف ، والمداهنة ، والعجب ، والاشتغال عن عيوب النفس بعيوب الناس ، وزوال الحزن من القلب ، وخروج الخشية منه ، وشدة الانتصار للنفس اذا نالها ذل ، وضعف الانتصار للحق ، واتخاذ اخوان العلانية على عداوة السر ، والأمن من مكر الله في سلب ما أعطى ، والاتكال على الطاعة ، والمكر ، والخيانة ، والمخادعة ، وطول الأمل والقسوة ، والفظاظة ، والفرح بالدنيا ، والاسف على فواتها ، والانس بالمخلوقين ، والوحشة لفراقهم إلا لاعانة منهم على الدين ، والجفاء ، والطيش ، والعجلة ، وقلّة الحياء ، وقلة الرحمة .
وهذه وأمثالها من صفات القلب مغارس الفواحش ومنابت الأعمال المحظورة وأضداداها وهي الأخلاق المحمودة منبع الطاعات والقربات .
فالعلم بحدود هذه الأمور وحقايقها وأسبابها وثمراتها وعلاجها هو علم الآخرة وهو فرض عين على من له أهلية ذلك ، وإلا فبقدر حوصلته ، لا يكلّف الله نفسا إلا وسعها .
وأما علم الشرايع فهو علم بكيفية العبادة المشروعة من الطهارة ، والصلاة والزكاة ،
 |
| الحقايق في محاسن الأخلاق | |
20 |
|
 |
والصيام ، والحج ، والجهاد ، والأمر بالمعروف ، والنهي عن المنكر ، وأسرارها ، والعلم بالأحكام المحدودة من الحلال والحرام ، في المكاسب والمعاملات من البيع والشراء ، والربا ، والقرض ، والقراض والاجارة ، والشركة ، والمزارعة ، والمدينة والرهان ، والضمان ، والكفالة ، والوكالة ، والوديعة ، والاقرار ، والصلح ، والعطايا والبر ، والنكاح ، والفراق ، وقسمة المواريث ، والعلم بالحدود ، والتعزيرات ، والقصاص والديات ، وتجهيز الأموات ، والعلم بآداب الأكل والشرب واللبس والمسكن والتحية ، والضيافة ، والطيب ، والكلام ، والمواخات ، والمعاشرة ، والسفر ، والحقوق إلى غير ذلك .
وهو أيضا فرض عين بقدر الاحتياج والذكاء ، وفرض كفاية للفتيا والقضاء وأما الطريق إلى تحصيل هذين العلمين أعني علم الأخلاق وعلم الشرايع فهو ممّا نتلو عليك فاستمع ، واتبع سبيل الذين هم مهتدون ، ولا تتّبع أهواء الذي لا يعلمون .
|
الفصل الرابع في علم الفقه والتفقه في الدين
|
اعلم أن كلا من العلوم الثلاثة الاخرويّة يسمّى بعلم الدين وعلم الفقه وتعلمه تسمّى بالتفقه في الدين ، قال الله عز وجل : «فلو لا نفر من كل فرقة منهم طائفة ليتفقهوا في الدين ولينذورا قومهم إذا رجعوا إليهم لعلّهم يحذرون»(1) .
وقال الصادق (ع) لأصحابه : «عليكم بالتفقه في دين الله ، ولا تكونوا أعرابا فانه من لم يتفقه في دين الله لم ينظر الله اليه يوم القيامة ولم يزك له عملا»(2) ، وقال (ع) : «ليت السياط على رؤوس أصحابي حتى يتفقهوا في الحلال والحرام»(3) وقال (ع) : «إن آية الكذاب أن يخبرك بخبر السماء والأرض والمشرق والمغرب فاذا سألته عن حرام الله وحلاله لم يكن عنده شيء»(4) إلى غير ذلك ممّا في هذا المعنى .
فالتفقه في الدين عبارة من تحصيل البصيرة في المسائل الدينية علمية كانت أو عملية باطنية أو ظاهرية ، متعلقة بالعبادات أو المعاملات ، فرضا معرفتها أو العمل بها أو سنّة أو ادبا ، وغرضنا الآن بيان كيفية هذا التحصيل فان الناس اختلفوا فيه حتى أوقعوا الجماهير في التيه ونحن بتأييد الله عز وجل نكشف عن وجه الحق فيه النقاب بحيث لا يبقى معه شك ولا ارتياب
|
(1) سورة التوبة : آية 122 .
