الحقايق في محاسن الأخلاق 1




الحقايق
في محاسن الأخلاق


الحقايق في محاسن الأخلاق 2


بسم الله الرحمن الرحيم


الحقايق في محاسن الأخلاق 3

الحقـايـق

في محاسن الأخلاق


قـرة العـيـون

في المعارف والحِكم


للعلامة المحدث الفيض الكاشاني قدس سره

ويليه

مصباح الأنظار


تحقيق
الحاج محسن عقيل

مؤسسة دار الكتاب الإسلامي

الحقايق في محاسن الأخلاق 4




الحقايق في محاسن الأخلاق 5

مقدمة المحقق

المؤلفات الثلاثة التي يحتضنها هذا الكتاب ، مؤلفات ثمينة ، وأسفار قيّمة ، لكونها أولا تتناول موضوعا من أهم الموضوعات في واقع الإنسان المسلم اليوم ، الا وهو موضوع علم الأخلاق ، الأخالق التي هي أسس بناء المجتمع الاسلامي ورفعته وسموه . وكما كانت الأخلاق العامل الأساسي في انتشار الدين الاسلامي وبلوغه أقاصي الغرب والشرق ، هي اليوم العامل الأساسي في بقاء الاسلام دينا ساميا في أعلى القمم .
ولكونها ثانيا من ما أفاضت به قريحة عالم عَلَم أثرى المكتبة الاسلامية بتراثه وأسفاره وتآليفه القيّمة ، وبلغت شُهرته شهرة الشمس المشرقة في وضح النهار ، وهو العالم العَلَم المحدّث ، الفيض الكاشاني (قدّس سره) .
هاتين الأهميتين استوجبتا منا اعطاء هذه المؤلفات حقها الكامل من التحقيق والمراجعة ، ويهمنا أن نشير في البدء ـ أمانة ـ الى أن جهدنا المبذول على هذا الكتاب ، إنما هو تتمة لما قام به المصحح السيد إبراهيم الميانجي الذي تولّى الخطوة الأولى ـ كما أشار في مقدمته في الطبعات السابقة ـ بمقارنة مخطوطة هذا الكتاب ـ مع نسخ مخطوطة أخرى أثمرت نسخته المصححة هذه . وأنصبت جهدنا على هذا الكتاب لإنجاز أربعة أمور ، الأمر الأول : تصحيح ما برز به من أخطاء ناجمة عن سوء الطباعة ، والأمر الثاني : وضع الهوامش له من خلال

الحقايق في محاسن الأخلاق 6

إرجاع الايات الكريمة إلى مصادرها في القرآن الكريم ، وكذلك إرجاع أحاديث الى مصادرها في أمّهات كتب الحديث والسنة النبوية الشريفة ، والأمر الثالث : إبراز عوامل التنقيط ، والأمر الرابع : عنونة فصوله وتبويبها بالشكل اللائق بهذا الكتاب ، هادفين من وراء ذلك اعطاء هذا الكتاب حقه الذي يستوجبه منا ، راجين المولى العلي القدير أن يكون الحقائق والمصباح قرة العين لمن أراد الإهتداء والله من وراء القصد .
22 / محرم / 1409
5 / تشرين أول / 1988

الحقايق في محاسن الأخلاق 7


الحقايق في محاسن الأخلاق 8



الحقايق في محاسن الأخلاق 9



الحقايق في محاسن الأخلاق 10



الحقايق في محاسن الأخلاق 11

الحقايق

في محاسن الأخلاق


بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله الذي نور قلوبنا بنور الايمان ، وعرفنا من أسرار الحديث والقرآن ، والصلاة على محمد سيد المرسلين ، وعلى آله الطيّبين الطاهرين المعصومين .
أما بعد فيقول الفقير إلى الله محمد بن مرتضى المدعو بمحسن أيّده الله إني أذكر بعون الله تعالى في هذا الكتاب من أسرار الدين ، ما يرتقي به من كان له قلب أو ألقى السمع وهو شهيد إلى معارج اليقين ، وإنما أخذته من كتاب الله تعالى وسنة سيد المرسلين وأحاديث الأئمة المعصومين ، وأضفت إليه ما وجدت في كتب علماء الدين ، ولا سيّما كتاب إحياء علوم الدين لأبي حامد محمد بن محمد الغزالي الطوسي مما يصلح لأن يكون بياناً لمبانيه وتفسيرا لمعانيه بتقرير أتقن ، ومزيد متقن ، مؤثرا للفرايد مخليا سبيل الزوايد ، وسميته بالحقايق ورتبته على ستة مقالات ، في كل مقالة أبواب ، وفي كل باب فصول ، ومن الله التأييد .

