عواقب الامور من الكتاب والسنة 353



الغرق

«قال سآوي إلى جبل يعصمني من الماء قال لا عاصم اليوم من أمر الله إلا من رحم وحال بينهما الموج فكان من المغرقين» (1) .
(1) هود : 43 .
قال صاحب (الأمثل) في تفسير هذه الآية والآيات التي قبلها : رأينا في الآيات المتقدمة كيف صنع نوح عليه السلام وجماعته المؤمنون سفينة النجاة بصدق ، وواجهوا جميع المشاكل واستهزاء الأكثرية من غير المؤمنين ، وهيأوا أنفسهم للطوفان ، ذلك الطوفان الذي طهر سطح الأرض من لوث المستكبرين الكفرة .
والآيات ـ محل البحث ـ تتعرض لموضوع ثالث ، وهو كيف كانت النهاية ؟ وكيف تحقق نزول العذاب على القوم المستكبرين ؟ فتبينه بهذا التعبير : «حتى إذا أمرنا وفار التنور» .
التنور : بتشديد النون ، هو المكان الذي ينضج الخبز فيه بعد أن كان عجيناً .
لكن ما مناسبة فوران الماء في التنور واقتراب الطوفان ؟
اختلف المفسرون فكانت لهم أقوال كثيرة في ذلك . . . .
قال بعضهم : كان العلامة بين نوح وربه لحلول الطوفان أن يفور التنور ليلتفت نوح وأصحابه إلى ذلك فيركبوا في السفينة مع وسائلهم وأسبابهم .
وقال جماعة آخرون : إن كلمة (التنور) استعملت هنا مجازاً وكنايةً عن غضب الله ، ويعني أن غضب الله اشتدت شعلته وفار ، فهو إشارة إلى اقتراب حلول العذاب المدمر ، وهذا التعبير مطرد حيث يشبهون شدة الغضب بالفورة والاشتعال .
عواقب الامور من الكتاب والسنة 354

ولكن يبدو أن احتمال أن يكون التنور قد استعمل بمعناه الحقيقي المعروف أقوى ، والمراد بالتنور ليس تنوراً خاصاً ، بل المقصود بيان هذه المسألة الدقيقة ، وهي أن حين فار التنور بالماء ـ وهو محل النار عادة ـ التفت نوح عليه السلام وأصحابه إلى أن الأوضاع بدأت تتبدل بسرعة وأنه حدثت المفاجأة ، فأين الماء من النار ؟ !
ويعتبر آخر : حين رأوا أن سطح الماء ارتفع من تحت الأرض وأخذ يفور من داخل التنور الذي يصنع في مكان يابس ومحفوظ من الرطوبة علموا أن أمراً مهما قد حدث وأنه قد ظهر في التكوين أمر خطير ، وكان ذلك علامة لنوح عليه السلام وأصحابه أن ينهضوا ويتهيأوا .
ولعل قوم نوح الغافلين رأوا هذه الآية ، وهي فوران التنور بالماء في بيوتهم ، ولكن غضوا أجفانهم وصموا آذانهم كعادتهم عند مثل العلائم الكبيرة ، حتى أنهم لم يسمحوا لأنفسهم بالتفكير في هذا الأمر وأن إنذارات نوح حقيقية .
في هذه الحالة بلغ الأمر الإلهي نوحاً و«قلنا احمل فيها من كل زوجين اثنين وأهلك إلا من سبق عليه القول ومن آمن وما آمن معه إلا قليل» .
لكن كم هم الذين امنوا معه ؟ «وما آمن معه إلا قليل» .
هذه الآية تشير من جهة إلى المرأة نوح وابنه كنعان ـ اللذين ستأتي قصتهما في الآيات المقبلة ـ وقد قطعا علاقتهما بنوح على أثر انحرافها وتآمرهما مع المجرمين ، فلم يكن لهما حق في ركوب السفينة ليكونا من الناجين ؛ لأن الشرط الأول للركوب كان هو الإيمان .
وتشير الآية من جهة أخرى إلى أن ثمرة جهاد نوح عليه السلام بعد هذه السنين الطوال والسعي الحثيث المتواصل في التبليغ لدعوته لم يكن سوى هذا النفر المؤمن القليل .
عواقب الامور من الكتاب والسنة 355