(2) الكافي ج 1 ص 31 .
(3) المحاسن : ص 229 .
(4) الكافي : ج 2 ص 340 .
|
 |
| الحقايق في محاسن الأخلاق | |
21 |
|
 |
فنقول :
إن الناس كانوا في زمن رسول الله (ص) يأخذون العلم عنه بما يوحى إليه وأما بعده فصاروا فرقتين :
فرقة قالوا بالاجماع الزور في تعيين الامام باتّباع المتشابهات في العقايد والأحكام مضافا إلى المحكمات ابتغاء الفتنة وابتغاء التأويل ، واختيار المدلول قبل اختلاق الدليل ، وهم أصحاب أبي بكر بن أبي قحافة التيمي ، وعمر بن الخطاب العدوي ومن يحذو حذوهم من الذين قالوا بالاجتهاد والرأي في كل شيء فتتبدل آراؤهم وتختلف علماؤهم إن يتبعون إلا الظن وما تهوى الانفس وإن هم إلا يخرصون وهؤلاء صنفان : مجتهد ومقلد .
أما مجتهدهم فكيفيّة التفقه عنده استفراغ الوسع في تحصيل الظن فيما يحتاج إليه الناس من العلوم الدينية اصولية كانت أو فروعية من القوانين التي وضعوها والقواعد التي اخترعوها للاستعانة بها على الاستنباط من المتشابهات .
وأما مقلدهم فكيفية التفقه عنده بأن يأخذ من مجتهده ما استنبطه بنظره ولو بواسطة أو وسائط .
وفرقة قالوا بالنص من الله عز وجل في تعيين الامام والاقتصار على اتباع المحكمات في العقايد والاحكام وقوفا على ما جاء به الوحي والتنزيل ، واتّقاء عمّا كاد يفضي إلى الضلال والتضليل ، وهم أصحاب أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (ع) الذين لا يقولون إلا على النصوص بالخصوص في كل شيء مسلمين لامامهم الآخذ علمه من الله ومن رسوله في كل ما أنهاه إليهم في شيء شيء مطيعين لما أمرهم الله تعالى حيث قال : «فاسئلوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون»(1) وحيث قال : «يا أيها الذين آمنوا أطيعوا الله وأطيعوا الرسول واولى الأمر منكم»(2) .
وأما ما ترى من اجتهاد لبعض متأخري أصحابنا وتدوينهم الاصول وخوضهم في الفضول فانما ذلك لشبهة جرت فيهم من مخالفيهم كما بينّا وجهه في مسفوراتنا مع احتمال أن يكون سبب حدوثه فيهم أولا مصلحة رأوها ، ومماشاة مع مخالفيهم راعوها ، لئلا يزعموا أن دقائق العلم ليست فينا ، ثم صار ذلك شبهة لمن تأخر عنهم جرت فيهم ، ثم سرت في ذويهم وعلى التقديرين فليس ذلك قادحا في منزلتهم العليا ولا سببا لالحاقهم بالفرقة الأولى ، حاشاهم عن
|
(1) سورة النحل : آية 43 وسورة الأنبياء : آية 7 .
(2) سورة النساء : آية 59 .
|
 |
| الحقايق في محاسن الأخلاق | |
22 |
|
 |
ذلك ، فإن لهم حقوقا جمّة على الفرقة الناجية الجليلة ، بترويجهم المذهب الحق بمساعيهم الجميلة ، ورفعهم جل التقية عن كثير من العباد والبلاد جزاهم الله عنا خير الجزاء وحشرهم مع أئمتهم يوم التناد .
وهولاء الفرقة الثانية يرجعون إلى امامهم في التفقه حين تيسّر لهم ذلك ، والا فهم أيضا صنفان بصير ومستبصر ، وبعبارة اخرى فقيه ومتفقه ، وبعبارة ثالثة خاصي وعامي وإن شئت فسمّهما المجتهد والمقلد فلا مشاحة في الالفاظ .