الحقايق في محاسن الأخلاق 12

المقالة الاولى

فيما هو بمنزلة الاصول وفيها ثلاثة أبواب :
(الباب الاول في العلم)

في العلم اعلم أن السبب الكلي لخلق العالم العلوي والسّفلي وأفضل ما يتقرب به إلى الله العلي هو العلم . قال الله سبحانه : «الله الذي خلق سبع سموات ومن الأرض مثلهن يتنزل الأمر بينهن لتعلموا أن الله على كل شيء قدير وأن الله قد أحاط بكل شيء علما»(1) وقال : «شهد الله أنه لا إله إلا هو والملئكة وأولوا العلم» (2) وقال : «إنما يخشى الله من عباده العلماء» (3) وقال : «هل يستوي الذين يعلمون والذين لا يعلمون»(4) وقال : «وتلك الأمثال نضربها للناس وما يعقلها إلا العالمون»(5) .
وفي الحديث النبوي (ص) : «العلماء ورثة الأنبياء»(6) وفيه «اللهم ارحم خلفائي» ، قيل يا رسول الله : ومن خلفائك ؟ قال : «الذين يأتون من بعدي ويروون حديثي وسنتي»(7) .
وفي الحديث العلوي : «أن كمال الدين طلب العلم والعمل به ، وأن طلب العلم أوجب عليكم من طلب المال ، وأن المال مقسوم مضمون لكم قد قسمه عادل بينكم وقد ضمنه وسيفي لكم ، والعلم مخزون عند أهله» [وقد امرتم بطلبه من أهله خ فاطلبوه](8) .
وعن السجاد (ع) : «لو يعلم الناس ما في طلب العلم لطلبوه ولو بسفك المهج وخوض اللجج»(9) .

(1) سورة الطلاق : آية 12 .
(2) سورة آل عمران : آية 18 .
(3) سورة فاطر : آية 28 .
(4) سورة الزمر : آية 9 .
(5) سورة العنكبوت : آية 43 .
(6) احياء علوم الدين : ج 1 ص 10 .
(7) عيون أخبار الرضا (ع) : ج2 ص 36 .
(8) الكافي : ج 1 ص 30 .
(9) الكافي : ج 1 ص 35 .
الحقايق في محاسن الأخلاق 13

وعن الباقر (ع) : «عالم ينتفع بعلمه أفضل من سبعين ألف عابد»(1) .
وعن الصادق (ع) : «من علم خيرا فله مثل أجر من عمل به»(2) .
وعن الرضا عن آبائه عن النبي (ص) أنه قال : «طلب العلم فريضة على كل مسلم فاطلبوا العلم في مظانه واقتبسوه من أهله فان تعلّمه لله حسنة وطلبه عبادة ، والمذاكرة به تسبيح ، والعمل به جهاد ، وتعليمه من لا يعلمه صدقة ، وبذله لأهله قربة إلى الله تعالى ، لأنه معالم الحلال والحرام ، ومنار سبيل الجنة ، والمونس في الوحشة ، والصاحب في الغربة والوحدة ، والمحدّث في الخلوة ، والدليل على السراء والضراء ، والسلاح على الأعداء ، والمزيّن عند الاخلاّء ، يرفع الله تعالى به أقواما فيجعلهم في الخير قادة ، تقتبس آثارهم ، وتقتدي بفعالهم ، وينتهى إلى آرائهم ، ترغب الملائكة في خلّتهم ، وبأجنحتها تمسحهم ، وفي صلواتها تبارك عليهم ، ويستغفر لهم كل رطب ويابس حتى حيتان البحر وهوامه وسباع البر وأنعامه .
إن العلم حياة القلوب من الجهل ، وضياء الأبصار من الظلمة ، وقوّة الأبدان من الضعف ، يبلغ بالعبد منازل الأخيار ومجالس الأبرار ، والدرجات العلى في الآخرة والاولى ، الذكر فيه يعدل بالصيام ، ومدارسته بالقيام ، به يطاع الرب ويعبد ، وبه توصل الأرحام ، ويعرف الحلال والحرام ، العلم امام العمل والعمل تابعه ، يلهم به السعداء ، ويحرمه الأشقياء ، فطوبى لمن لم يحرمه الله تعالى من حظه»(3) والأخبار في فضيلة العلم وشرفه أكثر من أن تحصى .