بعض الروايات تقول : إنه استجاب لنوح خلال هذه الفترة الطويلة ثمانون شخصاً فقط ، وتشير بعض الروايات الأخرى إلى عدد أقل من ذلك ، وهذا الأمر يدل على ما كان عليه هذا النبي العظيم ـ نوح عليه السلام ـ من الصبر والاستقامة في درجة قصوى ، بحيث كان معدل ما يبذله من جهد لهداية شخص واحد عشر سنوات تقريباً ، هذا التعب الذي لا يبذله الناس حتى لأولادهم .
جمع نوح عليه السلام ذويه وأصحابه المؤمنين بسرعة ، وحين أزف الوعد واقترف الطوفان وأوشك أن يحل عذاب الله أمرهم أن يركبوا في السفينة «وقال اركبوا فيها بسم الله مجراها ومرساها» ، لماذا ؟ يعلمهم أنه ينبغي أن تكونوا في جميع الحالات في ذكر الله تعالى وتستمدوا العون من اسمه وذكره «إن ربي لغفور رحيم» .
فبمقتضى رحمته جعل هذه السفينة تحت تصرفكم واختياركم لتنجيكم من الغرق ، وبمقتضة عفوه وغفرانه يتجاوز عن أخطائكم .
وأخيراً حانت اللحظة الحاسمة ، إذ صدر الأمر الإلهي فتلبدت السماء بالغيوم كأنها قطع الليل المظلم ، وتراكم بعضها على بعض بشكل لم يسبق له مثيل ، وتتابعت أصوات الرعد وومضات البرق في السماء كلها تخبر عن حادثة مهولة ومرعبة جداً .
شرع المطر وتوالى مسرعاً منهمراً أكثر فأكثر ، وكما يصفه القران في سورة القمر «ففتحنا أبواب السماء بماء منهمر * وفجرنا الأرض عيونا فالتقى الماء على أمر قد قدر» .
ومن جهة أخرى ارتفعت المياه الجوفية بصورة رهيبة بحيث تفجرت عيون الماء من كل مكان .
عواقب الامور من الكتاب والسنة 356

وهكذا اتصلت مياه الأرض بمياه السماء ، فلم يبق جبل ولا واد ولا تلعة ولا نجد إلا استوعبه الماء وصار بحراً محيطاً خضماً . . . أما الأمواج فكانت على أثر الرياح الشديدة تتلاطم وتغدو كالجبال ، وسفينة نوح ومن معه تمضي في هذا البحر وهي تجري بهم في موج كالجبال «ونادى نوح ابنه وكان في معزل يا بني اركب معنا ولا تكن مع الكافرين» فإن مصيرك إلى الفناء إذا لم تركب معنا .
لم يكن نوح ـ هذا النبي العظيم ـ أبا فحسب ، بل كان مربياً لا يعرف التعب والنصب ، ومتفائلاً بالأمل الكبير بحيث لم ييأس من ابنه القاسي القلب ، فناداه عسى أن يستجيب له ولكن ـ للأسف ـ كان أثر المحيط السيء عليه أكبر من تأثير قلب أبيه المتحرق عليه .
لذلك فإن هذا الولد اللجوج الأحمق ، وظناً منه أن ينجو من غضب الله أجاب والده نوحاً و«قال سآوى إلى جبل يعصمني من الماء» ، ولكن نوحاً لم ييأس مرة أخرى فنصحه أن يترك غروره ويركب معه و«قال لا عاصم اليوم من أمر الله» ولا ينجو من هذا الغرق إلا من شمله لطف الله «إلا من رحم» .
الجبل أمره سهل وهين ، وكرة الأرض أمرها هين كذلك . . . والشمس والمجموع الشمسية بما فيها من عظمة مذهلة لا تعدل ذرة إزاء قدرة الله الأزلية .
أليس أعلى الجبال بالنسبة لكرة الأرض بمثابة نتوءات صغيرة على سطح برتقالة ؟ ! أليست هذه الأرض التي ينبغي أن يتضاعف حجمها إلى مليون ومائتي ألف مرة حتى تبلغ حجم الشمس ، وهذه الشمس التي تعد نجماً متوسطاً في السماء من بين ملايين الملايين من النجوم في متسع عالم الخلق ، فأي خيال ساذج وفكر بليد يتوقع من الجبل أن يصنع شيئاً ؟
عواقب الامور من الكتاب والسنة 357