أما بصيرهم وهو الذي له فهم وذكاء وقوة قدسيّة وزهد في الدنيا وورع في الدين ، فكيفية التفقه عنده أن يتبع محكمات الكتاب والسنة ومحكمات أحاديث أهل البيت (ع) ممّا صح عنهم فيستفهم منها ما يجب اعتقاده وما يجب أن يعمل به ويشيده بشواهد عقله القويم وفهمه المستقيم ، ويؤيده بواردات ترد على ذهنه المصفّى باعماله الصالحة المرضيّة وقلبه المنور بنور أخلاقه المهذبة الزكية فان شرف العقل لا يخفى ولولاه لما عرف الشرع ، وكانه شرع من داخل كما أن الشرع عقل من خارج وهما يتعاضدان ويتظاهران إلى أن يصيرا كانّهما متحدان .
وفي الحديث «ما أدّى العبد فرايض الله حتى عقل عنه ولا بلغ جميع العابدين في فضل عبادتهم ما بلغ العاقل»(1) والعقلاء هم اولوا الالباب ، ولا تظنن أن خواص المؤمنين إنما آمنوا بالله واليوم الآخر بمجادلات المتكلمين وأدلة المجادلين ، هيهات هيهات ، وإنما عرفوا الله بمثل ما قلنا من تعاضد العقل والشرع واجتماع النور الداخل مع النور الخارج كاجتماع نور العين مع نور الشمس في الرؤية ، وإلى مثل هذا العقل اشير بقوله عز وجل : «يكاد زيتها يضيء ولو لم تمسسه نار نور على نور»(2) يعني نور العقل والشرع ، وفي الحديث «ليس العلم بكثرة التعلم إنما هو نور يقذفه الله في قلب من «يشاء خ» يريد الله أن يهديه»(3) .
فهذا البصير إن تبين له الحكم بحيث لا شبهة فيه ولا ريب يعتريه أخذ به وشكر الله ، وإن اشتبه عليه الأمر وكل علمه إلى الله وإلى إمامه المنصوص عليه من الله وعمل فيه بالاحوط ، ولا يفتى في مثله بالحتم والبت .
قال الصادق (ع) : «اما أنه شر عليكم أن تقولوا بشيء ما لم تسمعوه منا»(4) ، وقال (ع) «كل علم لا يخرج من هذا البيت فهو باطل ، وأشار بيده إلى بيته» .(5) .
|
(1) الكافي : ج 2 ص 13 .
(2) سورة النور : آية 35 .
(3) البحار : ج 1 ص 225 .
(4) الكافي : ج 2 ص 402 .
(5) بصائر الدرجات : ص 531 «ولكن ذكره عن أبي جعفر (ع)» .
|
 |
| الحقايق في محاسن الأخلاق | |
23 |
|
 |
فلا يخترع من تلقاء نفسه قاعدة كلية غير منقحة ولا مسموعة ليقع الاختلاف فيه كقاعدة حجّية خبر الواحد أو عدم حجّيته على الاطلاق التي لم يتحرّر محل التنازع فيها قط ولن يتحرّر إلى غير ذلك من القوانين المسماة عند أهلها بأصول الفقه بل يطلب في كل مسألة أهمته رواية خاصة يجوز التعويل عليها ، ودراية ناصّة تطمئن النفس إليها ، ولا يحكم بالمتشابه إلا بالتشابه ، لأنه المحكم فيه ولا يجوز «وكيف يجوز خ» ان يجعل المتشابه محكما وقد جعله الله متشابها ، فلا ينبغي تأويله ولا ردّه إلى أحد الطرفين كما يفعله الذي في قلبه زيغ .
وذلك لأن الله سبحانه جعل الامور ثلاثة كما ورد في الحديث النبوي (ص) : «أمر بين رشده فيتبع وبيّن غيّه فيجتنب ، ومتشابهات بين ذلك يرد حكمها إلى الله وإلى الراسخين في العلم العالمين بتأويله»(1) ، فكيف يطلب التثني فيما حكم الله فيه بالتثليث مع أن في المتشابه حكما ومصالح يمتحن الله بها أصناف عباده ، ولا يجمع أيضا بين الاخبار المتعارضة إلا بما أشار إليه المرويّ عنهم عليهم السلام من التفصيل الذي ينتهي إلى التخيير وبذلك ينجو البصير من الخلاف والاختلاف ، والقول بالرأي والجزاف فلا اجتهاد عنده ولا رأي ولا إجماع بل ليس معوله إلا على الرواية والدّراية والسماع .