الفصل الأول
في العلم وفضيلته

اعلم أن الشيء النفيس المرغوب فيه ينقسم إلى ما يطلب لذاته وإلى ما يطلب لغيره وإلى ما يطلب لذاته ولغيره ، وما يطلب لذاته أشرف وأفضل مما يطلب لغيره ، وما يطلب لذاته ولغيره أشرف مما يطلب لذاته فحسب ، والمطلوب لغيره كالدنانير والدراهم ، فإنهما حجران لا منفعة فيهما ولولا أن الله عز وجل يسر قضاء الحاجات بهما لكانا والحصى بمنزلة واحدة ،

(1) الكافي ج 1 ص 33 والدعوات للرواندي ص 62 .
(2) الكافي : ج1 ص 35.
(3) امالي الطوسي : ص 500 وعدة الداعي ص 73 .
الحقايق في محاسن الأخلاق 14

والذي يطلب لذاته كاللذات ، والذي يطلب لذاته ولغيره فكسلامة البدن ، فان سلامة الرجل مطلوبة من حيث إنه سلامة عن الألم ، ومطلوبه للمشي بها والتوسل إلى المآرب والحاجات .
وبهذا الاعتبار إذا نظرت إلى العلم رأيته لذيذا في نفسه فيكون مطلوبا لذاته ؛ ووجدته وسيلة إلى سعادة الدنيا والآخرة وذريعة إلى القرب من الله فانه لا يتوصّل إليهما إلا به ، وأعظم الأشياء رتبة في حق الآدمي السعادة الأبدية والقرب من الله ، وأفضل الأشياء ما هو وسيلة إليهما ولا يتوصّل إليهما إلا بالعلم والعمل ، ولا يتوصّل إلى العمل أيضا إلا بالعلم بكيفية العمل ، فأصل السعادة في الدنيا والآخرة هو العلم فهو إذن أفضل الأشياء وكيف لا ؟ وقد تعرف فضيلة الشيء بشرف ثمرته ، وقد عرفت أن ثمرة العلم القرب من رب العالمين والالتحاق بافق الملائكة ومقاربة الملأ الأعلى هذا في الآخرة ، وأما في الدنيا فالعز والوقار ونفوذ الحكم على الملوك ولزوم الاحترام في الطباع حتى أن أغبياء الترك وأجلاف العرب يصادفون طباعهم مجبولة على التوقير لشيوخهم ، لاختصاصهم بمزيد علم مستفاد من التجربة ، بل البهيمة بطبعها توقر الانسان لشعورها بتميز الانسان بكمال مجاوز لدرجتها ، هذه فضيلة العلم مطلقا .
ثم تختلف العلوم باختلاف مراتبها فيتفاوت لا محالة فضائلها بتفاوتها إلى أن ينتهي إلى معرفة الله تعالى بحقيقة اليقين [العلم خ] التي هي أصل كل معرفة راسخة .
قال الصادق (ع) : «لو يعلم الناس ما في فضل معرفة الله تعالى ما مدّوا أعينهم إلى ما متّع به الأعداء من زهرة الحياة الدنيا ونعيمها ، وكانت دنياهم أقل عندهم مما يطئونه بأرجلهم ، ولنعّموا بمعرفة الله تعالى وتلذّذوا بها تلذّذ من لم يزل في روضات الجنان مع أولياء الله ، إن معرفة الله تعالى انس من كل وحشة ، وصاحب من كل وحدة ، ونور من كل ظلمة ، وقوّة من كل ضعف ، وشفاء من كل سقم .
ثم قال : قد كان قبلكم قوم يقتلون ويحرقون وينشرون بالمناشير وتضيق عليهم الأرض برحبها ، فما يردّهم عماهم عليه شيء ممّا هم فيه غير ترة وتروا من فعل ذلك بهم ولا أذى بل ما نقموا منهم إلا أن يؤمنوا بالله العزيز الحميد ، فاسئلوا ربكم درجاتهم ؛ واصبروا على نوائب دهركم تدركوا سعيهم»(1) .