«وإذ فرقنا بكم البحر فأنجيناكم وأغرقنا آل فرعون وأنتم تنظرون» (1) .
«فكبوه فأنجيناه والذين معه في الفلك وأغرقنا الذين كذبوا بآياتنا إنهم كانوا قوماً عمين» (2) .
«فأرسلنا عليهم الطوفان والجراد والقمل والضفادع والدم آيات مفصلات فاستكبروا وكانوا قوماً مجرمين» (3) .
«فأنتقمنا منهم فأغرقناهم في اليم بأنهم كذبوا بآياتنا وكانوا عنها غافلين» (4) .
«كدأب آل فرعون والذين من قبلهم كذبوا بآيات ربهم فأهلكناهم بذنوبهم وأغرقنا آل فرعون وكل كانوا ظالمين» (5) .
وفي هذه الحالة التي كان ينادي نوح ابنه ولا يستجب الابن له ارتفعت موجة عظيمة والتهمت كنعان بن نوح وفصل الموج بين نوح وولده «وحال بينهما الموج فكان من المغرقين» . (الأمثل 6 : 532 ـ 536) .
(1) البقرة : 50 .
(2) الأعراف : 64 .
(3) الأعراف : 133 .
(4) الأعراف : 136 .
(5) الأنفال : 54 .
عواقب الامور من الكتاب والسنة 358


«فكذبوه فنجيناه ومن معه في الفلك وجعلناهم خلائف وأغرقنا الذين كذبوا بآياتنا فانظر كيف كان عاقبة المنذرين» (1)
«وجاوزنا ببني إسرائيل البحر فأتبعهم فرعون وجنوده بغيا وعدواً حتى إذا أدركه الغرق قال آمنت أنه لا إله إلا الذي آمنت به بنو إسرائيل وأنا من المسلمين» (2) .
«واصنع الفلك باعيننا ووحينا ولا تخاطبني في الذين ظلموا إنهم معرقون» (3) .
«فأراد أن يستفزهم من الأرض فأغرقناه ومن معه جميعاً» (4) .
«فأوحينا إليه أن اصنع الفلك بأعيننا ووحينا فإذا جاء أمرنا وفار التنور فاسلك فيها من كل زوجين اثنين وأهلك إلا من سبق عليه القول منهم ولا تخاطبني في الذين ظلموا إنهم مغرقون» (5) .
«وقوم نوح لما كذبوا الرسل أغرقناهم وجعلناهم للناس آية
(1) يونس : 73 .
(2) يونس : 90 .
(3) هود : 37 .
(4) الإسراء : 103 .
(5) المؤمنون : 27 .
عواقب الامور من الكتاب والسنة 359

واعتدنا للظالمين عذاباَ أليماً» (1) .
«ثم أغرقنا بعد الباقين» (2) .
«ولقد أرسلنا نوحاً إلى قومه فلبث فيهم ألف سنة إلا خمسين عاماً فأخذهم الطوفان وهم ظالمون» (3) .
«فكلاً أخذنا بذنبه فمنهم من أرسلنا عليه حاصباً ومنهم من أخذته الصيحة ومنهم من خسفنا به الأرض ومنهم من أغرقنا وما كان الله ليظلمهم ولكن كانوا أنفسهم يظلمون» (4) .
«فلما آسفونا انتقمنا منهم فأغرقناهم أجمعين» (5) .
«فأخذناه وجنوده فنبذناهم في اليم وهو مليم» (6) .
عن أبي الحسن عليه السلام ، قال : كان رجل من أصحاب موسى أبوه من أصحاب فرعون ، فلما لحقت خيل فرعون موسى تخلف عنهم ليعظ أباه فيلحقه بموسى ، فمضى أبوه وهو يراغمه حتى بلغا طرفاً من البحر فغرقا جميعاً ، فأتى موسى الخبر ، فقال : هو في رحمة الله ، ولكن النقمة إذا نزلت لم
(1) الفرقان : 37 .
(2) الشعراء : 120 .
(3) العنكبوت : 14 .
(4) العنكبوت : 40 .
(5) الزخرف : 55 .
(6) الذاريات : 40 .
عواقب الامور من الكتاب والسنة 360