ومعنى الاجماع عنده ليس إلا اتفاق قدماء الأصحاب على العمل بالنص المشهور بحيث صار من الضروريات حتى عند الجمهور كمسح الرجلين ونزع الخفين عند الوضوء فالاجماع عنده تابع للنص مؤيّد له لا النص مستنبط من الاجماع كما اشتهر بين طائفة من أهل الخلاف والنزاع .
وإليه اشير في كلام الصادق (ع) في خبر تعارض الأخبار : خذ بالمجمع عليه بين أصحابك فإن المجمع عليه لا ريب فيه .
وأما عوام هذه الفرقة فيكفيّة تفقّههم أن يأخذوا مسائلهم عن خواصهم ولو بواسطة او وسايط إلا أن اليوم اشتبه عليهم الأمر غاية الاشتباه لالتباس من ليس من الخواص بالخواص وإدخالهم أنفسهم في جملتهم فصارت العوام حائرين بائرين لا يهتدون إلى شيء ولا يدرون ايا من أي ، فالحزم لهم أن يرجعوا في ذلك إلى قوم متديّنين عارفين بأهل البصيرة ليعرّفوهم إياهم ، فان لم يتيسر فليستفت العاميّ من غلب على ظنه أنه منهم وأنه ممّن لا يبيع دينه بدنياه ، فان أفتاه بحكم فليسأله هل هذا الحكم في كتاب الله أو سنة رسول الله أو حديث أحد من المعصومين (ع) فان قال : نعم فليعمل به ، وإن قال : إنه ليس في شيء منها بخصوصه وإنما
 |
| الحقايق في محاسن الأخلاق | |
24 |
|
 |
يستفاد بالاستنباط أو هو ممّا اجمعوا عليه من غير نص بلغني فيه أو نحو ذلك سأل غيره حتى يصادف من أجابه من القرآن والحديث بخصوص أو نصوص أو أشار له إلى الاحتياط أو التخيير فإن فعل العاميّ ذلك فهو المتفقه في تلك المسألة .
هذا هو الحق المبين ، ومذهب قدمائنا الاماميين ، وعليه المعوّل في الدين وليس لمن انتسب إلى أهل البيت (ع) ويسمّى بالشيعة والامامي والاثني عشري إلا الأخذ بذلك ، فان خرج عن هذا الطريق إلى شيء من طرق المخالفين من غير عذر فقد خرج صدق هذا الانتساب وهذه التسمية على وجهه وإن لم يشعر بذلك .
ثم لا تظنن أن العلم بصدق نسبة مضمون أخبار المعصومين (ع) إليهم لا بد أن يكون كالعلم بوجودهم في الوضوح والانارة والقوة أو تواترها كتواتره وإلا فهي أخبار آحاد لا تفيد إلا ظنا ، كلا كيف ولو زعمت ذلك فما أراك تستيقن بامامتهم لأن قوة علمك بامامتهم ليست كقوة علمك بوجودهم ولا تواترها كتواتره قطعا بل اراك لم تعرف بعد إن اليقين كالظن له مراتب في القوة والضعف وأنه يزداد بازدياد نوري العقل والشرع ، واعتضاد كل منهما بالآخر ، وانّ في الأحكام الشرعية يكتفي بأقل مراتبه مع أن أكثر الأخبار الاحكامية ليست في القوة بأقل من أخبار الامامة متنا وسندا فكلما اطمأنت إليه النفس من الاخبار تعمل به وكل ما لم تسكن إليه فذره في سنبله .
روي في الكافي بإسناده عن أبي عبد الله (ع) : «أنه سئل عن اختلاف الحديث يرويه من نثق به ومنهم من لا نثق به قال : إذا ورد عليكم حديث فوجدتم له شاهدا من كتاب الله أو من قول رسول الله (ص) وإلا فالذي جاءكم به أولى به»(1) .
وفيه بإسناده عنه (ع) قال : «كل شيء مردود إلى الكتاب والسنة وكل حديث لا يوافق كتاب الله فهو زخرف»(2) .