(1) الكافي : ج 8 ص 247 .
الحقايق في محاسن الأخلاق 15

الفصل الثاني
العلم علمان

العلم علمان : علم الدنيا ، وعلم الآخرة . وعلم الدنيا ما يرتبط به مصالح الدنيا كالطب والحساب ، وعلم الآخرة علمان : علم يقصد لذاته ، وعلم يقصد للعمل ليتوسّل به إلى العلم المقصود لذاته ، فان اريد به الدنيا التحقق بعلم الدنيا ، وعلم الآخرة محمود كله ، وأما علم الدنيا فمنه محمود ومنه مذموم ، أما العلم المقصود لذاته فهو نور يظهر للقلب عند تطهيره وتزكيته من صفاته المذمومة فينكشف من ذلك النور امور كان يسمع من قبل أسمائها ويتوهم لها معان مجملة غير متضحة .
فيتضح له ذلك حتى تحصل المعرفة الحقيقية بذات الله سبحانه وبصفاته التامات بقدر الامكان وبأفعاله وبحكمته في خلق الدنيا والآخرة ، ووجه ترتيبه الاخرة على الدنيا ، والمعرفة بمعنى النبوة والنبي ، وبمعنى الامامة والامام ، ومعرفة معنى الوحي والالهام ، ومعنى الملائكة والشياطين وكيفية معاداة الشيطان للانسان وكيفية ظهور الملك للانبياء ، وكيفية وصول الوحي إلى النبي ، وحديث الملك مع الامام والمعرفة بملكوت السماوات والأرض ، ومعرفة القلب وكيفية تصادم جنود الملائكة والشياطين فيه ، ومعرفة الفرق بين لمة الملك ولمة الشيطان ، ومعرفة الاخرة والجنة والنار وعذاب القبر والصراط والميزان والشفاعة والحساب ، ومعنى قوله عز وجل : «كفى بنفسك اليوم عليك حسيبا»(1) ومعنى قوله تعالى «وإن الدار الاخرة لهي الحيوان لو كانوا يعلمون»(2) ومعنى لقاء الله عز وجل والنظر إلى وجهه الكريم ، ومعنى القرب منه ، والمقام في جواره ، ومعنى حصول السعادة بمرافقة الملأ الاعلى ومقاربة الملائكة والنبيين ، ومعنى تفاوت درجات أهل الجنة حتى يرى بعضهم بعضا كما يرى الكواكب الدري في جو السماء إلى غير ذلك مما يطول تفصيله .
فان للناس في معاني هذه الامور بعد التصديق بأصولها مقامات ، فبعضهم يرى أن جميع ذلك أمثلة وأن الذي اعد لعباده الصالحين مالا عين رأت ولا اذن سمعت ولا خطر على قلب بشر ، وأنه ليس مع الخلق من الجنة إلا الصفات والأسماء ، وبعضهم يرى أن بعضها أمثلة وبعضها يوافق حقائقها المفهومة من ألفاظها ، وكذا يرى بعضهم أن منتهى معرفة الله سبحانه

(1) سورة الإسراء : آية 14 .
(2) سورة العنكبوت : آية 64 .
الحقايق في محاسن الأخلاق 16