يكن لها عمن قارب المذنب دفاع (1) .
عن إبراهيم الهمداني ، قال : قلت للرضا عليه السلام : لأي علة أغرق الله فرعون وقد آمن به وأقر بتوحيده ؟ قال : لأنه آمن به عند رؤية اليأس ، والإيمان عند رؤية اليأس غير مقبول ، وذلك كلم الله في السلف والخلف (2) .
في خبر المسيح عليه السلام أنه لما انتهى إلى البحر وقال : بسم الله ومشى على الماء ، قال : رجل من أصحابه قصير : بسم الله الرحمن الرحيم ، بصحة يقين منه ، فمشى على الماء ولحق عيسى عليه السلام ، فدخله العجب بنفسه ، فقال : هذا عيسى روح الله يمشي على الماء وأنا أمشي على الماء ، فما فضله علي ؟ فرمس في الماء ، فاستغاث بعيسى عليه السلام ، فتناوله من الماء فأخرجه وقال له : لقد وضعت نفسك في غير الموضع الذي وضعك الله فيه فمقتك الله على ما قلت ، فتب إلى الله عزوجل ، فتاب الرجل وعاد إلى مرتبته (3) .
وعن ابن عباس : إن الله يبعث في آخر الزمان خمسة أنواع من العذاب : أولها : حيات ذوات أجنحة ينزلن ويحملن المطففين من السوق ، والثاني : سيول تغرق الحالفين بالكذب ، والثالث : تخسف بقوم الأرض وهم الذين لا يبالون من أين يأخذون من الحرام أو الحلال ، والرابع : تجيء ريح فتحمل قوماً وتضربهم على الجبال فيصيرون رماداً وهم الذين يبيتون على لهوهم
(1) بحار الأنوار 13 : 127 ـ 128 .
(2) النور المبين في قصص الأنبياء : 274 .
(3) سفينة البحار 6 : 155 .
عواقب الامور من الكتاب والسنة 361

والخامس : تجيء نار فتحرق بعض أصحاب السوق وهم أكلة الربا (1) .
(1) مستدرك الوسائل 13 : 333 ، ح 19 .
عواقب الامور من الكتاب والسنة 362



القتل

«قتل أصحاب الأخدود» (1) .
«قتل الخراصون * الذين هم في غمرة ساهون» (2) .
«ألم يروا كم أهلكنا من قبلهم من قرن مكناهم في الأرض ما لم نمكن لكم وأرسلنا السماء عليهم مدراراً وجعلنا الأنهار تجري من تحتهم فأهلكناهم بذنوبهم وأنشأنا من بعدهم قرناً آخرين» (3) .
«ولقد أرسلنا إلى أمم من قبلك فأخذناهم بالبأساء والضراء لعلهم يتضرعون * فلو لا إذ جاءهم بأسنا تضرعوا ولكن قست قلوبهم وزين لهم الشيطان ما كانوا يعملون * فلما نسوا ما ذكروا به فتحنا عليهم أبواب كل شيء حتى إذا فرحوا بما أوتوا أخذناهم بغتة فإذا هم مبلسون» (4) .
«قل أرأيتكم إن أتاكم عذاب الله بغتة أو جهرة هل يهلك إلا لقوم الظالمون» (5) .
(1) البروج : 4 .
(2) الذاريت : 10 ـ 11 .
(3) الأنعام : 6 .
(4) الأنعام : 42 ـ 44 .
(5) الأنعام : 47 .
عواقب الامور من الكتاب والسنة 363