وفي عيون الأخبار عن الرضا (ع) في حديث طويل قال في آخره بعد ذكر العرض إلى الكتاب ثم السنة ثم التخيير والرد إلى رسول الله (ص) : «وما لم تجدوه في شيء من هذه الوجوه فردوه إلينا علمه فنحن أولى بذلك ولا تقولوا فيه بآرائكم وعليكم بالكف والتثبت والوقوف وأنتم طالبون باحثون حتى يأتيكـم البيـان مـن عندنـا»(3) .
|
(1) الكافي : ج 1 ص 69 .
(2) الكافي : ج 1 ص 69 .
(3) عيون الأخبار : ج 2 ص 20 .
|
 |
| الحقايق في محاسن الأخلاق | |
25 |
|
 |
وقد ورد في الحث على العمل بأخبارهم (ع) أخبار بلغت قريبا من مبلغ التواتر ، منها ما يدل على جواز الأخذ بها وإن صدرت عن تقيّة ، ومنها ما يدل على جواز العمل بها وإن لم يصدر عنهم (ع) في الواقع .
وهو قول الصادق (ع) : «من سمع شيئا من الثواب على شيء فصنعه كان له أجره وإن لم يكن على ما بلغه»(1) وذلك لأنه تسليم وطاعة وانقياد لا رأي فيه ولا اجتهاد .
وقال الصادق (ع) : «احتفظوا بكتبكم فانّكم سوف تحتاجون إليها»(2) ، وقال لمفضل بن عمر : «اكتب وبث علمك في إخوانك فان مت فاورث كتبك بنيك ، فانّه يأتي على الناس زمان هرج لا يأنسون فيه إلا بكتبهم»(3) .
وقال صاحب زماننا (ع) : «وأما الحوادث الواقعة فارجعوا فيها إلى رواة حديثنا فإنهم حجّتي عليكم وأنا حجة الله عليهم»(4) ، وبالجملة قد أذنوا في الأخذ بالأخبار والكتب والتسليم والانقياد ولم يأذنوا في الاخذ بالآراء والاجتهاد ، بل نهوا فليس لنا إلا الاتباع والاقتصار على السماع من دون ابتغاء الدليل ، والله يقول الحق وهو يهدي السبيل .
|
الفصل الخامس في النهي عن المناظرة والمجادلة
|
ومن فضل الله علينا ولطفه بنا وله الحمد أضعاف ما حمده الحامدون أن جعل لنا إماما بعد إمام ظاهرا فينا وإن كان مستورا على أعدائنا إلى أن انقضى من الهجرة النبوية مأتان وستّون سنة ، ثم جعل للاخير بعد غيبته سفراء إلى قريب من تمام ثلاثمأة وثلاثين سنة وكان أصحابنا في هذه المدة المديدة يأخذون العلوم الدينية ظاهرها وباطنها من معدنها على اطمئنان من قلوبهم وانشراح من صدورهم بقدر قابليتهم ومرتبتهم ومنزلتهم ، فأغناهم الله بذلك عن تقليد من لا يجوز تقليده ونجّاهم به من حيرة الحيران .
وبعد انقضاء هذه المدة كانوا يرجعون إلى الاصول المأخوذة عنهم المشتملة على أكثر ما يحتاج إليه الناس حتى شذ مسألة ضرورية لا يكون فيها حكم جزئي أو كلي عنهم (ع) وفق له من وفق .
|
(1) الكافي : ج 2 ص 87 .
(2) الكافي : ج1 ص 52 .
(3) الكافي : ج 1 ص 52 .
(4) الاحتجاج : ج 2 ص 283 والامامة والتبصرة ص 62 .
|
 |
| الحقايق في محاسن الأخلاق | |
26 |
|
 |
قال أمير المؤمنين (ع) : «يا معشر شيعتنا والمنتحلين ولايتنا إياكم وأصحاب الرأي فانهم أعداء السنن تفلّتت منهم الأحاديث أن يحفظوها ، وأعيتهم السنة أن يعوها فاتخذوا عباد الله خولا وماله دولا ، فذلت لهم الرقاب وأطاعهم الخلق أشباه الكلاب ، ونازعوا الحق وأهله فتمثلوا بالائمة المعصومين الصالحين «الصادقين خ» وهم من الجهال الملاعين فسئلوا عما لا يعلمون فانفوا ان يعترفوا بأنهم لا يعلمون فعارضوا الدين بآرائهم وضلوا فأضلّوا ، أما لو كان الدين بالقياس لكان باطن الرجلين أولى بالمسح من ظاهرهما»(1) .