الاعتراف بالعجز عن معرفته ، وبعضهم يدعي امورا عظيمة في المعرفة بالله عز وجل ، وبعضهم يقول حد معرفة ما انتهى إليه اعتقاد جميع العوام ، وهو أنه سبحانه عالم قادر سميع بصير متكلم مريد .
فنعني بالعلم المقصود لذاته أن يرتفع الغطاء حتى يتضح جلية الحق في هذه الأمور اتضاحا يجري مجرى العيان الذي لا شك فيه وهذا ممكن في جوهر الانسان إلا أن مرآة القلب قد تراكم صداها وخبثها بقاذورات الدنيا ، فلا بد من تصقيل هذه المرآة عن هذه الخبائث التي هي الحجاب عن الله سبحانه وعن معرفة صفاته وأفعاله ، وإنما تصفيتها وتطهيرها بالكف عن الشهوات والاقتداء بالأنبياء والأئمة (ع) في جميع أحوالهم ، فبقدر ما ينجلي من القلب ويحاذي به شطر الحق يتلألأ فيه حقايقه .
ولا سبيل إلى ذلك إلا بالتعلم والهدى والخشية والتقوى والفطنة والذكاء ، وهذه هي العلوم التي لا تسطر في الكتب ولا يتحدث بها من أنعم الله عليه منها بشيء إلا مع أهله وهو المشارك فيه على سبيل المذاكرة وبطريق الاسرار .
وهذا العلم الخفي هو الذي أراده النبي بقوله (ص) : «إن من العلم كهيئة المكنون لا يعلمه إلا أهل المعرفة بالله فاذا نطقوا به لم يجهله الا اهل الاغترار بالله عز وجل ولم يتحمّله إلا أهل الاعتراف بالله ، فلا تحقروا عالما أتاه الله علما فان الله عز وجل لم يحقره إذ أتاه إياه»(1) .
وعن أمير المؤمنين (ع) أنه قال : «إن من احب عباد الله إليه عبدا أعانه الله في نفسه فاستشعر الحزن وتجلبب الخوف فزهر مصباح الهدى في قلبه إلى أن قال : قد خلع سرابيل الشهوات وتخلى من الهموم إلا هما واحدا انفرد به ، فخرج من صفة العمى ومشاركة أهل الهوى وصار من مفاتيح أبواب الهدى ومغاليق أبواب الرّدى ، قد أبصر طريقه ، وسلك سبيله ، وعرف مناره ، وقطع غماره ، واستمسك من العرى باوثقها ، ومن الحبال بأمتنها ، فهو من اليقين على مثل ضوء الشمس»(2) .
وفي كلام آخر له (ع) : «قد أحيى قلبه وأمات نفسه حتى دق جليله ولطف غليظه ، وبرق له لامع كثير البرق ، فأبان له الطريق ، وسلك به السبيل وتدافعته الأبواب إلى باب السلامة ودار الاقامة وتثبّتت «تثبت خ» رجلاه بطمأنينة بدنه في قرار الأمن والراحة بما استعمل قلبه وأرضى

(1) احياء علوم الدين : ج 1 ص 24 .
(2) نهج البلاغة : ص 118 خطبة رقم 87 «صبحي الصالح» .
الحقايق في محاسن الأخلاق 17

ربه»(1) .
وقال (ع) : «اندمجت على مكنون علم لو بحت به لاضطربتم إضطراب الأرشية في الطوى البعيدة»(2) وقال (ع) : «تعلمت من رسول الله (ص) ألف باب من العلم ففتح لي من كل باب ألف باب»(3) .
وسأله كميل بن زياد النخعي عن الحقيقة فقال (ع) : «مالك والحقيقة ؟ قال : أولست صاحب سرّك ؟ قال : بلى ولكن يرشح عليك ما يطفح مني ثم أجابه عما سأل»(4) وقال في رواية اخرى أنه (ع) : «أخذ بيدي فاخرجني إلى الجبان فلما أصحر تنفس الصعداء ثم قال لي : يا كميل بن زياد إن هذه القلوب أوعية فخيرها أوعاها فاحفظ عني ما أقول لك :
الناس ثلاثة : فعالم ربّاني ، ومتعلم على سبيل النجاة ، وهمج رعاع أتباع كل ناعق يميلون مع كل ريح لم يستضيئوا بنور العلم ولم يلجئوا إلى ركن وثيق الى ان قال هاه إن ههنا لعلما جما وأشار إلى صدره لو أصبت له حملة بلى أصبت لقنا غير مأمون عليه مستعملا آلة الدين للدنيا ، ومستظهرا بنعم الله على عباده وبحججه على أوليائه ، أو منقادا لحملة الحق لا بصيرة له في أحنائه(5) ينقدح الشك في قلبه لاول عارض من شبهة الامة لاذا ولاذاك .
أو منهوما باللذة سلس القياد للشهوة أو مغرى بالجمع والادخار ليسا من رعاة الدين في شيء أقرب شبها بهما الانعام السائمة كذلك يموت العلم بموت حامليه .
اللهم بلى لا تخلوا الأرض من قائم لله بحجة اما ظاهرا مشهورا أو خائفا مغمورا لئلا تبطل حجج الله وبيّناته ، وكم ذا وأين أولئك ، اولئك هم والله الاقلون عددا الأعظمون قدرا بهم يحفظ الله حججه وبيّناته حتى يودعوها نظراءهم ويزرعوها في قلوب اشباههم ، هجم بهم العلم على حقيقة البصيرة وباشروا روح اليقين واستلانوا ما استوعوه المترفون* وأنسوا بما استوحش منه الجاهلون ، وصحبوا الدنيا بابدان أرواحها معلقة بالمحل الأعلى ، اولئك خلفاء الله في أرضه والدعاة إلى دينه آه آه شوقا إلى رؤيتهم»(6) .