«وكم من قرية أهلكناها فجاءها بأسنا بياتاً أو هم قائلون» (1) .
«ثم بدلنا مكان السيئة الحسنة حتى عفوا وقالوا قد مس آباءنا الضراء والسراء فأخذناهم بغتة وهم لا يشعرون * ولو أن أهل القرى آمنوا واتقوا لفتحنا عليهم بركات من السماء والأرض ولكن كذبوا فأخذناهم بما كانوا يكسبون * أفأمن أهل القرى أن يأتيه بأسنا بياتاً وهم نائمون * أو أمن أهل القرى أن يأتيهم بأسنا ضحى وهم يلعبون» (2) .
«فلما نسوا ما ذكروا به أنجينا الذين ينهون عن السوء وأخذنا الذين ظلموا بعذاب بئيس بما كانوا يفسقون» (3) .
«كدأب آل فرعون والذين من قبلهم . . . كذبوا بآيات ربهم فأهلكناهم بذنوبهم وأغرقنا آل فرعون وكل كانوا ظالمين» (4) .
(1) الأعراف : 4 .
تذكير لهم بسنة الله الجارية في المشركين من الأمم الماضية اذ اتخذوا من دون الله أولياء فأهلكهم الله بعذاب أنزله إليهم أو نهاراً فاعترفوا بظلمهم . (الميزان 8 : 9) .
(2) الأعراف : 95 ـ 98 .
(3) الأعراف : 165 .
(4) الأنفال : 54 .
كرر التنظير السابق لمشابهة الفرض مع ما تقدم ، فقوله : «كدأب آل فرعون . . .» إلى آخرها السابق تنظير لقوله : «ذلك بما قدمت أيديكم وأن الله ليس بظلام للعبيد» كما أن قوله : «كدأب آل فرعون» ـ إلى قوله ـ «وكل كانوا ظالمين» .
عواقب الامور من الكتاب والسنة 364


«ولا تعجبك أموالهم وأولادهم إنما يريد الله أن يعذبهم بها في الدنيا وتزهق أنفسهم وهم كافرون» (1) .
«إنما مثل الحياة الدنيا كماء أنزلناه من السماء فاختلط به نبات الأرض مما يأكل الناس والأنعام حتى إذا أخذت الأرض زخرفها وازينت وظن أهلها أنهم قادرون عليها أتاها أمرنا ليلاً أو نهاراً فجعلناها حصيداً كان لم تغن بالأمس كذلك نفصل الآيات لقوم يتفكرون» (2) .
ثانيا تنظير لقوله : «ذلك بأن الله لم يك مغيراً نعمة» إلى أخره .
غير أن التنظير الثاني يشتمل على نوع من الالتفات في قوله : «فأهلكناهم بذنوبهم» وقد وقع بحذائه في التنظير الأول «فأخذهم الله بذنوبهم والله» من غير التفات ، ولعل الوهجه فيه أن التنظير الثاني لما كان مسبوقاً بإفادة أن الله هو المفيض بالنعم على عباده ولا يغيرها إلا عن تغييرهم ما بأنفسهم ـ وهذا شأن الرب بالنسبة إلى عبيده ـ اقتضى ذلك أن يعد هؤلاء عبيداً غير جارين على صراط عبودية ربهم ، ولذلك غير بعض سياق التظير فقال في الثاني : «كذبوا بآيات ربهم» ، وقد كان بحذائه في الأول قوله : «كفروا بآيات الله» ، ولذلك التفت ها هنا من الغيبة إلى التكلم مع الغير فقال : «فأهلكناهم بذنوبهم» للدلالة على أنه سبحانه هو ربهم وهو مهلكهم ، وقد أخذ المتكلم مع الغير للدلالة على عظمة الشأن وجلالة المقام وأن له وسائط يعملون بأمره ويجرون بمشيته . (الميزان 9 : 102) .
(1) التوبة : 85 .
(2) يونس : 24 .
عواقب الامور من الكتاب والسنة 365


«وما أهلكنا من قرية إلا ولها كتاب معلوم * ما تسبق من أمة أجلها وما يستأخرون» (1) .
«وإن من قرية إلا نحن مهلكوها قبل يوم القيامة أو معذبوها عذاباً شديداً كان ذلك في الكتاب مسطوراً» (2) .
«وتلك القرى أهلكناهم لما ظلموا وجعلنا لمهلكهم موعداً» (3) .
«وكم قصمنا من قرية كانت ظالمة وأنشأنا بعدها قوماً آخرين» (4) .
«فكذبوهما فكانوا من المهلكين» (5) .
«فكذبوه فأهلكناهم إن في ذلك لآية وما كان أكثرهم مؤمنين» (6) .
«فكلاً أخذنا بذنبه فمنهم من أرسلنا عليه حاصباً ومنهم من أخذته الصيحة ومنهم من خسفنا به الأرض ومنهم من أغرقنا وما كان الله ليظلمهم ولكن كانوا أنفسهم يظلمون» (7) .
(1) الحجر : 4 ـ 5 .
(2) الإسراء : 58 .
(3) الكهف : 59 .
(4) الأنبياء : 11 .
(5) المؤمنون : 48 .
(6) الشعراء : 139 .
(7) العنكبوت : 40 .
عواقب الامور من الكتاب والسنة 366


عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : ما نقض قوم العهد قط إلا كان القتل بينهم (1) .
عن علي عليه السلام : من سل سيف البغي قتل به (2) .
قال الإمام الباقر عليه السلام : من أظهر أمرنا أهرق الله دمه (3) .
عن حمران ، قال : قال أبو عبد الله عليه السلام : فيم يختلف الناس ؟ قلت : يزعمون أن الحجامة في يوم الثلاثاء اصلح . قال : والى ما يذهبون في ذلك ؟ قلت : يزعمون أنه يوم الدم . فقال : صدقوا فأحرى ألا يهيجوه في يومه ، أما علموا أن في يوم الثلاثاء ساعة من واقفها لم يرقأ دمه حتى يموت أو ما شاء الله (4) .
عن الصادق عليه السلام : إن أهل الري في الدنيا من المسكر يموتون عطاشى ، ويحشرون عطاشى ، ويدخلون النار عطاشى (5) .
قال أمير المؤمنين عليه السلام : بين يدي القائم موت أحمر وموت أبيض ، وجراد في حينه وجراد في غير حينه أحمر كالدم ، فأما الموت الأحمر فبالسيف ، وأما الموت الأبيض فالطاعون (6) .
من كلام لأمير المؤمنين عليه السلام قاله للحباب : يا حباب ، ستبنى إلى جنب
(1) المستدرك على الصحيحين 126 : 2 .
(2) نهج البلاغة (محمد عبده) : 4 : 81 رقم [349] .
(3) الشيعة في أحاديث الفريقين (الابطحي) : 363 .
(4) وسائل الشيعة 17 : 109 .
(5) بحار الأنوار 129 : 59 .
(6) غيبة الطوسي : 267 . بحار الأنوار 52 : 211 .
عواقب الامور من الكتاب والسنة 367

مسجدك هذا مدينة وتكثر الجبابرة فيها ويعظم البلاء حتى أنه يركب فيها كل ليلة جمعة سبعون ألف فرج حرام ، فإذا عظم بلاؤهم سدوا على مسجدك بقنطرة ، ثم وابنه مرتين ثم وابنه لا يهدمه إلا كافر ، فإذا فعلوا ذلك منعوا الحج ثلاث سنين واحترقت خضرهم وسلط الله عليهم رجلاً من أهل السفح لا يدخل بلداً إلا أهلكه وأهلك أهله (1) .
عن الإمام علي عليه السلام ، قال : كأني بك يا كوفة تمدين مد الأديم العكاظي ، تعركين بالنوازل وتركبين الزلازل ، وإني لأعلم أنه ما أراد بك جبار سوءاً إلا ابتلاه الله بشاغل ورماه بقاتل (2) .
عبد الملك بن أبي ذر ، قال : لقيني أمير المؤمنين عليه السلام يوم مزق عثمان المصاحف ، فقال : أدع لي أباك ، فجاء إليه مسرعاً ، فقال : يا أبا ذر ، أتى اليوم في الإسلام أمر عظيم ، مزق كتاب الله ، ووضع فيه الحديد ، وحق على الله أن يسلط الحديد على من مزق كتاب الله بالحديد (3) .
عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم : من سل سيف العدوان أغمد في رأسه (4) .
عن الرضا عليه السلام ، قال : كان المغيرة بن سعيد يكذب على أبي جعفر عليه السلام
(1) اليقين (ابن طاووس) : 422 ـ 423 .
(2) مستدرك الوسائل 10 : 203 ، ح 6 .
(3) مستدرك الوسائل 4 : 236 ، ح 2 .
(4) المواعظ العددية : 65 .
عواقب الامور من الكتاب والسنة 368

فأذاقه الله حر الحديد (1) .
قال أمير المؤمنين عليه السلام : . . . من أذاع سرنا أذاقه الله بأس الحديد (2) .
عن أبي عبد الله عليه السلام قال : من استفتح نهاره بإذاعة سرنا سلط الله عليه حر الحديد وضيق المجالس (3) .
(1) سفينة البحار 6 : 713 .
(2) الخصال : 636 .
(3) الكافي 2 : 373 ، ح 12 .

السابق السابق الفهرس التالي التالي