وعن الباقر (ع) : «من أفتى الناس برأيه فقد دان الله بما لا يعلم ، ومن دان الله بما لا يعلم فقد ضاد الله حيث أحل وحرّم فيما لا يعلم»(2) .
وعن الصادق (ع) أنه قيل له ترد علينا أشياء لا نعرفها في كتاب ولا سنّة فننظر فيها ؟ قال : «لا ، أما أنك لو أصبت لم تؤجر وإن أخطأت كذبت على الله»(3) .
وقال أمير المؤمنين (ع) في ذم اختلاف العلماء في الفتيا : «ترد على أحدهم القضية في حكم من الاحكام فيحكم فيها برأيه ثم ترد تلك القضية بعينها على غيره فيحكم فيها بخلاف قوله ، ثم يجتمع القضاء بذلك عند إمامهم الذي استقضاهم فيصوب آراءهم جميعا وإلههم واحد وكتابه واحد ، ونبيّهم واحد أفأمرهم الله سبحانه بالاختلاف فأطاعوه ؟ أم نهاهم عنه فعصوه ؟ أم أنزل الله سبحانه دينا ناقصا فاستعان بهم على إتمامه ؟ أم كانوا شركاء له فلهم أن يقولوا وعليه أن يرضى ؟ أم أنزل الله دينا تاما فقصّر الرسول عن تبليغه وأدائه والله سبحانه يقول : «ما فرطنا في الكتاب من شيء ، وفيه تبيان لكل شيء»(4) وذكر أن الكتاب يصدق بعضه بعضا وأنه لا اختلاف فيه فقال سبحانه : «ولو كان من عند غير الله لوجدوا فيه اختلافا كثيرا»(5) وأن القرآن ظاهره أنيق ، وباطنه عميق لا تفني عجائبه ، ولا تنقضي غرائبه ، ولا تنكشف الظلمات إلا به»(6) .
وعنه (ع) : «اعلموا عباد الله أن المؤمن (من خ) يستحل العام ما استحل عاما أول ، ويحرم العام ما حرم عاما أول ، وأن ما أحدث الناس لا يحل لكم شيئا مما حرم الله عليكم ، ولكن الحلال ما أحل الله والحرام ما حرم الله»(7) .
|
(1) البحار : ج 2 ص 84 عن التفسير المنسوب للامام العسكري (ع) .
(2) الكافي : ج 1 ص 57 .
(3) الكافي : ج 1 ص 56 .
(4) سورة الأنعام : آية 31 .
(5) سورة النساء : آية 82 .
(6) نهج البلاغة : ص 60 خطبة 18 .
(7) نهج البلاغة : ص 254 خطبة 176 .
|
 |
| الحقايق في محاسن الأخلاق | |
27 |
|
 |
|
الفصل السادس في علم الكلام
|
وأما علم الكلام فحاصل ما يشتمل عليه من الأدلة التي ينتفع بها فالقرآن والأخبار مشتملة عليه وما خرج عنهما فهو إما مجادلة مذمومة ، وإما مشاغبة بالتعلق بمتناقضات الفرق ، وتطويل بنقل المقالات التي أكثرها ترهات وهذيانات تزدريها الطباع وتمجها الاسماع ، وأكثرها خوض فيما لا يتعلّق بالدين .
ولم يكن شيء من ذلك مألوفا في العصر الأول ، وكان الخوض فيه بالكلية من البدع ، ولكن اليوم صار مما لا بد منه حراسة لقلوب العوام من تخييلات المبتدعة ، وإنما حدث ذلك بحدوث البدع كما حدث حاجة الانسان على استيجار البدرقة في طريق الحج لحدوث ظلم العرب وقطعهم الطريق ، ولو تركت العرب عداوتهم لم يكن استيجار الحراس من شروط طريق الحج .