(1) نهج البلاغة : ص 337 خطبة رقم 220 .
(2) نهج البلاغة : ص 52 خطبة رقم 5 .
(3) الارشاد للمفيد : ص 23 .
(4) رجال النيسابوري كما في الروضات في ترجمة كميل كما في المحجة : ج 1 ص 64 .
(5) هكذا في النسخ وفي نهج البلاغة : أو منقادا لحملة الحق لا بصيرة له في أحنائه الخ والظاهر أن المراد منهم هو المقلد إذ لا بصيرة له في دقائق الحق وخفاياه ، لعدم علمه بالبرهان والحجة فينقدح الشك الخ «مج» .
(*) اي استصعبه المتنعمون .
(6) نهج البلاغة : ص 495 أبواب الحكم خطبة 147 .
الحقايق في محاسن الأخلاق 18

وعن السجاد (ع) انه قال : «والله لو علم أبو ذر ما في قلب سلمان لقتله ولقد آخا رسول الله (ص) بينهما فما ظنكم بسائر الخلق ، إن علم العلماء صعب مستصعب لا يحتمله [يتحمله خ] الا ملك مقرّب أو نبي مرسل أو عبد مؤمن امتحن الله قلبه للايمان قال : وانما صار سلمان من العلماء لأنه امرؤ منا أهل البيت فلذلك نسبته إلى العلماء»(1) .
اراد (ع) : «اهل التوحيد والعلم والمعرفة والحكمة لا اهل بيت النسوان والصبيان والأهل والأولاد وفي الحديث النبوي ، أيضا «سلمان منا أهل البيت»(2) وفيه أيضا «لو علم أبو ذر ما في بطن سلمان من الحكمة لكفره وفي رواية لقتله»(3) .
وعن السجاد (ع) في أبيات منسوبة اليه :
إني لاكتم من علمي جواهره كيلا يرى الحق ذو جهل فيفتتنا
وقد تقدم في هذا أبـو حسن إلى الحسين ووصى قبله الحسنا
يا رب جوهر علم لو أبوح به لقيل لـي أنت ممن يعبـد الوثنا
ولاستحل رجال مسلمون دمي يرون أقبـح ما يأتونـه حسنـا

وعن الباقر (ع) «الناس كلهم بهايم إلا قليل من المؤمنين»(4) .
أقول : وتصديق ذلك قول الله سبحانه : «ام تحسب أنّ أكثرهم يسمعون أو يعقلون إن هم إلا كالأنعام بل هم أضل ظيلا»(5) .
وعن الصادق (ع) «إن أمرنا سر مستور في سر مقنع بالميثاق من هتكه أذله الله»(6) وقال (ع) : «إن أمرنا سر مستور في سر وسر مستسر وسر لا يفيده إلا سر وسر على سر مقنع بسر»(7) ، وقال (ع) : «هو الحق وحق الحق وهو الظاهر وباطن الظاهر وباطن الباطن ، وهو السر وسر المستسر وسر مقنع بالسر»(8) وقال (ع) مشيرا إلى وجوب كتمان هذا السر : «التقية ديني ودين آبائي ، فمن لا تقيّة له لا دين له»(9) ، وقال (ع) : «خالطوا الناس بما يعرفون ودعوهم بما ينكرون ولا تحملوا على أنفسكم وعلينا إن أمرنا صعب مستصعب لا يحتمله إلا ملك مقرب أو نبي مرسل أو مؤمن امتحن الله قلبه للإيمان»(10).

(1) الكافي : ج 1 ص 401 وبصائر الدرجات ص 45 .
(2) عيون الأخبار : ج 2 ص 64 .
(3) الكافي : ج 1 ص 401 .
(4) الكافي : ج 2 ص 242 .
(5) سورة الفرقان : آية 44 .
(6) بصائر الدرجات : ص 48 .
(7) بصائر الدرجات : ص 48 .
(8) بصائر الدرجات : ص 49 .
(9) المحاسن : ص 255 ح 286 .
(10) بصائر الدرجات : ص 46 .

الفهرس التالي التالي