والمتكلم إن تجرد للمناظرة ولم يسلك طريق الآخرة ولم يشتغل بتعهد القلب وإصلاحه لم يكن من جملة علماء الدين أصلا ، إذ ليس عند المتكلم من الدين إلا العقيدة التي يشاركه ساير العوام فيها ، وهي من جملة أعمال ظاهر القلب واللسان وإنما يتميّز عن العامي بصفة المجادلة والحراسة ، فان معنى معرفة الله سبحانه وصفاته وأفعاله وجميع ما أشرنا إليه من العلوم الدينية فلا يحصل من علم الكلام بل يكاد أن يكون الكلام حجابا ومانعا عنه وإنما الوصول إليه بالمجاهدة التي جعلها الله سبحانه مقدّمة للهداية حيث قال تعالى : «والذين جاهدوا فينا لنهدينهم سبلنا»(1) .
قال أمير المؤمنين (ع) «من طلب الدين بالجدل تزندق»(2) ، وروي أن رجلا قال للحسين بن علي (ع) : «اجلس حتى نتناظر في الدين قال : يا هذا انا بصير بديني ، مكشوف على هداي ، فان كنت جاهلا بدينك فاذهب واطلبه مالي وللممارات»(3) .
وعن الباقر (ع) : «الخصومة تمحق الدين وتحبط العمل وتورث الشك»(4) ، وعن الصادق (ع) «لا يخاصم إلا شاك أو من لا ورع له»(5) وعن الكاظم (ع) أنه قال لعلي ابن يقطين : «مر
|
(1) سورة العنكبوت : آية 69 .
(2) كتاب الاعتقادات ص 74 الملحق بشرح باب حادي عشر .
(3) مصباح الشريعة باب 48 .
(4) التوحيد : ص 458 ح 21 .
(5) التوحيد : ص 460 ح 30 .
|
 |
| الحقايق في محاسن الأخلاق | |
28 |
|
 |
أصحابك أن يكفوا عن ألسنتهم ويدعوا الخصومة في الدين ، ويجتهدوا في عبادة الله عز وجل»(1) .
وعن الرضا (ع) أنه سئل في مكاتبته أنهم نهوا عن الكلام في الدين فتأوّل مواليك المتكلمون بأنه إنما نهي من لا يحسن أن يتكلم فامّا من يحسن أن يتكلم فلم ينهه ، فهل ذلك كما تأوّلوا ؟ فكتب (ع) : «المحسن وغير المحسن لا يتكلم فيه فان اثمه أكبر من نفعه»(2) .
|
الفصل السابع الجدال التي هي احسن والتي ليست بأحسن
|
إنما منعوا من الجدال والمناظرة لأن لهما آدابا وشروطا لا بد من مراعاتها وآفات يجب التجنب عنها ، وقل من يهتدي إليها ويوفق لما يجب ، وإلا فالجدال بالتي هي أحسن مأمور به .
قال أبو محمد الحسن العسكري (ع) : ذكر عند الصادق (ع) «الجدال في الدين وأن رسول الله (ص) والأئمة (ع) قد نهوا عنه فقال الصادق (ع) : لم ينه عنه مطلقا ولكنه نهى عن الجدال بغير التي هي أحسن أما تسمعون الله يقول : « ولا تجادلوا أهل الكتاب إلا بالتي هي أحسن»(3) وقوله : «ادع إلى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة وجادلهم بالتي هي أحسن»(4) فالجدال بالتي هي أحسن قد امر به العلماء بالدين ، والجدال بغير التي هي أحسن محرم حرم الله على شيعتنا وكيف يحرّم الله الجدال جملة ؟ وهو يقول : «وقالوا لن يدخل الجنة إلا من كان هودا أو نصارى»(5) قال الله تعالى : «تلك أمانيهم قل هاتوا برهانكم إن كنتم صادقين»(6) فجعل علم الصدق الاتيان بالبرهان ، وهل يؤتى بالبرهان إلا في الجدال التي هي أحسن .
قيل يابن رسول الله : فما الجدال التي هي أحسن والتي ليست بأحسن ؟
قال : أمّا الجدال بغير التي هي أحسن فان تجادل مبطلا فيورد عليك باطله فلا تردّه بحجة قد نصبه الله ولكن تجحد قوله أو تجحد حقا يريد ذلك المبطل أن يعين به باطله فتجحد ذلك
|
(1) التوحيد : ص 460 ح 29 .
(2) التوحيد : ص 459 ح 26 .
(3) سورة العنكبوت : آية 46 .
(4) سورة النحل : آية 125 .
(5) سورة البقرة : آية 111 .
(6) سورة البقرة : آية 111 .
|
| |